التعليق على الموافقات (1436) - 10

عنوان الدرس: 
التعليق على الموافقات (1436) - 10
عنوان السلسلة: 
التعليق على الموافقات
تاريخ النشر: 
الأحد, 6 شعبان, 1439 - 10:15

سماع الدرس

نعم.

طالب: أحسن الله إليك.

 الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فيقول المؤلف -رَحِمَهُ اللهُ تعالى-:

 "المسألة الرابعة عشرة: تقدم التنبيه على طرف من الاجتهاد الخاص بالعلماء والعام لجميع المكلفين، ولكن لا بد من إعادة شيء من ذلك على وجه يوضح النوعين، ويبين جهة المأخذ في الطريقين".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الذي يبحث في كتب الأصول بهذا الاسم الذي هو الاجتهاد هو الاجتهاد بمعناه الخاص، الخاص بأهل العلم المتأهلين للاستنباط. أما الاجتهاد العام لجميع المكلفين هذا ذكره المؤلف وإن كان غير داخل في أصل الباب وله وجود، فإن من المسائل ما لا يحتاج إلى بذل جهد في تقريرها، بل يدركها من لم يتأهل للاجتهاد، بل من عامة الناس، لكنه اجتهاد بالمعنى العام. أما بمعناه الخاص في عرف أهل الأصول فلا يدخلون فيه؛ لأن المعروف من الاجتهاد أنه بذل الجهد واستفراغ الوسع في استنباط الأحكام من أدلتها، وعموم الناس ما يبذلون جهدًا وليست لديهم أهلية ولا أدوات، فلا يدخلون في الاجتهاد بالمعنى الخاص المصطلح عليه عند أهل العلم.

طالب: "وبيان ذلك أن المشروعات المكية وهي الأولية كانت في غالب الأحوال مطلقة غير مقيدة".

ولذلك فتنزيلها على الواقع ما يحتاج إلى كلفة وعناء؛ لعدم وجود ما يعارضها ويضادها، نعم.

طالب: "وجارية على ما تقتضيه مجاري العادات عند أرباب العقول، وعلى ما تحكمه قضايا مكارم الأخلاق، من التلبس بكل ما هو معروف في محاسن العادات، والتباعد عن كل ما هو منكر في محاسن العادات، فيما سوى ما العقل معزول عن تقريره جملة من حدود الصلوات وما أشبهها، فكان أكثر ذلك موكولاً إلى أنظار المكلفين في تلك العادات، ومصروفًا إلى اجتهادهم ليأخذ كل بما لاق به وما قدر عليه من تلك المحاسن الكليات، وما استطاع من تلك المكارم في التوجه بها للواحد المعبود، من إقامة الصلوات فرضها ونفلها حسبما بينه الكتاب والسنة، وإنفاق الأموال في إعانة المحتاجين، ومواساة الفقراء والمساكين من غير تقدير مقرر في الشريعة، وصلة الأرحام قربت أو بعدت، على حسب ما تستحسنه العقول السليمة في ذلك الترتيب، ومراعاة حقوق الجوار وحقوق الملة الجامعة بين الأقارب والأجانب، وإصلاح ذات البين بالنسبة إلى جميع الخلق، والدفع بالتي هي أحسن، وما أشبه ذلك من المشروعات المطلقة التي لم ينص على تقييدها بعدُ".

لا شك أن الشريعة في أول التنزيل وفي أول العهد المكي تنزل على قوم يفهمونها بحيث لا يخفى عليهم شيء من مقاصدها، ونزولها بالتدريج شيئًا فشيئًا يجعلهم يستوعبون كل ما يلقى إليهم، ولذلك قال: هم مجتهدون، مجتهدون في ماذا؟ فيما بلغهم من العلم وفيما نزل إليهم من ربهم، ثم كلما زادت التشريعات وزادت التكاليف.

طالب: قل المجتهدون.

قل المجتهدون؛ لأنه يحتاج إلى كلفة وعناء. الكلام الذي ذكره يمكن أن يطبق الآن؟

طالب: لا.

ما يمكن.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

في أول الأمر لما كان الناس على فطرتهم، الفطرة موافقة لشرع الله، إلا من اجتالتهم الشياطين كما في حديث عياض بن حمار فهؤلاء يحتاجون إلى إعادة.

طالب: "وكذلك الأمر فيما نهي عنه من المنكرات والفواحش، على مراتبها في القبح، فإنهم كانوا مثابرين على مجانبتها مثابرتهم على التلبس بالمحاسن. فكان المسلمون في تلك الأحيان آخذين فيها بأقصى مجهودهم، وعاملين على مقتضاها بغاية موجودهم، وهكذا بعد ما هاجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، وبعد وفاته وفي زمان التابعين. إلا أن خطة الإسلام لما اتسعت، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، ربما وقعت بينهم مشاحات في المعاملات، ومطالبات بأقصى ما يحق لهم في مقطع الحق، أو عرضت لهم خصوصيات".

وكلما بعد العهد وطال الزمان كثرت هذه المشاحنات والمشاحات، واحتاج الناس إلى زيادة في النظر في المسائل وأصولها وأدلتها ومآخذها. كان الناس إلى وقت قريب في الخصومات يقنعون بأدنى حكم، وإذا قال لهم الحكم في كلمة واحدة انصرفوا. لكن الآن ماذا صار من التعقيدات لما انفتحت الدنيا وكثرت الأبواب في الخصومات، صار الواحد يحتاج أن يوكل من يحامي عنه، والمحاماة صار لها أصول وقواعد ولها روادها ولها مؤلفاتها، مجلة المحاماة في حدود مائة وأربعين مجلدًا من المجلدات الكبار، أول ما يأتي المتخاصمان إلى القاضي وكل واحد في نيته نشدان الحق، لا يريد أن يأكل شيئًا لأخيه، إنما يريد أن يستخرج حقه، فإذا قال لهم القاضي: الحكم كذا، انصرفوا بدون كتابة، ويقضى في الدماء بهذه الطريقة، ويرضون ويسلمون، حتى إنه وُجد من يقول لخصمه: اذهب أنت إلى القاضي والذي يقوله إذا أخبرتني انتهى الإشكال! وما كان في السابق أسمح؛ لأن الناس ما أُشربت قلوبهم حب الدنيا. ثم وُجد من يقول من يسأل في المجالس: أتعرفون أن لأبي حقًّا على أحد؟ يطالب، مجرد ما يسمع أن لأبيه حقًّا على أحد يذهب.

