بني الإسلام على خمس

تاريخ النشر: 
الخميس, 25 رجب, 1436 - 21:30
تصنيف المحاضرة: 
الحديث

محاضرة صوتية

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان» هذه رواية الشيخين المتفق عليها، وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر- رضي الله عنهما- وهو الحديث نفسه ساقه بتمامه إلا أنه قدَّم الصيام على الحج فقال «صيام رمضان والحج» فقال رجل يا ابن عمر: الحج وصيام رمضان، فقال له: صيام رمضان والحج، فابن عمر كما في رواية الصحيحين قدَّم الحج، وفي رواية مسلم قدَّم الصيام، ورواية الصحيحين هي التي بنى عليها الإمام البخاري ترتيب كتابه فقدم الحج على الصيام، وعامة أهل العلم في ترتيب مؤلفاتهم الحديثية والفقهية قدموا الصيام على الحج، والأمر سهل والخطْب سهل، في الحديث في قوله -عليه الصلاة والسلام- «بُني الإسلام» فالإسلام بناء متكامل أعمدته وأركانه هذه الخمسة التي أولها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فهي الركن الأول من أركان الإسلام، ولا يصح الإسلام بدون النطق بالشهادتين، ولا يحكم بإسلام شخص حتى يقول لا إله إلا الله، ولا يُكَف عن قتله وقتاله إلا بشهادة أن لا إله إلا الله كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام- "أمرت أن أقاتل حتى يقولوا لا إله إلا الله" يعني حتى ينطقوا بالشهادتين؛ ولذا يقرر أهل العلم أنه لو أن إنسانا وقر الإيمان في قلبه وصدَّق بقلبه ولم ينطق بلسانه فإنه حينئذ لا يُحكَم بإسلامه بل يقاتَل حتى ينطق، ولا يصح أي عمل من الأعمال ما لم ينطق الإنسان بالشهادتين، فلا صلاة ولا تصح الصلاة إلا بعد النطق بالشهادتين، ولا تصح الزكاة ولا تقبل إلا بعد النطق بالشهادتين، وكذا سائر الأعمال لا بد من النطق بالشهادتين فهما الأصل، فالأصل شهادة أن لا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله- جل وعلا- والنفي هنا بلا إله قد يقول قائل أنه موجود آلهة تعبد من دون الله فكيف يصح النفي؟ النفي متجه إلى العبودية بحق، أما العبودية بالباطل وهي عبادة ما دون الله- جل وعلا- أو من سوى الله- جل وعلا- فهي وإن كانت موجودة إلا أنها في الحكم معدومة، تقدير الصحيح في كلمة التوحيد لا معبود بحق إلا الله، أما من يقدر المحذوف بقوله لا موجود فهو مخالف للواقع، يوجد من يُعبَد من دون الله لكن من يعبد بحق دون الله- جل وعلا-؟! لا يوجد، فلا معبود بحق إلا الله- جل وعلا- فهذه تنفي العبادة عن جميع من سوى الله- جل وعلا- فلا يتقرب إلى أحد كائنا من كان، لا ملك مقرب ولا لنبي مرسَل بأي عبادة مما اختص الله به منها لأحد كائنا من كان، وبعض من ينتسب إلى الإسلام تجده يردد هذه الكلمة وهو لا يعرف معناها ولا يعمل بمقتضاها، بل يعمل ما يناقضهان فتجده- نسأل الله السلامة والعافية- وهو يقول لا إله إلا الله يعبد غير الله، ويدعو غير الله، ويذبح لغير الله، ويطوف بغير بيت الله؛ ولذا الذي يعرف معنى لا إله إلا الله ويعبد الله على بصيرة هذا هو الموفَّق، من المشركين من يعرف معنى لا إله إلا الله؛ ولذلك امتنع من قولها، وهو بهذا أعرف بمعناه من كثير ممن ينتسب إلى الإسلام وهو يقولها بلسانها ويأتي بما يناقضها، وبئس من كانت حالته في أصل الأصول أضل وأجهل من أبي جهل ونظرائه وأقرانه، أبو جهل لما قيل لا إله إلا الله قال: أجعل الآلهة إلهًا واحدا؟! يعرف معناها أنها تنفي جميع المعبودات من دون الله- جل وعلا- وكثير ممن ينتسب إلى الإسلام ويقول لا إله إلا الله تجده يأتي بما يناقضها- نسأل الله السلامة والعافية- وهي لا تصح إلا بشروطها: نفي العبادة عن جميع