التعليق على الموافقات (1430) - 13

عنوان الدرس: 
التعليق على الموافقات (1430) - 13
عنوان السلسلة: 
التعليق على الموافقات
تاريخ النشر: 
الأربعاء, 28 جمادى الأول, 1439 - 10:15

سماع الدرس


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نعم.

طالب: أحسن الله إليك.

 الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:

"المسألة الثانية: قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقًا لقصده في التشريع، والدليل على ذلك ظاهر من وضع الشريعة؛ إذ قد مر أنها موضوعة لمصالح العباد على الإطلاق والعموم، والمطلوب من المكلف أن يجري على ذلك في أفعاله، وأن لا يقصد خلاف ما قصد الشارع، ولأن المكلف خُلق لعبادة الله، وذلك راجع إلى العمل على وفق القصد في وضع الشريعة، هذا محصول العبادة".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقًا لقصده في التشريع".

"قصده" قصد المكلف "موافقًا لقصده" لقصد الشارع "في التشريع"، فلا يقول: هذا مالي وأبيعه ممن شئت، إذا علمنا أن المشتري يستعمل هذا المال الذي تبيع عليه فيما لا يرضي الله، فيما يخالف قصد الشارع، فلا يجوز بيع سلاح في فتنة، وإن كان الأصل الجواز، أصل البيع: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275]، وذكر البخاري عن سفيان قال: هو مالك بعه ممن شئت. لكن هذا القول مردود عند عامة أهل العلم، لا يجوز أن تبيع سلاحًا في فتنة يُستعمل فيما لا يرضي الله، ولا يجوز أن تبيع خشبة تتخذ سُلمًا يرتقى به إلى بيوت الناس فيطلع على عوراتهم وأنت تعرف ذلك.

والقصد من الوقف النفع، وأن يكون قصد الواقف موافقًا لقصد الشارع، والوقف إذا لم يحقق الهدف الشرعي فإنه ليس بوقف، تقول: هذا وقف -والمقصود غلته- فأؤجره لمن شئت، لمن يتخذه محلًّا لبيع المحرمات، لمن يتخذه محلًّا لمزاولة المحرمات. نقول: لا يا أخي، هذا لا يحقق الهدف الشرعي من الوقف. شيخ الإسلام -رحمه الله- يقول: الوقف إذا لم يحقق الهدف الشرعي من الوقف فليس بوقف. يُوقَف مصحف أو صحيح البخاري أو غيرهما من الكتب التي ينتفع بها العلماء وأهل العلم، وقف على ضريح أو على زاوية صوفية مغرقة في التصوف، هذا يحقق الهدف الشرعي من الوقف؟

طالب: لا.

لا يحققه، وهل معنى هذا أن الوقف باطل فيباع حينئذٍ، أو يقال: الوقف ثابت، وينقل من هذا المكان الذي لا يحقق الهدف يُنقل؟ كما أنه لو وقف دارًا أُجرت هذه الدار على من يستعملها مصنع خمر مثلاً، هل نقول: إن الوقف بطل وتباع الدار، أو نقول: إنه يُحقق الهدف الشرعي من الوقف فيخرَج هذا المستأجر؛ لأنه لا يحقق الهدف الشرعي، ويؤتى بمن يحقق الهدف من الوقف من يستعمله في طاعة الله -جل وعلا-؟

المقصود أن المكلف لا بد أن يكون قصده موافقًا لقصد الشارع، ما يقول: هذا مالي وأنا حر. لا، ولذا جاءت الشريعة بسد الذرائع. مع الأسف أن كثيرًا من الأوقاف، لا سيما أوقاف التجار الكبار الذين يصعب، يعني في الغالب متابعة هذه الأوقاف بدقة، قد يزاوَل فيها ما لا يرضي الله -جل وعلا-، وهذه مسألة مشكلة عند التجار، يعني هل يؤجر من يركب أو يدخل في بيته القنوات الإباحية؟ يؤجره هو وقف أم ما يؤجره؟ يؤجر بنك يزاول فيه الربا؟ يؤجر طائفة من الطوائف التي تُشرك في هذا البيت؟

طالب: مشكلة.

نعم؟

طالب: مشكلة.

هذا لا يحقق الهدف الشرعي من الوقف، والقصد يخالف قصد الشارع، والمطلوب من المكلف أن يكون قصده موافقًا لقصد الشارع. ومثل ما قلنا: شيخ الإسلام يقول: الوقف إذا لم يحقق الهدف الشرعي فليس بوقف. وقلنا في مناسبات: هل معنى هذا أنه باطل فيباع؟ يعود إلى مِلك صاحبه فيبيعه كيف شاء؟ أو يقال: إنه يصحح الوقف ويصحح استعماله فيما يرضي الله -جل وعلا-، وهذا هو الأقرب؟

طالب: .......

ما يدري ماذا يفعل؟

طالب: .......

لكن الآن هو يؤجر أناسًا لا يعرفهم، ولا أدري كيف يستخدمون هذا البيت الأصل يقولون أجر لنا السكن، وأأجرهم.

