شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 13

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 13
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
الجمعة, 29 شعبان, 1438 - 22:30

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم إلى حلقةٍ جديدة في برنامجكم شرح كتاب الصوم من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

مع بداية هذه الحلقة يسعدنا أن يكون معنا صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، والذي يتولى شرح أحاديث هذا الكتاب، فأهلًا بكم فضيلة الدكتور.   

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: لازلنا في باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيءٌ فتُصدِّق عليه فليُكفِّر، من حديث أبي هريرة، توقفنا عند قوله: لما قال النبي –صلى الله عليه وسلم– قال: «مالك؟». قال: وقعت على امرأتي.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقوله: قال: «مالَك؟» بفتح اللام استفهامٌ عن حاله. وفي رواية عُقيل: «ويحك ما شأنك؟». وفي روايةٍ: «ما الذي أهلكك؟». وفي أخرى: «وما ذاك؟». وفي روايةٍ: «ويحك ما صنعت؟». وفي روايةٍ: «ويلك؟» يعني بدل ويحك.

يقول ابن حجر: ويحك أرجح، أرجح يعني: من حيث الرواية، وهي اللائقة بالمقام يعني: من حيث المعنى، فإن ويح كلمة رحمة، وويل كلمة عذاب، والمقام يقتضي الأول؛ لأن الهالك يُرحم.

المقدم: الويح كلمة رحمة يا شيخ.

نعم، فإن ويح كلمة رحمة، وويل كلمة عذاب، والمقام يقتضي الأول، لكن قوله: "هلكت" الهالك يُرحم، لكن إذا كان سبب هلاكه تفريطه مثلًا، وأنه وقع في هذا الأمر عن عمد كما فهِم الأكثر من قوله: "هلكت"، ألا يناسب أن يقال: ويلك؟

ترجيح "ويح" من حيث الرواية لا إشكال فيه، لكن الترجيح من حيث المعنى، يقول ابن حجر: وهي اللائقة بالمقام؛ فإن ويح كلمة رحمة، وويل كلمة عذاب، والمقام يقتضي الأول.

هل المقام وهو كونه وقع على امرأته في نهار رمضان عن عمد.

المقدم: يقتضي الرحمة؟

لأن قوله: هلكت يُفهم منه أنه كان متعمدًا، هل هذا المقام يقتضي الرحمة أو يقتضي العذاب؟ الذي يظهر أن "ويل" في هذا المقام أظهر.

المقدم: لكن ما يمكن أن يُتصور أولًا: أن النبي– صلى الله عليه وسلم– يعني معروف برحمته للعالمين، ولم يكن الأعرابي بالكفارة فبالتالي.

لا، هو يعلم التحريم، ووقع فيه عن عمد؛ لأنه يقول: هلكت، احترقت.

المقدم: لكن ما يعلم الكفارة فيقتضي الرحمة به أيضًا.

نقول: كونها هي اللائقة يرِد عليه مثل ما قلت، أنه جاء جُرمًا عظيمًا عن عمد فيقتضي أن يقال ويلك. والنبي– عليه الصلاة والسلام– قد يطلق مثل هذا الكلام ولا يريد معناه، والنبي– عليه الصلاة والسلام– كما أنه رحمة للعالمين ومبشر هو أيضًا منذر، نذير– عليه الصلاة والسلام–.

قال: وقعت على امرأتي. وفي رواية: أصبت أهلي. وفي حديث عائشة: وطئت امرأتي وأنا صائم، هذه الجملة وقعت حالًا من الضمير الذي في "وقعت"، وقعت على امرأتي حال كوني صائمًا، قاله العيني.

وقال ابن حجر: يؤخذ منه أنه لا يشترط في إطلاق اسم المشتق بقاء المعنى المشتق منه حقيقةً.

ننتبه لهذا: يؤخذ منه أنه لا يشترط في إطلاق اسم المشتق– صائم–  بقاء المعنى المشتق منه وهو الصوم لاستحالة كونه صائمًا مجامعًا في حالةٍ واحدة. فعلى هذا قوله: وطئت أي: شرعت في الوطء، أو أراد: جامعت بعد إذ أنا صائم.

لكن لا يمنع أن يُطلق المشتق باعتبار ما كان، فهو صائمٌ باعتبار ما كان، وإلا بمجرد شروعه في الوطء أفطر.

فقال رسول الله– صلى الله عليه وسلم–: «هل تجد رقبة تعتقها؟». وفي رواية: «أتجد ما تُحرر رقبة؟». وفي رواية: «أتستطيع أن تعتق رقبة؟». وفي رواية: «أعتق رقبة». وزاد في رواية: «بئس ما صنعت، أعتق رقبة؟».

