التعليق على تفسير القرطبي - سورة الممتحنة (01)

عنوان الدرس: 
التعليق على تفسير القرطبي - سورة الممتحنة (01)
عنوان السلسلة: 
التعليق على تفسير القرطبي
تاريخ النشر: 
الاثنين, 21 شعبان, 1439 - 10:15

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه

قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى:

"سورة الممتحنة، مدنية في قول الجميع، وهي ثلاث عشرة آية. الممتحِنة بكسر الحاء أي المختبِرة، أُضيف الفعل إليها مجازًا، كما سميت سورة البراءة المبعثرة والفاضحة، لما كشفت من عيوب المنافقين ومن قال في هذه السورة الممتحنَة بفتح الحاء فإنه أضافها إلى المرأة التي نزلت فيها، وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط. قال الله تعالى: {فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} [الممتحنة:1] الآية، وهي امرأة عبد الرحمن بن عوف، ولدت له إبراهيم بن عبد الرحمن."

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، الضبط لاسم السورة الممتحنة، هذه السورة مختبرة؛ يعني ما جاء فيها، {فَامْتَحِنُوهُنَّ} هذا اختبار فسورة الممتحِنة، والمرأة ممتحَنة، ومضى في سورة المجادَلة أو المجادِلة على ما تقدم، فالمجادِلة هي المرأة. {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ}[المجادلة:1].

والمجادلة: المحاورة التي نزلت بشأنها هذه السورة، فهنا الفتح للمرأة، وهناك الكسر للمرأة، والكسر هنا للسورة، والفتح هناك للمحاورة، فتختلف هذه عن تلك، وإن كان الضبط بالفتح والكسر كما هناك، لكن التوجيه يختلف.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء} عَدَّى اتَّخَذَ إِلَى مَفْعُولَيْنِ وَهُمَا عَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ."

هنا عدوي، {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ} معطوف عليه، والمفعول الثاني أولياء.

"وَالْعَدُوُّ فَعُولٌ مِنْ عَدَا، كَعَفُوٍّ مِنْ عَفَا. وَلِكَوْنِهِ عَلَى زِنَةِ الْمَصْدَرِ أَوْقَعَ عَلَى الْجَمَاعَةِ إِيقَاعَهُ عَلَى الْوَاحِدِ."

المصدر يخبر به عن الواحد وعن الاثنين وعن الجمع وعن المذكر وعن المؤنث، تقول: زيد عدل، كما تقول هند عدل، وزيدان عدل والزيدون عدل وهكذا.

"وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ سَبْعُ مَسَائِلَ: 

الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى:  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ} رَوَى الْأَئِمَّةُ -وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ  عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ فَقَالَ: «ائْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا»، فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا، فَإِذَا نَحْنُ بِالْمَرْأَةِ، فَقُلْنَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ، فَقَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ. فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَتُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا. فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا فِيهِ: مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى نَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا حَاطِبُ، مَا هَذَا؟» قَالَ: لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ - قَالَ سُفْيَانُ: كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا - وَكَانَ مِمَّنْ كَانَ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ فِيهِمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَلَمْ أَفْعَلْهُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي، وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَدَقَ»."

لأمر دنيوي هذه المودة. ليست من أجل موافقته في دينهم، وإنما لهدف وقصد دنيوي، فقبل النبي –صلى الله عليه وسلم- عذره، وخاطبه الله -جل وعلا- مع بقية المؤمنين بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي} وإلا فالأمر عظيم لولا هذا. منهم من يقول أن العمل مكفر ومنع من إطلاقه كونه من أهل بدر، لو كان مكفرا ما خوطب (يا أيها الذين آمنوا) وبقية المؤمنين وذلك لما سمع هذا الخطاب طار به فرحًا، أنه ما خرج من دائرة الإيمان.

"فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَدَقَ» فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ». فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} . قِيلَ: اسْمُ الْمَرْأَةِ سَارَّةُ مِنْ مَوَالِي قُرَيْشٍ."

يعني هذا الأصل في نطقها التشديد سارّة، والناس يخففونها.

طالب:......

قيلت في حق كثير من الصحابة، في وقت النزاع يتجاوز ويتسامح في الألفاظ مرارًا قال هذا المنافق، قال أنه رجل منافق ونظره وبصره إلى المنافقين. قيلت في مناسبات.

"وَكَانَ فِي الْكِتَابِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَيْكُمْ بِجَيْشٍ كَاللَّيْلِ يَسِيرُ كَالسَّيْلِ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَوْ لَمْ يَسِرْ إِلَيْكُمْ إِلَّا وَحدَهُ لَأَظْفَرَهُ اللَّهُ بِكُمْ، وَأَنْجَزَ لَهُ مَوْعِدَهُ فِيكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ وَلِيُّهُ وَنَاصِرُهُ. ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ. وَذَكَرَ الْقُشَيْرِيُّ وَالثَّعْلَبِيُّ: أَنَّ حَاطِبَ بنَ أَبِي بَلْتَعَةَ كَانَ رَجُلًا مِنْ أَهلِ الْيَمَنِ، وَكَانَ لَهُ حِلْفٌ بِمَكَّةَ فِي بَنِي أَسَدِ بنِ عَبدِ الْعُزَّى رَهطِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ. وَقِيلَ: كَانَ حَلِيفًا لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَقَدِمَتْ مِنْ مَكَّةَ سَارَّةُ مَوْلَاةُ أَبِي عَمْرِو بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ هِشَامِ بنِ عَبدِ مَنَافٍ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَتَجَهَّزُ لِفَتْحِ مَكَّةَ. وَقِيلَ: كَانَ هَذَا فِي زَمَنِ الْحُدَيْبِيَةِ؛ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمُهَاجِرَةٌ جِئْتِ يَا سَارَّةُ؟». فَقَالَتْ: لَا. قَالَ: «أَمُسْلِمَةٌ جِئتِ؟» قَالَتْ: لَا. قَالَ: «فَمَا جَاءَ بِكِ؟» قَالَتْ: كُنتُمُ الْأَهلَ وَالْمَوَالِيَ وَالْأَصْلَ وَالْعَشِيرَةَ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمَوَالِي -تَعْنِي قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ-  وَقَدِ احْتَجْتُ حَاجَةً شَدِيدَةً فَقَدِمْتُ عَلَيْكُمْ لِتُعْطُونِي وَتُكْسُونِي؛ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «فَأَيْنَ أَنْتِ عَنْ شَبَابِ أَهْلِ مَكَّةَ» وَكَانَتْ مُغَنِّيَةً، قَالَتْ: مَا طُلِبَ مِنِّي شَيْءٌ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ. فَحَثَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ."

يعني كسدت عليهم بعد بدر، كان المشركون فيهم نشوة وعندهم شيء مما ينتشون به وينتخون فيطلبون منها أن تغني ويعطونها، لكن بعد بدر انكسرت شوكتهم فما طلب منه شيء تغنيه ولا أجرة لها حينئذٍ.

