التعليق على الموافقات (1427) - 06

عنوان الدرس: 
التعليق على الموافقات (1427) - 06
عنوان السلسلة: 
التعليق على الموافقات
تاريخ النشر: 
الاثنين, 9 صفر, 1439 - 19:30

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه، وبعد:

قال المؤلف –رحمه الله-: في القسم الثالث من كتاب الموافقات كتاب المقاصد: "النوع الثاني: في بيان قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام، ويتضمن مسائل".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

ففي هذا النوع، النوع الثاني من المقاصد يذكر المؤلف –رحمه الله تعالى- أن قصد الشارع في وضع الشريعة إنما هو الإفهام، والنوع الأول في بيان قصد الشارع في وضع الشريعة، فما الفرق بين النوعين؟

النوع الأول: في بيان قصد الشارع في وضع الشريعة.

النوع الثاني: في بيان قصد وضع الشارع للشريعة للإفهام.

ما الفرق بينهما؟

طالب:........

نعم.

طالب:........

نعم النوع الأول: قصد الشارع من وضع أصل الشريعة، والنوع الثاني: المقصود منه قصد الشارع في إفهام لشريعة.

يعني: القصد الأول إنما هو من وضع الشريعة أصلاً، والثاني: إنما هو قصد الشارع في الإفهام للشريعة التي هي الأصل المنوه عنها سابقًا.

ولذلك تجدون المسائل في النوع الثاني غير المسائل في النوع الأول، المسائل في النوع الأول إجمالية تتناول الشريعة إجمالاً، والثاني يتناول خصوص الإفهام لهذه الشريعة.

"المسألة الأولى: إن هذه الشريعة المباركة عربية، لا مدخل فيها للألسن العجمية، وهذا وإن كان مُبينًا في أصول الفقه، وأن القرآن ليس فيه كلمةٌ أعجميةٌ عند جماعة من الأصوليين، أو فيه ألفاظٌ أعجميةٌ تكلمت بها العرب، وجاء القرآن على وفق ذلك، فوقع فيه المُعرَّب الذي ليس من أصل كلامها، فإن هذا البحث على هذا الوجه غير مقصودٍ هنا".

الخلاف في اشتمال القرآن على شيءٍ من اللغات الأخرى غير العربية، يُجمع أهل العلم على أنه ليس في القرآن جُمل وتراكيب أعجمية، كما أنهم يتفقون على أن فيه الأعلام الأعجمية، الأسماء، الأعلام العجمية موجودة، والخلاف في المفردات ما عدا الأعلام هي محل الخلاف، فمنهم من يقول: فيه شيءٌ يسير من ذلك، وهذا لا يُخرجه عن كونه عربيًّا بلسانٍ عربي؛ لأن الحكم للغالب، الشيء اليسير لا يُلتفت إليه، النادر لا حكم له، ومنهم من يقول: إن هذه الألفاظ التي ادُّعي عجمتها هي مما تتفق عليه اللغات، يعني تكلم بها الأعاجم، وتكلم بها العرب على حدٍّ سواء، فهي عربية وإن تكلم بها غير العرب، ومنهم من يقول: إن أصولها أعجمية وعُرِّبت وغُيِّرت وحُوِّلت صيغها فصارت عربية، وإن كان أصل مادتها أعجمية.

وعلى كل حال هي ألفاظ يسيرة هي محل الخلاف، وسواءٌ قلنا: إنها باقية على أعجميتها فقد لاكتها ألسن العرب، ووافقت أوزان كلامهم فتُعامل مُعاملة العربية.

هذه الشريعة المباركة الإسلامية المحمدية عربية، ولا يحتاج هذا إلى استدلال، والقرآن عربي، والرسول –عليه الصلاة والسلام- عربي، لا مدخل للألسن العجمية فيها؛ ولذا يرى بعض العلماء أنه لا يُعول على غير العرب في تفسير كلام الله، وكلام نبيه –عليه الصلاة والسلام- مع أن هذا الكلام يُلغي كثيرًا من كتب التفسير، وكثيرًا من شروح الحديث، يعني لو أخذنا بهذا وكأن ابن الجوزي يميل إلى هذا، وأن تفاسير العرب هي المعتمدة؛ لأن القرآن عربي نزل بلغتهم، هذا بالنسبة للأعاجم الباقين على عُجمتهم ما في إشكال كلام صحيح، كلامٌ صحيح لو أن أعجميًّا فهم من القرآن ما فهم وترجم ما فهم بلغته هو ولا يد له في العربية كلامه صحيح، لكن ماذا عن الأعاجم الذين تعلموا من العربية بحيث صاروا أعرف من كثير من العلماء العرب بلغتهم؟