طالب: للقاضي.

نعم.

طالب: للقاضي .......

نعم. مستعد أن يطالبه من أجل أن يصل إلى شيء بحق أو بغير حق. فاحتاج الناس إلى شيء من التدقيق والنظر العميق في المسائل وتفريع المسائل وتشقيق المسائل، إلا الأمر أهون من ذلك لو كان القصد بيان الحق يبين. تعقدت الأمور وصار البلد يحتاج إلى خمسين قاضيًا، بلد ما هو بقاضٍ واحد وعمله موزّع بين جميع المصالح الدينية وشخص واحد في البلد، والآن يحتاجون إلى إعداد كبيرة جدًّا والمواعيد بالأشهر، بدلاً من أن يخرج الخصوم مع القاضي إلى المسجد، وينتهون ما وصلوا إلى المسجد. فهذا شاهد ما يقوله المؤلف أنه في أول الأمر الأمر سهل سمح، والاجتهاد ميسور للعام، الاجتهاد العام لجميع الناس، لكن ..... وقل مثل هذا في التعليم: كان الناس في أول الأمر يفهمون ما نُزل إليهم وما نطق به الرسول -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- من الحديث، وما يحتاجون إلى أن يوجد لهم شروح وحواشٍ وتعليقات وكتب غريب تشرح لهم الكلمات وإلى غير ذلك من المؤلفات التي تعجز عن حملها الشاحنات، بقدر الحاجة، كان الناس يقتصرون على ما يحتاجون بقدر الحاجة.

 واستمر الأمر إلى أن وُجدت الكتب المطبوعة واقتناها من يحتاجها من أهل العلم وطلابه، وصار أكبر عالم عنده دولابان، ثلاثة مثل هؤلاء، هذه مكتبته كلها؛ لأنه بقدر الحاجة ما يزيد عليها، لكن إذا فتحتها وجدتها قُرأت مرارًا. والآن المسألة الجزئية التي كانت تُكتب في سطر يُكتب فيها مجلد الآن، وهذا هو ترجمة لما ذكره الحافظ ابن رجب في فضل علم السلف على الخلف، في فضل علم السلف على الخلف قال: يمتاز علم السلف بالاختصار الشديد والجواب بالكلمة والجملة، ثم لما جاء الخلف أكثروا الكلام، وطولوه، وشققوا المسائل، وفرعوها. قال: ومن فضل عالمًا على آخر بكثرة كلامه فقد أزرى بالسلف.

 يعني الآن تروح المكتبة تجد لك مجلدًا في مسألة، وفي النهاية إذا انتهيت يمكن تلخيصه في صفحة، والله المستعان.

طالب: ...........

 لا، وجاءنا كتب كثيرة جدًّا إذا انتهيت في النهاية، لو تقول له: ماذا يبحث المؤلف من الكتب الثقافية والفكرية وغيرها؟ يقول لك: كتاب جيد، لكن وبعد؟ وما الذي فيه من العلم؟ ما تمسك شيئًا.

طالب: "أو عرضت لهم خصوصيات ضروريات تقتضي أحكامًا خاصة، أو بدرت من بعضهم فلتات في مخالفة المشروعات وارتكاب الممنوعات، فاحتاجوا عند ذلك إلى حدود تقتضيها تلك العوارض الطارئة، ومشروعات تكمل لهم تلك المقدمات، وتقييدات تفصل لهم بين الواجبات والمندوبات والمحرمات والمكروهات؛ إذ كان أكثرها جزئيات لا تستقل بإدراكها العقول السليمة، فضلاً عن غيرها، كما لم تستقل بأصول العبادات وتفاصيل التقربات، ولا سيما حين دخل في الإسلام من لم يكن لعقله ذلك النفوذ من عربي أو غيره، أو من كان على عادة في الجاهلية وضَرِيَ على استحسانها فريقه ومال إليها طبعه وهي في نفسها على غير ذلك، وكذلك الأمور التي كان لها في عادات الجاهلية جريان لمصالحٍ رأوها وقد شابها مفاسدٌ مثلها أو أكثر".

مفاعل: "مصالح"، "مفاسد"، مفاعل صيغة منتهى الجموع.

طالب: "لمصالحَ رأوها" أحسن الله إليك.

نعم.

طالب: "لمصالحَ رأوها وقد شابها مفاسدُ مثلها أو أكثر. هذا إلى ما أمر الله به من فرض الجهاد حين قوَوْا على عدوهم وطلبوا بدعائهم الخَلق إلى الملة الحنيفية، وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

يعني الأحكام بالتدريج بحسب مقتضيات المصالح، الجهاد في أول الأمر في وقت ضعف ما شُرع، على خلاف في شرعيته بمكة أو الحض عليه من غير أمر به، وأما الأمر به فبعد ذلك وتطبيقه أيضًا.

 المقصود أن هذه العبادات إنما يُحتاج إلى ما أُمر به ليمتثل، وما نُهي عنه ليجتنب. وهذا جاء بالتدريج في العهد المكي، ثم في العهد المدني تتابعت التشريعات وما تتطلبه هذه التشريعات مما يصححها.

طالب: "فأنزل الله تعالى ما يبيِّن لهم كل ما احتاجوا إليه بغاية البيان: تارة بالقرآن، وتارة بالسبة؛ فتفصلت تلك المجملات المكية، وتبينت تلك المحتملات، وقُيِّدت تلك المطلقات، وخصِّصت بالنسخ أو غيره تلك العمومات ليكون ذلك الباقي المحكم قانونًا مطردًا وأصلاً مستنًّا، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وليكون ذلك تمامًا لتلك الكليات المقدِّمة، وبناءً على تلك الأصول المحكمة، فضلاً من الله ونعمة. فالأصول الأول باقية لم تتبدل ولم تنسخ؛ لأنها في عامة الأمر كليات ضروريات وما لحق بها، وإنما وقع النسخ أو البيان على وجهه عند الأمور المتنازع فيها من الجزئيات لا الكليات".

ولذلكم النسخ لا يدخل العقائد ولا يدخل الأخبار، إنما يدخل في الأوامر والنواهي.