الطالب: هل يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: «فَأَيْنَ أَنْتِ عَنْ شَبَابِ أَهْلِ مَكَّةَ»؟

قال: أين أنت؟ يعني لما كنت تغنينهم ما نفعوك الآن؟ يعني من حيث المعنى لا إشكال لكن هل مخرج؟

"فَحَثَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ عَلَى إِعْطَائِهَا فَكَسَوْهَا وَأَعْطَوْهَا وَحَمَلُوهَا فَخَرَجَتْ إِلَى مَكَّةَ، وَأَتَاهَا حَاطِبُ فَقَالَ: أُعْطِيكِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَبُرُدًا عَلَى أَنْ تُبَلِّغِي هَذَا الْكِتَابَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ. وَكَتَبَ فِي الْكِتَابِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُكُمْ فَخُذُوا حِذْرَكُمْ. فَخَرَجَتْ سَارَّةُ، وَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِذَلِكَ، فَبَعَثَ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ وَأَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ. وَفِي رِوَايَةٍ: عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَرْسَلَ عَلِيًّا وَعَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: عَلِيًّا وَعَمَّارًا وَعُمَرَ وَالزُّبَيْرَ وَطَلْحَةَ وَالْمِقْدَادَ وَأَبَا مَرْثَدٍ - وَكَانُوا كُلُّهُمْ فُرْسَانًا..."

لكن الذي في الصحيح، علي والزبير ومقداد كما تقدم.

"وَقَالَ لَهُمُ: «انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً وَمَعَهَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبٍ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، فَخُذُوهُ مِنْهَا وَخَلُّوا سَبِيلَهَا، فَإِنْ لَمْ تَدْفَعْهُ لَكُمْ فَاضْرِبُوا عُنُقَهَا» فَأَدْرَكُوهَا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَقَالُوا لَهَا: أَيْنَ الْكِتَابُ؟ فَحَلَفَتْ مَا مَعَهَا كِتَابٌ، فَفَتَّشُوا أَمْتِعَتَهَا فَلَمْ يَجِدُوا مَعَهَا كِتَابًا، فَهَمُّوا بِالرُّجُوعِ فَقَالَ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ مَا كَذَبَنَا وَلَا كَذَّبْنَا! وَسَلَّ سَيْفَهُ وَقَالَ: أَخْرِجِي الْكِتَابَ وَإِلَّا وَاللَّهِ لَأُجَرِّدَنَّكِ وَلَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكِ، فَلَمَّا رَأَتِ الْجِدَّ أَخْرَجَتْهُ مِنْ ذُؤَابَتِهَا - وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ حُجْزَتِهَا - فَخَلَّوْا سَبِيلَهَا وَرَجَعُوا بِالْكِتَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَرْسَلَ إِلَى حَاطِبٍ فَقَالَ: «هَلْ تَعْرِفُ الْكِتَابَ؟» قَالَ نعم وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّنَ جَمِيعَ النَّاسِ يَوْمَ الْفَتْحِ إِلَّا أَرْبَعَةً هِيَ أَحَدُهُمْ."

مخرج هذا؟ الأخير: أمن؟ وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّنَ...

"الثَّانِيَةُ: السُّورَةُ أَصْلٌ فِي النَّهْيِ عَنْ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ. وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}  {  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} {  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ } وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ. وَذُكِرَ أَنَّ حَاطِبًا لَمَّا سَمِعَ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) غُشِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْفَرَحِ بِخِطَابِ الْإِيمَانِ."

وإلا فالأمر خطير {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} الأمر خطير جدًا، لكن خطاب حاطب مع غيره من المسلمين ب( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)  يدل على أن ما كان فيه مثل سورته، وأن هذا الخطاب، أو هذاالاختبار وهذا التجسس للكفار على المسلمين إذا كان سببه الطمع الدنيوي لا يصل إلى الحد الأكبر المخرج من الملة.

"الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: { تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} يَعْنِي بِالظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ قَلْبَ حَاطِبٍ كَانَ سَلِيمًا؛ بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ: «أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ صَدَقَ» وَهَذَا نَصٌّ فِي سَلَامَةِ فُؤَادِهِ وَخُلُوصِ اعْتِقَادِهِ. وَالْبَاءُ فِي بِالْمَوَدَّةِ زَائِدَةٌ؛ كَمَا تَقُولُ: قَرَأْتُ السُّورَةَ وَقَرَأْتُ بِالسُّورَةِ، وَرَمَيْتُ إِلَيْهِ مَا فِي نَفْسِي وَبِمَا فِي نَفْسِي. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نَائبَةً..."

ثَابِتَةً

"وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ثَابِتَةً عَلَى أَنَّ مَفْعُولَ تُلْقُونَ مَحْذُوفٌ؛ مَعْنَاهُ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ أَخْبَارَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبَبِ الْمَوَدَّةِ الَّتِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ. وَكَذَلِكَ: تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ أَيْ بِسَبَبِ الْمَوَدَّةِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ مِنْ..."

قد توجد المودة بين مسلم وكافر، وقد تكون مودة صادقة لكنها جبلية وليست شرعية، كما يوجد بين الزوجين. إذا تزوج المسلم كتابية فإن المودة ثابتة {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةْ} فمثل ما يود المرأة المسلمة يود المرأة الكتابية إذا تزوجها لأن المودة ثابتة في الطرفين. لكنها ليست بمودة شرعية وإنما هي جبلية كما يكون لانتفاعه بها وحبه لها وإعجابه بها، هذا يوجب لكن هذا لا يؤثر لأن هذا منصوص عليه ومباح شرعًا وهو من لوازم المباح ومقتضياته، لكن الكلام إذا قدم هذه على المسلمة بسبب دينها وأثرها بسبب ذلك، هذا الذي يخرج به نسأل الله العافية.

"وَقَالَ الْفَرَّاءُ:  {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} مِنْ صِلَةِ أَوْلِيَاءَ، وَدُخُولُ الْبَاءِ فِي الْمَوَدَّةِ وَخُرُوجُهَا سَوَاءٌ. وَيَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِ لَا تَتَّخِذُوا حَالًا مِنْ ضَمِيرِهِ. وَبِ أَوْلِيَاءَ صِفَةً لَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اسْتِئْنَافًا. وَمَعْنَى {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} تُخْبِرُونَهُمْ بِسَرَائِرِ الْمُسْلِمِينَ وَتَنْصَحُونَ لَهُمْ؛ وَقَالَهُ الزَّجَّاجُ."

يعني هل يختلف الحكم في هذه الصورة التي فيها الجهاد طلب؟ أما لو كان الجهاد دفعًا، يعني هذا كتب ليخبر الكفار عما سيكون لهم، والمسلمون في بلادهم ولا خطر عليهم، غاية ما هنالك أن الكفار يحتاطون بخلاف ما إذا كان الجهاد دفع, لو أخبر الكفار مواطن الضعف في بلاد المسلمين وهم يغزون المسلمين لكان الأمر أشدا وأنكى. ويبقى المسألة معلقة بالسبب الباعث هل هو سبب الدنيا والطمع الدنيوي أو أن هناك أمر يتعلق بمآخاة دينهم وموادتهم، لا شك أن الأمر فيه خطورة وعظم ومرد ذلك كله إلى ما يكمن في القلب.

