شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الحج - 13

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الحج - 13
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
الاثنين, 5 ذو الحجة, 1438 - 21:15

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم إلى حلقة جديدة ضمن برنامجكم شرح كتاب الحج ضمن شرح التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

مع بداية حلقتنا يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلًا ومرحبًا بكم شيخ عبد الكريم.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: كنا في الحلقة الماضية في ذكر بعض الألفاظ في حديث ابن عباس في توقيت النبي -صلى الله عليه وسلم- لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ووقفنا عند ميقات أهل نجد.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

انتهينا من ميقات أهل نجد.

المقدم: قلنا: إنه ...

بقي ميقات أهل اليمن.

المقدم: قلنا: قرن المنازل الذي هو السيل الآن يا شيخ؟

نعم، هو السيل المعروف الآن بالسيل الكبير.

المقدم: ويوازيه السيل الصغير الذي على طريق الطائف كرى؟

يعني المحاذاة من أجل صحة الإحرام؟ يحاذيه الهَدى.

المقدم: الذي هو على طريق كرى هذا.

نعم.

المقدم: هو هذا بالمحاذاة وإلا فليس أيضًا هو هذا الموقت.

الموقت السيل الذي هو ماذا؟ قرن المنازل.

المقدم: نعم.

وبالمحاذاة من ...

المقدم: السيل الصغير يسمونه أو الكرى.

لا، لا.

المقدم: ما يسمى السيل الصغير؟

السيل الصغير قريب من السيل الكبير.

المقدم: نعم.

يقول: "ولأهل اليمن" اليمن كل ما كان على يمين الكعبة، والنسبة إليه يمني على القياس، ويماني على غير القياس، لكن إذا قلت: يمني أصل اليمن تضيف إليها ياء النسب المشددة، فتقول: يمنيٌّ، وهذه يمنيّةٌ بالتشديد، لكن إذا جئت على غير القياس، وذكرت الألف يماني التي هي عوض عن الياء الثانية في ياء النسب، ولذا تخفف تقول: يماني، ما تقول: يمانيٌ، لا، وهذه يمانية، لكن لو نسبت على القياس قلت: يمنيّة؛ لأن الأصل أن ياء النسب مشددة.

ياء كيا الكرسي زيدت للنسب ...

ولذلك الذي يقول: تيميّة وتيمية هذا قياس أم غير قياس؟ ياء النسب مشددة.

"يلملم" بفتح التحتانية واللام، وسكون الميم بعدها لام مفتوحة، ثم ميم مكان على مرحلتين من مكة، ويقال له: ألملم بالهمزة، وهو الأصل، والياء تسهيل لها، وحكى ابن السِيد ابن السِيد كذا أو السَيد؟

المقدم: ابن السِيد.

ابن السيد البطليوسي هذا، السِيد ما هو؟ الذئب، نعم.

وحكى ابن السيد فيه: يرمرم، برائين بدل اللامين، قال في المصباح: ألملم جبل بتهامة على ليلتين من مكة، وهو ميقات أهل اليمن، ووزنه فعلعل، وقد غلب الاسم على البقعة، فيمنع حينئذٍ من الصرف للعلمية والتأنيث، قال ابن حجر: أبعد المواقيت من مكة ذو الحليفة ميقات أهل المدينة، فقيل: الحكمة في ذلك أن تعظم أجور أهل المدينة، وقيل: رفقًا بأهل الآفاق؛ لأن أهل المدينة أقرب الآفاق إلى مكة، أي: ممن له ميقات معين، لكن من كان منزله قبل مثلًا السيل بشيء يسير، هو أقرب إلى مكة من المدينة، أهل الحوية مثلًا لهم ميقات أو ليس لهم ميقات؟

المقدم: بلى.

السيل، وهم أقرب من المدينة، ولذلك قال: وقيل: رفقًا بأهل الآفاق؛ لأن أهل المدينة أقرب الآفاق إلى مكة، يرد عليه ما ذكرنا، لكن أما كونها تعظم أجور أهل المدينة فهذا صحيح؛ لأنه كلما طال التلبس بالإحرام، زاد الأجر، باعتبار أنه أشق على النفس من الثياب، ولذا يقولون: ينبغي أن يحرم من أول الميقات لا من آخره.