والشاهد على ذلك أن كثيرًا من كتب النحو والصرف، وفروع العربية الأخرى مما ألَّفها علماء أعاجم ولو قيل: إن أعظم كتاب في العربية في النحو كتاب سيبويه وهو غير عربي، فلا شك أن الأعجمي إذا تكلم بالعربية وفهم العربية خرج عن هذا الوصف؛ لأن الأعجمي من يتكلم بالأعجمية، والمسألة تقدَّم بحثها في المراد بالعجمي، هل المراد به النسب أو المراد به اللسان؟

على كل حال هذا الكلام يدخل تحت كلام المؤلف –رحمه الله تعالى- إن الأعاجم فهمهم للنصوص يختلف عن فهم العرب؛ لأن العرب نزل بلغتهم، فإذا تعلم الأعجمي وصار في حكم العربي، فإن له حكم العرب، والعكس صحيح أيضًا، العربي إذا ابتعد عن العلم سواءٌ ما يتعلق بنصوص الكتاب والسُّنَّة أو بالعلوم المُعينة على فهم الكتاب والسُّنَّة صار حكمه حينئذٍ حكم الأعاجم يعرف معنى قال، ومعنى قام، لكن ما يعرف كثيرًا من الألفاظ من غريب القرآن، ومن مُشكِل القرآن ومن مُشكلات التراكيب والجُمل، والتفريق بين الحقائق.

 كثير من المسلمين بل مع الأسف إن بعض طلاب العلم يخفى عليهم بعض الكلمات الغريبة في القرآن، وهذا موجود، تجد طالب علم يحفظ القرآن، ويُردد القرآن، ويمر عليه كلمات غريبة لا يرفع بها رأسًا، فإنه يقرأ في كتب التفسير، لكنها تمر عليه، ولا يحفظها؛ ولذا لو كانت عناية طالب العلم قبل قراءته في كتب التفسير حفظ المفردات الغريبة في القرآن كان أجود وأرسخ له، وتُعينه على فهم القرآن وتفسير القرآن.

يقول: "وأن القرآن ليس فيه كلمةٌ أعجميةٌ عند جماعةٍ من الأصوليين،" يعني كلمة أعجمية لا يعرفها العرب ولا تكلموا بها، ولا نطقوا بها لا يُوجد، هذا كلام صحيح، لكن الكلمات التي تتفق فيها اللغات، وتداولها العرب ولاكوها وعرَّبوها وحوَّلوها إلى زنة كلامهم فإنها موجودة بلا شك، أو "فيه ألفاظٌ أعجمية تكلمت بها العرب، وجاء القرآن على وفق ذلك، فوقع فيه المُعرَّب الذي ليس من أصل كلامها، فإن هذا البحث على هذا الوجه ليس مقصودًا هنا" لأنه صار حكمه حكم العربي.

"وإنما البحث المقصود هنا أن القرآن نزل بلسان العرب على الجملة، فطلب فهمه إنما يكون من هذا الطريق خاصة؛ لأن الله تعالى يقول: {ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ} [يوسف:2]، وقال: {ﮣ ﮤ ﮥ} [الشعراء:195]، وقال: {ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ} [النحل:103]

وقال: {ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝﯞ ﯟ ﯠ} [فصلت:44].

إلى غير ذلك مما يدل على أنه عربيّ وبلسان العرب، لا أنه أعجميٌّ ولا بلسان العجم، فمن أراد تفهمه، فمن جهة لسان العرب يُفهم، ولا سبيل إلى تَطلب فهمه من غير هذه الجهة، هذا هو المقصود من المسألة".

ولذا يُخطئ كثير من طلاب العلم حينما يُقللون من شأن العربية، ويقولون: نحن عرب ونفهم النصوص ومزاولة ومُعاناة اللغة بفروعها زيادة تعب وعناء، وإنما نحن مُطالبون بالأصل، الغاية نصوص الوحيين، لكن نصوص الوحيين لابد من معرفة ما يُعين على فهمها، واللغة العربية لابد منها لمن تُمنيه نفسه بأن يكون عالمًا، لابد منها، ومن شروط المُفسِّر أن يكون عارفًا بلغة العرب بجميع فروعها، وإذا تصدى لتفسير القرآن من غير معرفةٍ بلغة العرب فلا شك أنه يقع في الخطأ الفادح، ويُؤتى من حيث لا يشعرن، فلابد من علوم العربية كلها.