 

 

قتل الجاسوس يأتي...

"الرَّابِعَةُ: مَنْ كَثُرَ تَطَلُّعُهُ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَيُنَبِّهُ عَلَيْهِمْ وَيُعَرِّفُ عَدُوَّهُمْ بِأَخْبَارِهِمْ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ كَافِرًا إِذَا كَانَ فَعَلَهُ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، وَاعْتِقَادُهُ عَلَى ذَلِكَ سَلِيمٌ؛ كَمَا فَعَلَ حَاطِبٌ حِينَ قَصَدَ بِذَلِكَ اتِّخَاذَ الْيَدِ وَلَمْ يَنْوِ الرِّدَّةَ عَنِ الدِّين."

الطالب: لو وظفه الكفار جاسوسا وقال: غرضي الدنيوي؟

 صار عينًا للكفار بمقابل بأجرة منهم ولو لا هذه أجرة ما صنع ذلك، مسألة الكفر لا يكفر لكن القتل متحتم في حقه.

"الْخَامِسَةُ: إِذَا قُلْنَا لَا يَكُونُ بِذَلِكَ كَافِرًا فَهَلْ يُقْتَلُ بِذَلِكَ حَدًّا أَمْ لَا؟ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ؛ فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: يَجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ الْإِمَامُ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِذَا كَانَتْ عَادَتُهُ تِلْكَ قُتِلَ لِأَنَّهُ جَاسُوسٌ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ بِقَتْلِ الْجَاسُوسِ - وَهُوَ صَحِيحٌ لِإِضْرَارِهِ بِالْمُسْلِمِينَ وَسَعْيِهِ بِالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ. وَلَعَلَّ ابْنَ الْمَاجِشُونِ إِنَّمَا اتَّخَذَ التَّكْرَارَ فِي هَذَا لِأَنَّ حَاطِبًا..." 

هو عبد الملك الذي تقدم ذكره ابْنَ الْمَاجِشُونِ.

"لِأَنَّ حَاطِبًا أُخِذَ فِي أَوَّلِ فِعْلِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

السَّادِسَةُ: فَإِنْ كَانَ الْجَاسُوسُ كَافِرًا، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يَكُونُ نَقْضًا لِعَهْدِهِ. وَقَالَ أَصْبَغُ: الْجَاسُوسُ الْحَرْبِيُّ يُقْتَلُ، وَالْجَاسُوسُ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ يُعَاقَبَانِ إِلَّا إِنْ تَظَاهَرَا عَلَى الْإِسْلَامِ فَيُقْتَلَانِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى بِعَيْنٍ لِلْمُشْرِكِينَ اسْمُهُ فُرَاتُ بْنُ حَيَّانَ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُقْتَلَ؛ فَصَاحَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أُقْتَلُ وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ! فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَلَّى سَبِيلَهُ. ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ أَكِلُهُ إِلَى إِيمَانِهِ مِنْهُمْ فُرَاتُ بْنُ حَيَّانَ»."

حكمه؟ باطل؟ كمل...

هو يختلف اختلاف الضرر المترتب عليه، إذا كان الضرر المترتب على صنيعه شديد قتله متعين، لكن إن كان ضرره يسير بأشياء لا تؤثر هذه أمره أسهل.

 "وَقَوْلُهُ: وَقَدْ كَفَرُوا حَالٌ، إِمَّا مِنْ: لَا تَتَّخِذُوا، وَإِمَّا مِنْ تُلْقَوْنَ؛ أَيْ لَا تَتَوَلَّوْهُمْ أَوْ تُوَادُّوهُمْ، وَهَذِهِ حَالُهُمْ. وَقَرَأَ الْجَحْدَرِيُّ: لِمَا جَاءَكُمْ أَيْ كَفَرُوا لِأَجْلِ مَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقّ."

الطمع نسأل الله العافية  الطمع يعمي عن كل شيء. حب المال بعض الناس يقدمه على كل شيء ويعميه. على كل حال على ما تقدم تفصيله إذا كان الباعث على هذا هي الدنيا فأمره لا يصل إلى حد الكفر المخرج وإن كان شأنه عظيمًا وخطيرًا على المسلمين، وما ابتليت الأمة وما كسرت شوكتها إلا بأمثال هؤلاء. نسأل الله العافية.

"السَّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: { يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ} اسْتِئْنَافُ كَلَامٍ كَالتَّفْسِيرِ لِكُفْرِهِمْ وَعُتُوِّهِمْ، أَوْ حَالٍ مِنْ كَفَرُوا. {وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ} تَعْلِيلٌ لِ يُخْرِجُونَ؛ الْمَعْنَى يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَيَخْرُجُونَكُمْ مِنْ مَكَّةَ لِأَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ أَيْ لِأَجْلِ إِيمَانِكُمْ بِاللَّهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكَانَ حَاطِبٌ مِمَّنْ أُخْرِجَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَالتَّقْدِيرُ لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ مُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِي. وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَالْمَعْنَى إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي، فَلَا تُلْقُوا إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ، وقِيلَ: {إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي} شَرْطٌ وَجَوَابُهُ مُقَدَّمٌ. وَالْمَعْنَى إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي فَلَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ. وَنَصَبَ جِهَادًا وَابْتِغَاءَ؛ لِأَنَّهُ مَفْعُولٌ له. وَقَوْلُهُ: {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّة} بَدَلٌ مِنْ تُلْقُونَ وَمُبِيَّنٌ عَنْهُ. وَالْأَفْعَالُ تُبَدَّلُ مِنَ الْأَفْعَالِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفُ لَهُ الْعَذَابُ}."

 يعني كما يأتي الاسم بدلا من اسم آخر يأتي الفعل بدلا من فعل آخر.

"وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا وَنَارًا تَأَجَّجَا وَقِيلَ: هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْتُمْ تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ، فَيَكُونُ اسْتِئْنَافًا."

لأن تلمن بدل من تأتي وليست جوابا. ليس جواب الشرط وإنما جوابه: تجد حطبا فتلمن بدل من تأتي

"وَقِيلَ: هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْتُمْ تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ، فَيَكُونُ اسْتِئْنَافًا وَهَذَا كُلُّهُ مُعَاتَبَةٌ لِحَاطِبٍوَهُوَ يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهِ وَكَرَامَتِهِ وَنَصِيحَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِدْقِ إِيمَانِهِ، فَإِنَّ الْمُعَاتَبَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ مُحِبٍّ لِحَبِيبِهِ. كَمَا قَالَ: 

أُعَاتِبُ ذَا الْمَوَدَّةِ مِنْ صَدِيقٍ     إِذَا مَا رَابَنِي مِنْهُ اجْتِنَابُ 
       إِذَا ذَهَبَ الْعِتَابُ فَلَيْسَ وُدّ                   وَيَبْقَى الْوُدُّ مَا بَقِيَ الْعِتَابُ
يعني صارت المسألة أكبر من العتاب، يعني ما يفيد العتاب، فلا شك أن المودة تنتهي.