وفي حديث ابن عمر– رضي الله عنهما– عند الطبراني في "الكبير": جاء رجلٌ إلى النبي– صلى الله عليه وسلم– فقال: إني أفطرت يومًا من رمضان. فقال: «من غير عذرٍ ولا سقم؟». قال: نعم. قال: «بئس ما صنعت». قال: أجل، ما تأمرني؟ قال: «أعتق رقبة». والرقبة كما في "التهذيب" تهذيب اللغة.

يعني: لو قلنا كما في التهذيب، هذه تنصرف إلى ماذا؟

المقدم: إذا قلنا التهذيب فقط لـ"الرجال" ابن حجر.

الرجال، نحن ننقل كلمة لغوية.

المقدم: لغوية تصير.

إذا قلنا: والرقبة كما في "التهذيب" نقلًا عن الليث مؤخر أصل العنق، هل تنصرف إلى تهذيب التهذيب، إلى تهذيب الآثار، تهذيب الأسماء واللغات؟

المقدم: أبدًا، على طول الليث اللغوي.

ممكن أن ينصرف إلى تهذيب الأسماء واللغات للنووي؛ لأن فيه قسمًا خاصًّا باللغات، لكن إذا قلنا تهذيب اللغة، وإذا أُطلق التهذيب على العموم والمسألة لغوية ينصرف إلى الأزهري في تهذيبه.

المقدم: والليث المقصود به ابن المظفر.

نعم.

والرقبة كما في تهذيب اللغة نقلًا عن الليث: مؤخَر أصل العنق، والأرقب والرقبان: الغليظ الرقبة، يقال: أرقب، فلان أرقب يعني: غليظ الرقبة، أو يقال له: رقباني. الغليظ الرقبة، قال الله تعالى في آية الصدقات: {وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ} [التوبة:60]. قال المفسرون: ولا يُبتدئ منه مملوكٌ فيُعتق.

كيف قال المفسرون: ولا يُبتدئ؟ هذا في تهذيب اللغة، {وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ}. قال المفسرون: ولا يُبتدئ منه مملوكٌ فيُعتق، كيف؟ يعني ما تأتي إلى مملوك ابتداءً عند صاحبه، عند سيده فتُعتق من الزكاة، إنما المملوك الذي كاتب سيده ولزمته قيمة رقبته بالمكاتبة يعتق من الزكاة. 

وقال الليث: يقال: أعتق الله رقبته، ولا يقال: أعتق الله عنقه.

في أحد يقول: أعتق الله عنقه؟ ما يقال به.

وفي "المفردات" للراغب، الراغب الأصفهاني "المفردات في غريب القرآن": الرقبة اسمٌ للعضو المعروف، ثم يُعبر لها عن الجملة، وجُعل في التعارف اسمًا للمماليك، كما عُبِّر بالرأس وبالظهر عن المركوب، فقيل: فلانٌ يربط كذا رأسًا، وكذا ظهرًا، «من كان له فضل ظهر».

المقدم: «فليعد به على من لا ظهر له».

قال الله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء:92]، وقال: {وَفِي الرِّقَابِ} أي: المكاتبين منهم فهم الذين تُصرف إليهم الزكاة.

«هل تجد رقبة؟». قال: لا. وفي روايةٍ: فقال: لا والله يا رسول الله. وفي رواية: ليس عندي. وفي حديث ابن عمر فقال: والذي بعثك بالحق ما ملكت رقبةً قط.

مر بنا أنه ضرب على صفحة عنقه، وقال: والله ما أملك غير هذه.

قال ابن حجر: استُدل بإطلاق الرقبة– وهو موجود في كلام ابن دقيق العيد في شرح العمدة– استُدل بإطلاق الرقبة على جواز إخراج الرقبة الكافرة كقول الحنفية؛ لأنه قال: «هل تجد رقبة تعتقها؟». وفي كفارة الظهار في سورة المجادلة.

المقدم: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} [المجادلة:4].

قبلها، أول شيء.

المقدم: تريد وجد ويجد أم..؟

لا، إطلاق الرقبة.

المقدم: عتق رقبة.

استُدل بإطلاق الرقبة على جواز إخراج الرقبة الكافرة كقول الحنفية، وهو ينبني على أن السبب إذا اختلف واتحد الحكم هل يقيد المطلق أو لا؟ وهل تقييده بالقياس أو لا؟ والأقرب أنه بالقياس، ويؤديه التقييد في مواضع أخرى.