طالب: "وهذا كله ظاهر لمن نظر في الأحكام المكية مع الأحكام المدنية، فإن الأحكام المكية مبنية على الإنصاف من النفس، وبذل المجهود في الامتثال بالنسبة إلى حقوق الله أو حقوق الآدميين. وأما الأحكام المدنية، فمُنزلة في الغالب على وقائع لم تكن فيما تقدم من بعض المنازعات والمشاحَّات، والرخص والتخفيفات وتقرير العقوبات -في الجزئيات لا الكليات، فإن الكليات كانت مقررة محكمة بمكة-، وما أشبه ذلك، مع بقاء الكليات المكية على حالها، ولذلك يؤتى بها في السور المدنيات تقريرًا وتأكيدًا، فكملت جملة الشريعة، والحمد لله بالأمرين، وتمت واسطتها بالطرفين، فقال الله تعالى عند ذلك: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

 وإنما عنى الفقهاء بتقرير الحدود والأحكام الجزئيات التي هي مظان التنازع والمشاحة والأخذ بالحظوظ الخاصة والعمل بمقتضى الطوارئ العارضة، وكأنهم واقفون للناس في اجتهادهم على خط الفصل بين ما أحل الله وما حرم، حتى لا يتجاوزوا ما أحل الله إلى ما حرم، فهم يحقِّقون للناس مناط هذه الأحكام بحسب الوقائع الخاصة".

وهذا المقصود به الاجتهاد بمعناه الخاص، ولا يمكن أن يرد ما تقدم في أول المسألة مما سماه بالاجتهاد العام لعموم الناس، هذه الدقائق لا يدركها إلا الخواص.

طالب: "فهم يحققون للناس مناط هذه الأحكام بحسب الوقائع الخاصة حين صار التشاح ربما أدى إلى مقاربة الحد الفاصل، فهم يزعونهم عن مقاربته ويمنعونهم عن مداخلة الحمى، وإذا زل أحدهم يبيَّن له الطريق الموصل إلى الخروج عن ذلك في كل جزئية آخذين بِحُجُزِهم تارة بالشدة وتارة باللين، فهذا النمط هو كان مجال اجتهاد الفقهاء، وإياه تحرَّوا".

نعم. "تارة بالشدة وتارة باللين"؛ لأن المسألة مسألة معالجة لهذا المخالف الذي هو في الحقيقة كالمريض يحتاج إلى من يعالجه بالشدة تارة والأطر وباللين تارة أخرى، وبالصلة تارة وبالهجر أخرى، كل على حسب ما يناسبه، فبعض الناس ينفع معه الشدة، وبعض الناس تزيده الشدة عتوًّا واستكبارًا فلا ينفع معه إلا اللين.

طالب: "وأما سوى ذلك مما هو من أصول مكارم الأخلاق فعلاً وتركًا، فلم يفصلوا القول فيه؛ لأنه غير محتاج إلى التفصيل، بل الإنسان في أكثر الأمر يستقل بإدراك العمل فيه، فوَكَّلوه إلى اختيار المكلف واجتهاده".

"وَكَّلوه" أم "وَكَلوه"؟

طالب: .......

"وَكَلوه" يعني تركوه.

طالب: نعم. أحسن الله إليك. "فوَكَلوه إلى اختيار المكلف واجتهاده؛ إذ كيف ما فعل فهو جارٍ على موافقة أمر الشارع ونهيه، وقد تشتبه فيه أمور، ولكن بحسب قربها من الحد الفاصل".

لأنها مسائل فيها سعة، وفيها مساحة، وفيها مجال للزيادة والنقص، مثل الأمر بالإنفاق مثلاً فيه مجال: لأن ينفق الإنسان إلى أن يصل إلى جميع ماله كما فعل أبو بكر، أو إلى نصف ماله كما فعل عمر، أو ينفق الثلث أو الأقل، إلى أن يصل إلى الحد الذي لا بد منه وهو الزكاة؛ لأن هذه في المجال ومساحات، وبعض الناس تجود نفسه، وبعض الناس يشح بالمال، لكن يصل إلى الحد الذي لا يمكن تجاوزه، وهو النسبة المقررة في زكاة الأموال.

طالب: "فتكلُّم الفقهاء عليها من تلك الجهة فهو من القسم الأول، فعلى هذا كل من كان بُعده من ذلك الحد أكثر كان إغراقه في مقتضى الأصول الكلية أكثر. وإذا نظرت إلى أوصاف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله تبين لك فرق ما بين القسمين، وبون ما بين المنزلتين، وكذلك ما يؤثر من شيم الصحابة واتصافهم بمقتضى تلك الأصول، وعلى هذا القسم عول من شُهر من أهل التصوف، وبذلك سادوا غيرهم ممن لم يبلغ مبالغهم في الاتصاف بأوصاف الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه".

يعني أهل الانصراف عن الدنيا والإقبال على الآخرة متبعين في ذلك الكتاب والسنة، ما هم بأهل التصوف الذين استقر الاصطلاح على جمهورهم بما عندهم من مخالفات ومفارقة للدين حتى يبلغ الحد إلى أن تُرفع التكاليف كلها، ويوجد فيهم من يقال فيه: كان -رَضِيَ اللهُ عنهُ- لا يتدين بشرع ولا بأمر ولا نهي! قيل في ترجمته: كان -رَضِيَ اللهُ عنهُ-، مثلما قيل، لم يفعل مأمورًا قط، ولم يترك محظورًا ولا جريمة ولا فاحشة إلا ارتكبها! يعني وصل إلى هذا الحد، وليس هذا الصنف هم الذين يقصدهم المؤلف، والمؤلف أشار إلى التصوف في مواضع، لكنه يريد بذلك أهل الاتباع، لكن غلب عليهم الإقبال على الآخرة والانصراف عن الدنيا، وهم الذين ألف فيهم أبو نعيم الأصفهاني الحلية حلية الأولياء. وفي النوع الثاني الذين ألَّف فيهم الشعراني في طبقاته الكبرى والوسطى، ينص على ما فعله من فواحش، نسأل الله العافية، ووجد فيهم زنادقة.

طالب: "وأما غيرهم ممن حاز من الدنيا نصيبًا فافتقر إلى النظر في هذه الجزئيات".

وهذا يبين المراد بقوله من أهل التصوف: "غيرهم ممن حاز من الدنيا نصيبًا فافتقر إلى النظر في هذه الجزئيات"، أولئك لا يحتاجون إلى النظر في الجزئيات، لماذا؟

طالب: .......

تركوها كلها، تركوها بالكلية، يقتصرون من ذلك على بُلغة: «لقيمات يقمن صلبه».