 "وَمَعْنَى بِالْمَوَدَّةِ أَيْ بِالنَّصِيحَةِ فِي الْكِتَابِ إِلَيْهِمْ. وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ كَمَا ذَكَرْنَا، أَوْ ثَابِتَةٌ غَيْرُ زَائِدَةٍ."

 معنى زائدتها في هذا الموضع أي إذا حذفت استقام الكلام، وإن كانت مفيدة من حيث المعنى وإلا وجود حرف في كتاب الله تعالى لا قيمة له لا في اللفظ ولا في المعنى هذا القرآن مصون عنه.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ}: أَضْمَرْتُمْ، وَمَا أَعْلَنْتُمْ: أَظْهَرْتُمْ. وَالْبَاءُ فِي بِمَا زَائِدَةٌ؛ يُقَالُ: عَلِمْتُ كَذَا، وَعَلِمْتُ بِكَذَا. وَقِيلَ: وَأَنَا أَعْلَمُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ بِمَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ، فَحُذِفَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ. كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ أَعْلَمُ وَأَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ} فِي صُدُورِكُمْ، وَمَا أَظْهَرْتُمْ بِأَلْسِنَتِكُمْ مِنَ الْإِقْرَارِ وَالتَّوْحِيدِ. {وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ} أَيْ مَنْ يُسِرَّ إِلَيْهِمْ وَيُكَاتِبْهُمْ مِنْكُمْ. {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيل} أَيْ أَخْطَأَ قَصْدَ الطَّرِيقِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ يَثْقَفُوكُمْ} يَلْقَوْكُمْ وَيُصَادِفُوكُمْ؛ وَمِنْهُ الْمُثَاقَفَةُ؛ أَيْ طَلَبُ مُصَادَفَةِ الْغِرَّةِ فِي الْمُسَايَفَةِ وَشِبْهِهَا. وَقِيلَ: يَثْقَفُوكُمْ يَظْفَرُوا بِكُمْ وَيَتَمَكَّنُوا مِنْكُمْ. {يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ} أَيْ أَيْدِيهَمْ بِالضَّرْبِ وَالْقَتْلِ، وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالشَّتْمِ. {وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} بِمُحَمَّدٍ؛ فَلَا تُنَاصِحُوهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يُنَاصِحُونَكُمْ."

 هذا حال الكفار مع المسلمين إذا ظفروا بهم، لا يرقبون فيهم إلا ولا ذمة نسأل الله العافية بخلاف حال المسلمين معهم إذا ظفروا بهم، لأن الدافع لقتال الكفار للمسلمين الطمع فيهم والتشفي منهم. والقضاء عليهم وسلب أموالهم، بخلاف الجهاد الشرعي عند المسلمين إنما هو لهداية البشر، لا للتسلط عليهم وإيذائهم إنما هو لهدايتهم.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: { لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ} لَمَّا اعْتَذَرَ حَاطِبٌ بِأَنَّ لَهُ أَوْلَادًا وَأَرْحَامًا فِيمَا بَيْنَهُمْ، بَيَّنَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ الْأَهْلَ وَالْأَوْلَادَ لَا يَنْفَعُونَ شَيْئًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنْ عُصِيَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ. {يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ} فَيُدْخِلُ الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّةَ وَيُدْخِلُ الْكَافِرِينَ النَّارَ. وَفِي يَفْصِلُ قِرَاءَاتٌ سَبْعٌ: قَرَأَ عَاصِمٌ" يَفْصِلُ" بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الصَّادِ مُخَفَّفًا. وَقَرَأَ حَمْزَةُ والكسَائي مُشَدَّدًا إِلَّا أَنَّهُ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ..."

يُفَصَّل يُفَصَّل

"وَقَرَأَ طَلْحَةُ وَالنَّخَعِيُّ بِالنُّونِ وَكَسْرِ الصَّادِ مُشَدَّدَةً."

نُفَصِّلُ

"وَرُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ كَذَلِكَ بِالنُّونِ مُخَفَّفَةً."

نَفْصِل

"وَقَرَأَ قتادة وأبو حَيْوَةَ (يُفْصِلُ) بِضَمِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الصَّادِ مُخَفَّفَةً مِنْ أَفْصَلَ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ (يُفْصَلُ) بِيَاءٍ مَضْمُومَةٍ وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَجْهُولِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ. فَمَنْ خَفَّفَ فَلِقَوْلِهِ: {وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} وقوله..."

من ثلاثي فَصَلَ يَفْصِلُ فهو فاصِل.

"وَقَوْله: { إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ}..." 

مصدر فَصَلَ الفَصْل

" وَمَنْ شَدَّدَ فَلِأَنَّ ذَلِكَ أَبْيَنُ فِي الْفِعْلِ الْكَثِيرِ الْمُكَرَّرِ الْمُتَرَدِّدِ..."

نعم لأن التشديد للتكثير.

"وَمَنْ أَتَى بِهِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ فَلِأَنَّ الْفَاعِلَ مَعْرُوفٌ."

 ومن أسباب بناء الفعل للمجهول كون الفاعل معلوم لدى السامع كما في قوله -جل وعلا-: {وَخُلِقَ الإْنْسَان ضَعِيفًا} حدا بيشك في الخالق!

"وَمَنْ أَتَى بِهِ مُسَمَّى الْفَاعِلِ رَدَّ الضَّمِيرَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَمَنْ قَرَأَ بِالنُّونِ فَعَلَى التَّعْظِيمِ. {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}، قَوْلُهُ تَعَالَى: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ } لَمَّا نَهَى عَزَّ وَجَلَّ عَنْ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ ذَكَرَ قِصَّةَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَنَّ مِنْ سِيرَتِهِ التَّبَرُّؤَ مِنَ الْكُفَّارِ؛ أَيْ فَاقْتَدُوا بِهِ وَأْتَمُّوا؛ إِلَّا فِي اسْتِغْفَارِهِ لِأَبِيهِ."

لأنه استثني بنفس الآية. {إِلَّا قَوْلَ إِبرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَستَغْفِرَنَّ لَكَ} وما عدا ذلك فهو قدوة، ومع ذلك الخلاف بين أهل العلم في شرعه هل هو شرع لنا وشرع من قبلنا، ومن قبلنا إبراهيم -عليه السلام-، هل نحن متعبدون به؟ الآية تدل على ذلك إلا ما استثني.

 "وَالْإِسْوَةُ وَالْأُسْوَةُ مَا يُتَأَسَّى بِهِ، مِثْلُ الْقِدْوَةِ وَالْقُدْوَةِ. وَيُقَالُ: هُوَ إِسْوَتُكَ؛ أَيْ مِثْلُكَ وَأَنْتَ مِثْلُهُ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ أُسْوَةٌ بِضَمِ الْهَمْزَةِ لُغَتَانِ. وَالَّذِينَ مَعَهُ يَعْنِي أَصْحَابَ إِبْرَاهِيمَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ."