يعني: التقييد هل كان بالقياس على الرقبة في كفارة القتل؟ في كفارة القتل {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء:92]، مقيدة بكونها مؤمنة، وفي كفارة الظهار وكفارة الوطء في رمضان مطلقة، وهي أيضًا مطلقة في كفارة اليمين، فهل يُحمل المطلق على المقيد في مثل هذه الصورة؟

أشار إلى أن الحكم واحد والسبب مختلف، نقول: في هذه الصورة اتحد الحكم، كله وجوب الإعتاق، والسبب مختلف، سبب الوجوب مختلف، سبب الحكم؛ لأن هذا سببه الوطء، وذاك سببه القتل.

المقدم: في سورة المجادلة يا شيخ {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة:3].

في كفارة الظهار، وفي كفارة اليمين، وفي كفارة الوطء في رمضان أسباب مختلفة تمامًا، كل واحد سبب مستقل، وما جاء التقييد فيه أيضًا مستقل، فالسبب مختلف والحكم واحد، كلها يجب الإعتاق، فإذا اتحد الحكم اختلف السبب، هل يُحمل المطلق على المقيد فنقول: لابد أن تكون الرقبة مؤمنة؛ حملًا للمطلق على المقيد؟

لأنها جاءت هنا مطلقة، ما فيها تقييد بالإيمان، وقُيدت في آية القتل بكونها مؤمنة.

المقدم: صحيح، {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء:92].

نعم، السبب مختلف، والحكم واحد، فهل يُحمل المطلق على المقيد مع اختلاف السبب أو لا؟

المقدم: ومثله يقال في كفارة الحلف، اليمين؟

نعم. هل يقال: لابد أن تكون مؤمنة؟

المقدم: وعلى قراءةٍ أخرى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}.

فيه قراءة، أو ثلاث أيام متتابعات قصدك؟

المقدم: أو هذه قراءة ابن مسعود في المتتابعات؟

المتتابعات.

المسألة في المطلق والمقيد فيها أربع صور:

الصورة الأولى التي معنا: أن يتحد الحكم ويختلف السبب.

فالحكم واحد وهو وجوب العتق، والسبب مختلف: هذا وطء في نهار رمضان، والمقيد سببه قتل، وقل مثل هذا في كفارة الظهار مطلقة، في كفارة اليمين مطلقة، والأسباب مختلفة والحكم واحد وهو وجوب العتق. الأكثر على أنها يُحمل المطلق على المقيد في مثل هذه الصورة خلافًا للحنفية؛ الحنفية قالوا: لا يُحمل المطلق على المقيد، فالإطلاق هنا يُعمل به فيُعتق رقبة مؤمنة أو كافرة على حد سواء.

عكس هذه الصور: إذا اتحدا في السبب واختلفا في الحكم، كاليد: في آية التيمم مطلقة.

المقدم: أيديكم بدون إلى المرافق.

وفي آية الوضوء مقيدة بكونها إلى المرافق، السبب واحد كلها الحدث، والحكم مختلف: هذا غسل بالماء وهذا مسح بالتراب، اختلف الحكم واتحد السبب عكس المسألة السابقة، وهنا: لا يُحمل المطلق على المقيد خلافًا لبعضه. من أهل العلم من قال: تُمسح اليد في التيمم إلى المرافق حملًا للمطلق على المقيد، لكن الأكثر على عدمه.

وجاء في أدلة التيمم ما يدل على أن التيمم للكفين، أما إذا اتحد الحكم والسبب.

المقدم: مثل عفوًا قطع اليد، الأمر بقطع يد السارق.

ماذا فيها؟

المقدم: يعني جاءت مطلقة ومع ذلك تُقطع من مفصل الكف.

لا، هذه في الصورة الرابعة تأتي، هذه اختلف الحكم والسبب.

إذا اتحد الحكم والسبب فالحمل متعين، إذا اتحدا في الحكم والسبب فلابد من حمل المطلق على المقيد كما في قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة:3]، الدم مطلق جاء تقييده بقوله– جل وعلا–: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} [الأنعام:145] فقُيِّد بكونه مسفوح والحكم واحد والسبب واحد، فيُقيد المطلق بهذا.

عكس هذه المسألة فيما إذا اختلفا في الحكم والسبب: كاليد في آية السرقة مطلقة، وفي آية الوضوء مقيدة، لكن السبب مختلف: هذه سرقة وهذا حدث والحكم مختلف: هذا قطع وهذا غسل، فلا يُحمل المطلق على المقيد لاختلاف الحكم والسبب.