طالب: "وأما غيرهم ممن حاز من الدنيا نصيبًا فافتقر إلى النظر في هذه الجزئيات والوقائع الدائرة بين الناس في المعاملات والمناكحات؛ فأجروها بالأصول الأولى على حسب ما استطاعوا".

قد يقول قائل: هؤلاء الصوفية ما لهم مشاكل مع زوجاتهم تحتاج إلى نظر في دقائق المسائل؟ المشاكل إنما يورثها كثرة المقام، يعني كون الإنسان يبقى وقتًا طويلاً عند أهل لا عمل له، ولا شغل له، ولا نظر لا في دين ولا دنيا هذا الذي يكثر المشاكل. لكن إذا كان يدخل على زوجته يأكل ما تيسر، ويطلع لعبادته، ينصرف عنها إلى مصحفه أو صلاته أو شيء، فهذا تندر فيها إذا أدى حق الله ما أوجب الله عليه بالنسبة لها فالمشاكل تقل. لكن إذا كانوا كل الوقت متقابلين، ما عندهم إلا مجرد ما ينطق بكلمة تفسِّرها بتأويل غير مراده، وكذلك العكس، تنشأ المشاكل من هذا الفراغ، الفراغ هذا هو الذي يولِّد المشكلات، وأولئك ما عندهم فراغ، ورأينا منهم عينات انصرفوا إلى الآخرة، وهجروا الدنيا، والحمد لله مشوا على خير.

طالب: "وأجروها بالفروع الثواني حين اضطروا إلى ذلك، فعاملوا ربهم في الجميع، ولا يقدر على هذا إلا الموفّق الفذ، وهو كان شأن معاملات الصحابة كما نص عليه أصحاب السير. ولم تزل الأصول يندرس العمل بمقتضاها؛ لكثرة الاشتغال بالدنيا والتفريع فيها، حتى صارت كالنسي المنسي، وصار طالب العمل بها كالغريب المقصى عن أهله، وهو داخل تحت معنى قوله -عليه الصلاة والسلام-: «بدأ هذا الدين غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء».

 فالحاصل من هذه الجملة أن النظر في الكليات يشارك الجمهورُ فيه العلماء على الجملة، وأما النظر في الجزئيات فيختص بالعلماء واستقراء ما تقدم من الشريعة يبينه.

فصل: كان المسلمون قبل الهجرة آخذين بمقتضى التنزيل المكي على ما أداهم إليه اجتهادهم واحتياطهم، فسبقوا غاية السبق حتى سُموا السابقين بإطلاق، ثم لما هاجروا إلى المدينة ولحقهم في ذلك السبقُ من شاء الله من الأنصار".

"السبقِ".

طالب: "ولحقوا في ذلك السبقِ من شاء الله من الأنصار، وكملت لهم بها شعب الإيمان ومكارم الأخلاق، وصادفوا ذلك وقد رسخت في أصولها أقدامهم، فكانت المتمات أسهل عليهم".

لأن الأصول متمكّنة فيهم، يبقى التفريعات على هذه الأصول، واستقبلوها شيئًا فشيئًا، سهلت عليهم، يعني ما جاءتهم التشريعات جملة واحدة كما هو شأن من جاء بعدهم، شأن من جاء بعدهم الذين وُجدوا وقد كمل الدين واحتاجوا إلى أن يأخذوه بالتدريج مع أنه قد يحتاجون إلى شيء لم يصلوا إليه، فحصل عند بعضهم الاضطراب في كيفية تحصيل العلم.

طالب: .......

نعم. في العقيدة والأصول العامة والأحكام وكل هذا.

طالب: .......

أين؟

طالب: .......

ليست محل اجتهاد، لكن ليست خاصة بالعقيدة، وتنزل عليهم أمور وهم أهل فطرة ولغة وسليقة يدركونها ولا يختلفون فيها، ما وجدت الإشكالات في الفنون كلها حتى دخل في الدين من يختلف وضعه عمن كان في أول الأمر أو أصحاب هوى أو نزعات نفسية وما أشبه ذلك، يحتاج إلى ...... مع كثرة التشريعات، إضافة إلى كثرة التشريعات.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

هو لا بد أن يتدرج، وهو ليس تدرجًا في الأحكام بمعنى أنه يطبق العهد المكي، وإذا تمكن طبق، ويحتاج من المدة بقدر ما حصل في العهد المكي ثم ينتقل إلى... لا، وإن كان ينادي به بعضهم أن الأمة قد تحتاج إلى العهد المكي بجملتها ثم تحتاج إلى العهد المدني، لا، هذا ما هو بصحيح، نزلت علينا تكاليف، وكملت الشريعة وواجباتها سواء كانت مكية أو مدنية ومطالبين بها، لكن التدريج في الترتيب لطالب العلم موجود عند العلماء، تقسيم طلاب العلم إلى طبقات ومستويات، ولكل طبقة ما يناسبها من الفنون والعلوم والكتب، هذا يختلف.

طالب: "وصادفوا ذلك وقد رسخت في أصولها أقدامهم، فكانت المتممات أسهل عليهم، فصاروا بذلك نورًا حتى نزل مدحهم والثناء عليهم في مواضع من كتاب الله، ورفع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أقدارهم، وجعلهم في الدين أئمة، فكانوا هم القدوة العظمى في أهل الشريعة، ولم يتركوا بعد الهجرة ما كانوا عليه، بل زادوا في الاجتهاد، وأمعنوا في الانقياد لما حد لهم في المكي والمدني معًا.

لم تزحزحهم الرخص المدنيات عن الأخذ بالعزائم المكيات، ولا صدهم عن بذل المجهود في طاعة الله ما مُتعوا به من الأخذ بحظوظهم وهم منها في سعة {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 105]. فعلى تقرير هذا الأصل: من أخذ بالأصل الأول واستقام فيه كما استقاموا فطوبى له، ومن أخذ بالأصل الثاني فبها ونعمت، وعلى الأول جرى الصوفية الأول، وعلى الثاني جرى من عداهم ممن لم يلتزم ما التزموه، ومن هاهنا يُفهم شأن المنقطعين إلى الله فيما امتازوا به".