والحمد لله التفاسير التي لها عناية بالعربية بجميع وجوهها موجودة، لو قرأنا في تفسير (البحر المحيط) وجدنا فيه ما يصفو منه كتابٌ كامل في النحو والصرف، لو قرأنا في الطبري مثلاً أو الزمخشري لوجدنا فيه كثيرًا مما يُبحث في علوم البلاغة سواءٌ كانت في البيان أو المعاني أو البديع كلها موجودة، يعني هي موجودة في تفسير الطبري، حتى ظهرت نتائج البحث والاستقراء أن في تفسير الطبري من هذه العلوم أكثر مما في تفسير الزمخشري من علوم البلاغة، وهناك رسالة تُقارن بين الكتابين ووجد ما في تفسير الطبري أكثر وأقوى وأجود، لكن ما الذي جعل الناس يُصنفون تفسير الطبري على أنه تفسير أثري محض، ويصنفون تفسير الزمخشري على أساس أنه تفسير يخدم القرآن من الناحية البلاغية فقط؟ الغلبة، أولاً: تفسير الزمخشري لا يُعدل ربع تفسير الطبري ولا الخُمس، فإذا كانت هذه المسائل مبحوثة في هذا الحجم، ومبحوثة أيضًا في تفسير الطبري بأكثر مما ذُكِر في تفسير الزمخشري إلا أنها مغمورة في جانب الروايات. لو افترضنا أن شخصًا يحفظ البخاري، ومع ذلك هو يحفظ لسان العرب (تاج العروس) و(تهذيب اللغة) و(الصِّحاح) و(المُحكم) و(المُخصص)، ويحفظ معها (البخاري)، فهل نُصنِّف هذا على أنه من علماء السُّنَّة باعتبار أنه حفظ البُخاري، أو لأن عنده محفوظات كثيرة في اللغة العربية أكثر مما حفظه من السُّنَّة؟ نقول: هذا لغوي وإن وجد عنده حفظ (صحيح البخاري).

الثاني يحفظ (البلوغ) ما يحفظ البخاري، لكنه ما يحفظ من اللغة إلا الشيء اليسير، يعني أشياء نُتف علقت بذهنه، فيحفظ (البلوغ) ويُحدِّث بالبلوغ، وغدا يشرح البلوغ، يُصنَّف مُحدِّث، وذاك أكثر منه في الحديث، وأعرق منه وألصق بالحديث، لكن إنما يُصنَّف الإنسان بحسب ما يشتهر به، إذا اشتهر بشيء صُنِّف به؛ ولذلك تجدون الثقة بالعالم الخطيب أقل من الثقة بالعالم الذي ليس بخطيب؛ لأنه اشتهر بالخطابة، صار الناس يُصنفونه على أنه واعظ وخطيب، ولا يثقون بفتواه، لكن لو كان إلى العي أقرب، مع أنه عالم لديه من علم الكتاب والسُّنَّة والأحكام، صُنِّف على هذا الأساس، فالناس ما يستوعبون تصنيف الإنسان بجميع ما معه أو ما عنده، فتجد في طبقات اللغويين والنُّحاة سواءٌ كان في (بغية الوعاة) أو (إنباه الرواة) أو غيرها من الكتب في طبقات اللغويين تُرجِم لعلماء كلهم يحفظون القرآن إلا النادر، ويحفظون شيئًا من السُّنَّة، وقد يكونون فقهاء، لكنهم عُرِفوا باللغة أكثر.

وقُل مثل هذا في الفقهاء طبقات الفقهاء تجد فيهم اللغويين، تجد فيهم المُحدثين، لكن مع ذلك تصنيفهم من الفقه؛ لأنه به أشهر.

"وأما كونه جاءت فيه ألفاظٌ من ألفاظ العجم، أو لم يجئ فيه شيءٌ من ذلك، فلا يُحتاج إليه إذا كانت العرب قد تكلمت به، وجرى في خطابها، وفهمت معناه، فإن العرب إذا تكلمت به صار من كلامها، ألا ترى أنها لا تدعه على لفظه الذي كان عليه عند العجم، إلا إذا كانت حروفه في المخارج والصفات كحروف العرب".