طالب: .......

ماذا يعني فيه؟

طالب: .......

محل بيع فيه أمور محرمة؟

طالب: .......

على كل حال الحكم يتبع المادة المبيعة هل هي حلال أم حرام؟

طالب: .......

يعني يؤجر خياطًا مثلاً؟

طالب: نعم.

يؤجر خياط نساء أو رجال، فيأتيه من الرجال إن كان خياط رجال فيأمره بتفصيل ثوب فيه إسبال، هذا محرم. ماذا على صاحب المحل؟ إذا كانت الأمور ماشية كما هو شأن المسلمين على مر العصور، ما يحتاج إلى أن ينبه، لكن لما كثرت المخالفات يقول لهذا الخياط: أنا لا أبيحك أن تفصل ثيابًا محرمة فيها إسبال أو...، وإذا كان نساء أيضًا كذلك ينبه. وإذا ظهر له من علامات هذا المستأجر أنه إنسان متساهل في الصلوات أو متساهل في تركيب أو إدخال القنوات الإباحية وما أشبه ذلك، ينص على هذا في العقد؛ هذا إذا ظهرت القرائن وغلب على الظن وجود ما ينافي مقتضى العقد.

طالب: "وأيضًا فقد مر أن قصد الشارع المحافظة على الضروريات وما رجع إليها من الحاجيات والتحسينيات، وهو عين ما كُلف به العبد؛ فلا بد أن يكون مطلوبًا بالقصد إلى ذلك، وإلا لم يكن عاملاً على المحافظة".

نعم؛ لأن المحافظة على الضروريات التي هي الدين والنفس والعرض والمال وماذا؟

طالب: النسل.

ماذا؟

طالب: النسل.

غير النسل.

طالب: العقل.

والعقل نعم. فإذا كان يؤجر أو يبيع ما يُخل بواحد من هذه الضروريات ما كان قصده موافقًا لقصد الشارع، بل مناقضًا مناقضة تامة لقصد الشارع. ثم إذا كانت هذه المناقضة في الحاجيات التي يحتاجها الإنسان والمحافظة عليها من الواجبات؛ فهذا أيضًا لا يحقق الهدف الشرعي، لكن ليست مناقضته مثل مناقضة الضروريات. وأقل من ذلك أيضًا في الأمور التحسينية والكمالية.

طالب: "لأن الأعمال بالنيات، وحقيقة ذلك أن يكون خليفة الله في إقامة هذه المصالح".

نعم، حقيقة التكليف أن يكون خليفة الله في إقامة هذه المصالح: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، يقيم بها شرع الله، فإن كان الخليفة بمعنى الإمام الأعظم فيقيمها على نفسه وعلى من تحت يده من الأقربين والأبعدين، كل من له عليه ولاية هو مكلف بأن يقيم فيهم شرع الله، وإن كانت ولايته أقل ففي حدود ولايته، وإلا ينتهي الأمر إلى أن يقيم شرع الله في نفسه إذا كانت ليست له ولاية على أحد. وإطلاق: فلان خليفة الله، يحتمل أن يكون خليفة بمعنى أنه يخلف من استخلفه إذا مات أو غاب، كما أن أبا بكر خليفة رسول الله، هذا لا يجوز بهذا المعنى أن يقال: خليفة الله، وإن كان بمعنى النيابة في إقامة الحدود مع وجوده ومع قربه ومع اطلاعه فهذا لا مانع منه.

طالب: "وحقيقة ذلك أن يكون خليفة الله في إقامة هذه المصالح بحسب طاقته ومقدار وسعه، وأقل ذلك خلافته على نفسه".

نعم "بحسب طاقته ومقدار وسعه": {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، يعني كثيرًا ما يكلف الأب أن يأطر أولاده على شيء، لكنه لا يستطيع، بذل ما يستطع من جهد فلم يستطع، غير ما يكلف السلطان بأطر الناس على الحق، لكنه أحيانًا قد لا يستطيع درءًا لمفاسد أو جلبًا لمصالح أعظم، فـ{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وهذا لا يعفي الأب أن يبذل السبب، والنتائج بيد الله -جَلَّ وعَلا-، وهذا لا يعفي السلطان أن يبذل أقصى ما يستطيعه من سبب، ثم بعد ذلك النتائج بيد الله -جَلَّ وعَلا-.

طالب: "وأقل ذلك خلافته على نفسه، ثم على أهله، ثم على كل من تعلقت له به مصلحة، ولذلك قال -عليه الصلاة والسلام-: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته»، وفى القرآن الكريم: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: 7]".

نعم، المال الذي بيد الإنسان هو مال الله: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33]، فهو مستخلف عليه، لا يجوز له أن يصرفه فيما لا يرضي الله -جل وعلا-.

طالب: "وإليه يرجع قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، وقوله: {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 129]".