لماذا مدح من أخذ الأصل الأول دون من أخذ بالأصل الثاني؟ هو ممدوح أيضًا، لكن ما هو مثل من أخذ بالأصل الأول؛ لأن من مدحهم من الصنف الأول ما احتاجوا إلى شيء من الأصل الثاني لانصرافهم عن الدنيا، وأما الذين أخذوا بالأصل الثاني الذي قرره فيما سبق وهو غالب الأحكام المدنية، أخذوا به لحاجتهم إليه، ومن مقتضى ذلك أنهم التفتوا إلى الدنيا، ولهذا هذا الكلام مفاده أن من أخذ بالأصل الأول لعدم حاجته إلى شيء مما يقتضيه الأصل الثاني لانصرافهم عن الدنيا. من يحتاج إلى مسائل البيوع والمعاملات والجنايات؟ من يحتاجها إلا من أغرق في أمور الدنيا واحتاج إلى أحكامها؟ أما من انصرف عنها فإنه لا يحتاج، يعني افترضنا شخصًا ليست له تجارة، ويعيش على الكفاف، هل يحتاج إلى أن يضبط مسألة العينة ومسألة مد عجوة ومسألة كذا؟ يحتاج إلى هذه الأمور؟

طالب: لا.

لكن من أخذ بالأصل الثاني يحتاج إلى هذا وأكثر منه، بها ونعمت إذا ضبط واتقى الشبهات وتجنب المحرمات، هذا بها ونعمت، لكن ما هو مثل الصنف الأول الذي أقبل إلى تحقيق ما خُلق من أجله وهو العبودية لله -جَلَّ وعَلا-.

طالب: .......

أين؟

طالب: القسم الأول.

القسم الأول ما احتاجوه.

طالب: .......

أين؟

طالب: .......

قد يعلمون؛ لأنهم يقرءون الكتاب والسنة، لكن لا حاجة لهم به. الآن من الذي يهتم بالشيء أكثر من غيره؟ الذي يعانيه ويحتاجه. هنا أضرب مثالًا: لو جيء بطبيب مثلاً، وذكر مرضًا من الأمراض الشائعة، وذكر أسبابه عشرة، والوقاية منه في عشرة أشياء، وعلاجه في عشرة أنواع، وذكر هذه الأنواع. المصاب بهذا المرض يفوِّت شيئًا؟ لا، لكن الذي ما هو مصاب بهذا المرض، ما يعنيه ولا يهمه.

طالب: .......

هم انهمكوا في الدنيا، فاحتاجوا إلى ما يصحح أعمالهم، سواء كانت من المعاملات أو من المناكحات أو غير ذلك من، فهم لا يذمون باعتبار أنهم وصلهم من العلم ما لم يصل إلى غيرهم، أو اهتموا بمسائل العلم، هم من هذه الحيثية، إنما لما سببه ذلك، يعني أسباب ذلك والدوافع إليه هو انهماكهم في الدنيا. قد يكون الشخص يهتم بهذه الأمور لا لذاته، وإنما من أجل غيره، وإلا فهو ما له علاقة، ما له نظر في دنيا، لكن مع ذلك قد يصده الاهتمام بما يعني غيره عما يهمه نفسه.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

هو بالنسبة للدنيا والآخرة، الإنسان خُلق لتحقيق العبودية: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وأما بالنسبة للدنيا أُمر ألا ينسى نصيبه من الدنيا، ألا يكون عالة على الناس، يهتم بدنياه بقدر ما يحقق به الهدف الأصلي.

طالب: .......

نعم، انصرفوا.

طالب: .......

لا، هذا على حسب ما يترتب عليه، وعلى حسب ما يدعو إليه، إذا كان عنده ما يكفيه، ويقيم صلبه، وانصرف إلى العبادة يمدح بلا شك، ممدوح هذا.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

لا، ما يقال هذا؛ لأن التفضيل من جهات متعددة ما هو من جهة واحدة، لكن قد يفضل الإنسان من جهة ويُفضل من جهات؛ لأنه لا يعني أن إبراهيم -عليهِ السَّلامُ- أول من يكسى يوم القيامة أنه أفضل من محمد -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، أو ما جاء في حق موسى مما يقتضي أنه مبعوث قبل النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، في الحديث: «أول من تنشق عنه الأرض أنا، فأجد موسى آخذ بقائمة العرش، فما أدري بُعث قبلي أم جوزي بصعقة الطور»، لا يعني هذا أنه أفضل من محمد، والله أعلم.

طالب: "ومن هاهنا يفهم شأن المنقطعين إلى الله فيما امتازا به من نحلتهم المعروفة، فإن الذي يظهر لبادئ الرأي منهم أنهم التزموا أمورًا لا توجد عند العامة، ولا هي مما يلزمهم شرعًا، فيظن الظان أنهم شددوا على أنفسهم، وتكلفوا ما لم يُكلفوا، ودخلوا على غير مدخل أهل الشريعة".

هذا رُمي به أهل العبادة والانصراف عن الدنيا، وكتب في الصحف، في صحفنا مع الأسف، كتب واحد وقال: ما أدري لماذا يُمدح في كتب التراجم وعلى أقوال أهل العلم مثل الفضيل بن عياض وسفيان الثوري وفلان وعلان الذين عطلوا الحياة وجردوها من روحها! قيل هذا الكلام.

طالب: "وحاش لله! ما كانوا ليفعلوا ذلك وقد بنوا نحلتهم على اتباع السنة وهم باتفاق أهل السنة صفوة الله من الخليقة، لكن إذا فهمت حالة المسلمين في التكليف أول الإسلام، ونصوص التنزيل المكي المحكم الذي لم ينسخ، وتنزيل أعمالهم عليه؛ تبين لك أن تلك الطريق سلك هؤلاء، وباتباعها عُنوا على وجه لا يضاد المدني المفسر. فإذا سمعت مثلاً أن بعضهم سئل عما يجب من الزكاة في مائتي درهم، فقال: أما على مذهبنا فالكل لله، وأما على مذهبكم فخمسة دراهم، وما أشبه ذلك، علمت أن هذا يُستمد مما تقدم، فإن التنزيل المكي أمر فيه بمطلق إنفاق المال في طاعة الله، ولم يبين فيه الواجب من غيره، بل وُكل إلى اجتهاد المنفق، ولا شك أن منه ما هو واجب، ومنه ما ليس بواجب، والاحتياط في مثل هذا المبالغة في الإنفاق في سد الخلات وضروب الحاجات، إلى غاية تسكن إليها نفس المنفق، فأخذ هذا المسئول في خاصة نفسه بما أفتى به، والتزمه مذهبًا في تعبده، وفاءً بحق الخدمة، وشكر النعمة وإسقاطًا لحظوظ نفسه، وقيامًا على قدم العبودية المحضة حتى لم يبق لنفسه حظًّا، وإن أثبته له الشارع اعتمادًا على أن لله خزائن السموات والأرض، وأنه قال: {لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ} [طه: 132]، وقال: {مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذاريات: 57]، وقال: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات: 22]، ونحو ذلك.