نعم إذا كان جاريًّا على أوزان لغة العرب يتركونه، أما إذا كان لا مثيل له في الأوزان العربية فلابد أن يُغير فيه، إذا كانت الحروف لا يُمكن أن تجتمع في العربية يُغير بعض الحروف؛ لتتفق مع العربية لأن هناك حروف لا تجتمع في لغة العرب في كلمةٍ واحدة، فإذا جاء في اللغة الأعجمية من هذا النوع شيء غيروا أحد الحرفين؛ حرَّفوا فيه تحريفًا يسيرًا ليتفق مع لغتهم، ومثل هذا في الزنة في الأوزان.

"وهذا يقل وجوده، وعند ذلك يكون منسوبًا إلى العرب، فأما إذا لم تكن حروفه كحروف العرب، أو كان بعضها كذلك دون بعض، فلا بد لها من أن تردها إلى حروفها، ولا تقبلها على مطابقة حروف العجم أصلاً، ومن أوزان الكلم ما تتركه على حاله في كلام العجم، ومنها ما تتصرف فيه بالتغيير كما تتصرف في كلامها، وإذا فعلت ذلك، صارت تلك الكلم مضمومةً إلى كلامها كالألفاظ المرتجلة والأوزان المبتدأة لها، هذا معلومٌ عند أهل العربية لا نزاع فيه ولا إشكال.

ومع ذلك، فالخلاف الذي يذكره المتأخرون في خصوص المسألة لا ينبني عليه حكمٌ شرعي، ولا يُستفاد منه مسألةٌ فقهية، وإنما يمكن فيها أن توضع مسألةٌ كلاميةٌ ينبني عليها اعتقاد، وقد كفى الله مؤونة البحث فيها بما استقر عليه كلام أهل العربية في الأسماء الأعجمية".

هذا الكلام "وإنما يمكن فيها أن توضع مسألةٌ كلاميةٌ ينبني عليها اعتقاد، وقد كفى الله مؤونة البحث فيها بما استقر عليه كلام أهل العربية في الأسماء الأعجمية" وجه هذا الكلام، يعني: الخلاف في وجود الكلام الأعجمي في القرآن لا ينبي عليه حكمٌ فقهي، يعني: فائدة عملية من هذا الخلاف لا أثر لها، لا يُوجد أثر لهذا الخلاف من الناحية العملية.

يقول: "وإنما يمكن فيها أن توضع مسألةٌ كلاميةٌ ينبني عليها اعتقاد، وقد كفى الله مؤونة البحث فيها بما استقر عليه كلام أهل العربية في الأسماء الأعجمية" من أي جهة؟

طالب:........

نعم.

طالب:........

لا المسألة مسألة كلامية، يعني من علم الكلام، ترتبط بعلم الكلام.

طالب:........

نعم.

طالب:........

لا، الذي يقول: إن في القرآن كلام أعجمي، والأعجمي إنما هو من الشرائع والأمم السابقة، قد يتشبث به من يقول: إن الكلام قديم، ولو كان حادثًا لغُيرت هذه الألفاظ، الذين يزعمون إن كلام الله قديم، وأنه تكلم في الأزل ولا يتكلم بعد ذلك، يعني لو كان حادثًا لُغيرت هذه الألفاظ إلى ما يُناسب لغة العرب، وإذا سُلِّم لهم في هذا، فكيف يُسلَّم لهم بمثل { ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ} [المَسَد:1] هل يُمكن أن يُقال: هذا الكلام قديم، يُمكن إذا عُبِّر عن سورة { ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ} [المَسَد:1] بغير العربية بالسريانية يكون إنجيلًا، وبالعبرانية يكون توراة؟ لا؛ ولذلك الذي يقول بالكلام النفسي القديم قولٌ باطل؛ لأنهم قالوا: إنه تكلم في الأزل ولا يتكلم خلاص انتهى الكلام في الأزل، والمعروف عند أهل السُّنَّة عند أهل الحق أن كلام الله –جلَّ وعلا- وإن كان قديمًا من نوعه إلا أنه مُتجدد الآحاد، يتكلم –جلَّ وعلا- بحرفٍ وصوت متى شاء، كيف شاء، فكما تكلم بقصة آدم في الجنة ومعصية آدم في البدء، تكلم في قصة نوح، تكلم في قصة هود، وموسى، وعيسى وغيرهم من الأنبياء، فمازال الكلام يتجدد حادث الآحاد إلى أن قال الله –جلَّ وعلا-: {ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ} [المائدة:3] ومازال يتكلم، فالله –جلَّ وعلا- إذا قضى بالأمر تكلم، فيسمعه جبريل ويُبلغه إلى من يُريد الله– جلَّ وعلا- تبليغه إياه.

