شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 23

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 23
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
الجمعة, 29 شعبان, 1438 - 22:30

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وآله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم إلى لقاء جديد في شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، المشهور بمختصر صحيح الإمام البخاري للإمام زين الدين أحمد بن أحمد بن عبد اللطيف الزبيدي، المتوفَّى سنة 893 للهجرة -رحمه الله-.

مع مطلع هذه الحلقة يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلًا ومرحبًا بكم فضيلة الدكتور.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: لا زلنا في كتاب الصوم في باب الحجامة والقيء للصائم في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد،

ما زلنا في عرض كلام الإمام ابن خزيمة، إمام الأئمة كما يلقبه شيخ الإسلام وغيره، خلافًا لمن طعن فيه من المبتدعة بسبب تأليفه كتاب التوحيد، بعض المبتدعة، ولا مانع من ذكره، يعني في تفسير الرازي طعن في ابن خزيمة في تفسير قوله -جل وعلا-: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [الشورى: 11]، طعن فيه؛ لأنه ألف كتاب التوحيد، والتوحيد فيه الإثبات، يقول: والأولى أن يسمى كتاب الشرك، نسأل الله العافية.

يقول الإمام ابن خزيمة: فَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْفِطْرَ مِمَّا يَدْخُلُ، وَلَيْسَ مِمَّا يَخْرُجُ، فَهَذَا جَهْلٌ وَإِغْفَالٌ مِنْ قَائِلِهِ، وَتَمْوِيهٌ عَلَى مَنْ لَا يُحْسِنُ الْعِلْمَ وَلَا يَفْهَمُ الْفِقْهَ.

يعني أجبنا عما يُتوهم أن هذا طعن، رد كلام ابن عباس، لا شك أن القول المرجوح يُفند ويرد بالأدلة الصحيحة، لكن مثل هذه الألفاظ ما يمكن أن تصدر عن ابن خزيمة في حبر الأمة وترجمان القرآن، فإما أن يكون يريد أن يرد على هذا العراقي بغض النظر عن ابن عباس، أو يكون ما بلغه كلام ابن عباس.

فَهَذَا جَهْلٌ وَإِغْفَالٌ مِنْ قَائِلِهِ، وَتَمْوِيهٌ عَلَى مَنْ لَا يُحْسِنُ الْعِلْمَ وَلَا يَفْهَمُ الْفِقْهَ، وَهَذَا الْقَوْلُ خِلَافُ دَلِيلِ كِتَابِ اللَّهِ وَخِلَافُ سُنَّةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَخِلَافُ قَوْلِ أَهْلِ الصَّلَاةِ مِنْ أَهْلِ اللَّهِ جَمِيعًا.

يعني المسلمين كلهم.

 إِذَا جُعِلَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا، وقَدْ دَلَّ اللَّهُ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ على أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ هِيَ الْجِمَاعُ فِي نَهَارِ الصِّيَامِ، وَالنَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ أَوْجَبَ عَلَى الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ عِتْقَ رَقَبَةٍ إِنْ وَجَدَهَا، أوَ صِيَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِنْ لَمْ يَجِدِ الرَّقَبَةَ، أَوْ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا إِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الصَّوْمَ، وَالْمُجَامِعُ لَا يُدخِل، أو لا يَدْخُلُ جَوْفهُ شَيْءٌ فِي الْجِمَاعِ، إِنَّمَا يُخْرِجُ مِنْهُ، وَالنَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ أَعْلَمَ الْمُسْتَقِيءَ عَامِدًا بفطره، أنه يفطره الِاسْتِقَاءُ عَلَى الْعَمْدِ، وَاتَّفَقَ أَهْلُ الصَّلَاةِ وَأَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِقَاءَ عمدًا يُفَطِّرُ الصَّائِمَ، وَلَوْ كَانَ الصَّائِمُ لَا يُفَطِّرُهُ إِلَّا مَا يَدْخُلُ جَوْفَهُ كَانَ الْجِمَاعُ وَالِاسْتِقَاءُ لَا يُفَطِّرَانِ الصَّائِمَ، كَانَ الْجِمَاعُ وَالِاسْتِقَاءُ لَا يُفَطِّرَانِ الصَّائِمَ.