 يعني إذا قال أحد مثلًا: لماذا لا أعطى كذا أو يُفعل بي كذا أُسوة بفلان يعني مماثلة به لأني مثله، لا يزيد عني ولا أزيد عنه.

"وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُمُ الْأَنْبِيَاءُ { إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِم} الْكُفَّارِ {إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} أَيِ الْأَصْنَامُ. وَبُرَآءُ جَمْعُ بَرِيءٍ؛ مِثْلُ شَرِيكٍ وَشُرَكَاءَ، وَظَرِيفٍ وَظُرَفَاءَ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ عَلَى وَزْنِ فُعَلَاءَ. وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ بِرَاءُ بِكَسْرِ الْبَاءِ عَلَى وَزْنِ فِعَالٍ؛ مِثْلُ قَصِيرٍ وَقِصَارٍ، وَطَوِيلٍ وَطِوَالٍ، وَظَرِيفٍ وَظِرَافٍ. وَيَجُوزُ تَرْكُ الْهَمْزَةِ حَتَّى تَقُولَ: بَرًا؛ وَتُنَوَّنُ. وَقُرِئَ (بَرَاءُ) عَلَى الْوَصْفِ بِالْمَصْدَرِ. وَقُرِئَ (بُرَاءُ) عَلَى إِبْدَالِ الضَّمِّ مِنَ الْكَسْرِ؛ كَرُخَالٍ وَرُبَابٍ. وَالْآيَةُ نَصٌّ فِي الْأَمْرِ بِالِاقْتِدَاءِ بِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي فِعْلِهِ. وَذَلِكَ يُصَحِّحُ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا فِيمَا أَخْبَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. { كَفَرْنَا بِكُمْ}."

على القول بأن الذين معه هم أتباعه وأصحابه هل هم قدوة ويدخلون في خلاف حكم شرع من قبلنا؟ {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ}[الممتحنة:4] على القول بأن الذين معه على أنهم الأنبياء هذا ما فيه إشكال، يدخلون في الخلاف لكن إذا كان المراد أتباعه كما في السر يعني أصحاب إبراهيم عليه السلام من المؤمنين هل هم قدوة لنا؟ إبراهيم نعم لكن هل في مثل هذه الحالة إذا كان إبراهيم والذين معه قدوة لنا هل يتأتى الخلاف في أصحاب إبراهيم -عليه السلام- أن فعلهم يُقتدى به بالنسبة لنا، ويكون شرع من قبلنا شرع لنا بهذا الاعتبار، أو أن الذين معه من أصحابه أنهم تبعوه فيكون الأصل إبراهيم  والذين معه تبعوه واقتدوا به فنحن نقتدي بالمقتدي والمقتدى به والأصل هو المقتدى به لأنه هو المشترك بين الجميع. وإذا قيل أن المراد هم الأنبياء ارتفع إشكال. وأيهما أقرب الذين معه، أصحابه أو الأنبياء؟ يعني أقرب إلى اللفظ يعني أظهر كونهم الأصحاب لأن المعية تقتضي المخالطة، تقتضي المخالطة والأنباء سواء كانوا قبله، أو بعده لم يخالطه إلا من اجتمع معه في الزمان. ما في شك الأنبياء لكن على القول الثاني إنهم أصحابه، ما هم الأنبياء، الذين معه من أصحابه، هل نقول إنهم بمثابة باعتبارهم اقتدوا به وسلموا له وتأسوا به أنهم ما داموا تأسوا به وشرعه شرع لنا فنتأسى بها، كما نقول أن في مسألة قول الصحابي مثلًا، أو عمل الصحابة هل حجة أو غير حجة؟ هل هو ملزم لنا أو غير ملزم؟ الأصل القدوة والأسوة هو النبي –صلى الله عليه وسلم-، فهل يكون قدوة وأسوة من اقتدى به -عليه الصلاة والسلام- يعني كما يقال في وقتنا هذا: فلان قدوة لماذا؟ لأنه اقتدى بالنبي –صلى الله عليه وسلم- وأتسى به فعامة الناس يقتدون به. ظاهر أو ما هو بظاهر؟

 طالب:.......

إذا قيل الأنبياء انتهى إشكال.

هذا الاستثناء {إِلَّا قَوْلَ إِبرَاهِيمَ لِأَبِيهِ} خاص بإبراهيم، والذين معه ما استثنى فيهم شيء، يعني كون داوود أو سليمان يدخلون في الذين معه باعتبار أنهم أنبياء. ما استثني بحقهم شيء. هل مقتضى ذلك أنهم يكونوا أفضل من إبراهيم؟! لا يلزم، لأن هذه قضية معينة لا يلزم منها المفاضلة أو التفضيل المطلق، يعني نظير ما قلنا مرارًا أن كون إبراهيم أول من يُكسى يوم القيامة هل معنى هذا أنه أفضل من محمد؟ ليس معنى.

"{ كَفَرْنَا بِكُمْ} أَيْ بِمَا آمَنْتُمْ بِهِ مِنَ الْأَوْثَانِ. وَقِيلَ: أَيْ بِأَفْعَالِكُمْ وَكَذَبْنَاهَا وَأَنْكَرْنَا أَنْ تَكُونُوا عَلَى حَقٍّ. {وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا }."

بدا يبدو يعني ظهر، وليست من بدأ يبدأ يعني ابتدأ، إنما بدا بيننا وبينكم يعني ظهر بيننا وبينكم العداوة، لما عرفنا سبيلكم لما كفرنا بكم.

"أَيْ هَذَا دَأْبُنَا مَعَكُمْ مَا دُمْتُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ. {حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحدَهُ} فَحِينَئِذٍ تَنْقَلِبُ الْمُعَادَاةُ مُوَالَاةً. {إِلَّا قَوْلَ إِبرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَستَغْفِرَنَّ لَكَ} فَلَا تَتَأَسَّوْا بِهِ فِي الِاسْتِغْفَارِ فَتَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُشْرِكِينَ؛ فَإِنَّهُ كَانَ عَنْ مَوْعِدَةٍ مِنْهُ لَهُ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمَا. وَقِيلَ: مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ هَجَرَ قَوْمَهُ."

 هذا منصوص عليه كونه موعدة: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ... } يعني أمره وحاله أنه لا يمكن أن يستغفر له تبرأ منه.

"قِيلَ: مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ هَجَرَ قَوْمَهُ وَبَاعَدَهُمْ إِلَّا فِي الِاسْتِغْفَارِ لِأَبِيهِ، ثُمَّ بَيَّنَ عُذْرَهُ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ."

يعني هل الاقتداء والأئتساء بإبراهيم في جميع ما جاء به أو في هذه المسألة فقط وهو التبرؤ من المشركين؟ على الخلاف بين أهل العلم في شرع من قبلنا.

"وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى تَفْضِيلِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ؛ لِأَنَّا حِينَ أُمِرْنَا بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ أُمِرْنَا أَمْرًا مُطْلَقًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} وَحِينَ أُمِرْنَا بِالِاقْتِدَاءِ بِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ اسْتَثْنَى بَعْضَ أَفْعَالِهِ. وَقِيلَ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ؛ أَيْ لَكِنَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لاستغفرن لَكَ، إِنَّمَا جَرَى لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ أَسْلَمَ، فَلَمَّا بَانَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ تَبَرَّأَ مِنْهُ. وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ الِاسْتِغْفَارُ لِمَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ أَسْلَمَ؛  وَأَنْتُمْ لَمْ تَجِدُوا مِثْلَ هَذَا الظَّنِّ، فَلِمَ تُوَالُوهُمْ."

يعني لو قُدم جنازة والذي يغلب على الظن أنه مسلم ولو كان مبتدعًا لا تخرجوا بدعته عن دائرة الإسلام فيُعامل على أصل يصلى عليه ويُدعى له. لا يقال هذا بلد بدع فلا ندعو له حتى نتأكد. وعلى هذا يجوز الاستغفار لمن يُظن أنه مسلم. وبعض الناس يشترط في الدعاء للجنازة إن كان ممن يستحق هذا الدعاء أو ممن يجوز الاستغفار له. المسألة مسألة غلبة الظن. وإذا كان في بلاد المسلمين وغلب على الظن أنه مسلم ولم يخرج عن دائرة الإسلام فهذا يستغفر له ويصلى عليه.

"{وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} هَذَا مِنْ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَبِيهِ؛ أَيْ مَا أَدْفَعُ عَنْكَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَشْرَكْتَ بِهِ. { رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا} هَذَا مِنْ دُعَاءِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَصْحَابهُ."

هل هذا دعاء، أو إخبار عما في القلب من قوة في التوكل؟ ربنا عليك توكلنا هذا دعاء، أو إخبار عما في القلب من قوة التوكل واليقين؟ هو إخبار. ودعوة ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. دعوة ذي النون وهي في سورتها إخبار.

طالب:......

يعني الدعاء أعم من أن يكون دعاء مسألة... دعاء عبادة.

"وَقِيلَ: عَلَّمَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا هَذَا. أَيْ تَبَرَّءُوا مِنَ الْكُفَّارِ وَتَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ وَقُولُوا: {رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا}؛ أَيِ اعْتَمَدْنَا، {وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا}؛ أَيْ رَجَعْنَا. {وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} لَكَ الرُّجُوعُ فِي الْآخِرَةِ. {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} أَيْ لَا تُظْهِرْ عَدُوَّنَا عَلَيْنَا فَيَظُنُّوا أَنَّهُمْ عَلَى حَقٍّ فَيُفْتَتَنُوا بِذَلِكَ. وَقِيلَ: لَا تُسَلِّطْهُمْ عَلَيْنَا فَيَفْتِنُونَا وَيُعَذِّبُونا."

 فتنة هل المراد فاتنين أو مفتونين؟ لا تجعلنا فاتنين بسبب بفتنة الناس أو مفتونين؟ كلام المؤلف يدل على هذا والقول الثاني يدل على أي لا تظهر علينا عدونا فيظنوا أنهم على حق فيفتتنون بذلك. لو أننا كنا على الحق ما ظهر علينا عدونا. هذا مقتضاه. وقيل: لا تسلطهم علينا فيفتنونا ويعذبونا، فالاحتمالان: الاول يدل على أنهم فاتنين، والثاني يدل على أنهم مفتونين.

 "قَوْلُهُ تَعَالَى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ} أَيْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ. 
 
أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ أَيْ فِي التَّبَرُّؤِ مِنَ الْكُفَّارِ. وَقِيلَ: كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ. وَقِيلَ: نَزَلَ الثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ بِمُدَّةٍ؛ وَمَا أَكْثَرُ الْمُكَرَّرَاتِ فِي الْقُرْآنِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ."

 وللتكرار في القرآن الكريم له أسرار كثيرة جدًا، لا تجد شيء يكرر بلفظه ومعناه لا بد أن تجد شيئًا من الاختلاف وإن لم يوجد شيء من الاختلاف في الظاهر فاختلاف المعنى يتبع السياق، الاختلاف والزيادات في المعاني تبعًا لموقعها في السياق وما قبلها وما بعدها، يعني قد يكون الكلام في ظاهره مطابق من كل وجه وفي كل حرف، لكن موقع هذا الكلام في هذا السياق دلالته قد تختلف زيادة ونقصًا عن دلالته في السياق الأخر. وبُينت أسرار التكرار في كتب التفسير وفيها كتب خاصة.

 "{وَمَنْ يَتَوَلَّ} أَيْ عَنِ الْإِسْلَامِ وَقَبُولِ هَذِهِ الْمَوَاعِظِ {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ} أَيْ لَمْ يَتَعَبَّدْهُمْ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِمْ. {الْحَمِيدُ} فِي نَفْسِهِ وَصِفَاتِهِ. وَلَمَّا نَزَلَتْ عَادَى الْمُسْلِمُونَ أَقْرِبَاءَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَعَلِمَ اللَّهُ شِدَّةَ وَجْدِ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ فَنَزَلَتْ :{عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً} وَهَذَا بِأَنْ يُسْلِمَ الْكَافِرُ. وَقَدْ أَسْلَمَ قَوْمٌ مِنْهُمْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وَخَالَطَهُمُ الْمُسْلِمُونَ؛ كَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ ، وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو ، وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ . وَقِيلَ: الْمَوَدَّةُ تَزْوِيجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ؛ فَلَانَتْ عِنْدَ ذَلِكَ عَرِيكَةُ أَبِي سُفْيَانَ."

ولا شك أن المصاهرة تذيب ما بين الناس من إحن وعداوات، إذ يجدون في أزواجه -عليه الصلاة والسلام- من كثير من القبائل، من أجل هذا. يتزوج المرأة الكبيرة من أجل أن يذوب ما بينها وبين هذه القبائل من شيء مما في النفوس لأنه قد يكون قريبها قُتل معه -عليه الصلاة والسلام-، وقومها يجدون عليه فإذا تزوج منهم ذهب مثل هذا،  وهذا موجود ومحسوس بين الأسر والعوائل قد يكون بينهم شيء من الإحن والعداوات السابقة، ثم بعد ذلك إذا حصل بينهم مصاهرة زالت هذه الأمور.

"فَلَانَتْ عِنْدَ ذَلِكَ عَرِيكَةُ أَبِي سُفْيَانَ، وَاسْتَرْخَتْ شَكِيمَتُهُ فِي الْعَدَاوَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتِ الْمَوَدَّةُ بَعْدَ الْفَتْحِ تَزْوِيجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ؛ وَكَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وَكَانَتْ هِيَ وَزَوْجُهَا مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ. فَأَمَّا زَوْجُهَا فَتَنَصَّرَ وَسَأَلَهَا أَنْ تُتَابِعَهُ عَلَى دِينِهِ فَأَبَتْ وَصَبَرَتْ عَلَى دِينِهَا، وَمَاتَ زَوْجُهَا عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ. فَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى النَّجَاشِيِّ فَخَطَبَهَا؛ فَقَالَ النَّجَاشِيُّ لِأَصْحَابِهِ: مَنْ أَوْلَاكُمْ بِهَا ؟ قَالُوا: خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ."