المقدم: لزيادة الأجر.

نعم، «هن» أي هذه المواقيت «لهن» أي: لتلك البلدان المذكورة، والمراد لأهلها، ووقع في بعض الروايات: «هن لهم» وفي رواية: «هن لأهلهن ولمن أتى» أي: مر عليهن على المواقيت «من غيرهن» أي: غير تلك البلدان، فهذه المواقيت التي عينها النبي -صلى الله عليه وسلم-.

المقدم: اللهم صل وسلم على رسول الله ...

لمن ذكر من الآفاق، وهي أيضًا مواقيت لمن أتى عليها، وإن لم يكن من أهل تلك الآفاق المعينة، فإنه يلزمه الإحرام منها، إذا أتى عليها قاصدًا الإتيان لمكة لأحد النسكين.

«هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن» المدني ميقاته ذو الحليفة.

المقدم: ذو الحليفة.

هن لهن، طيب الشامي إذا مر بالمدينة أو نجدي إذا مر بالمدينة ميقاته؟

المقدم: ميقات أهل المدينة لأنه ...

لماذا؟

المقدم: يشملهم.

لأنه أتى عليهن.

المقدم: من أتى ...

وإن كان من غير أهلهن، قال ابن حجر: الشامي إذا أراد الحج فدخل المدينة فميقاته ذو الحليفة؛ لاجتيازه عليها، يعني لقوله: «ولمن أتى عليهن من غير أهلهن» ولا يؤخر حتى يأتي الجحفة التي هي ميقاته الأصلي، فإن أخر أساء ولزمه دم عند الجمهور، وأطلق النووي الاتفاق، ونفى الخلاف في شرحه لمسلم والمهذب في هذه المسألة، يعني أنه يلزمه الدم، يعني: النجدي إذا مر بالمدينة.

المقدم: هل النجدي فقط أو هذا على الإطلاق؟

والشامي إذا مر بالمدينة.

المقدم: لأنها ترد، أحسن الله إليك ...

اليمني إذا مر على قرن المنازل.

المقدم: نعم هي تريد هكذا بالنسبة لليمني الذي نوى الحج، ولكنه أراد زيارة المدينة قبل إتيانه لمكة.

نعم.

المقدم: يعني جاء مثلًا في اليوم الأول من ذي الحجة، فإنه جزمًا اليمني يمر على ميقاته ذاهبًا إلى المدينة بخلاف النجدي مثلًا الذي قد لا يمر على ميقاته، فاليمني يتجاوز ميقاته ذاهبًا إلى المدينة، وقد نوى الحج ثم يعود مرة أخرى، إذا عاد يعتبر ضمن هذا «لمن أتى عليهن من غير أهلهن».

هذه المسألة التي ذكرتَها تختلف عما أطلقوا عليه الاتفاق هنا، هنا يقول: الشامي إذا دخل المدينة مريدًا الحج فميقاته ذو الحليفة.

المقدم: ذو الحليفة.

بالجملة الثانية.

المقدم: نعم، «ولمن أتى عليهن من غير أهلهن».

«ولمن أتى عليهن من غير أهلهن» لكن الجملة الأولى تقتضي أن يؤخر الإحرام إلى الجحفة «هن لهن»، هذا المقتضى.

المقدم: نعم.

والجملة الثانية تقتضي أن يكون ميقاته ...

المقدم: ما مر عليه.

ذو الحليفة، ولذا يختلف أهل العلم في هذه المسألة، شامي قال: أنا لا أريد أن أحرم من المدينة أربعمائة كيلو، أنا أنتظر حتى أصل إلى الجحفة، له ذلك أو ليس له ذلك؟ عند الجمهور ليس له ذلك.

أطلق النووي الاتفاق، ونفى الخلاف في شرحه لمسلم والمهذب في هذه المسألة، فلعله أراد في مذهب الشافعي، أنه يسيء ويلزمه دم، وإلا فالمعروف عند المالكية أن للشامي مثلًا إذا جاوز ذا الحليفة بغير إحرام إلى ميقاته الأصلي وهو الجحفة جاز له ذلك، وإن كان الأفضل خلافه، وبه قال الحنفية، يقولون: يجوز له أن يؤخر، وكونه يعمل بالجملة الأولى هذا الأصل: «هن لهن» كون ذي الحليفة ميقات للشامي إذا مر به هل هو ميقات أصلي أو طارئ بسبب المرور؟ بسبب المرور.

