تعليق على البلبل في أصول الفقه (08)

عنوان الدرس: 
تعليق على البلبل في أصول الفقه (08)
عنوان السلسلة: 
البلبل في أصول الفقه
تاريخ النشر: 
الأربعاء, 9 شعبان, 1439 - 10:15

سماع الدرس

نعم.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المؤلف -عفا الله عنه وغفر لنا وله-: "الرَّابِعَةُ: الْكُفَّارُ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ.

وَالثَّانِي: لَا يُخَاطَبُونَ مِنْهَا بِغَيْرِ النَّوَاهِي، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُمْ عَدَمُ تَكْلِيفِهِمْ مُطْلَقًا.

وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ حُصُولَ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ شَرْطًا فِي التَّكْلِيفِ عِنْدَنَا، دُونَهُمْ".

الكفار مخاطبون بالفروع في قول جمهور العلماء خلافًا للحنفية في الأوامر والنواهي، والمالكية في النواهي فقط، كمخاطبتهم بالأصول التي هي محل اتفاق بين أهل العلم، فالكفار مخاطبون بالإيمان إجماعًا، لكن هل هم مخاطبون قبل إيمانهم بالصلاة والزكاة والصيام وغيرها من شرائع الإسلام؟ هذا محل الخلاف، الجمهور على أنهم مخاطبون، والأدلة على ذلك متكاثرة متظاهرة: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} [المدثر: 42-43] ذكروا فرعًا من الفروع، ثم قالوا بعد ذلك: {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} [المدثر: 46]، فبدءوا بالفروع؛ فدل على أنهم مخاطبون بالفروع.

الحنفية يقولون: ليسوا بمخاطبين بالفروع، لماذا؟ لأنها لا تصح منهم حال الكفر؛ لعدم القصد، شرط الأعمال النيات، ولا يتصور نية من كافر، وحينئذٍ لا تصح منهم لو فعلوها، ولا يطالبون بها إذا أسلموا، أما كونها لا تصح منهم حال الكفر فلفقد الشرط، المسلم إذا صلى من غير طهارة، تصح صلاته أو ما تصح؟ لا تصح صلاته، وكونهم لا يطالبون بها إذا أسلموا، شخص أسلم وعمره سبعون عامًا يقال: عليك أن تصلي، أن تقضي صلوات خمسًا وخمسين سنة، وتصوم خمسة وخمسين رمضان قضاءً؛ لأنك مخاطب قبل؟ لا يقضي، لماذا؟ ترغيبًا له في الإسلام، وإلا فالقاعدة أنهم يقضون، لكن من باب الترغيب في الإسلام؛ لأنه لو عرف أنه سيقضي صلاة خمس وخمسين سنة أو يصوم خمسة وخمسين رمضان مثلاً خمسة وخمسين شهرًا، يمكن أن يصده هذا عن الدخول في الإسلام، فمن باب الترغيب يقال له: لا تقضي، كونها لا تصح منه حال كفره لفقد الشرط، كالمسلم لو اختل شرط من شروط العبادة.

قالوا: يلزم على قولهم: أن المسلم لا يطالب بالصلاة؛ لأن لو مات وهو لا يصلي ولا يتوضأ من باب أولى لا يعذب على ترك الصلاة، لماذا؟ لأنها لا تصح منه لو صلى من غير طهارة، فيطالب بالطهارة في الآخرة، لماذا؟ لأنه لا تصح منه لو صلى من غير طهارة.

المالكية يقولون: هو مطالب بترك النواهي لا بفعل الأوامر، ورواية عند الحنابلة يقولون: فعل الأوامر غير متصور من الكافر؛ لفقد الشرط. وترك النواهي لأنه لا يحتاج إلى نية، فالتروك لا تحتاج إلى نيات، فهذا متصور منه، الكفّ عن فعل المحرمات متصور، لكن فعل الأوامر، الواجبات، المندوبات، غير متصور من الكافر.

يقول: "وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ" يعني: مأخذ المسألة، "وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ حُصُولَ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ شَرْطًا فِي التَّكْلِيفِ عِنْدَنَا، دُونَهُمْ" الشرط هل له شرط في التكليف؟ "لَيْسَ شَرْطًا فِي التَّكْلِيفِ عِنْدَنَا، دُونَهُمْ" يعني هل يؤمر الإنسان بالصلاة أو يؤمر بالوضوء قبل؟

طالب: ...

وجدت شخصًا في الشارع والناس يصلون تقول له: توضأ أو تقول له: صلِّ؟

طالب: صلِّ، الأمر به ولا يتم إلا به.

تأمره بالأصل الذي هو الصلاة، ثم لا بد أن يؤمر بما لا يتم الواجب إلا به، لكن ما لا يتم الوجوب إلا به يؤمر به أو لا يؤمر؟ لا يؤمر به. فقير تقول له: حصِّل النصاب حتى تزكي؟! الزكاة ركن من أركان الإسلام، تأمرهم من أجل أن يحصل الزكاة حتى يزكي؟ لا.