هذا معنى قوله: "وإنما يمكن أن تُوضع مسألةٌ كلاميةٌ ينبني عليها اعتقاد" نعم.

"فإن قلنا: إن القرآن نزل بلسان العرب، وإنه عربيٌّ، وإنه لا عُجمة فيه، فبمعنى أنه أُنزل على لسان معهود العرب في ألفاظها الخاصة وأساليب معانيها، وأنها فيما فطرت عليه من لسانها تخاطب بالعام يراد به ظاهره، وبالعام يراد به العام في وجه والخاص في وجه، وبالعام يراد به الخاص، والظاهر يراد به غير الظاهر، وكل ذلك يُعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره".

يعني يُستدل على المراد من السياق؛ لأنه قد يُتكلم باللفظ العام يُراد به العموم ويبقى على عمومه، فيكون عمومه محفوظًا، وقد يُتكلَّم بالعام ثم يُخصص، وقد يُتكلَّم بالعام يُراد به الخصوص، وقد يُتكلَّم بالعام من وجه والخاص من وجه، إلى غير ذلك من الأساليب الموجودة في لغة العرب، وفي كلام الله -جلَّ وعلا- وفي كلام نبيه –عليه الصلاة والسلام- وفي كلام الناس العادي في معاملاتهم وفي وصاياهم وفي جميع متطلباتهم، وإنما يُستدل على المراد من السياق { ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ} [آل عمران:173] هذا { ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ} [آل عمران:173] هل يُصوَّر أن (أل) هذه جنسية يُراد به جميع الناس، جميع الناس جاؤوا إلى النبي –عليه الصلاة والسلام- وقالوا له: إن جميع الناس بما فيهم أنت يا محمد، وبما فيهم المُتكلم الذي قال؟ السياق يأبى مثل هذا { ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ} [آل عمران:173] شخص واحد { ﯺ ﯻ} [آل عمران:173] معروف أنهم أبو سفيان ومن معه { ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ } [آل عمران:173].

{ * ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ} [العصر:1-2] هذا عموم، عموم لكنه مخصوصٌ بالاستثناء {} [العصر:3] وما بعدها.

"وتتكلم بالكلام يُنبئ أوله عن آخره، أو آخره عن أوله، وتتكلم بالشيء يُعرف بالمعنى كما يُعرف بالإشارة، وتسمي الشيء الواحد بأسماء كثيرة".

"وتسمي الشيء الواحد بأسماء كثيرة" القط كم له من اسم؟ له أسماء كثيرة، والأسد، السيف لها أسماء كثيرة والعكس الأشياء الكثيرة باسمٍ واحد، العين تُطلق على الباصرة، وتُطلق على الجارية، وتُطلق على الذهب، وتُطلق على أشياء كثيرة.

"والأشياء الكثيرة باسمٍ واحد، وكل هذا معروفٌ عندها لا ترتاب في شيءٍ منه هي ولا من تعلق بعلم كلامها، فإذا كان كذلك، فالقرآن في معانيه وأساليبه على هذا الترتيب، فكما أن لسان بعض الأعاجم لا يُمكن أن يُفهم من جهة لسان العرب، كذلك لا يمكن أن يُفهم لسان العرب من جهة فهم لسان العجم؛ لاختلاف الأوضاع والأساليب، والذي نبَّه على هذا المأخذ في المسألة هو الشافعي الإمام، في (رسالته) الموضوعة في أصول الفقه، وكثيرٌ ممن أتى بعده لم يأخذها هذا المأخذ، فيجب التنبه لذلك، وبالله التوفيق.

المسألة الثانية:

للغة العربية من حيث هي ألفاظٌ دالةٌ على معانٍ نظران:

أحدهما: من جهة كونها ألفاظًا وعباراتٍ مطلقة، دالةً على معانٍ مطلقة، وهي الدلالة الأصلية.

والثاني: من جهة كونها ألفاظًا وعبارات مقيدة دالةً على معانٍ خادمة، وهي الدلالة التابعة.