ابتلاء هذا الاستخلاف، لينظر كيف يعمل الإنسان، سواء كان مسؤوليته كبيرة جدًّا أو صغيرة جدًّا، ولو على نفسه فقط: لينظر كيف تعملون، أو كانت ولايته عامة وشاملة للأمة كلها، فينظر هذا وهذا. المسألة مسألة ابتلاء، أعطاك الله -جل وعلا- من النعم ما تستطيع به مزاولة الأسباب، مزاولة أسباب الإصلاح، ثم ينظر كيف تعمل؟ هل تستعمل هذه النعم فيما يرضي الله- جل وعلا- أو تستعملها فيما لا يرضيه؟ ابتلاء.

طالب: "{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} [الأنعام: 165]".

نعم. يعني ابتلى الناس، ابتلى الله الناس بعضهم ببعض، جعل هذا غنيًّا وهذا فقيرًا، وهذا شريفًا وهذا وضيعًا، وفاوت بينهم، جعلهم درجات، لماذا؟ ليبتلي هذا بهذا، يبتلي هذا بخدمة هذا بالأجرة، ثم يبتلي هذا بدفع الأجرة وعدمها أو الشح بها. فالكل مبتلى، لكن السعيد الذي ينجح في هذا الابتلاء، يؤدي ما عليه، ولا يأخذ أكثر من ماله.

طالب: "والخلافة عامة وخاصة حسبما فسرها الحديث حيث قال: «الأمير راعٍ، والرجل راعٍ على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده؛ فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، وإنما أتى بأمثلة تبين أن الحكم كلي عام غير مختص، فلا يتخلف عنه فرد من أفراد الولاية، عامةً كانت أو خاصةً، فإذا كان كذلك فالمطلوب منه أن يكون قائمًا مقام من استخلفه، يُجري أحكامه ومقاصده مجاريها، وهذا بيِّن".

نعم، كل إنسان مكلف: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده»، لا يقول: أنا واللهِ الحمد لله سالم خفيف الظهر لا عندي مال ولا ولد ولا زوجة ولا أحد، أنا ما، أنا علي بخويصة نفسي. أنا أقول: لا، ما أنت عليك بخويصة نفسك، إذا رأيت منكرًا فلا بد أن تغيره بحسب استطاعتك. فأنت مسؤول، إذا رأيت جارك على منكر، إذا رأيت أيًّا كان على منكر مما لا يرضي الله -جل وعلا-، عليك أن تنكر بحسب استطاعتك، و{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، «المرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها»، مسؤولة مسؤولية تامة عما يؤتى به للبيت من حيث التصريف والتبذير والاقتصاد، فلا تقتر على نفسها ولا على أولادها، ولا تزيد في المصروف بحيث يتضرر الزوج فيما لا ينفعه الزوج ولا أولاده ولا تنفع نفسها هي. فهذه مسؤولية لا بد من مراعاتها، فلا يأتي شخص يقول: أنا واللهِ الآن أنا لست بمسؤول عن شيء، ما علي إلا ثوبي هذا، لا مال ولا ولد ولا شيء، أسكن المسجد ولا عندي مشكلة. لا، نقول: أنت راعٍ ومسؤول عن رعيتك، أنت مسؤول عن كل منكر تراه، ومسؤول عن تبليغ كل خير سمعته: «بلغوا عني ولو آية». فالمسؤولية مسؤولية الجميع.

طالب: .......

لا، ولا أهل الحسبة... الكلام على الاستطاعة، من يستطيع الإنكار باليد لا يسوغ له أن يعدل عنه إلى اللسان.

طالب: لأي أحد؟

لأي أحد، بدءًا من الإمام الأعظم الذي لا يرده أحد، فيستطيع في كل مقام أو في كل مناسبة، ثم بعد ذلك بمن وُلي ولاية على حسب ولايته يستطيع الإنكار باليد أحيانًا، وأحيانًا لا يستطيع إلا باللسان، وقد لا يستطيع حتى باللسان فيعدل ذلك إلى القلب.

طالب: "فصل: وإذا حققنا تفصيل المقاصد الشرعية بالنسبة إلى المكلف وجدناها ترجع إلى ما ذُكر في كتاب الأحكام، وفي مسألة دخول المكلف في الأسباب؛ إذ مر هنالك خمسة أوجه منها يؤخذ القصد الموافق والمخالف، فعلى الناظر هنا مراجعة ذلك الموضع حتى يتبين له ما أراد إن شاء الله.

المسألة الثالثة: كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شُرعت له، فقد ناقض الشريعة، وكل ما ناقضها فعمله في المناقضة باطل، فمن ابتغى في التكاليف ما لم تُشرع له فعمله باطل. أما أن العمل المناقض باطل فظاهر؛ فإن المشروعات إنما وُضعت لتحصيل المصالح ودرء المفاسد".

يعني قد يقول قائل: أليس المقصود من الصيام حبس النفس عن الطعام والشراب والشهوات، بدل ما أصوم بالنهار أنا بأصوم بالليل، وبدل ما يصوم الناس اثنتي عشرة ساعة أصوم خمس عشرة ساعة. هذا موافق لقصد الشارع أم مناقض؟

طالب: مناقض.