طالب: أحسن الله إليك، سؤال عن .. الكفار، رجل أسلم عمره سبعون سنة، ما نطالبه بصلاة خمسة وخمسين ..

لا تطالبه، لا.

طالب: لكن لو هو تطوع يا شيخ، أصبح يصلي فرضين، يصلي الظهر مع الجماعة ويصلي الظهر تطوعًا يقول لك: من الذي عليه أو يصوم ..

يقال له: أكثر من النوافل والاستغفار، التوبة.

طالب: لكن ما يشرع له أن يصوم مثلاً بنية الرمضانات الماضية أو يصلي بنية الفروض السابقة؟

الآن إنما خُفِّف ترغيبًا له في الإسلام وهو يقول: أنا لا أقبل هذا التخفيف!

طالب: لا يقول: ما أقبل. أنا خشيتي من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أريد أن يقابله بأعمال صالحة كثيرة.

نقول: هذه أعمال لست بمطالب بها شرعًا، فهي قدر زائد عن المطلوب، فعليك أن تأتي بما تطالب به، أكثر من النوافل، الإكثار من التعبد بلا شك أنه مطلوب.

طالب: يعني لا يشرع له الزيادة؟

لا، لا يشرع له.

طالب: أحسن الله إليك، ينبني على هذا المرتد مردة معينة ثم رجع الإسلام، فعليه مثلاً سنة، تصوم رمضان هذا ويصلي السنة هذه ..؟

الحكم واحد، لكن شخص حج حجة الإسلام ثم ارتد، هل نقول: الحج باطل؟ أبطلته الردة؟ أو نقول: حجه سارٍ وردته لم تؤثر في حجه؟ معروف الخلاف، هل الردة المحبطة {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] هل هي مشروطة بقوله: {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} [البقرة: 217]؟ أو مجرد الشرك والارتداد عن دين الإسلام -نسأل الله السلامة والعافية- كفيل بإحباط العمل؟ قولان لأهل العلم كما هو معروف.

طالب: ...

{فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ}.

طالب: يعني عليه حج يا شيخ؟

لا، ما عليه حج.

"لَنَا: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ، بِشَرْطِ تَقْدِيمِ الْإِسْلَامِ ، كَأَمْرِ الْمُحَدِّثِ بِالصَّلَاةِ ، بِشَرْطِ تَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ. وَمَنْعُ الْأَصْلِ، يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَوْ تَرَكَ الصَّلَاةَ عُمْرَهُ لَا يُعَاقَبُ إِلَّا عَلَى تَرْكِ الْوُضُوءِ".

نعم، يلزم من قول الحنفية أن المشروط لا يصح إلا بعد المطالبة بالشرط أن لو ترك الصلاة عمره بالكلية ما يعذب عليها، يعذب على ترك الوضوء.

"وَالْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ وَالنَّصُّ، نَحْوَ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97]".

{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ} يدخل فيهم الكافر؛ لأن "ال" هذه جنسية، جنس الناس بما فيهم الكافر، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} كذلك {اعْبُدُوا}[البقرة: 21].

"{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا} [البقرة: 21].

قَالُوا: وَجُوبُهَا مَعَ اسْتِحَالَةِ فِعْلِهَا فِي الْكُفْرِ، وَانْتِفَاءُ قَضَائِهَا فِي الْإِسْلَامِ غَيْرُ مُفِيدٍ. قُلْنَا: الْوُجُوبُ بِشَرْطِ تَقْدِيمِ الشَّرْطِ".

إنما فائدة الخلاف: الزيادة في عذابهم في الآخرة، هذه فائدة الخلاف، وإلا ففي الدنيا الخلاف ليس له أثر عملي في الدنيا، لذا لا تصح منهم لو أدوها قبل إسلامهم ولا يطالبون بها، ولا يؤمرون بقضائها إذا أسلموا، وإنما الفائدة المترتبة على الخلاف زيادة عذابهم في الآخرة -نسأل الله العافية.

طالب: ...

لا لا؛ لأنه فاقد لشرطه، كما لو صلى من غير طهارة، أو صلى من غير نية.

طالب: ...

نعم، لا بد من تبييت النية، وهذا ما عنده نية أصلاً.

طالب: ...

نعم، ما دام جاء بالعبادة وقد فقدت الشرط فوجودها مثل عدمها، هذا ليس بصيامٍ شرعي، كمن قال له الطبيب: لا تأكل لمدة خمس عشرة ساعة، ما فيه فرق.

طالب: ...

غير مخاطبين باعتبار، باعتبار أنهم لا يؤمرون بها حال كفرهم؛ لعدم صحتها منهم لو فعلوها، لكن ما رأيك في قوله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} [المدثر: 42-43]؟ أول ما ذكروا الصلاة وهي فرع، {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ} [المدثر: 44-45] إلى آخره، كلها فروع.