ثم قال -رحمه الله تعالى-: وَجَاءَ بَعْضُ أَهْلِ الْجَهْلِ بِأُعْجُوبَةٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِنَّمَا قَالَ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ»؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا يَغْتَابَانِ، فَإِذَا قِيلَ لَهُ: فَالْغِيبَةُ تُفْطِرُ الصَّائِمَ؟ زَعَمَ أَنَّهَا لَا تُفْطِرُ الصَّائِمَ.

يعني مقتضى ذلك أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: أفطرا؛ لأنهما يغتابان، وأنا أقول: الغيبة لا تفطر الصائم، هذه مصادمة للنص.

فَإِذَا قِيلَ لَهُ: فَالْغِيبَةُ تُفْطِرُ الصَّائِمَ؟ زَعَمَ أَنَّهَا لَا تُفْطِرُ الصَّائِمَ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِنْدَكَ إِنَّمَا قَالَ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ»؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا يَغْتَابَانِ، وَالْغِيبَةُ عِنْدَكَ لَا تُفَطِّرُ الصَّائِمَ، فَهَلْ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، يَزْعُمُ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَعْلَمَ أُمَّتَهُ، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعلم أمته أَنَّ الْمُغْتَابَيْنِ مُفْطِرَانِ، وَيَقُولُ هُوَ: بَلْ هُمَا صَائِمَانِ غَيْرُ مُفْطِرَيْنِ، فَخَالَفَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الَّذِي أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ طَاعَتَهُ وَاتِّبَاعَهُ، وَوَعَدَ بالْهُدَى عَلَى اتِّبَاعِهِ، وَأَوْعَدَ عَلَى مُخَالفتِه، وَنَفَى الْإِيمَانَ عَمَّنْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ حَرَجًا مِنْ حُكْمِهِ، فَقَالَ: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65].

هذا الكلام من يستحقه؟ يعني شخص اجتهد وأداه اجتهاده من أجل التوفيق بين النصوص المختلفة إلى مثل هذا، والعلماء يرتكبون لدفع التعارض ما هو أقل من هذا، لا يستحق مثل هذا الكلام إلا إذا عُرف منه سوء نية، ورد للسنن بأدنى سبب، إذا عرف عنه مصادمة ما جاء عن الله وعن رسوله يستحق مثل هذا الكلام، لكن إذا ارتكب مثل هذا الكلام من أجل رفع التعارض ودفع التعارض بين النصوص بغض النظر عن كونه أخطأ أو أصاب، والهدف، بل هدفه نصر الحق وبيان الحق، فمثل هذا لا يستحق مثل هذا الكلام، فغفر الله للجميع.

يقول: وَنَفَى الْإِيمَانَ عَمَّنْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ حَرَجًا مِنْ حُكْمِهِ، فَقَالَ: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65] الْآيَةَ، وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ -جَلَّ وَعَلَا- لِأَحَدٍ خَيْرَةً فِيمَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَقَالَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، وَالْمُحْتَجُّ بِهَذَا الْخَبَرِ إِنَّمَا صَرَّحَ بِمُخَالَفَةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من عِنْدَ نَفْسِهِ بِلَا شُبْهَةٍ وَلَا تَأْوِيلٍ يَحْتَمِلُه الْخَبَر الَّذِي ذَكَرَهُ، إِذْا زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِنَّمَا قَالَ: لِلْحَاجِمِ وَالْمَحْجُومِ مُفْطِرَانِ لِعِلَّةِ غِيبَتِهِمَا، ثُمَّ هُوَ زَعَمَ أَنَّ الْغِيبَةَ لَا تُفَطِّرُ، فَقَدْ جَرَّدَ مُخَالَفَةَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِلَا شُبْهَةٍ وَلَا تَأْوِيلٍ.

يعني إذا حكم بأن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: إنهما أفطرا بسبب الغيبة، الغيبة، وأنا أقول: لا يفطران؟

المقدم: صادم النص.

صادم النص، وهو يقول: لا يفطران، صادم النص، لكن إذا كان يحمل الفطر في الحديث على غير ما يحمله عليه ابن خزيمة.

المقدم: ما يكون مصادمًا للنص.

ما صار مصادمًا، فالعبادة نفيها يتجه إلى نفي حقيقتها وذاتها، ويتجه إلى نفي حقيقتها اللغوية والعرفية، فإذا قال: ما صليت مثلًا، وهو بالفعل ما صلى، نسي الصلاة، وما صلى، نفى حقيقة الصلاة اللغوية والعرفية، وإذا قال: ما صليت باعتبار أنه صلى صلاة غير مجزئة باطلة.