المقدم: بسبب المرور نعم.

وأما ميقاته الأصلي فهو الجحفة، الجمهور يرون أنه يسيئ وعليه دم، إذا جاوز ذا الحليفة؛ لأنه أتى عليه ومر به وهو مريد الحج والعمرة ولم يحرم، المعروف عند المالكية أن الشامي مثلًا إذا جاوز ذا الحليفة بغير إحرام إلى ميقاته الأصلي وهو الجحفة جاز له ذلك، وإن كان الأفضل خلافه، وبه قال الحنفية وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية، الآن الشامي واضح ميقاته الجحفة، وتأخر إلى ميقاته، لكن النجدي إذا تجاوز ذا الحليفة وأحرم من الجحفة ...

المقدم: النجدي تجاوز قرن المنازل.

لا، تجاوز الحليفة هو مر بالمدينة.

المقدم: نعم.

نعم، وتجاوز ذا الحليفة وأحرم من الجحفة مثل ما فعل الشامي.

المقدم: لا، ما ينطبق.

لا يشمله لا الجملة الأولى ولا الثانية.

المقدم: ولا الثانية.

لكن لو تجاوز ذا الحليفة، وانطلق إلى قرن المنازل، صار نظير الشامي الذي لم يحرم من ذي الحليفة، وأحرم من ميقاته الأصلي، فهل يشمل كلام الإمام مالك يشمل النجدي إذا مر بذي الحليفة وأحرم من الجحفة أو يشمله الكلام إذا تجاوز ذا الحليفة وأحرم من السيل؟ واضح.

المقدم: نعم، يشمله الثاني.

لكن تصور أن مثلًا من نجد بالطائرة ما انتبه إلا وهو في جدة.

المقدم: نعم.

وقال: أنا أريد أن أرجع إلى رابغ أقرب وأحرم منه، أو نقول: اذهب إلى السيل؟

المقدم: اذهب إلى السيل.

الأصل أن يذهب إلى السيل، في منسك الشيخ ابن جاسر -رحمه الله- الذي أشرنا إليه سابقًا، عند المالكية إذا مر المصري والشامي والمغربي بذي الحليفة فالأفضل لهم أن يحرموا منها، ولهم التأخير للجحفة، وفي منسك الشيخ يحيى الحطاب من المالكية، قال مالك: ومن حج في البحر من أهل مصر والشام وشبههما أحرم إذا حاذى الجحفة، قال شارحه: ولا يؤخره إلى البر؛ لأنه يحاذي وهو في البحر، لا يؤخره إلى أن يصل إلى البر إلى جدة مثلًا، إنما يحرم إذا حاذه وهو في البحر، فإن أخره إلى البر أساء وعليه دم عندهم، وعند الحنفية: إن من سلك طريقًا ليس فيه ميقات معين برًّا أو بحرًا اجتهد وأحرم إذا حاذ ميقاتًا منها، ومن حذو الأبعد أولى، يعني إن أحرم من حذو الأبعد منهما أولى وأحوط، وإن لم يعلم المحاذاة، ما يدري، على طريق من السفلت ما يعرف هل حاذى أو ما حاذى؟ كيف يصنع؟ وإن لم يعلم المحاذاة فعلى مرحلتين من مكة، المرحلتان كم كيلو؟ ثمانون كيلو.

المقدم: باعتبار أقرب ميقات إلى مكة.

نعم، ثمانون كيلو، وعندهم أن من ترك ميقاته الذي جاوزه، وأحرم من ميقات آخر ولو إلى أقرب إلى مكة من الأول سقط عنه الدم، يعني عند الحنفية أن النجدي مثلًا إذا مر بميقات المدينة مثلًا ذي الحليفة ثم تجاوزه إلى الجحفة وأحرم منها عندهم لا يلزمه أن يذهب إلى السيل، وقل مثل هذا من غفل ونزلت به الطائرة إلى جدة يرجع إلى؟

المقدم: رابغ.