من سوى الله- جل وعلا- وإثبات العبادة لله وحده، والتوحيد الذي هو الإقرار والإذعان بالعبودية لله وحده لا شريك له هو الهدف الأصلي والحقيقي الذي من أجله خُلِق الإنس والجن {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [سورة الذاريات:56] يعني ليوحدون، خلقوا لهدف عظيم وأمر جلل وهو تحقيق العبودية لله- جل وعلا- ويسخّر جميع ما يملكه الإنسان ويستطيع أن يفعله لخدمة هذا الهدف ويسخره لتحقيق هذا الهدف الذي من أجله خُلق، هذا الأصل وهذا الشق الأول من هذا الأصل وبعد ذلك الشق الثاني وأن محمدا رسول الله، ومقتضى هذه الشهادة بالرسالة لمحمد -عليه الصلاة والسلام- هو طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله ألا يخالف ولا يعصىن يطاع في جميع ما أمر به ونهى عنه تحقيقا لأمر الله- جل وعلا- {وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ} [سورة المائدة:92] هذا هو الركن الأول من أركان الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وهو الدعامة الأولى من هذه الدعائم الخمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والثاني: إقام الصلاة هذه هي الركن الثاني من أركان الإسلام، فلا حظ في الإسلام لمن لا صلاة له «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» «بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة» فجمع من أهل العلم يفتون بأن تارك الصلاة يكفر كفرًا أكبر مخرجًا عن الملة- نسأل الله السلامة والعافية- والتابعي الجليل يقول: ما رأينا أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- يرون شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة، فالصلاة أمرها عظيم، وشأنها وخطبها جسيم، ومع الأسف أن كثيرا ممن ينتسب إلى الإسلام يفرِّط بهذا الأمر العظيم الذي حكم جمع من أهل العلم بكفر تاركه، وكثر في العصور المتأخرة، وفي العصور الأولى لا يكاد يوجد مسلم ينتسب إلى الإسلام ويترك الصلاة حتى قال بعض علماء المغرب في القرن السابع قال: إن الخلاف في حكم تارك الصلاة خلاف نظري لفظي لا حقيقة له؛ لأنه يستبعد أن يوجد مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويترك الصلاة، كيف لو رأى المسلمين الذين ينطقون الشهادتين وينتسبون إلى الإسلام وواقعهم اليوم مع الصلاة، مع الأسف الشديد كثير من المسلمين يفرِّط بهذه الفريضة وهذه الشعيرة العظيمة التي هي الركن الثاني من أركان الإسلام، وجاء فيها من النصوص ما جاء من النصوص الصحيحة الصريحة «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» «بين العبد وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة» ثم بعد ذلك ينام على فراشه مرتاحًا ويأكل مبسوطا ويسمر كذلك وهو يترك الصلاة- نسأل الله العافية- لا شك أن هذا من أعظم الخذلان للإنسان وأعظم الخسارة في الدنيا والآخرة أن يترك الصلاة، ثم بعد ذلك الركن الثالث من أركان الإسلام إيتاء الزكاة، والزكاة ركن ركين من أركان الإسلام الجمهور على أن من تركها فهو على خطر عظيم؛ لأنها قرينة الصلاة في كثير من نصوص الكتاب والسنة، وقاتل الصديق- رضي الله عنه وأرضاه- مانعي الزكاة وأرغمهم على دفعها، وقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالا وفي رواية عناقا لقاتلتهم عليها يعني من الزكاة، فالزكاة أمرها خطير وحكم جمع من أهل العلم- كما هو رواية في مذهب أحمد وقول لأصحاب الإمام مالك- بكفر الممتنع من أداء الزكاة، أما بالنسبة للذي لا يقر ولا يعترف بوجوب الصلاة ولا بوجوب الزكاة فهذا كافر إجماعا، كافر بالإجماع لا يخالف