مناقض مناقضة تامة. ذكرنا قصة شخص كان مدرسًا في مدرسة القضاء الشرعي، وذكره أحمد أمين في مذكراته، قال: إنه كان شخصًا على قدر عالٍ من الدين والخلق والزهد، يقول: درسنا في مدرسة القضاء الشرعي ثم انقطع فجأة، فبحثت عنه عشر سنوات فلم أجده. يقول: اتفق لي أن قمت بزيارة إلى تركيا، ورأيت ذلك الشخص فجأة، فإذا بالرجل قد انقطع للصيام والقيام، للصيام والقيام انقطع، لكنه لا يبدأ صيامه إلا من التاسعة صباحًا، يبدأ الصيام من التاسعة صباحًا إلى غروب الشمس، والعلة في ذلك يقول: إنه يسكن في شقة وتحته في الشقة التي تحته أسرة، قال ما أدري هل قال يهودية أو نصرانية، ويخشى أن يزعجهم في وقت راحتهم بإعداد السحور أو ما أشبه ذلك. هل هذا موافق لقصد الشارع؟

طالب: لا.

نعم، الفارابي أبو نصر جاور في آخر عمره، جاور، سكن مكة، ويقضي جل وقته في المسجد الحرام، ويصوم الدهر، ويفطر على الخمر المعتق وأفئدة الحملان! هذا يوافق قصد الشارع؟ هذا يناقض قصد الشارع مناقضة تامة. فمثل هذه الأعمال -نسأل الله العافية- {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} [الغاشية: 3] وبال على أصحابها، فلا بد من موافقة قصد الشارع ليكون العمل صحيحًا.

طالب: أحسن الله إليك .......

في الفصل الذي أشار إليه وأحالنا عليه في الفصل الذي ذكر قال: "وجدناها ترجع إلى ما ذكرنا في كتاب الأحكام"، وبعد ذلك قال: "وفي مسألة دخول المكلف في الأسباب". ذكر المؤلف وذكر غيره أن المكلف عليه أن يبذل السبب، ولا ينظر إلى المسبب، والأجور كلها معلقة، براءة الذمة مع ثبوت الأجر كله معلق ببذل السبب، المكلف ليس عليه أن ينظر إلى المسبب.

طالب: "أما أن العمل المناقض باطل فظاهر، فإن المشروعات إنما وُضعت لتحصيل المصالح ودرء المفاسد، فإذا خولفت لم يكن في تلك الأفعال التي خولف بها جلب مصلحة ولا درء مفسدة. وأما أن من ابتغى في الشريعة ما لم توضع له، فهو مناقض لها، فالدليل عليه أوجه؛ أحدها: أن الأفعال والتروك من حيث هي أفعال أو تروك متماثلة عقلاً بالنسبة إلى ما يُقصد بها؛ إذ لا تحسين للعقل ولا تقبيح، فإذا جاء الشارع بتعيين أحد المتماثلين للمصلحة وتعيين الآخر".

"لا تحسين للعقل ولا تقبيح"، الأشعرية هم الذين ينفون الحسن والقبح العقليين، وغيرهم يثبت، لكنه تابع للأوامر والنواهي، فكل ما يؤمر به المكلف من قِبل الشارع فهو حسن، والغالب أن العقل يدرك هذا الحُسن، وكل ما يُنهى عنه فهو قبيح، والغالب أن العقل يدرك القبح، والعقل الصريح لا يمكن أن يحصل بينه وبين النص الصريح الصحيح منافرة؛ بل بينهما اتفاق. وألف شيخ الإسلام -رحمه الله- كتابه العظيم موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، أو العكس: صحيح المنقول لصريح المعقول، درء تعارض العقل والنقل، ما فيه تعارض بين العقل والنقل، بل هما متفقان، لا سيما العقل الموافق للفطرة، يعني النفوس التي على فطرتها على جبلتها، لا النفوس التي اجتالتها الشياطين، واختلطت بغير المسلمين، واستحسنت أفعالهم، لا، الأصل: أنه لا خير إلا دل الأمة عليه -عليه الصلاة والسلام-، ولا شر إلا حذرها منه. ما يقال: واللهِ هذا العمل الصالح فيه شر أم فيه، أو ينطوي فيه شر، يعني صلاة الفجر تعرضنا للبرد الشديد في الشتاء، وصلاة الظهر تعرضنا للحر الشديد في الصيف. لا، أين هذا البرد الشديد من موعود الله -جل وعلا- بالأجر العظيم على هذه الصلاة؟

 يعني شخص يقول: أنا ما عمري صليت إلا حصل لي حادث! قال لي أنا، قلت: بعد ما تصلي، قال: ما عمري طلعت أصلي إلا أصدم! فإذا بعقله ما هو بالتام، عقليته ليست تامة. فمثل هذه تقاوم هذه النصوص الواردة الثابتة المحكمة، والله المستعان.