فالجهة الأولى: هي التي يشترك فيها جميع الألسنة، وإليها تنتهي مقاصد المتكلمين، ولا تختص بأمةٍ دون أخرى، فإنه إذا حصل في الوجود فعلٌ لزيدٍ مثلاً كالقيام، ثم أراد كل صاحب لسانٍ الإخبار عن زيدٍ بالقيام".

يعني مع كونهم يشتركون فيها على اختلاف لغاتهم إلا أن تعبيرهم وإن كان تعبير كل أمةٍ، وكل صنف من الناس بلغته الخاصة به التي لا يفهمها غيره إلا أن المؤدى واحد، إذا قلت: قام زيد أو رأيت زيدًا قد قام، تقول أنت العربي: قام زيد، الأعجمي يقول بلغته ما يُفيد أنه قام زيد لا يختلف معك في أنه يقول: قعد زيد بلهجته، القيام هو القيام، القعود هو القعود عند الجميع متفق عليه، لكن كل أمة تُعبِّر بلسانها.

الضحك مُتفق عليه بين الناس، البكاء متفق عليه، لكن كل أمة من الناس يُعبرون عن هذا بلغتهم الخاصة بهم، يعني من النكت والطرائف يقولون: طفل صغير رأى أعجميًّا يتكلم بلغته ثم ضحك، فقال: لوالده انظر هذا يتكلم بالأعجمية ويضحك بالعربي، قال له: يا ولدي الضحك ليس لنا وحدنا، صحيح، الضحك للجميع، القيام يُعبرون عنه على حدٍّ سواء بما يُفيد القيام لا يختلفون في أن هذا قيام وهذا قعود، يقول: هذا قام، وهذا يقول: قعد، أبدًا القيام هو القيام القعود هو القعود، لكن يختلفون في التعبير على حسب اختلاف لغاتهم.

 "ثم أراد كل صاحب لسانٍ الإخبار عن زيدٍ بالقيام تأتى له ما أراد من غير كلفة، ومن هذه الجهة يمكن في لسان العرب الإخبار عن أقوال الأولين -ممن ليسوا من أهل اللغة العربية- وحكاية كلامهم، ويتأتى في لسان العجم حكاية أقوال العرب والإخبار عنها، وهذا لا إشكال فيه.

وأما الجهة الثانية: فهي التي يختص بها لسان العرب في تلك الحكاية وذلك الإخبار، فإن كل خبر يقتضي في هذه الجهة أمورًا خادمةً لذلك الإخبار، بحسب المُخبِر والمُخبَر عنه والمُخبِر به ونفس الإخبار".

يعني الأصل الدلالة الأصلية على قيام زيد في قولك: قام زيد، لكن الدلالة الخادمة التي تختلف باختلاف المُخبِر، وتختلف باختلاف المُخبَر، وتختلف باختلاف المُخبَر عنه هذه مما يتعلق بالنظر الثاني، فهل يحتاج إلى تأكيد، تقول: قام زيد، إذا كان اهتمامك بالقيام قدمته، قُلت: قام زيد، إذا كان اهتمامك بزيد قدمته، فقلت: زيدٌ قام، إذا كان المُخبَر عنده شيء من التردد أكدت له بالمؤكدات المعروفة وهكذا.

"في الحال والمساق، ونوع الأسلوب: من الإيضاح، والإخفاء، والإيجاز، والإطناب، وغير ذلك.

وذلك أنك تقول في ابتداء الإخبار: قام زيد، إن لم تكن ثَم عنايةٌ بالمخبر عنه، بل بالخبر، فإن كانت العناية بالمخبر عنه قلت: زيدٌ قام، وفي جواب السؤال أو ما هو مُنزلٌ تلك المنزلة: إن زيدًا قام".

نعم يؤكَّد؛ لأن الغالب من حال السائل أنه متردد، وإلا إذا جاء بسؤالٍ وهو خالي الذهن عن الموضوع لا يحتاج إلى تأكيد، لكن إذا كان عنده شيء من التردد أُوكد له، وقد يحتاج إلى مزيدٍ من التأكيد باللام مع إن أو بالقسم أو ما أشبه ذلك،.

"وفي جواب المُنكِر لقيامه: والله إن زيدًا قام، وفي إخبار من يتوقع قيامه أو الإخبار بقيامه: قد قام زيد، أو: زيدٌ قد قام، وفي التنكيت على من يُنكر: إنما قام زيد.