في ذلك أحد لكن الخلاف فيما لو اعترف بوجوب الزكاة ثم امتنع من دفعها، الجمهور على أنه لا يكفر لكنه على خطر عظيم ويقاتَل وتؤخذ منه قهرا لكنه لا يحكم بكفره، والركن الرابع في رواية الصحيحين الحج، حج بيت الله الحرام وهو ركن ركين من  أركان الإسلام وقال بكفره من قال بكفر الممتنع من الزكاة، والجمهور على أنه على خطر عظيم وإن كان لا يكفر والنصوص والوعيد الشديد على من ترك الحج كما في قوله- جل وعلا- {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [سورة آل عمران:97] ومن كفر، وجاء في الآثار عن عمر وغيره أنه بعث إلى الأمصار أن ينظروا من كانت له جِدَة- يعني مال وقدرة واستطاعة- فلم يحجوا أن يضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين، فالأركان هذه شأنها عظيم وخطرها جليل جسيم، فعلى الإنسان أن يخشى الله ويتقيه ولا يلقى الله وقد فرط في ركن من أركان الإسلام، وأي بناء فقد منه ركن تهدم باقيه، البناء لا يقوم إلا على أركان إذا انهدم ركن منه وهو جانبه الأقوى تهدم باقيه؛ ولذا يختلف الأمر بين من ترك ركنا ومن ترك واجبا، الواجب وإن كان يأثم بتركه إلا أنه يبقى معه أصل الدين وأنه مسلم وأنه لا يخرج بذلك من الإسلام إلا على قول الخوارج والمعتزلة في مرتكب الكبيرة، المقصود أن الحج إلى بيت الله الحرام شأنه عظيم، والتفريط فيه لا شك أنه من أظهر أنواع الخذلان، وكذلك الخامس أو الرابع على اختلاف الروايات واختلاف أهل العلم في ترتيب كتبهم، الصيام صوم شهر رمضان ولا يجوز التفريط بيوم من أيامه، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بالامتناع عن المفطرات، والهدف من شرعية الصيام تحقيق التقوى كما في قوله- جل وعلا -{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [سورة البقرة:183] لأي شي؟ {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [سورة البقرة:21] والتقوى هي وصية الله- جل وعلا- للأولين والآخرين وعليها المدار، مدار الأعمال كلها إنما شُرِعَت من أجل تحقيق التقوى كما في قوله- جل وعلا- بالنسبة للصلاة {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} [سورة العنكبوت:45] يعني تحقق التقوى في قلب المسلم، فالصلاة تأمر وتنهى {يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} [سورة هود:87] {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} [سورة العنكبوت:45] لكن قد يقول قائل: إن كثيرا من المسلمين يصلون ومع ذلك لا يحققون التقوى التي هي فعل الأوامر واجتناب النواهي، فتجده يصلي ويفرط ببعض الواجبات، وتجده يصلي ويرتكب بعض المحرمات، كيف تحققت التقوى مع فعل المحظورات وترك المأمورات بأداء الصلوات؟ نقول نعم تحقق التقوى بأداء الصلاة لكن المراد بإقام الصلاة المراد به الإتيان بها على الوجه المأمور به «صلوا كما رأيتموني أصلي» أما الصلاة التي تؤدى بصورتها الظاهرة مع عدم تحقيق الإخلاص والمتابعة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهذه أثرها في النفس ضعيف؛ ولذا توجد معها المخالفات، يوجد معها ترك الأوامر ويوجد معها ارتكاب النواهي، ولا تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ لأن صاحبها لم يأتِ بها على الوجه المأمور به، الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر هي التي يتم فيها الاقتداء بالنبي -عليه الصلاة والسلام- امتثالا لقوله «صلوا كما رأيتموني أصلي» أما الصلوات التي يأتي بها الإنسان على العادة، ويدخل إلى المسجد ويخرج كما دخل، ما استفاد منها لا في علمه ولا في عمله ولا في قلبه ولا في