المقدم: «ارجع فصل».

«ارجع فصل فإنك» هذا نفي للحقيقة الشرعية.

وقد يُنفى الثواب المرتب على العبادة، يعني تصح العبادة وتُنفى باعتبار أنه لا ثواب عليها، وهذا في النصوص التي جاء فيها نفي القبول، فيُنفى الثواب المترتب عليها؛ كما هنا، فإذا قيل: إنهما أفطرا، فهما في حكم المفطر، لماذا؟

المقدم: لعدم الثواب.

لعدم ترتب الثواب عليها، فوجوده مثل عدمه لا سيما إذا قلنا: إن الصيام في مثل هذا، في حديث شداد بن أوس الذي يغلب على الظن أنه نفل أم فرض؟ هو في رمضان.

المقدم: «أفطر الحاجم والمحجوم»؟

نعم.

المقدم: يكون في يوم ثمانٍ وعشرين.

الثامن عشر.

المقدم: الثامن عشر؟

نعم، في رمضان، فالذي يغلب على الظن أنه فرض، وهنا نُفي الأجر المرتب، المرتب عليه، لكن لا يعني أنه فُطر بمعنى أنه لا يسقط الطلب، يؤمر بإعادته، لا، هذا على قول من يقول بهذا.

كلام ابن حزم في المحلى يقول: ولا ينقض الصوم حجامة.

يعني بعد كلام ابن خزيمة، نحن نستعرض ما قاله أهل العلم في الحديثين من أجل ماذا؟ أن تتضح الرؤية، وتبين المعالم؛ لأن القول بأن الحجامة تفطر، والحديث في البخاري مشكل؛ الحديث مشكل؛ لأن هذا قد يفهم منه بعض من يسمع ما في البخاري ما يمكن رده، وعلى كل حال؛ إذا، إذا جمعنا كلام أهل العلم وما يحتف بالخبر، مما يحتف بالخبرين اتضحت الرؤية والنتيجة النهائية.

ابن حزم في المحلى يقول: ولا ينقض الصوم حجامة، ثم قال: صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من طريق ثوبان، وشداد بن أوس، ومعقل بن سنان، وأبي هريرة، ورافع بن خديج، وغيرهم.

جمع من الصحابة، ثوبان، وشداد بن أوس، ومعقل بن سنان، وأبي هريرة، ورافع بن خديج، وغيرهم، خمسة وزيادة.

أنه قال: «أفطر الحاجم والمحجوم»، فوجب الأخذ به، إلا أن يصح نسخه، وقد ظن قوم أن الرواية عن ابن عباس: احتجم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ناسخة للخبر المذكور، وظنهم في ذلك باطل.

الآن لما نأتي بهذه الأقوال لنرى مسالك أهل العلم في التعامل مع هذه النصوص المختلفة، عرفنا رأي الشافعي أنه ناسخ ومنسوخ، وعرفنا من يتأول خبر حديث شداد.

المقدم: مثل مالك.

على الضعف، وهذا مروي عن جمع من السلف، أو على أنهما كانا يغتابان الناس، وهذا سمعنا رده من كلام ابن خزيمة، الآن ابن حزم يرى أن الحجامة لا تبطل الصوم، وأن الحديث صحيح، وأن خبر ابن عباس ليس ناسخًا له، هذا مسلك؟

المقدم: ثالث.

ثالث أو رابع.

المقدم: أو رابع، نعم.

نعم.

وقد ظن قوم أن الرواية عن ابن عباس: احتجم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ناسخة للخبر المذكور، وظنهم في ذلك باطل؛ لأنه قد يحتجم -عليه الصلاة والسلام- وهو مسافر فيفطر، وذلك مباح، أو في صيام تطوع فيفطر، وذلك مباح.

يعني نظير كلام ابن خزيمة.                                     

وأيضًا فليس في خبر ابن عباس أن ذلك كان بعد إخباره -عليه الصلاة والسلام- أنه: «أفطر الحاجم والمحجوم».

يعني ما فيه تنصيص، لو نظرت في البخاري، ما فيه، ما فيه تنصيص على الوقت.

المقدم: لكنه محرم من حج.