ثم يتنوع أيضًا بحسب تعظيمه أو تحقيره -أعني: المخبر عنه- وبحسب الكناية عنه والتصريح به".

يعني بحسب تعظيمه يعني القرآن، وهو بين يديك تُخبر عنه بالإشارة للبعيد ذلك الكتاب وهو بين يديك؛ من أجل تعظيمه، وقد يكون العكس، قد يكون الشيء مُحقَّرًا، ما هذا الرجل الذي يقول كذا وهو في أقصى الدنيا، فتُخبر عنه كأنه بين يديك.

"وبحسب ما يقصد في مساق الأخبار، وما يعطيه مقتضى الحال، إلى غير ذلك من الأمور التي لا يمكن حصرها، وجميع ذلك دائرٌ حول الإخبار بالقيام عن زيد.

فمثل هذه التصرفات التي يختلف معنى الكلام الواحد بحسبها ليست هي المقصود الأصلي".

المقصودَ.

"ليست هي المقصودَ الأصلي، ولكنها من مكملاته ومتمماته، ويطول الباع في هذا النوع".

وبطول.

طالب: وبطول؟

"وبطول الباع" نعم.

"وبطول الباع في هذا النوع يحسن مساق الكلام إذا لم يكن فيه منكر، وبهذا النوع الثاني اختلفت العبارات وكثيرٌ من أقاصيص القرآن".

نعم إذا لم يكن فيه مُنكر من مُبالغةٍ غير مقبولة قد تُعظِّم شخص بالأساليب المناسبة لمقامه، لكن لا تصل فيه إلى حدٍّ لا يحتمله البشر.

"لأنه يأتي مساق القصة في بعض السور على وجه، وفي بعضها على وجهٍ آخر، وفي ثالثةٍ على وجهٍ ثالث".

على سبيل المثال قصة موسى مع فرعون تكررت في القرآن في مواضع كثيرة، فمنها المُختصر جدًّا، ومنها المتوسط، ومنها المبسوط التي بحيث يكون القارئ لهذه القصة كأنه يُشاهدها، ومنها ما هو على مجرد السرعة للإحالة على المبسوط.

"وهكذا ما تقرر فيه من الإخبارات لا بحسب النوع الأول، إلا إذا سكت عن بعض التفاصيل في بعض، ونص عليه في بعض، وذلك أيضًا لوجهٍ اقتضاه الحال والوقت، { ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ} [مريم:64]".

لأن الله –جلَّ وعلا- سكت عن بعض الأمور رحمةً بالناس وتخفيفًا عليهم من غير نسيان.

"فصل: وإذا ثبت هذا، فلا يُمكن من اعتبر هذا الوجه الأخير أن يترجم كلامًا من الكلام العربي بكلام العجم على حال، فضلاً عن أن يُترجَم القرآن ويُنقل إلى لسانٍ غير عربي".

المسألة في الترجمة مسألة الخلاف فيها قديم وأنكرها جمعٌ من أهل العلم بدأً من ابن قتيبة في القرن الثالث إلى أن أُثيرت المسألة قبل خمسين أو ستين سنة، وكثرت فيها المؤلفات، ولكن الذي تقرر وهو المتجه أن الترجمة اللفظية مستحيلة، كما يقول: لا تجوز الترجمة، لا تجوز أو تحرم الترجمة اللفظية، وإنما يجوز ترجمة المعاني.