طالب: "إذ لا تحسين للعقل ولا تقبيح، فإذا جاء الشارع بتعيين أحد المتماثلين للمصلحة وتعيين الآخر للمفسدة، فقد بيَّن الوجه".

يعني "لا تحسين للعقل ولا تقبيح" استقلالاً، نعم العقل قد يدرك حُسن الحَسن وقبح القبيح، لكنه لا يستقل، بحيث إذا رأى عملاً حسنًا حكم بشرعيته ولو لم يرد به شرع، وتعبد به ولو لم يرد به نص، نقول: لا، الشرع توقيفي. وأحيانًا قد يأتي الشرع بما يحتار فيه الإنسان، بمحاراة العقول، لكنه لا يأتي بالمحالات، لا يأتي بشيء محال، لا يأمرك بالجمع بين النقيضين، لكن يأمرك بمسح أعلى الخف دون أسفله.

طالب: "فإذا جاء الشارع بتعيين أحد المتماثلين للمصلحة وتعيين الآخر للمفسدة، فقد بيَّن الوجه الذي منه تحصل المصلحة فأمر به أو أذن فيه، وبيَّن الوجه الذي به تحصل المفسدة فنهى عنه رحمةً بالعباد، فإذا قصد المكلف عين ما قصده الشارع بالإذن، فقد قصد وجه المصلحة على أتم وجوهه، فهو جدير بأن تحصل له وإن قصد غير ما قصده الشارع، وذلك إنما يكون في الغالب لتوهم أن المصلحة فيما قصد؛ لأن العاقل لا يقصد وجه المفسدة كفاحًا، فقد جعل ما قصد الشارع مهمل الاعتبار".

نعم، "لا يقصد" العاقل "وجه المفسدة كفاحًا"، يعني لا يعدل إلى المعصية قصدًا؛ لما فيها من مفسدة، ما يقول وهو يشرب الخمر: لإزالة العقل، لا، لا يقول هذا؛ وإنما يقصد شرب الخمر لما يُلبس عليه فيه من مصلحة، ولا يشرب الدخان لنتن ريحه مثلاً؛ وإنما لما تعوده ولما اعتاده وظن أن فيه مصلحة كما يدعي أصحابه، لكنه لا يقصد المفسدة كفاحًا. قد يُلبس عليه الشيطان فيزين له القبيح.

 يقضى على المرء في أيام محنته                حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن

 فيحسن له القبيح فيرتكبه عقوبة من عقوبات الله -جل وعلا- لهذا الشخص. أما أن يقصد المحرم لما فيه من قبح، الباعث عليه هو القبح الذي فيه، لا. لكن الزاني حينما يزني هل يقصد في زناه الإساءة إلى هذه المرأة أو إلى أسرتها أو الإساءة إلى عشيرته، أو يقصد أن يقام عليه الحد؟

طالب: لا.

هل هذا قصده؟ لا، يقصد ما فيه من لذة، ناسيًا كل المفاسد في جانب هذه اللذة، والله المستعان. نعم.

طالب: "فقد جعل ما قصد الشارع مهمل الاعتبار، وما أهمل الشارع مقصودًا معتبرًا، وذلك مضادة للشريعة ظاهرة.

والثاني: أن حاصل هذا القصد يرجع إلى أن ما رآه الشارع حسنًا، فهو عند هذا القاصد ليس بحسن، وما لم يره الشارع حسنًا فهو عنده حسن، وهذه مضادة أيضًا".

نعم، كمن يعدل -نسأل الله السلامة والعافية- عن زوجته التي أباحها الله له، التي أباحها الله له وفيها تجتمع المصالح والمحاسن الشرعية والعرفية الدنيوية والأخروية، إلى امرأة أجنبية تجتمع فيها جميع المفاسد. هذا ضاد الشارع، يعني رأى الحسن التي هي زوجته قبيحة، ورأى القبيح الذي هي زوجة غيره أو ابنة غيره حسن، هذه مضادة لأمر الشارع.

طالب: "والثالث: أن الله تعالى يقول: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} [النساء: 115] الآية، وقال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله وولاة الأمر من بعده سننًا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله، من عمل بها مهتدٍ، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا".

يعني على ما جاء في آية النساء التي ذكرها المؤلف آنفًا.

طالب: "والأخذ في خلاف مآخذ الشارع من حيث القصد إلى تحصيل المصلحة أو درء المفسدة مشاقة ظاهرة".

نعم، كلام عمر بن عبد العزيز في ظلال الآية، يعني في تفسير الآية وتوضيحها، كلام جميل جدًّا، كان هذا الأثر يعجب الإمام مالك، ويستدل به على المبتدعة؛ لأنه يقول: "ومن خالفها" خالف السنة "اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا" على ما جاء في الآية.