يعني أقربهم إليها نسبًا من عصبتها فهو الذي يتولى عقد النكاح عليها.

"قَالُوا: خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ. قَالَ: فَزَوِّجْهَا مِنْ نَبِيِّكُمْ. فَفَعَلَ؛ وَأَمْهَرَهَا النَّجَاشِيُّ مِنْ عِنْدِهِ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ. وَقِيلَ: خَطَبَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَلَمَّا زَوَّجَهُ إِيَّاهَا بَعَثَ إِلَى النَّجَاشِيِّ فِيهَا؛ فَسَاقَ عَنْهُ الْمَهْرَ وَبَعَثَ بِهَا إِلَيْهِ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ وَهُوَ مُشْرِكٌ لَمَّا بَلَغَهُ تَزْوِيجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَتَهُ: ذَلِكَ الْفَحْلُ لَا يُقْدَعُ أَنْفُهُ. يُقْدَعُ بِالدَّالِ غَيْرِ الْمُعْجَمَةِ؛ يُقَالُ: هَذَا فَحْلٌ لَا يُقْدَعُ أَنْفُهُ؛ أَيْ لَا يُضْرَبُ أَنْفُهُ. وَذَلِكَ إِذَا كَانَ كَرِيمًا." 

الحديث الذي فيه أن أبا سفيان طلب من النبي –صلى الله عليه وسلم- أمورًا ومنها أن يتزوج أم حبيبة، وزواج النبي –صلى الله عليه وسلم-  من أم حبيبة قبل إسلام أبي سفيان فلعل هذا الطلب من أجل تجديد العقد جبرًا لخاطره، لأنه تولى تزويجها النبي –صلى الله عليه وسلم-  غير وأبوها أقرب الناس إليها، وكأنه رأى في نفسه أن هذا فيه غضاضة عليه ومنقصة، يمكن أن يسب بها لكنه لما أسلم طلب هذا الأمر منه –صلى الله عليه وسلم-  على ما ذكر في شرح الحديث وهو في الصحيح. مفاد الحديث أنه ما تقدم زواج النبي –صلى الله عليه وسلم-  قبل إسلام أبي سفيان، لكن الذين قالوا وهم جماهير أهل السيارة أنه تزوجها النبي –صلى الله عليه وسلم-وعقد عليها وهو في الحبشة قال أن المراد من طلبه يعني من طلب أبي سفيان أن يتزوجها النبي –صلى الله عليه وسلم-  أن يجدد له العقد والزواج والنكاح كما يطلق على الوطء يُطلق أيضًا على العقد...

لكن زواجه –صلى الله عليه وسلم-  في الهجرة إلى الحبشة قبل الفتح. يقول: لعل المراد بهذا التزويج هو تجديد العقد. الكلام في هذه المسألة طويل لن المستفيض في السيرة أنه ارتد ولا شك أن مثل ما عُرض في قصة أبي سفيان مع هرقل وقوله: أيرتد أحد منكم سخطة لدينه، قال: لا، ثم قال: وكذلك الإيمان إذا باشر أو خالط بشاشة القلوب فإنه لا يرتد. وكونه هاجر إلى الحبشة لا يعني أنه آمن بلسانه وقلبه، يعني فيه شيء، على كل حال المسألة معروفة، يشكك بعضهم في ثبوتها وعامة أهل السير على هذا.

"قوْلُهُ تَعَالَى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: 

الْأُولَى: هَذِهِ الْآيَةُ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي صِلَةِ الَّذِينَ لَمْ يُعَادُوا الْمُؤْمِنِينَ وَلَمْ يُقَاتِلُوهُمْ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عِنْدَ الْمُوَادَعَةِ وَتَرْكِ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ ثُمَّ نُسِخَ. قَالَ قَتَادَةُ: نَسَخَتْهَا {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}."

المعروف آية السيف التي قال أهل العلم أنها نسخت أكثر من سبعين آية.

 "وَقِيلَ: كَانَ هَذَا الْحُكْمُ لِعِلَّةٍ وَهُوَ الصُّلْحُ، فَلَمَّا زَالَ الصُّلْحُ بِفَتْحِ مَكَّةَ."

 ويُشاع في أيامنا الأخيرة في زمن الانهزام أن آية السيف نسختها أكثر من سبعين آية. كل ما حصل تعارض بين آية وآية السيف قالوا أهل العلم يقولون نسختها آية السيف لأن المصافاة والموادعة والمهادنة كلها كانت في أول الأمر، ثم جاءت آية السيف. الآن من باب الخروج من قفص الاتهام العكس، كل ما تعارض آية السيف مع آية أخرى قالوا هذه آية نسخت آية السيف. وعلى كل حال الظروف لا شك أن لها تأثير على الناس، لكن لا يعني أن الإنسان تضغط عليه الظروف فينطق بالباطل. غاية ما هنالك أنه يسكت ولا يثير ما فيه إثارة عليه أو على غيره.

"وَقِيلَ: كَانَ هَذَا الْحُكْمُ لِعِلَّةٍ وَهُوَ الصُّلْحُ، فَلَمَّا زَالَ الصُّلْحُ بِفَتْحِ مَكَّةَ نُسِخَ الْحُكْمُ وَبَقِيَ الرَّسْمُ يُتْلَى. وَقِيلَ: هِيَ مَخْصُوصَةٌ فِي حُلَفَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَهْدٌ لَمْ يَنْقُضْهُ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ. وقال الْكَلْبِيُّ: هُمْ خُزَاعَةُ وَبَنُو الْحَارِثِ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ. وَقَالَهُ أَبُو صَالِحٍ، وَقَالَ: هُمْ خُزَاعَةُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ مَخْصُوصَةٌ فِي الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا. وَقِيلَ: يَعْنِي بِهِ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ لِأَنَّهُمْ مِمَّنْ لَا يُقَاتِلُ؛ فَأَذِنَ اللَّهُ فِي بِرِّهِمْ. حَكَاهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ: هِيَ مُحْكَمَةٌ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ تَصِلُ أُمَّهَا حِينَ قَدِمَتْ عَلَيْهَا مُشْرِكَةً؟ قَالَ: «نَعَمْ» خَرَّجَهُ البخاري وَمُسْلِمٌ."

 لما ذكرت أن أمها قدمت إليها في المدينة فهي راغبة في الإسلام، هي راغبة في الصلة أفأصلها؟ قال: «نعم صليها» {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ... }[الممتحنة:8]. يعني المشرك والكافر، يعني له نصيب من الصلة لاسيما إذا كان لها أثر على قلبه فتكون من باب التأليف، وهذا إذا لم يكن من هذا الشخص الموصول أذى للمسلمين ومقاتلة للمسلمين، أو السب للدين وأهل الدين فهذا يوصل بقدر ما يحقق الغرض.

 طالب:.......