في عمدة القاري وهو من فقهاء الحنفية– أعني العيني– إطلاق الرقبة في الحديث يدل على جواز المسلمة والكافرة والذكر والأنثى والصغير والكبير، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وجعلوا هذا كالظهار مستدلين بما رواه الدارقطني من حديث سالم بن إسماعيل عن مجاهد عن أبي هريرة أن النبي– صلى الله عليه وسلم– أمر الذي أفطر في رمضان يومًا بكفارة الظهار.

الآن العيني وهو حنفي يستدل على الإطلاق في هذا الحديث، وأنه تُجزئ الرقبة الكافرة كالمسلمة قياسًا على كفارة الظهار، لكن مثل ما قلنا سابقًا: ينبغي أن يكون المستدل به مما يقر به المخالف، المخالف أيضًا يعارض في كفارة الظهار فيحمل المطلق على المقيد في كفارة الظهار على ما قُيِّد في كفارة القتل، فلابد أن يأتي العيني بأمرٍ يعتبره المعارض.

كون الكفارة هنا: فأمر الذي أفطر في رمضان يومًا بكفارة الظهار، مثل ما قلنا سابقًا أن كفارة الظهار مذكورة في القرآن، وما ذُكر في القرآن يعرفه الخاص والعام فيُحال عليه، فهي مثلها. وإذا قلنا بالقيد هنا قلنا به في كفارة الظهار، فلا يتم الاستدلال للعيني.

للحنفية أن يلحظوا أمرًا قد لا يدركه كثير من الناس: القيد في آية القتل كم ورد من مرة؟

المقدم: القيد بماذا؟

بكونها مؤمنة، في آية.

المقدم: في النساء.

في آية النساء، جاءت آية النساء: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء:92]، كم كُررت كلمة {مُؤْمِنَةٍ} في آية واحدة؟ ثلاثًا.

المقدم: المؤمنة ولا الرقبة؟

المؤمنة، يهمنا القيد. ثلاث مرات، وما أُشير إليها في كفارةٍ من الكفارات.

المقدم: تقصد قُيدت في التحرير، أم عموم مؤمنة في القرآن يا شيخ؟

لا لا، في آية القتل عن خطأ فقط.

المقدم: في النساء: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء:92].

ثلاث مرات: مؤمنة، مؤمنة، مؤمنة في آيةٍ واحدة، يعني هذا التكرار ثلاث مرات ولا يُشار إليه في أي كفارة من الكفارات؟ هذا قد يتمسك به الحنفية، ولا يرون التقييد في مثل هذا؛ لأنه لو كان له ملحظ في الشرع لقيده في النصوص الأخرى، أو لاكتفى به مرة واحدة في التحرير هنا.

المقدم: صحيح، في آيةٍ واحدة ذُكرت المؤمنة ثلاث مرات.

فكونها تُذكر ثلاث مرات ولا تُذكر في أي كفارة من الكفارات.

المقدم: فالأصل الإحالة إليها، أم لا؟

نقول: للحنفية أن ينظروا إلى هذا الملحظ فيقولوا: في آيةٍ واحدة كُررت ثلاث مرات لأمرٍ من الأمور، فلولا أن هذا الأمر خاص بهذه الكفارة لما كُرر ثلاث مرات وأُهمل في الكفارات الأخرى.

المقدم: إذًا هذا عكس ما يراه الآخرون.

عكس، أنا أستدل للحنفية، أنا أقول: الحنفية لهم أن يقولوا مثل هذا، وأحيانًا الجمهور يتمسكون بمثل هذا، لا أقول في مثل هذه المسألة، يعني: كون القيد يُكرر ثلاث مرات في آية واحدة.

المقدم: معناها له دلالة.

له اعتبار، ولا يُذكر في كفارة من الكفارات، وأيضًا من حيث المعنى: الذي قتل نفسًا مؤمنة، الذي قتل مسلمًا يعبد الله– جل وعلا– يحتاج أن يُحرر رقبة مؤمنة تعبد الله– جل وعلا– مكان تلك الرقبة التي أعدمها؛ لأن الرق يمنع صاحبه من تمام العبودية.

هذا من حيث المعنى، هذا قد يتمسك به المالكية، لكن القاعدة في حمل المطلق على المقيد تقتضي أن يُحمل المطلق على المقيد، فلا يجوز ولا يجزئ تحرير أي رقبة، بل لابد أن تكون رقبة مؤمنة في جميع الكفارات وهو قول الجمهور.

الأمر الثاني: أنه إذا أعتق رقبة مؤمنة، برئت ذمته بالإجماع، وإذا أعتق رقبة غير مؤمنة لم تبرأ ذمته إلا عند الحنفية.