طالب: "والرابع: إن الآخذ بمشروع من حيث لم يقصد به الشارع ذلك القصد آخذ في غير مشروع حقيقةً؛ لأن الشارع إنما شرعه لأمر معلوم بالفرض، فإذا أخذ بالقصد إلى غير ذلك الأمر المعلوم فلم يأت بذلك المشروع أصلاً، وإذا لم يأت به ناقض الشارع في ذلك الأخذ، من حيث صار كالفاعل لغير ما أُمر به والتارك لما أمر به".

يعني إذا ناقض الشرع في قصده فحسَّن ما قبحه الشارع أو العكس، هذا "صار كالفاعل لغير ما أُمر به"؛ بل حقيقته كذلك، مثل الذي يعدل عن زوجته إلى امرأة أخرى لا تحل له.

طالب: "والخامس: أن المكلف إنما كُلف بالأعمال من جهة قصد الشارع بها في الأمر والنهي، فإذا قصد بها غير ذلك كانت بفرض القاصد وسائلَ لما قصد لا مقاصد؛ إذ لم يقصد بها قصد الشارع فتكون مقصودةً، بل قصد قصدًا آخر جعل الفعل أو الترك وسيلةً له، فصار ما هو عند الشارع مقصود وسيلةً عنده، وما كان شأنه هذا نقض لإبرام الشارع وهدم لما بناه".

نعم، صام أو صلى لأمر، يعني جعل الصيام أو جعل الصلاة وسيلة يقتنص بها ويصطاد بها أمر من أمور الدنيا، أو يغرر بها مسلمًا فيأتمنه على ماله أو على عرضه بهذه العبادة التي يزاولها، فجعل قصد الشارع وسيلة، فتجد يصلي ويلازم الصلاة وقد يكون من أوائل المبادرين، وليس قصدُه ما قصدَه الشارع من هذه الصلاة.

"فصار ما هو عند الشارع مقصود وسيلةً عنده، وما كان شأنه هذا نقض لإبرام الشارع". بلا شك، يعني هل تصح صلاته وهذا هدفه؟ لا، هل يصح صيامه وهذا قصده؟ لا.

طالب: "والسادس: أن هذا القاصد مستهزئ بآيات الله؛ لأن من آياته أحكامه التي شرعها، وقد قال بعد ذِكر أحكام شرعها: {وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} [البقرة: 231]، والمراد أن لا يقصد بها غير ما شرعها لأجلها، ولذلك قيل للمنافقين حيث قصدوا بإظهار الإسلام غير ما قصده الشارع: {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} [التوبة: 65]".

لكن هذه الآية التي نزلت في المنافقين، إنما نزلت فيهم لما استهزئوا بالله وآياته ورسوله، في غزوة تبوك كانوا يقولون: (ما رأينا مثل قرائنا)، يقصدون النبي -عليه الصلاة والسلام- وأصحابه، يستهزئون، فهم يستهزئون بشيء، مع أنهم طبعهم الاستهزاء، فهم يفعلون ما يفعلون موافقة للمسلمين في الظاهر لا لذات الأفعال ولا من أجل موافقة قصد الشارع، وإنما هو من أجل حقن دمائهم، فهم مستهزئون.

ومن هذا يذهب الحنفية إلى أن من يصلي بغير طهارة، أنه مستهزئ، وعلى هذا يحكمون بكفره لأنه مستهزئ ساخر، ما معنى أن الإنسان يفعل شيئًا يخل بشرطه الذي يستطيع فعله؟ هذا هو الاستهزاء بعينه، لكن مسألة التكفير بهذا تحتاج إلى نظر.

طالب: "والاستهزاء بما وضع على الجد مضادة لحكمته ظاهرة، والأدلة على هذا المعنى كثيرة. وللمسألة أمثلة كثيرة، كإظهار كلمة التوحيد قصدًا لإحراز الدم والمال، لا لإقرارٍ للواحد الحق بالوحدانية، والصلاة ليُنظر إليه بعين الصلاح، والذبح لغير الله، والهجرة لينال دنيا يصيبها أو امرأةً ينكحها، والجهاد للعصبية أو لينال شرف الذكر في الدنيا، والسلف ليجر به نفعًا، والوصية بقصد المضارة للورثة، ونكاح المرأة ليحلها لمطلقها، وما أشبه ذلك. وقد يَعترض هذا الإطلاق بأشياء".

"يُعترَض".

طالب: "يُعترَض هذا الإطلاق بأشياء؛ منها: ما تقدم في المسألة الأولى، كنكاح الهازل وطلاقه وما ذكر معهما، فإنه قاصد غير ما قصد الشارع بلفظ النكاح والطلاق وغيرهما".

لأن الشارع قصد إبرام العقد المقصود، وهذا ما قصد؛ قصد يمزح، قصد الهزل، لكن يؤاخذ بما نطق به ولو لم يقصد، ولو ناقض قصد الشارع في كلامه عقوبة له؛ لئلا يتخذ آيات الله هزوًا، لئلا يتلاعب بكتاب الله، فيؤاخذ بما نطق في النكاح والطلاق والرجعة والعتق.