طالب: بسبب هذا الاعتبار أنهم غير مطالبين بها، يقول بعضهم: إن الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي.

لفظي في الدنيا، لكن في الآخرة معنوي.

طالب: صحيح هذا الكلام؟

صحيح، في الدنيا لفظي ما له أثر، لكن في الآخرة معنوي، من زيادة العذاب عليهم في الآخرة، لا شك أنه له أثره نعم.

طالب: ...

بسبب عتقه ثويبة لما بشَّرته بمولد النبي- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أبو لهب، لكن التخفيف صفته يُسقى من ماذا؟

طالب: ...

ما له أثر عندك، يدك مليانة، ما شاء الله عليك. لا هنا في النقرة هذه يسقى بها، الله المستعان.

طالب: ...

بينه الشراح نعم.

طالب: ... رؤيا أبو لهب ...

ما يرتب عليها شيء، لكن مع ذلك يستأنس بها ولا يعارض بها حكم مستقل.

طالب: ..........

 أبو طالب ثابت.

طالب: ...

"قُلْنَا: الْوُجُوبُ بِشَرْطِ تَقْدِيمِ الشَّرْطِ، كَمَا سَبَقَ. وَالْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، أَوْ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ، وَلَكِنِ انْتَفَى بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، نَحْوَ: «الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ»

وَفَائِدَةُ الْوُجُوبِ عِقَابُهُمْ عَلَى تَرْكِهَا فِي الْآخِرَةِ".

هذه فائدة القول بوجوبها عليهم ومخاطبتهم بها.

"وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ النَّصُّ، نَحْوَ: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}[فصلت:6ـ7]".

{الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} هذا فرع، ما قال: ويل للمشركين الذين لا يؤمنون بالله، {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}.

"{مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ}. وَالتَّكْلِيفُ بِالْمَنَاهِي، يَسْتَدْعِي نِيَّةَ التَّرْكِ تَقَرُّبًا. وَلَا نِيَّةَ لِكَافِرٍ".

"وَالتَّكْلِيفُ بِالْمَنَاهِي" لأنهم قالوا في المحظور: ما يُثاب تاركه امتثالاً، يعني مع نية الامتثال، وفي المكروه ما يثاب تاركه امتثالاً، فلا بد من قصد الامتثال في التروك كنية الفعل في الأفعال إيجادًا وعدمًا.

طالب: ...

فهمنا السؤال يا إخوان؟

طالب: ...

يقول: مقتضى كلامه أنهم يُحاسبون عل ترك المناهي، يعني لو تركوها؛ لعدم قصدهم الامتثال، يعني مثل ما أن الصلاة لا تنفعهم إذا صلوا؛ لعدم القصد، ولعدم النية، كذلك لا ينفعهم ترك المحظورات لعدم القصد، هذا على القول بأن التروك تحتاج إلى نيات.

أما على القول بأن التروك لا تحتاج إلى نيات ومن ذلك: إزالة النجاسة مثلاً، قالوا: هذا من باب التروك لا يحتاج إلى نية، فلو نزل المطر على أرض متنجسة أو على ثوب متنجس طهر؛ لأن هذا من باب التروك، ولا يحتاج إلى نية، نعم قصد الامتثال للثواب.

شخص يجلس في المسجد مثلاً يطيل الجلوس في المسجد من غير قصد، يجلس يقرأ القرآن؛ يثاب على الجلوس وعلى قراءة القرآن، لكن لو قصد بجلوسه في المسجد أن يغل عمن يعرض له من الناس من غيبة أو نميمة أو مثلاً لو خرج إلى الأسواق لافتتن وكذا، يؤجر على هذا بهذه النية، لكن إذا عذبت هذه الأمور عن ذهنه يؤجر عليها أو ما يؤجر؟ لا يؤجر عليها.

طالب: ...

الأجر المرتب على الترك لا بد له من قصد الامتثال، ما يثاب تاركه امتثالاً، الأجر مرتب على الترك لا بد له من قصد، الحكم المرتب عليه؛ لأن فيه أجرًا وفيه حكمًا، بمعنى: أنك لو أديت الأمانة من غير قصد، يعني جاء واحد من أولادك وأخذ المسجل، هذا حق فلان وأعطاه إياه، تبرأ ذمتك أو ما تبرأ؟ وأنت ما تدري. نعم، لكن لو قلت: الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يقول: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58] واستحضرت هذا، ثم امتثلت هذا الأمر فقلت: تفضل هذه أمانتك، تؤجر أو ما تؤجر؟ تؤجر، هناك أجر مرتب وفيه براءة ذمة، تبرأ الذمة ولو من غير امتثال، لكن الأجر المترتب على هذه التروك لابد له من قصد. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.