في كلام العيني يقول: إطلاق الرقبة في الحديث يدل على جواز المسلمة والكافرة والذكر والأنثى والصغير والكبير؛ لأنها مطلقة، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وجعلوا هذا كالظهار مستدلين بما رواه الدارقطني من حديث إسماعيل بن سالم عن مجاهد عن أبي هريرة، أن النبي– صلى الله عليه وسلم– أمر الذي أفطر في رمضان يومًا بكفارة الظهار، نقول ثم ماذا؟

كونهم يقيسون كفارة الوطء في رمضان على الظهار هذا لا يختلف معهم فيه أحد، بل الحنبلي إذا سُئل، إذا سأله السائل: ما الذي عليه إذا وقع على امرأته في نهار رمضان؟ قال: عليك كفارة ظهار، يعني: هذا أمر مقرر عند الجميع. ولا يعني أن كونها كفارة ظهار ألا تكون مؤمنة، فكفارة الجماع في نهار رمضان وكفارة الظهار وكفارة اليمين كلها مطلقة تقيد بما جاء في كفارة القتل.

وإطلاق الحديث يقتضي جواز الرقبة المعيبة وهو مذهب داود ومالك يعني: يأتي إلى رقبة زمنة، مقعدة، هي رقبة على كل حال فيُعتقها، عند الجمهور: لا تصح، لا تكفي، إنما هي رقبة كاملة.

المقدم: قال: يدل على؟

إطلاق الحديث يقتضي جواز الرقبة المعيبة.

المقدم: جواز؟

يكفي، لكن عند غيرهم: مذهب داود ومالك تجوز الرقبة المعيبة، فإذا جاء إلى رقبة زمنة معيبة عند أهلها يبيعونها برخص شديد، يعني بعُشر قيمتها؛ لأنها لا تنفعهم، فباعوها بعُشر ثمنها، تجزئ في الإعتاق أو ما تجزئ؟ إطلاق الحديث تجزئ؛ لأنها رقبة، وهو مذهب داود ومالك.

وأحمد والشافعي شرطوا الإيمان في إجزاء الرقبة، بدليل تقييدها في كفارة القتل، وهي مسألة حمل المطلق على المقيد، هذا كلام العيني. وقال عطاء: إن لم يجد رقبة أهدى بدنة، فإن لم يجد فبقرة.

نأتي إلى الرقبة المعيبة بعد قليل.

قال ابن العربي: ونحوه عن الحسن. وفي المفهم للقرطبي: وإطلاق الرقبة يقتضي جواز الكافرة، وهو مذهب أبي حنيفة، وجواز المعيبة وهو مذهب داود، والجمهور على خلافهما، فإنهم شرطوا في إجزاء الرقبة الإيمان بدليل تقييدها في كفارة القتل، وهي مسألة حمل المطلق على المقيد المعروفة في الأصول، وبأن مقصود الشرع الأول بالعتق: تخليص الرقاب من الرق ليتفرغوا إلى عبادة الله تعالى، ولنصر المسلمين، وهذا المعنى مفقودٌ في حق الكافر، وقد دل على صحة هذا المعنى قوله في حديث السوداء: «أعتقها فإنها مؤمنة».

جاء بها ليُعتقها فامتحنها النبي– عليه الصلاة والسلام– فقال لها: «أين الله؟». قالت: في السماء. قال: «مَن أنا؟». قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». فدل على أنها لو أنكرت الوجود، وجود الرب– جل وعلا– أو أنكرت الرسالة فإنها لا تُعتق، فإنه رتب الحكم على الوصف المتقدم وهو الإيمان.

وأما العيب: فنقصٌ في المعنى وفي القيمة، فلا يجوز له؛ لأنه في معنى عتق الجزء كالثلث والربع وهو ممنوع بالاتفاق.

إذا قدَّرنا أن الرقبة الزمنة المقعدة بعُشر القيمة، هل يكون أعتق رقبة أو عُشر رقبة؟

المقدم: عُشر رقبة.

عُشر رقبة، لكنها في الحقيقة باعتبار الشرع رقبة كاملة، بدليل أنها تلزم الدية كاملة لو اعتُدي عليها، فيها كفارة كاملة لو اعتُدي عليها، فهذا قد يُحتج به لداود، لكن الجمهور على أنه يعتق رقبةً كاملة ليست معيبة ولا ناقصة القيمة.

المقدم: جزاكم الله خيرًا، وأحسن إليكم ونفع بعلمكم.  

أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة من شرح كتاب الصوم في كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

لم ننته بعد من هذا الحديث حديث أبي هريرة، سنستكمل بإذن الله مع فضيلة الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير ما تبقى من ألفاظه وأحكامه وما فيه من فوائد في حلقاتٍ قادمة، وأنتم على خير، شكرًا لطيب متابعتكم.

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.