نعم؟

المقدم: لكن نحن ذكرنا أنه فيه طرقًا، روايات، تدل على أنه كان محرمًا.

في بعض الطرق أنه في حجة الوداع، لكنه كونه محرمًا، كونه صائمًا، لا يلزم أن يكون في حجة الوداع إلا الرواية التي فيها بيان.

المقدم: التنصيص على هذا.

نعم، لكن يقول: وقد ظن قوم أن الرواية عن ابن عباس: احتجم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ناسخة للخبر المذكور، وظنهم في ذلك باطل؛ لأنه قد يحتجم -عليه السلام- وهو مسافر فيفطر، وذلك مباح، أو في صيام تطوع فيفطر، وذلك مباح، وأيضًا فليس في خبر ابن عباس أن ذلك كان بعد إخباره -عليه السلام- أنه: «أفطر الحاجم والمحجوم»، ولا يُترك متيقن لظن كاذب؟ وأيضًا: فلو صح أن خبر ابن عباس بعد خبر من ذكرنا لما كان فيه إلا نسخ إفطار المحجوم لا الحاجم؛ لأنه قد يحجمه -عليه الصلاة والسلام- غلام لم يحتلم؟

واضح أم ليس بواضح؟

المقدم: بلى، بلى.

وما وجه كلام ابن عباس؟

وأيضًا: فلو صح أن خبر ابن عباس بعد خبر من ذكرنا لما فيه إلا نسخ إفطار المحجوم لا الحاجم؛ لأنه قد يحجمه -عليه الصلاة والسلام- غلام لم يحتلم؟

الذي حجم النبي -عليه الصلاة والسلام- غلام.

المقدم: هو يقول: قد يكون.

هو معروف غلام من الأنصار، لكن هل معنى غلام أنه صغير أو مولى؟

المقدم: ممكن أن يكون مولى، وفي الغالب الحجامة لا يتقنها إلا الكبار يا شيخ.

إذن؛ كلامه فيه ما فيه.

المقدم: صحيح.

يقول: ثم ذكر ابن حزم بإسناده حديث أبي سعيد الخدري: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أرخص في الحجامة للصائم، أرخص في الحجامة للصائم، وصححه، وزعم أنه ناسخ للخبر الأول.

يعني رجع كلامه إلى كلام الشافعي، لكن الشافعي يرى أن حديث شداد منسوخ بخبر ابن عباس، وابن حزم يرى أنه منسوخ بخبر أبي سعيد، الرخصة تدل على المنع قبلها.

أرخص في الحجامة للصائم، وصححه ابن حزم، وزعم أنه ناسخ للخبر الأول.

قال ابن حجر: والحديث الذي ذكره أخرجه النسائي، وابن خزيمة، والدارقطني، ورجاله ثقات، ولكن اختلف في رفعه ووقفه، وله شاهد من حديث أنس أخرجه الدارقطني، ورواته كلهم من رجال البخاري إلا أن في متنه ما يُنكر.

هناك مسلك خامس وهو تضعيف حديث ابن عباس.

المقدم: في البخاري؟

في البخاري، نسمع كلام ابن القيم -رحمه الله-، أولًا الحديث تفرد به البخاري، ما خرجه مسلم، ويقولون: أعرض عنه، كونه لم يخرجه يقدح فيما يخرجه البخاري؟

المقدم: أبدًا.

في زاد المعاد يقول ابن القيم: ولا يصح عنه -يعني النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه احتجم وهو صائم، وقد رواه البخاري في صحيحه قال.

ولا يصح وقد رواه البخاري؟! هذه...

المقدم: خطيرة.

مشكلة.

المقدم: نعم والله.

لأن الكتاب تلقته الأمة بالقبول.

وقد رواه البخاري في صحيحه قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: قال شعبة: لم يسمع الحكم حديث مقسم في الحجامة في الصيام، يعني حديث سعيد، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجم وهو صائم ومحرم.

 قال مهنا: وسألت أحمد عن حديث حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، أن النبي- صلى الله عليه وسلم- احتجم وهو صائم محرم، فقال: ليس بصحيح، قد أنكره يحيى بن سعيد الأنصاري، إنما كانت أحاديث ميمون بن مهران عن ابن عباس نحو خمسة عشر حديثًا.

قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله ذكر هذا الحديث فضعفه، وقال مهنا: سألت أحمد عن حديث قبيصة، عن سفيان، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: احتجم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صائمًا محرمًا، فقال: هو خطأ من قبل قبيصة، وسألت يحيى عن قبيصة بن عقبة، فقال: رجل صدوق، والحديث الذي يحدث به عن سفيان، عن سعيد بن جبير خطأ من قبله، إلى آخر كلامه، ومفاده النقل عن أحمد تضعيف رواية: احتجم وهو صائم.

وكما سبق أن الإمام مسلم أخرج الحديث دون هذه الجملة، ومال شيخ الإسلام ابن تيمية.

المقدم: أخرجه مسلم، أخرج حديث؟

حديث ابن عباس: احتجم وهو محرم.. بدون: وهو صائم.

ومال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إلى ذلك.

لكن الحديث في البخاري، وعلى هذا؛ فلا كلام، والأمة قد تلقته بالقبول، وذكرنا في مناسبات كثيرة..، لأنه قد يقول مثلًا: ابن القيم اعتمد على تضعيف الإمام أحمد، والإمام أحمد ند للإمام البخاري، وهذه مسألة ينبغي أن يتنبه لها.

المقدم: ولا بد أن نوضح أنه ند أيضًا، لا يفهمها المستمع؟

كيف يعني؟ يعني إن لم يكن فوق الإمام البخاري، فليس دونه، نظير الإمام البخاري، فإذا ضعف، والبخاري صحح، أو البخاري، العكس يعني، وقل مثل هذا في الأئمة كلهم الذين عرفوا بالإمامة، والحفظ، والضبط، والإتقان، والإصابة الغالبة، الإمام أحمد حينما ضعف مثل هذه الزيادة، والإمام مسلم أعرض عنها، وشيخ الإسلام رجح عدم ثبوتها، وابن القيم استروح هذا ومال إليه، بل جزم به اعتمادًا على أن الإمام أحمد ضعف، تضعيف الإمام أحمد متى يقابل بتصحيح البخاري؟ نعم، الإمام أحمد جبل يضاهي إن لم يفق الإمام البخاري، لكن البخاري في صحيحه الذي تلقته الأمة بالقبول له شأن آخر، فنحن نعارض كلام الإمام أحمد بكلام البخاري خارج الصحيح، يعني إذا نقل عن الإمام أحمد تصحيح، وعن الإمام البخاري تضعيف، أو العكس.

المقدم: نقبل قول الإمام أحمد.

ننظر، ننظر، لا، ننظر، نرجح، نأتي بالمرجحات؛ لأننا حيال إمامين كفرسي رهان، لكن إذا كان تصحيح الإمام البخاري في صحيحه، وتلقته الأمة بالقبول، هذا مرجح لا يعدله شيء من المرجحات، حتى اكتسب القطعية من هذا القبول عند أهل العلم.

يعني مثل ما يقال: الحنابلة لا يرفعون أيديهم بعد الركعتين، وهي في البخاري من حديث ابن عمر، قالوا: لأن الإمام البخاري يرى أنه موقوف على ابن عمر وليس بمرفوع، والبخاري خرجه مرفوعًا من حديث ابن عمر، فالإمام أحمد ما يرى وأتباعه لا يرون، فالإمام البخاري ند للإمام أحمد، يعني نظير له، فحينئذ نطلب مرجحًا، إذا كان الخبر في الصحيح فلا نحتاج إلى مرجح، ترجح..، المرجح تلقي الأمة للخبر بالقبول، فالخبر لا إشكال في صحته.

يقول ابن حجر: والحديث صحيح لا مرية فيه. قال ابن عبد البر وغيره: فيه دليل على أن حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم» منسوخ، وذكر كلامًا، نحو كلام الشافعي -رحمه الله-.

الآن بعد استعراض الأئمة، أقوال الأئمة فيما يحتف بالخبرين من القول بالنسخ؛ كقول الشافعي ومن معه، أو القول بأن الحجامة تؤول إلى الفطر؛ لأنها مضعفة، أو نقول: إنه أفطر بها، كان صائمًا فأفطر بها، وإطلاق الصوم عليه باعتبار ما كان، أو القول الأخير: وهو تضعيف؟

المقدم: زيادة.

الزيادة: وهو صائم، هذه، بعد هذا كله ماذا قال الأئمة فيما يترتب على الخبرين المتعارضين، وإن شئت فقل: الأخبار؛ لأن «أفطر الحاجم والمحجوم» عن عدة من الصحابة.