 فهذا نحو من التعبد لمن قدر على الوفاء به، ومثله لا يقال في ملتزِمه: إنه خارج عن الطريقة، ولا متكلف في التعبد، لكن لما كان هذا الميدان لا يسرح فيه كل الناس قُيد في التنزيل المدني حين فرضت الزكوات، فصارت هي الواجبة انحتامًا، مقدرة لا تتعدى إلى ما دونها، وبقي ما سواها على حكم الخيرة، فاتسع على المكلف مجال الإبقاء جوازًا، والإنفاق ندبًا، فمن مقل في إنفاقه ومن مكثر، والجميع محمودون؛ لأنهم لم يتعدوا حدود الله، فلما كان الأمر على هذا استفسر المسئول السائل ليجيبه عن مقتضى سؤاله".

يعني مثل ما ذكر في مسألة الإنفاق أن منهم من يقتصر على ما أوجب الله عليه، ولا يزيد على ذلك، ومنهم من يتنفل بالزيادة اليسيرة، ومنهم من يزيد، وتجود نفسه بقريب من رأس ماله، وقد حصل من أبي بكر أن تصدق بجميع ماله، هل يقال: إن هذا متشدد، وضيق على نفسه، وضيق على أولاده؟ لو وجد مثله أو بالنصف أو أكثر من النصف أو لم يُبق إلا القدر الذي يكفيه ويكفي ولده، كلهم محمودون ممدوحون، لكن إذا نقص عن القدر الواجب دخل في حيز الذم.

 قل مثل هذا في الصلاة، يعني لو اقتصر على الأربعين ركعة من الفرائض والرواتب والوتر، أربعين ركعة، هذا جاء بما أوجب الله عليه، وبما أُكد في حقه، لكن لو زاد صارت مائة ركعة أو صارت مائتين أو أكثر من ذلك أو أقل، وقد جاء عن السلف صنوف من هذا. وقراءة القرآن، الرسول -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقول لعبد الله بن عمرو: «اقرأ القرآن في سبع ولا تزد»، ويصح عن عثمان أنه كان يختم كل ليلة، وعن الأئمة شيء لا تقبله عقول من لم يجرب، يقولون: الوقت لا يستوعب، الإمام أحمد ثلاثمائة ركعة في اليوم والليلة، ووجد من يختم كالشافعي مرتين لا سيما في رمضان، الناس ينظرون إلى أنفسهم باعتبار أنه إذا فتح المصحف وقرأ الخمس دقائق مل وضجر ونظر يمينه وشماله عله يجد ما يشغله ويقول: ليس معقولًا الختم كل يوم. ذُكر من يختم مرتين، وهذا ثابت عن الشافعي -رَحِمَهُ اللهُ- هذا موجود في أنه نظر في القرآن ست مرات في ثلاث ليالي، هذا في أحكام القرآن للشافعي التي جمعها البيهقي، ويذكر عنه في ترجمته أشياء من هذا.

 في ترجمة سليم بن عِتر من الجرح والتعديل أنه كان يختم في كل ليلة ثلاث مرات، ويغتسل بين كل ختمتين، فيغتسل ثلاث مرات بموجب ما هو عبث!! يغتسل لموجب. ابن الكاتب الصوفي، ذكر ابن كثير والنووي عنه أنه كان يختم أربع مرات، وقالوا بأسانيد صحيحة. مثل هذه الأمور التي، وإن أمكنت، لكن التدبر والاعتبار والترتيل المأمور به قد لا يتسنى مع هذه العادات، وأما ما عدا ذلك مما يُذكر أن الواحد ينظر في القرآن، ويقرأ القرآن عشر مرات وعشرين مرة باليوم، هذا بالفعل الوقت لا يستوعب.

 ولذلك لما ذكر ابن المُطَهِّر، يسمونه: ابن المُنَجِّس رافضي، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة! يعني كم تحتاج الركعة من دقيقة؟ أقل شيء دقيقة، وكم يحسم من الأربع والعشرين ساعة للتعبد والحاجات الأصلية وغير ذلك. ولذلك قال شيخ الإسلام: الوقت لا يستوعب، يعني الألف. أما مسألة المائة والمائتين إذا عددنا كل ركعة بدقيقة فالوقت يستوعب.

 تبقى مسألة المفاضلة بين الإغراق في هذه العبادات الخاصة والنفع العام؟ لا يقال إن مثل هذا الكلام دعوة إلى تعطيل الحياة وترك المصالح العامة، وهناك فروض كفايات لا بد من القيام بها، هي مسألة مفاضلة، والمسألة مفترضة في شخص لا يوجد عنده نفع عام يصده هذا عنه. وعلى كل حال الشاك في هذه الأمور يجرب.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

فيه، يُشم من كلامهم مدح التصوف في مواضع أنه يؤثر العبادات الخاصة.

طالب: "ومنهم من لا ينتهي في الإنفاق إلى".

لحظة.

طالب: .......

نعم، ماذا فيه؟

طالب: .......

لا، لا لا مع العلم، أما أن يعبد الله على جهل فما أحد مقدمه.

طالب: "ومنهم من لا ينتهي في الإنفاق إلى إنفاذ الجميع، بل يبقي بيده ما تجب في مثله الزكاة حتى تجب عليه، وهو مع ذلك موافق في القصد لمن لم يبق شيئًا، علمًا بـ«أن في المال حقًّا سوى الزكاة»، وهو يتعين تحقيقًا".

جاء مرفوعًا بسند فيه كلام لأهل العلم، وجاء ما يقابله من حديث عائشة: «ليس في المال حق سوى الزكاة»، وهذا محمول: «في المال حق سوى الزكاة» إما في أوقات الجوع والحاجات أو فيما عدا الزكاة مما يجب على الإنسان من النفقات، و«ليس في المال حق سوى الزكاة» يعني المفروض من الأهم الذي هو الركن.