رابغ، إذا كان أيسر له من السيل على قولهم، لكن الحديث يلزم إما في ميقاته الذي حدد له، ولجهته، أو لما مر به، لكن لو حصل مثلًا، قال: والله لما وصلت جدة قالوا لي: اذهب إلى رابغ وأحرم، وأحرمت وحصل هذا وانتهى في قول الحنفية سعة.

وعندهم أن من ترك ميقاته الذي جاوزه وأحرم من ميقات آخر ولو أقرب إلى مكة من الأول سقط عنه الدم، وأن المدني إذا جاوز ذا الحليفة غير محرم إلى الجحفة كره، المدني! ميقاته الأصلي؟

المقدم: ذو الحليفة.

ذو الحليفة، ومر بذي الحليفة، وتجاوزه من غير إحرام إلى الجحفة.

المقدم: ومع ذلك يقول: كره.

يقول: كره، لماذا؟ لأن هذا ميقات معتبر شرعًا، له أو لأخيه من الآفاقي من المسلمين، لحجاج مثله، فهذه وجهة نظرهم إلا أنه يكره لوجود الخلاف القولي في المسألة، الجمهور على خلافه، وفي لزوم الدم عندهم خلاف، والصحيح عدم وجوبه؛ لأنه إذا كان في طريقه ميقاتان، فالسالك مخير في أن يحرم من الأول وهو الأفضل، أو يحرم من الثاني فإنه رخصة له. في منتهى الإرادات من كتب الحنابلة، بل هو من أمتن كتبهم: من لم يمر بميقات أحرم إذا علم أنه حاذى أقربهما منه، وسن أن يحتاط، فإن تساويا قربًا فمن أبعدهما من مكة، فإن لم يحاذ ميقاتًا أحرم عن مكة بمرحلتين.

وفي الإقناع أيضًا، وهو من مشاهير كتب الحنابلة: الأفضل أن يحرم من أول الميقات، وهو الطرف الأبعد عن مكة، وإن أحرم من الطرف الأقرب من مكة جاز، وهي لأهلها، هذه المواقيت لأهلها، ولمن مر عليها من غير أهلها، ممن يريد حجًّا أو عمرة، فإن مر الشامي أو المدني أو غيرهم على غير ميقات بلده، فإنه يحرم من الميقات الذي مر عليه؛ لأنه صار ميقاته «ممن أراد الحج والعمرة»، ترجم الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- بقوله: باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام، ودخل ابن عمر، وإنما أمر النبي -عليه الصلاة والسلام- بالإهلال لمن أراد الحج والعمرة، ولم يذكره للحطابين ولا لغيرهم.

قال ابن حجر: حاصل كلام المصنف أنه خص الإحرام بمن أراد الحج والعمرة، نص ممن أراد.

المقدم: الحج والعمرة.

الحج والعمرة، مفهومه أن الذي لا يريد الحج والعمرة.

المقدم: لا يلزم.

ولو دخل مكة.

المقدم: ما يلزمه الإحرام.

لا يلزمه الإحرام.

حاصل كلام المصنف أنه خص الإحرام لمن أراد الحج والعمرة، واستدل بمفهوم قوله في حديث ابن عباس: «من أراد الحج والعمرة» استدل يعني: البخاري.

المقدم: نعم.

بمفهوم قوله في حديث ابن عباس: «ممن أراد الحج والعمرة» فمفهومه أن المتردد إلى مكة لغير قصد الحج والعمرة لا يلزمه الإحرام، وقد اختلف العلماء في هذا، فالمشهور في مذهب الشافعي عدم الوجوب مطلقًا، وفي قول يجب مطلقًا، يعني عنده، وفيمن يتكرر دخوله خلاف مرتب، وأولى بعدم الوجوب، والمشهور عند الأئمة الثلاثة: الحنفية المالكية الحنابلة الوجوب أنه لا يدخل مكة من غير إحرام، وفي رواية عن كل منهم لا يجب، يعني قول آخر من مذاهبهم، وهو قول ابن عمر والزهري والحسن وأهل الظاهر، وجزم الحنابلة باستثناء ذوي الحاجات المتكررة، واستثنى الحنفية من كان داخل الميقات.

وزعم ابن عبد البر أن أكثر الصحابة والتابعين على القول بالوجوب، ومفهوم الحديث صريح في عدم الوجوب.