عندنا في الترجمة ماذا يقول الإمام البخاري؟

المقدم: باب الحجامة والقيء للصائم.

نعم، في فتح الباري يقول: قد اختلف السلف في المسألتين القيء والحجامة اللتين ترجم بهما الإمام البخاري فقال -رحمه الله-: أما القيء فذهب الجمهور إلى التفرقة بين من سبقه فلا يفطر.

من سبقه القيء لا يفطر.

وبين من تعمده فيفطر، ونقل ابن المنذر الإجماع على بطلان الصوم بتعمد القيء، لكن نقل ابن بطال عن ابن عباس وابن مسعود لا يفطر مطلقًا، وهي إحدى الروايتين عن مالك، واستدل الأبهري بإسقاط القضاء عمن تقيأ عمدًا بأنه لا كفارة عليه على الأصح عندهم، فلو وجب القضاء لوجبت الكفارة، وعكس بعضهم فقال: هذا يدل على عدم، على اختصاص الكفارة بالجماع دون غيره من المفطرات.

لأن القيء يفطر وليس فيه كفارة، فدل على أن الكفارة مختصة بالجماع، وهذا قول الجمهور على ما تقدم.

وارتكب عطاء والأوزاعي وأبو ثور فقالوا: يقضي ويكفر.

يعني ارتكبا تحميله الأمرين معًا.

ونقل ابن المنذر أيضًا الإجماع على ترك القضاء على من ذرعه القيء ولم يتعمده إلا في إحدى الروايتين عن الحسن.

هذا ما يتعلق بالقيء، المرجح أن من تعمد القيء يفطر، بخلاف من ذرعه القيء.

وأما الحجامة فالجمهور أيضًا على عدم الفطر بها، وأما الحجامة فالجمهور على عدم الفطر بها مطلقًا، وعن علي وعطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور: يفطر الحاجم والمحجوم.

عن جمع.

عن علي وعطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور: يفطر الحاجم والمحجوم، وأوجبوا عليهما القضاء، وشذ عطاء فأوجب الكفارة أيضًا، وبه يقول أحمد، ومن الشافعية الذين خالفوا إمامهم ابن خزيمة وابن المنذر وأبو الوليد النيسابوري وابن حبان، ونقل الترمذي عن الزعفراني أن الشافعي علق القول على صحة الحديث بذلك، على صحة الحديث، وبذلك قال الداودي من المالكية.

قال: إن صح الخبر، يعني أيش؟ يعني حديث: «أفطر الحاجم»، إن صح هذا الخبر قال به الإمام الشافعي، وكثيرًا ما يقول هذا، ولابن السبكي رسالة في قول المطلبي: إذا صح الحديث فهو مذهبي، مطبوعة، علق القول بصحة الخبر في مسائل منها هذه، وقد صح الخبر، فمقتضى قول الشافعي أنهم يقولون بفطره تبعًا لقول إمامهم.

المقدم: طيب يا شيخنا نعلق مسألة على أن نتحدث عنها -بإذن الله- في الحلقة القادمة، هناك من قال بأن الزيادة: احتجم وهو صائم، لا تصح، ومع ذلك قال: بأن الحجامة لا تفطر، ما مستنده في مثل هذه القضية؟ هل مستنده أن...

مثل من؟

المقدم: يعني ألم يروَ عن الإمام أحمد أنه قال بأنها لا تفطر؟

لكن المعتبر، المعتمد عنده والذي هو قوله، يعني مذهبه أنها تفطر.

المقدم: لكن القول الآخر رواية فقط في المذهب؟

القول الآخر رواية، وعمدتها الحديث الصحيح، قد يستروح أحيانًا إلى رجحان خبر، وقد يتورع أحيانًا فيفتي بالأحوط.

المقدم: وعلى هذا يكون رأي ابن تيمية، ورأي ابن القيم -رحمهما الله- بأنها تفطر؟

نعم، سيأتي بيانها -إن شاء الله-.

المقدم: أحسن الله إليكم ونفع بعلمكم، أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة من شرح كتاب الصوم في كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، لقاؤنا يتجدد بكم -بإذن الله- في حلقة قادمة، وأنتم على خير، شكرًا لطيب متابعتكم.

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.