خشوعه هذه أثرها ضعيف، والصلوات الخمس كفارات لما بينها، الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان والعمرة إلى العمرة كفارات لما بينها ما لم تغش كبيرة، ما اجتنبت الكبائر، فهل الصلاة التي يأتي بها الإنسان بصورتها الظاهرة ولا يستشعر منها شيئا في حقيقته وباطنه هل تكون بهذه المثابة، تنهاه عن الفحشاء والمنكر وتحقق له التقوى؟! واقع كثير من المسلمين يشهد بضد ذلك؛ لأنه لم يأت به على الوجه المأمور به، والصلاة التي تكفر الذنوب هي التي يؤتى بها على الوجه المأمور به، وبعض الناس يخرج من صلاته بأعظم أجرها، وبعضهم يخرج منها بنصف أجرها، وبعضهم يخرج منها بربع الأجر، وبعضهم يخرج منها بالعشر، وبعض الناس يخرج كما دخل، لكن مثل هذا إذا جاء بالصلاة بأركانها وواجباتها وشروطها قال العلماء إنها صحيحة، يعني أنها مسقطة للطلب فلا يؤمر بإعادتها، لكن الآثار المرتبة عليها من الأجور العظيمة وتكفير السيئات والنهي عن الفحشاء والمنكر لا يتحقق بذلك، وشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يقول الصلاة التي لا يخرج صاحبها منها إلا بعشرها هذه إن كفرت نفسها فبها ونعمت، هذه إن كفرت نفسها يكفي فكيف تكفر ما بينها وبين الصلاة الأخرى؟! نأتي إلى الزكاة الزكاة برهان على صدق إيمان صاحبها؛ لأن المال عزيز على النفوس فإذا أخرجه إنسان بعد أن تعب في كسبه دل على صدق إيمانه فهي برهان، والصيام كما قال- الله جل وعلا- {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [سورة البقرة:183] نقول في ذلك مثل ما قلنا في الصلاة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما ما لم تغش كبيرة، قد يقول قائل إن الإنسان يصم رمضان كاملا من الأول إلى الأخير، وتجده يصوم بالنهار ويزاول معاصي بالليل نقول هذا الصيام لم يقع على الوجه المأمور به ولم يتم فيه الإخلاص المطلوب ولا المتابعة للنبي -عليه الصلاة والسلام- وإلا لقاد صاحبه إلى التقوى؛ لأن هذا في كلام الله- جل وعلا- الذي لا خُلف في خبره {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [سورة البقرة:21] ولعل من الله واجبة، فمن ينشد التقوى على بأن يصلي صلاة تامة على الوجه الشرعي الذي جاء عن النبي -عليه الصلاة والسلام- ومن أراد صياما يحقق له التقوى الذي وعد به في قول الله- جل وعلا- {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [سورة البقرة:21] فليصم صياما كما جاء عن النبي -عليه الصلاة والسلام- فيحفظ صيامه، وكذلك من أراد الحج «فمن حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيومَ ولدته أمه » لكن ما الحج الذي يرجع به الإنسان كيوم ولدته أمه؟ أي ليس عليه خطيئة؟ هو الحج الذي يؤدى على هدي النبي -عليه الصلاة والسلام- امتثالا لقوله -عليه الصلاة والسلام- «خذوا عني مناسككم » والحج المبرور- كما يقرر أهل العلم- الذي لا يزاول فيه معصية ويرجع صاحبه منه بحال أفضل من حاله قبله، ونجد في كثير من المسلمين نية صالحة وحرص على الخير لكنه عوَّد نفسه في حال الرخاء على شيء من التفريط، تجده في سائر العام يقضي الأوقات بالقيل والقال، ثم يأتي إلى الحج ويقول أربعة أيام أو خمسة نضبط النفس فيها فلا نتكلم إلا بخير ولا نعمل إلا خير، لكنه إذا لم يتعرف على الله في الرخاء طول أيام حياته فإنه لن يستطيع أن يملك نفسه في هذه الأيام القليلة، فتجده لا بد أن يحصل منه شيء من الخلل؛ لأنه لم يتعرف على الله في الرخاء فلم يعرفه ربه في الشدة، وتجد الإنسان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان ويلزم المسجد، فإذا كان