المقدم: نعم.

مفهوم الحديث صريح؛ لأنه يقول: «ممن أراد» ولأنه ثبت بالاتفاق أن الحج لا يجب إلا مرة واحدة، يعني لو ألزمنا كل داخل أن يحرم لأوجبنا الحج عليه أكثر.

المقدم: أكثر من مرة.

أكثر من مرة، والإجماع قائم على أن الحج لا يجب في العمر.

المقدم: إلا مرة واحدة.

إلا مرة واحدة، ومثله العمرة عند من أوجبها.

«ومن كان دون ذلك» أي بين الميقات ومكة «فمن حيث أنشأ» أي فميقاته من حيث أنشأ الإحرام، إذ السفر من مكانه إلى مكة، وهذا متفق عليه، إلا ما روي عن مجاهد أنه قال: ميقات هؤلاء نفس مكة، من كان بين مكة والميقات يدخل إلى مكة غير محرم، ميقاته نفس مكة، واستدل به ابن حزم على أن من ليس له ميقات، فميقاته من حيث شاء، ليس له ميقات، يعني ابن حزم يرى أن هذه المواقيت خاصة بأهل هذه الجهات، هناك جهات ما لها مواقيت.

المقدم: يختار ما شاء.

نعم، يعني لو افترضنا أهل عُمان مثلًا، وأهل خرسان، وأهل الجهات الأخرى التي لم تذكر في النصوص، ما الذي حمله على هذا؟

المقدم: ولا يمرون بالمذكورة.

لو مروا.

المقدم: يتبعونهم يا شيخ.

استدل به ابن حزم على أن من ليس له ميقات فميقاته من حيث شاء؛ لأن الظاهرية يجمدون على ما ذكر.

المقدم: بالنص.

بالنص نعم.

ولا دلالة فيه؛ لأنه يختص بمن كان دون الميقات إلى جهة مكة، وأيضًا يرد عليه قوله؟

المقدم: «هن لهن ولمن أتى عليهن».

«ولمن أتى عليهن من غير أهلهن» لكن كلامه مفترض فيمن لم يذكر بالتحديد ولا يمر؛ لأن الذي يمر ولو لم يذكر يشمله قوله: «ولمن أتى».

قال ابن حجر: ويؤخذ منه أن من سافر غير قاصد للنسك فجاوز الميقات، ثم بدا له بعد ذلك النسك أنه يحرم من حيث تجدد له القصد، ولا يجب عليه الرجوع إلى الميقات لقوله: «فمن حيث أنشأ» شخص كلف بعمل بجدة، وذهب إلى جدة غير محرم، وجدة دون الميقات، وجد فرصة مثلًا من أين يحرم؟ نعم من حيث أنشأ من جدة.

المقدم: نعم.

لأنه دون الميقات.

«حتى أهل مكة» يجوز فيه الرفع والكسر «من مكة» أي يحرمون من مكة، فلا يحتاجون إلى الخروج إلى الميقات للإحرام منه، بل يحرمون من مكة، وهذا خاص بالحج، وتقدم ذكر إحرام المكي بالنسبة للعمرة، وما قيل فيه من خلاف، وعرفنا اختيار الإمام البخاري في المسألة، واختلف العلماء فيمن جاوز الميقات مريدًا للنسك فلم يحرم.

المقدم: نعم.

جاوز الميقات مريدًا للنسك فلم يحرم.

المقدم: نعم، هل يرجع أو ما يرجع؟

فقال الجمهور: يأثم ويلزمه دم، أما الإثم فلتركه الواجب، فرض الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذه المواقيت، وقّت هذه المواقيت، بمعناه أنه أوجبها وألزم بها، فلترك الواجب أم الدم فلخبر ابن عباس؛ لأنه ترك نسك، وذهب عطاء والنخعي إلى عدم الوجوب، ومقابله قول سعيد بن جبير: لا يصح حجه، وبه قال ابن حزم، إذا تجاوز الميقات من غير إحرام لا يصح حجه، يعني يتقابل القولان لا شيء عليه ولا حج له، ويقع في الوسط قول الجمهور، أنه يصح حجه لكن عليه دم.