طالب: "وهو لا يتعين تحقيقًا، وإنما فيه الاجتهاد، فلا يزال ناظرًا في ذلك مجتهدًا فيه ما بقي بيده منه شيء، متحملاً منه أمانة لا ينفك عنها إلا بنفاذه، أو كالوكيل فيه لخلق الله، سواء عليه أعد نفسه منهم أم لا. وهذا كان غالب أحوال الصحابة، ولم يكن إمساكهم مضادًّا لاعتمادهم على مسبب الأسباب -سبحانه وتعالى-، إلا أن هذا الرأي أُجري على اعتبار سنة الله تعالى في العاديات، والأول ليس للعاديات عنده مزية في جريان الأحكام على العباد".

"العاديات" يعني: ما تحكم به العادة، "إلا أن هذا الرأي أُجري على اعتبار سنة الله تعالى في العاديات"، العادة أنه قد يحتاج الإنسان الشيء، قد يفاجئه شيء، وفي زماننا الأمر أشد من ذي قبل، كانت الأمور ميسورة ومقدور عليها وليس هناك طوارئ وأمور تفاجئ الإنسان؛ لأنه يطرأ على الإنسان في يوم من الأيام أن يحصل له شيء يأتي على جميع ما جمع في وقتنا، في السابق الأمور ميسورة يعني ما هناك شيء يكلف.

طالب: "وأما من أبقى لنفسه حظًّا فلا حرج عليه، وقد أُثبت له حظه من التوسع في المباحات على شرط عدم الإخلال بالواجبات، وهكذا يجب أن ينظر في كل خصلة من الخصال المكية حتى يعلم أن الأمر كما ذكر، فالصواب -والله أعلم- أن أهل هذا القسم معاملون حكمًا بما قصدوا من استيفاء الحظوظ، فيجوز لهم ذلك، بخلاف القسمين الأولين، وهما مما لا يأخذ بتسببه أو يأخذ".

"من لا".

طالب: "وهو من لا يأخذ بتسببه أو يأخذ به، ولكن على نسبة القسمة ونحوها. فإن قيل: فلم لا تقع الفتيا بمقتضى هذا الأصل عند الفقهاء؟ فاعلم أن النظر فيه خاص لا عام".

يعني مثل ما جاء في السؤال: كم في مائتي درهم من الزكاة؟ فاستفهم: من أي نوع أنت؟ أنت من أرباب الدنيا أم من أرباب الآخرة؟ إذا قال: من أرباب الآخرة، كله لله، هذا المال عرية بيدك، وإن كنت من أرباب الدنيا الذي تريد فيه الحكم بالتحقيق والتحرير فربع العشر. ونظير هذا من سأل عن حجه، وهذه قصة مذكورة في كتب التواريخ أن شخصًا حج من بغداد ثلاث مرات ماشيًا، ثلاث مرات حج ماشيًا من بغداد، فلما قفل من الحج للمرة الثالثة دخل البيت ووجد الأم نائمة فانتبهت استيقظت به فقالت: أعطني ماءً. الرجل مشي آلاف الأميال مشيًا، وبعد ما ارتاح استيقظت أمه قالت: أعطني ماءً، كأنه ما سمع، ما أجابها، ثم قالت بعد مدة: اسقني ماءً، الماء موجود قريب من أمتار، ثم قالت الثالثة: اسقني ماءً، فقام نهض وقام وسقاها الماء ثم لما أصبح ذهب يسأل: ما حكم الحج الذي يحج على قدميه آلاف الأميال ويتردد في سقيا أمه الماء من أذرع قليلة يعني ما هي شيء؛ لأنه شك، ولا شك أن هذا فيه خلل، فسأل فوُفق لشخص مثل هذا الذي قال: إن كنت كذا فالمال لله ما لك شيء، من ليس من فقهاء الظاهر، قال له: أعد حجة الإسلام؛ لأن أصل النية مدخولة، والنية شرط لصحة العبادة، وإلا ماذا يعني أنك تروح آلاف الأميال على قدميك وبضعة أمتار لا تلبي من وجبت طاعته؟ هذا طاعته آكد الحقوق بعد حق الله -جَلَّ وعَلا-.

 وهذا مع الأسف موجود الآن بكثرة بين الناس وبين طلاب العلم تجده حريصًا على الدروس ويتردد على المشايخ ومن مسجد إلى مسجد، لكن لو تقول له أمه: أبغي مشوارًا إلى خالتك في طرف الحي، قال: والله أنا مشغول، هذا موجود، لكن لا شك أن هذا خلل وبرهان واضح على أن النية مدخولة.

طالب: "فاعلم أن النظر".

لحظة.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

لا، {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65]، لكن هذا.

طالب: .......

هذا ما اسمه؟ ترهيب، مثل هذا يحمل على قوة الزجر. هناك من يقال لهم الإحباطية من المعتزلة وغيرهم، وهناك الموازنة بين الأعمال، قد يأتي بأعمال وفي الموازنة يأتي عليها ما يقابلها.

طالب: "فاعلم أن النظر فيه خاص لا عام، بمعنى أنه مبني على حالة يكون المستفتي عليها، وهو كونه يعمل لله، ويترك لله في جميع تصاريفه، فسقط له طلب الحظ لنفسه، فساغ أن يفتي على حسب حاله؛ لأنه يقول: هذه حالتي، فاحملني على مقتضاها، فلا بد أن تحمله على ما تقضيه، كما لو قال أحد للمفتي: إني عاهدت الله على أن لا أمس فرجي بيميني، أو عزمت على ألا أسأل أحدًا شيئًا، وأن لا تمس يدي يد مشرك، وما أشبه هذا، فإنه عقد عقدًا لله على فعل فضل، وقد قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} [النحل: 91]، ومدح الله في كتابه الموفين بعهدهم إذا عاهدوا، وهكذا كان شأن المتجردين لعبادة الله، فهو مما يُطلب الوفاء به ما لم يمنع مانع".

لكن هل مجرد وجود الإنسان في هذه الفئة أو بين هذه المجموعة الذين انقطعوا لله -جَلَّ وعَلا- وهو واحد منهم، هل نقول إنه عاهد الله على مثل هذا فيفتى بموجبه؟

طالب: .......

يعني يأتيك واحد وقته كله في المسجد، دعاء وذكر وتلاوة وصلاة، والثاني في متجره بين أرباب الدنيا، ويجيئون يسألونك عن مسألة واحدة. مقتضى كلام المؤلف أن هذا يختلف عن ذاك، وأن هذا لا حال له، وذاك له حال. ولذلك قال: "فإنه عقد عقدًا لله على فعل فضل"، عقده بفعله لا بقوله وإن لم ينطق به. والأصل أن يبين الحكم بدليله للمستفتي.