 تحسن معاملتهم وتصلهم بما...يورث المحبة من قبل المشرك للمسلم... يعني كون المهدي يهدي إلى فلان أورثه محبة، أو أن الباعث لهذا الإهداء.. هذا مهدي ومُهدى إليه، المُهدى أليه كونه يتأثر قلبه ويود من أهدى مفروغ منه، لأن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها لكن هل جبلت على حب المحسن للمحسن إليه؟ مثل هذه مضايق كثير من الناس لا يستطيع ولا يحسن التعامل معها، أنه يعاشر زوجة ويكون بينهما مودة ورحمة، ثم بعد ذلك لا يجد الميل القلبي، يعني الفصل بين الأمرين بالنسبة لعموم الناس فيه وعورة، هناك مضايق جاءت في الشرع لا يتقنها ويستطيع التخلص منها إلا الأفذاذ من الناس. ما معنى أنه يقول: لا يرقون ولا يسترقون ولا يكتوون مع أنه رقى ورُقي واكتوى -صلى الله عليه وسلم-، وكونه حزن ودمعت عينه ولا يقول إلا ما يرضي الرب وقلبه راضٍ تمام الرضا بالقدر. مثل هذه الأمور ترى فيها صعوبة على كثير من القلوب، لكن الذي يتجرد ويجعل هواه تبعا لما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- يتخلص منها لكنه النوادر. 

"وَقِيلَ: إِنَّ الْآيَةَ فِيهَا نَزَلَتْ. رَوَى عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قُتَيْلَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهِيَ أُمُّ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِمْ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا الْمُهَادَنَةُ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَأَهْدَتْ إِلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قُرْطًا وَأَشْيَاءَ؛ فَكَرِهَتْ أَنْ تَقْبَلَ مِنْهَا حَتَّى أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ}  ذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ، وَخَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ."

 الآن من الذي أهدى ومن الذي أُهدي البنت أو الأم؟ الخبر جاء في الصحيح أن أسماء أهدت إلى أمها وصلتها أن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها؟ لكن الخبر الأخير: فأهدت إلى أسماء فالأم هي المهدية.

 طالب:.....

راغبة في الصلة تريد شيأ توصل به. ما هو شيء تصله

طالب:.........

تبدأ بقبل

يعني الأم أهدت إلى البنت ثم بعد ذلك البنت أهدت إلى أمها. فأنزل الله: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ}[الممتحنة:8]، أنزل هذا بسبب إهداء الأم لبنتها؟ الروايات في الصحيحين وغيرها ما فيها إلا أن البنت وصلت أمها بإذنه –صلى الله عليه وسلم- ولذلك قال: فأهدت إلى أسماء بنت أبي بكر الصديق قرطًا وأشياء فكرهت أن تقبل حتى أتت رسول الله –صلى الله عليه وسلم-  فذكرت ذلك فأنزل الله: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ...}[الممتحنة:8]، يعني لا لأن تأخذوا منهم، واضح أو ما هو واضح؟ لكن رواية الصحيح مفسرة، منتهية، واضحة. هذا إشكال ضعيف.

"الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَنْ تَبَرُّوهُمْ} أَنْ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الَّذِينَ؛ أَيْ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنْ أَنْ تَبَرُّوا الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ. وَهُمْ خُزَاعَةُ، صَالَحُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَلَّا يُقَاتِلُوهُ وَلَا يُعِينُوا عَلَيْهِ أَحَدًا؛ فَأَمَرَ بِبِرِّهِمْ وَالْوَفَاءِ لَهُمْ إِلَى أَجَلِهِمْ؛ حَكَاهُ الْفَرَّاءُ .{وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} أَيْ تُعْطُوهُمْ قِسْطًا مِنْ أَمْوَالِكُمْ عَلَى وَجْهِ الصِّلَةِ. وَلَيْسَ يُرِيدُ بِهِ مِنَ الْعَدْلِ؛ فَإِنَّ الْعَدْلَ وَاجِبٌ فِيمَنْ قَاتَلَ وفِيمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ؛ قَالَهُ ابنُ الْعَرَبِيِّ."

{وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}[المائدة:2] فالعدل مطلوب لكل أحد.

"قَالَهُ ابنُ الْعَرَبِيّ. 

الثَّالِثَةُ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ لَهُ: اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ مَنْ نعْتقد..."

مَنْ تُعْقَدُ

"اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ مَنْ تُعْقَدُ عَلَيْهِ الْخَنَاصِرُ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الِابْنِ الْمُسْلِمِ..."

ما معنى من تُعقد عليه الخناصر؟ تعقد عليه يعني يُستمسك به ويوثق بعلمه ويُحرص على علمه.

"اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ مَنْ تُعْقَدُ عَلَيْهِ الْخَنَاصِرُ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الِابْنِ الْمُسْلِمِ عَلَى أَبِيهِ الْكَافِرِ. وَهَذِهِ وَهْلَةٌ عَظِيمَةٌ، إِذِ الْإِذْنُ فِي الشَّيْءِ أَوْ تَرْكُ النَّهْيِ عَنْهُ لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِ، وَإِنَّمَا يُعْطِيكَ الْإِبَاحَةَ خَاصَّةً. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ الْقَاضِي دَخَلَ عَلَيْهِ ذِمِّيٌّ فَأَكْرَمَهُ، فَأَخَذَ عَلَيْهِ الْحَاضِرُونَ فِي ذَلِكَ؛ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ عَلَيْهِمْ." 

 والمدار في ذلك كله على المصلحة وانتفاء المفسدة، فإذا كانت المصلحة لاسيما مصلحة الدين والدعوة تقتضي الصلة فالآية نص فيها وقد تقتضي المصلحة، مصلحة الدين، مصلحة المسلمين ومصلحة الدعوة إلى الإسلام هجر بعض الكفار، هجرهم. فالهجر والصلة كلاهما علاج، وهكذا الهجر والصلة بالنسبة لفساق المسلمين، وطوائف البدع، نعم الأئمة شددوا في المبتدعة وهجروهم لكن يبقى أن المسألة مسألة علاج. فإذا كان هذا الشخص سواء كان كافرًا، أو مبتدعًا أو فاسقًا، صلته والإهداء إليه واللين معه أجدى وأنفع بحث يُرجى قبوله فالصلة وإلا فالهجر.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ} أَيْ جَاهَدُوكُمْ عَلَى الدِّينِ {وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ} وَهُمْ عُتَاةُ أَهْلِ مَكَّةَ. {وَظاهَرُوا} أَيْ عَاوَنُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ وَهُمْ مُشْرِكُو أَهْلِ مَكَّةَ {أَنْ تَوَلَّوْهُمْ} أَنْ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَلَى الْبَدَلِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي أَنْ تَبَرُّوهُمْ. {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ} أَيْ يَتَّخِذُهُمْ أَوْلِيَاءَ وَأَنْصَارًا وأحبابا {فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}."

الآية التي بعدها فيها ست عشرة مسألة وثمانية صفحات أو تزيد والجمعة كما هو معلوم ما فيها الدرس لأن الناس يتفرقون للإجازة وبعد هذه الإجازة يطول العصر ويمدد الدرس لنفرغ من هذا المجدلة. نرجو أن نفرغ من هذا المجلد بنهاية الفصل الجزء الثامن عشر...