طالب: "وقد تقدم جوابه، ومن ذلك المكره بباطل، فإنه عند الحنفية تنعقد تصرفاته شرعًا فيما لا يحتمل الفسخ بالإقالة كما تنعقد حالة الاختيار، كالنكاح والطلاق والعتق واليمين والنذر، وما يحتمل الإقالة ينعقد كذلك، لكن موقوفًا على اختيار المكره ورضاه، إلى مسائل من هذا النحو".

يعني من أُكره على الطلاق، من أُكره على النكاح، على رأيهم أنه ينعقد، ثم بعد ذلك إذا زال الإكراه يُنظر في حاله إن أراد إمضاءه، أو يطلق في حال النكاح، أو يراجع في حال الطلاق. لكن غيره إذا كان الإكراه في الشرك، التلفظ بكلمة الشرك غير معتبر: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106]، فما دونه من باب أولى، لكن يُنظر في الحد الذي يصل إليه الإكراه وهو الإلجاء، ما هو مجرد توقع أو توهم، يعني مثل ما سئل بعضهم عن رجل اعتمر هو وزوجته، فطافا بالبيت وسعى الرجل وامرأته لم تسع بعد، قال: خلاص ما يحتاج سعيًا امشي، فأفتاه المفتي بأنها مكرهة لا شيء عليها! ما هو بالمفتي العهدي الآن؛ لا، من سئل عن هذه المسألة قال: هذا إكراه! يعني أي شيء إكراه؟! قال: هذا إكراه ما عليك شيء. يعني هل هذا الكلام مجرد أن يقول لها: ما عليكِ سعي خلاص امشي، هذا إكراه؟ ولو هددها بالطلاق، قال: إن سعيت فأنت طالق، هذا إكراه أم ما هو بإكراه؟

طالب: .......

يعني المسألة يعني التساهل إلى هذا الحد يعني ما فيه مظهر من مظاهر الإكراه، يعني هو مجرد أمرها ألا تسعى، أمرها ألا تسعى فيقال: أنت مكرهة ما عليك شيء. هذا ليس، أقول: تساهل غير مرضي، توسع في الفتوى غير مرضي.

طالب: يا شيخ الآن رأي الحنفية في مسألة انعقاد التصرفات في الإكراه، كيف يستقيم مع الآثار المترتبة على وقوعه؟ يعني الآن لما يقال...

تكون الطلقة ثالثة.

طالب: لما...

هم يقولون: إنه مندوحة؛ لأن الشارع ترك له مندوحة ترك له فرصة.

طالب: وقع الطلاق، أُكره وطلقها؟

وهي ثالثة؟

طالب: وهي ثالثة.

هذا الإشكال.

طالب: طيب.

لا لا، قوله مرجوح.

طالب: "ومنها: أن الحيل في رفع وجوب الزكاة وتحليل المرأة لمطلقها ثلاثًا، وغير ذلك مقصود به خلاف ما قصده الشارع مع أنها عند القائل بها صحيحة، ومن تتبع الأحكام الشرعية".

الحيل في رفع وجوب الزكاة، يعني خليطان عندهما أربعون رأسًا من الغنم، لكل واحد عشرون، فلما جاء الساعي فرقا للتحايل على رفع الزكاة، أو عند كل واحد منهما أربعون، فلما جاء الساعي جمعها ليكون عليهم شاة واحدة؟ هذا لا يجوز بحال، ولذا جاء في الحديث: «ولا يُجمع بين مفترق ولا يُفرق بين مجتمع خشية الصدقة»، وكذلك تحليل المرأة لمطلقها ثلاثًا باطل، والمحلل هو التيس المستعار، وإن صحح الحنفية العقد مع إثمه، لكن يبقى أن الجمهور على أنه منافٍ لمقتضى العقد، وأن النهي عائد إلى ذات العقد.

طالب: "ومن تتبع الأحكام الشرعية ألفى منها ما لا ينحصر، وجميعه يدل على أن العمل المشروع إذا قُصد به غير ما قَصده الشارع، فلا يلزم أن يكون باطلاً. والجواب: إن مسائل الإكراه إنما قيل بانعقادها شرعًا بناءً على أنها مقصودة للشارع بأدلة قررها الحنفية".

يعني على سبيل التنزل معهم.

طالب: "ولا يصح أن يقر أحد بكون العمل غير مقصود للشارع على ذلك الوجه ثم يصححه؛ لأن تصحيحه إنما هو بالدليل الشرعي، والأدلة الشرعية أقرب إلى تفهيم مقصود الشارع من كل شيء، فكيف يقال: إن العمل صحيح شرعًا مع أنه غير مشروع؟".

لا سيما إذا كان النهي عائد إلى ذات المنهي عنه، يعني مناقضة تامة، عائد إلى ذات المنهي عنه، سواء عبادة أو عقدًا، أو إلى شرطه؛ لأنه يقضي على الشرط، فإذا بطل الشرط بطل المشروط، أو إلى ركنه جزئه الأكبر، إذا عاد النهي إلى شيء مؤثر في العبادة أو العقد فإنه يُحكم ببطلانه، بخلاف ما إذا عاد إلى خارج.