طالب: بغض النظر عن حاله.

ماذا؟

طالب: بغض النظر عن حاله.

بغض النظر عن حاله وهو يختار لنفسه، يعني إذا أراد أن يزيد عليه فما يمنعه أحد.

طالب: "وفي الحديث: «إن خيرًا لأحدكم أن لا يسأل من أحد شيئًا»، فكان أحدهم يقع له سوطه من يده فلا يسأل أحدًا أن يناوله إياه.

 وقال عثمان: ما مسست ذكري بيميني منذ بايعت بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وقصة حَمي الدَّبر ظاهرة في هذا المعنى، إذ عاهد الله أن لا يمس مشركًا، فحمته الدَّبر حين استشهد أن يمسه مشرك، الحديث كما وقع".

أرادوا أن يمثلوا به بعد قتله، فحماه الله بالزنابير فطردتهم عنه حتى تمكن المسلمون من حمله وتغسيله؛ ودفنه، شهيد هو، ولو يقال مثل هذا الكلام: لا تمس يدي مشركًا أم بعد، لو يحلف أحد لا يمس بيده مشركًا رُمي بالعظائم بناءً على أن النجاسة ليست حسية، وإنما هي معنوية، وهو لا ينجس، هذا من حيث الحكم. لكن من تنجس عن مثل هؤلاء الأنجاس ما يلام.

طالب: "غير أن الفتيا بمثل هذا اختصت بشيوخ الصوفية؛ لأنهم المباشرون لأرباب هذه الأحوال، وأما الفقهاء، فإنما يتكلمون في الغالب مع من كان طالبًا لحظه من حيث أثبته له الشارع، فلا بد أن يفتيه بمقتضاه، وحدود الحظوظ معلومة في فن الفقه، فلو فرضنا أحدًا جاء سائلاً وحاله ما تقدم، لكان على الفقيه أن يفتيه بمقتضاه، ولا يقال: إن هذا خلاف ما صرح به الشارع؛ لأن الشارع قد صرح بالجميع، لكن جعل إحدى الحالتين -وهي المتكلم فيها- من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، ولم يلزمها أحدًا؛ لأنها اختيارية في الأصل، بخلاف الأخرى العامة فإنها لازمة، فاقتضى ذلك الفتيا بها عمومًا كسائر ما يتكلم الفقهاء فيه. فإن قيل: فإن كانت غير لازمة، فلم تقع الفتيا".

يعني اختلاف الناس، اختلاف أنظارهم فيه وأحوالهم في مثل هذا الباب، بعض الناس لو يؤذن المؤذن وهو ليس في المسجد، لام نفسه، وتكدرت حياته، وبعضهم لو تفوته تكبيرة الإحرام أو تفوته الراتبة كذلك، وبعضهم المهم أنه يدرك الواجب، وما عدا ذلك نفل يستوي عنده أدركه أو لم يدركه. لا شك أن الناس أحوال، ونظرة الناس إليهم كذلك متفاوتة، لو أن إمام المسجد سلم من الصلاة وانصرف إلى الجماعة فوجد شخصًا يقضي الركعات الأربعة وشخصًا يقضي واحدة، فبإمكانه أن يلوم من فاتته ركعة على حسب حاله، ويشكر من أدرك التشهد على حسب حاله، وهذا شيء مدرك.

طالب: "فإن قيل: فإن كانت غير لازمة فلم تقع الفتيا بها على مقتضى اللزوم؟ قيل: لم يفت بها على مقتضى اللزوم الذي لا ينفك عنه السائل من حيث القضاء عليه بذلك، وإنما يفتى لها وهو طالب أن يلزم نفسه ذلك حسبما استدعاه حاله، وأصل الإلزام معمول به شرعًا، أصله النذر والوفاء بالوعد في التبرعات، ومن مكارم الأخلاق ما هو لازم".

يعني ما يوجبه الإنسان على نفسه من غير إيجاب في أصل الشرع.

طالب: "ومن مكارم الأخلاق ما هو لازم، كالمتعة في الطلاق، وحديث: «لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبه في جداره»، وكان -عليه الصلاة والسلام- يعامل أصحابه بتلك الطريقة ويميل بهم إليها، كحديث الأشعريين إذا أرملوا".

"إذ".

طالب: أحسن الله إليك. "إذ أرملوا".

فأمر بالصدقة عليهم.

طالب: "وقوله: «من كان له فضل ظهر، فليعد به على من لا ظهر له» الحديث بطوله، وقوله: «من ذا الذي تألى على الله لا يفعل الخير؟»، وإشارته إلى بعض أصحابه أن يحط عن غريمه الشطر من دينه، وقد أنزل الله في شأن أبي بكر الصديق حين ائْتَلَى أن لا ينفق على مسطح: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ} [النور: 22] الآية، وبذلك عمل عمر بن الخطاب في حكمه".

وفي الأصل النفقة غير واجبة على أبي بكر، لكن لما وقع مسطح في قصة الإفك، وبدر منه ما بدر، حلف أبو بكر أن لا ينفق عليه، كان ينفق عليه فعوتب: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} [النور: 22] إلى آخر الآية، فعاد إلى الإنفاق عليه.

طالب: "وبذلك عمل عمر بن الخطاب في حكمه على محمد بن مسلمة بإجراء الماء على أرضه وقال: «واللهِ، ليمرن به ولو على بطنك»، إلى كثير من هذا الباب. وأخص من هذا فتيا أهل الورع إذا علمت درجة الورع في مراتبه، فإنه يفتى بما تقتضيه مرتبته، كما يحكى عن أحمد بن حنبل أن امرأة سألته عن الغزل بضوء مشاعل السلطان، فسألها: من أنت؟ فقالت: أخت بشر الحافي. فأجابها بترك الغزل بضوئها. هذا معنى الحكاية دون لفظها. وقد حكى مطرِّف عن مالك في هذا المعنى أنه قال: كان مالك يستعمل في نفسه ما لا يفتي به الناس، يعني: العوام".

يحمله على العزيمة، ويفتي الناس بما يقتضيه الدليل.

طالب: "ويقول: لا يكون العالم عالمًا حتى يكون كذلك، وحتى يحتاط لنفسه بما لو تركه لم يكن عليه فيه إثم. هذا كلامه. وفي هذا من كلام الناس والحكايات عنهم كثير، والله أعلم".

اللهم صل وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.