وقال الجمهور: لو رجع إلى الميقات قبل التلبس بالنسك سقط عنه الدم، روى أبو داود في سننه والنسائي عن عائشة أن النبي -عليه الصلاة والسلام- وقت لأهل العراق ذات عرق، وهو في صحيح مسلم إلا أن راويه شك في رفعه، وفي صحيح البخاري عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: لما فتح هذان المصران، أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حد لأهل نجد قرنًا، وهو جور عن طريقنا، وأنا إن أردنا قرنًا شق علينا، قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فحد لهم ذات عرق، حديث أبي داود وما جاء في صحيح مسلم إلا أنه مشكوك في رفعه يدل على أن تحديد ذات عرق مرفوع من النبي -عليه الصلاة والسلام-، والذي في البخاري عن ابن عمر يدل على أن عمر هو الذي حدد لهم ذات عرق، وظاهر هذا أن عمر حدد لهم ذات عرق باجتهاد منه، وبه قطع جمع من العلماء، وصحح الحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية أنه منصوص، يعني مرفوع إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- بالنص.

وقال المجد بن تيمية في المنتقى، المجد جد شيخ الإسلام صاحب المنتقى: النص بتوقيت ذات عرق ليس في القوة كغيره، ليس مثل ذا الحليفة أو قرن المنازل، مما نص عليه الحديث الصحيح، ليس في القوة كغيره، فإن ثبت فليس ببدع وقوع اجتهاد عمر على وفقه، فإنه كان موفقًا للصواب، كأن عمر لم يبلغه الحديث فاجتهاد بما وافق النص، وقد انعقد الإجماع على ذلك.

وأما ما جاء عند أحمد وأبي داود والترمذي عن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقت لأهل المشرق العقيق فهو حديث ضعيف.

والحديث أخرجه الإمام البخاري في خمسة مواضع:

الأول: في كتاب الحج، في باب مهل أهل مكة للحج والعمرة، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا وهيب، قال: حدثنا ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقت لأهل المدينة، فذكره وسبق ذكر المناسبة.

الموضع الثاني: في كتاب الحج، باب مهل أهل الشام، حدثنا مسدد قال: حدثنا حماد عن عمرو بن دينار عن طاووس عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: وقت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فذكره، والمناسبة ظاهرة، حيث ذكر ميقات أهل الشام في الحديث، وأنه الجحفة.

الثالث: في كتاب الحج أيضًا، باب مهل من كان دون المواقيت، قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا حماد عن عمرو عن ابن طاووس عن طاووس عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، وفيه: «فمن كان دونهن فمن أهله» والمناسبة ظاهرة، مهل من كان دون المواقيت، والتنصيص على أن من كان دون هذه المواقيت فمن أهله.

والرابع: في كتاب الحج أيضًا في باب مهل أهل اليمن، حيث قال: حدثنا معلى بن أسد قال: حدثنا وهيب عن عبد الله بن طاووس عن أبيه عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، وفيه: "ولأهل اليمن يلملم" والمناسبة مهل أهل اليمن ظاهر.

والخامس في كتاب جزاء الصيد في باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام، الذي أشرنا إليه آنفًا.

قال -رحمه الله-: حدثنا مسلم، يعني: ابن إبراهيم، قال: حدثنا وهيب عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، الحديث، وفيه: «هن لهن، ولكل من أتى عليهن من غير أهلهن، ممن أراد الحج والعمرة» وسبق الحديث فيه هذه المسألة، والمناسبة ظاهرة.

المقدم: إذن ننبه الإخوة الذين يتابعوننا بأن النسخة التي نقرأ منها قد أخطأ فيها المحقق بعدم وضع الأطراف، وقد ذكرها فضيلة الدكتور في خمسة مواضع كما ذكرنا، وبالتالي يتابع معنا -بإذن الله-، شكر الله لكم فضيلة الدكتور، ونفع بعلمكم، ونسأل الله تعالى أن يجزيكم عنا خير الجزاء، كما نسأله -سبحانه وتعالى- أن يوفقنا وإياكم جميعًا لكل خير، وأن يهدينا سبل السلام، إنه جواد كريم.

شكرًا لكم أيها الإخوة والأخوات، نلقاكم -بإذن الله تعالى- في حلقات قادمة، وأنتم على خير.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.