طالب: "فكيف يقال: إن العمل صحيح شرعًا مع أنه غير مشروع؟ هل هذا إلا عين المحال؟".

"عين المحال"؛ لأنه تناقض.

طالب: "وكذلك القول في الحيل عند مَن قال بها مطلقًا، فإنما قال بها بناءً على أن للشارع قصدًا في استجلاب المصالح ودرء المفاسد".

نعم؛ لأنه في حيلته يستجلب مصلحة أو يدرأ مفسدة. لكن الحيل منها المباح ومنها المحرم: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا ما حرم الله بأدنى الحيل»، الحيل التي يتوصل بها إلى فعل محظور أو ترك مأمور هذه حيل اليهود لا تجوز بحال، أما الحيل التي يتوصل بها إلى دفع ظلم أو استجلاب حق من غير ارتكاب محظور فإنها سائغة. والحيلة نُص عليها في القرآن في موضع واحد، وهو؟

طالب: سورة النساء، الهجرة.

الهجرة من بلاد الكفار إلى بلاد المسلمين، فيستعمل مريد هذه الحيل ما هو مأمور: {لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} [النساء: 98]، فإذا أمكنه أن يتحايل حتى ينتقل من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام فله ذلك ولو بالحيلة؛ لأن الإقامة بين ظهراني المشركين أمرها خطير جدًّا على الدين وعلى الدنيا، على النفس وعلى الأهل والولد.

طالب: "بل الشريعة لهذا وُضعت، فإذا صحح مثلاً نكاح المحلل، فإنما صححه على فرض أنه غلب على ظنه من قصد الشارع الإذن في استجلاب مصلحة الزوجين فيه، وكذلك سائر المسائل بدليل".

ينظر في مصالح كثيرة، يقول: طلقها ثلاثًا فأنا محسن ومحتسب -كما يقول الحنفية-، أعيدها أسعى في إعادة هذه الزوجة إلى زوجها، فأنا محسن؛ لأن الطلاق يترتب عليه تشريد الأولاد وتضييع الحقوق، ويخرج لنا جيل ضائع بعيد عن تربية الأب، ويحصل مشاكل بينهما، فيخرج لنا مثل هذا الجيل الذي في الغالب أنه غير سوي. {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} [النساء: 130]، أين نحن من هذه الآيات ومن هذه النصوص؟ خلاص هذا حكم شرعي، خلاص، هو حل للمشاكل التي لا يمكن علاجها.

طالب: "وكذلك سائر المسائل، بدليل صحته في النطق بكلمة الكفر خوف القتل أو التعذيب، وفي سائر المصالح العامة والخاصة؛ إذ لا يمكن إقامة دليل في الشريعة على إبطال كل حيلة، كما أنه لا يقوم دليل على تصحيح كل حيلة".

الضابط في الحيل الصحيحة من الباطلة: أن ما يتوصل به من الحيل إلى تحليل الحرام أو تحريم الحلال، هذه حيل اليهود، هذه محرمة لا تباح بحال؟ وما يتوصل به إلى إيصال الحقوق ودفع المظالم من غير ارتكاب المحظور، فهذه هي الحيل الشرعية. وابن القيم -رحمه الله تعالى- أطال إطالة وأفاض وذكر أمثلة للحيل الشرعية وغير الشرعية في إغاثة اللهفان.

طالب: "إذ لا يمكن إقامة دليل في الشريعة على إبطال كل حيلة، كما أنه لا يقوم دليل على تصحيح كل حيلة، فإنما يبطل منها ما كان مضادًّا لقصد الشارع خاصة، وهو الذي يتفق عليه جميع أهل الإسلام، ويقع الاختلاف في المسائل التي تتعارض فيها الأدلة، ولهذا موضع يُذكر فيه في هذا القسم إن شاء الله تعالى".

بركة.

طالب: أحسن الله إليك، تأجير .......

يعني المأذون ببقائه؟

طالب: نعم.

واللهِ في النفس منها شيء، ما دام يزاول المحرمات، الله -جل وعلا- يقول: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، وهذا تعاون، أقل ما فيه التعاون، يعني يجد من يفتيه أن هذا التأجير متعدد الأغراض وتؤجر من شئت، يعني يوجد من يفتي بهذا ؛ لأنه لا يتعين هذا التأجير من أجل شرب الخمر أو أكل الخنزير، إنما أغراض متعددة كثيرة وما يزاول فيه مغمور، لكن هو تعاون على كل حال.

طالب: .......

لا، البيع يعني أمره أخف باعتبار أنك ترفع يدك بالكلية عن المحل وليست ...، تصحيح البيع الذي إذا توافرت فيه الشروط معناه ترتب آثاره عليه، أنك ما لك أية علاقة بالبيت، مع أنك لو بعته على شخص يستعين به على طاعة الله لا شك أنه أولى.

طالب: .......

لا لا ما يصح، إذا تعين للمحرم لا، مثل الذي يبيع السلاح بالفتنة.