أنا أقول الترجمة اللفظية مستحيلة، لماذا؟ لأنك لو كلفت شخصًا يُترجم لك مقالاً من العربية إلى لغةٍ أخرى، ثم كلفت آخر يُعيد لك هذه الترجمة إلى العربية لابد أن يقع الاختلاف لا يُمكن أن يُترجمها حرفيًّا، لماذا؟ لأن في ثنايا هذ الكلام ما يحتمل أكثر من معنى، فالمترجم يُترجم على ما في ذهنه على ما هجم عليه فهمه لهذه الكلمة، المترجم حينما يقرأ الكلام ويُريد نقله من لغةٍ إلى لغة لا شك أنه على حسب فهمه للكلام يُترجمه لا أنه يأتي مثلاً ثبت أو فصل يأتي إلى الفاء فيذكرها بالأعجمية كالإنجليزية مثلاً، ثم يأتي إلى الصاد فينقلها إلى الإنجليزية، واللام كذلك إذا اجتمعت الحروف الثلاثة في الأعجمية يطلع لك فصل، ولا تحتاج إلى أن يفهم معنى فصل ليُترجمه؟ لابد من هذا، ولذلكم الترجمة الحرفية لوجود أكثر من معنى لكل كلمةٍ في الكلمة أو المقال الذي يُراد ترجمته؛ ولذلك بعضهم ترجم يُريد أن يُترجم القرآن حرفيًّا فترجم { ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞﭟ } [البقرة:187] ماذا قال لما أراد الترجمة الحرفية؟ قال: هُن بنطلون لكم وأنتم بنطلون لهم، اللباس يظنه سروالًا مثلاً، هذا مستحيل؛ لأن الذي لا يفهم المعاني لا يستطيع الترجمة، وإذا كانت القدرة على الترجمة مترتبة على المعاني إذًا الترجمة الحرفية مستحيلة، ولا يُمكن أن يُتسنى إلى ترجمة المعاني.

"فضلاً عن أن يُترجَم القرآن ويُنقل إلى لسانٍ غير عربي إلا مع فرض استواء اللسانين في اعتباره عينًا، كما إذا استوى اللسانان في استعمال ما تقدم تمثيله ونحوه، فإذا ثبت ذلك في اللسان المنقول إليه مع لسان العرب، أمكن أن يترجم أحدهما إلى الآخر".

يعني لو أردنا أن ننقل هذا المقال إلى أسلوبٍ آخر، يعني كلام بشر
أو من القرآن، فأتانا في دائرة العربية شيء اسمه المترادف، فتنزع هذه الكلمة وتضع مكانها ما يُرادفها، تحذف الكلمة الثانية وتضع فيما يُرادفها وهكذا إلى أن ينتهي المقال لا شك أن المعنى يكون متقارب
ًا لا متطابقًا؛ لوجود من
يُنكر الترادف من كل وجه؛ لأن قعد وجلس، أنت عندك
«إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس» حذفتها قلت: فلا يقعد، نعم في القاموس الجلوس: القعود، أو من قيام، فعلى هذا يكون اختلف القعود عن الجلوس، الجلوس من قيام، والقعود من نحو اضطجاع مثلاً، فلابد من الاختلاف في إطار اللغة الواحدة في المترادفات منها، فكيف باللغات الأخرى التي عندهم بعض الحروف مهملة لا يُوجد عندهم غير هذه الحروف التي عندنا، وبعض المعاني عندهم لا يُدركونها أصلاً.

"وإثبات مثل هذا بوجهٍ بيِّن عسيرٌ جدًّا، وربما أشار إلى شيءٍ من ذلك أهل المنطق من القدماء، ومن حذا حذوهم من المتأخرين، ولكنه غير كافٍ ولا مغنٍ في هذا المقام.

وقد نفى ابن قتيبة إمكان الترجمة في القرآن -يعني: على هذا الوجه الثاني- فأما على الوجه الأول، فهو ممكن، ومن جهته صح تفسير القرآن وبيان معناه للعامة ومن ليس له فهمٌ يقوى على تحصيل معانيه".

نعم تفسير القرآن وبيان معناه يصح للعامة سواء كانوا من العرب أو من غير العرب بلغاتهم.

"وكان ذلك جائزًا باتفاق أهل الإسلام، فصار هذا الاتفاق حُجةً في صحة الترجمة على المعنى الأصلي".

يعني: لا على اللفظ.

"فصل: وإذا اعتبرت الجهة الثانية مع الأولى وجِدت كوصفٍ من أوصافها".

الجهة الثانية التي هي المساعدة المُعينة مع الجهة الأولى الأصلية.

"لأنها كالتكملة للعبارة والمعنى من حيث الوضع للإفهام، وهل تعد معها كوصفٍ من الأوصاف الذاتية، أو هي كوصفٍ غير ذاتي؟"

الوصف الذاتي الذي لا ينفك عنه الموصوف، وغير الذاتي الذي ينفك عنه الموصوف.

"في ذلك نظرٌ وبحثٌ ينبني عليه من المسائل الفرعية جملة، إلا أن الاقتصار على ما ذُكر فيها كاف، فإنه كالأصل لسائر الأنظار المتفرعة، فالسكوت عن ذلك أولى، وبالله التوفيق".

 

اللهم صلِّ على محمد.