حاله قبل ذلك حال الصالحين المتقين الحافظين لجوارحهم تجده كذلك ويستفيد من اعتكافه فائدة عظيمة، لكن إذا كان في طول أيام حياته على شيء من التفريط كما قلنا في الحج، ثم اعتكف في العشر الأواخر تجد النفس تنازعه إلى ما كان يعمله قبلك ذلك، وتجد الاعتكاف أشق عليه من حمل الأثقال، ثم بعد ذلك في النهاية إذا أعلن عن الشهر عن خروج شهر رمضان ودخول شهر شوال خرج من المسجد بعد صلاة المغرب، لينظر إلى حاله إذا كان اعتكافه مؤديا للغرض ومحققا للهدف الذي من أجله شرع تجد حاله أفضل مما كان عليه قبل الاعتكاف، وإذا كان اعتكافه على شيء من الغفلة والخلل تجد الحال لا تتغير، فانظر إلى حاله قبل الاعتكاف إذا كانت تفوته صلاة العشاء فسوف تفوته صلاة العشاء ليلة العيد وهذا أمر مجرَّب، وخرج من الاعتكاف بعد صلاة المغرب ثم ذهب إلى أهله وانبسط وكأنه تخلص من حمل عظيم، ثم يؤذَّن لصلاة العشاء ويستمر على عادته في القيل والقال ثم يفوته شيء من صلاة العشاء على عادته؛ ولهذا يقال إنه لم يتحقق الأثر الكامل على هذا الاعتكاف، وهذا شيء مشاهَد يا إخوان ليس من فراغ، بل مشاهَد وشيء عانيناه من أنفسنا ومن حولنا، الإنسان إذا أدى العبادة على الوجه المشروع وعلى الوجه المأمور به تجده يتلذذ بها وينشط لها ويرتاح بها كما كان النبي -عليه الصلاة والسلام يقول- «أرحنا يا بلال بالصلاة» ومع الأسف حال كثير من الناس اليوم ولو لم ينطق بلسانه، بل بعضهم ينطق بلسانه، سُمِع من بعضهم، لكن كثير من الناس ولو لم ينطق بلسانه تجد لسان الحال يقول أرحنا من الصلاة، بدلا من أن يقول أرحنا بالصلاة لماذا؟ لأن حب هذه الشعيرة ما تغلغل في قلبه ولا صارت أحب إليه من كل شيء كما وُصِف الصحابة بذلك، يعني في الجهاد قال الأعداء بعضهم لبعض انتظروا حتى يدخلوا في صلاتهم فإنها أحب إليهم من أموالهم وأولادهم ثم أغيروا عليهم، هذا حال الصحابة، وهذا حال قدوتهم الرسول -عليه الصلاة والسلام- «أرحنا يا بلال بالصلاة» السلف كثير منهم صرَّح بأنه جاهَد في أول الأمر، جاهَد نفسه لقيام الليل وصيام الهواجر ثم بعد ذلك تلذذ به لذة لا يقدرها قدرها إلا من وقع فيها، تجد الإنسان يصرف الأوقات وينفق الأوقات الطويلة في السمر مع الأقران فيما لا ينفع وإذا ضاق عليه الوتر بحيث لم يبق إلا مدة يسيرة إما أن يوتر بركعة أو بثلاث ركعات لا يعقل منها شيئا لماذا؟ لأن هذا العمل وهذه العبادة ما دخلت إلى سويداء قلبه، ما صارت هي الهم الذي يرتاح به، بل هي الهم الذي يرتاح منه، شئنا أم أبينا هذا واقع كثير من المسلمين مع الأسف الشديد، ويتكلم الإنسان من معاناة ليس من فراغ، وإلا بعض الناس ينسى نفسه إذا صف في الصلاة وهذا وُجِد في السلف، ينسى نفسه حتى إنه بدلا من البنج الذي يستعمل في العمليات الجراحية يصف في الصلاة كما حصل لابن الزبير، ينسى نفسه ولا يشعر بما حوله، وبعضهم يسقط البيت وهو في صلاته فلا ينصرف منها، ووجد من مر على قدمه خيط رفيع جدا من ثوبه ففزع فزعا شديدا وقطع صلاة الفريضة وشتان بين الأمرين، شتان بين هذا وهذا، شتان بين مشرق ومغرب، لنراجع أنفسنا في عباداتنا وفي معاملاتنا مع ربنا- جل وعلا- لأنه لا تخفى عليه خافية {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [سورة الفجر:14] تجد الإنسان بعض من ينتسب طلاب العلم وغيرهم من عامة الناس إذا كان بين الملأ وبين الناس تجده يتخاشع ويتنسَّك وإذا خلا بنفسه وأراد أن يؤدي ركعتين تعودهما من الرواتب وما أشبه ذلك، تجده يؤدي صلاة لا يعقل منها شيئا والله المستعان.

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.