التعليق على الموافقات (1436) - 14

عنوان الدرس: 
التعليق على الموافقات (1436) - 14
عنوان السلسلة: 
التعليق على الموافقات
تاريخ النشر: 
الأحد, 6 شعبان, 1439 - 10:15

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نعم.

طالب: أحسن الله إليك.

 الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فيقول المؤلف -رحمه الله- في نهاية المسألة الثالثة: "وأما الترجيح الخاص فلنفرد له مسألة على حدة، وهي: المسألة الرابعة".

نعم.

طالب: هذا الكلام متعلق فقط.

"المسألة الرابعة".

طالب: نعم. "المسألة الرابعة: وذلك أن من اجتمعت فيه شروط الانتصاب للفتوى على قسمين؛ أحدهما: من كان منهم في أفعاله وأقواله وأحواله عند مقتضى فتواه، فهو متصف بأوصاف العلم، قائم معه مقام الامتثال التام".

يعني المطابقة.

 الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

المطابقة التامة بين الأقوال والأفعال والتقارير، هذه للنبي -عليه الصلاة والسلام-، ما يتصور من أحد من المجتهدين غير المعصوم -عليه الصلاة والسلام- أن تتطابق أقواله وأفعاله وتقاريره مطابقة تامة، فهذا لا يُتصور إلا في محمد -عليه الصلاة والسلام-، لكن المجتهدون متفاوتون منهم من يقرب من ذلك، ومنهم من يبعد، كل على حسب ما وُفق له من قول وعمل. نعم.

طالب: "حتى إذا أحببت الاقتداء به من غير سؤال أغناك عن السؤال في كثير من الأعمال، كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يؤخذ العلم من قوله وفعله وإقراره. فهذا القسم إذا وُجد فهو أولى ممن ليس كذلك، وهو القسم الثاني، وإن كان في أهل العدالة مبرزًا، لوجهين".

يعني وإن كان عدلاً ثقة مقبول الرواية ومقبول الفتوى، إلا أنه مهما بلغ من القرب من المطابقة إلا أنه لا يُتصور أن يطابق في كل شيء.

طالب: "أحدهما: ما تقدم في موضعه من أن من هذا حاله، فوعظه أبلغ، وقوله أنفع، وفتواه أوقع في القلوب ممن ليس كذلك".

لا شك أن الذي يعظ الناس ويوجههم ويرشدهم ويدلهم على الخير، إذا كان فاعلاً لما يقول مطبقًا لما يدعو إليه، فلا شك أن مثل هذا هو الذي يُقبل كلامه. أما إذا كان يعظ الناس ويوجههم ويدعوهم إلى شيء لا يفعله هو، فلا شك أن الكلام يدخل من أذن ويخرج من أخرى؛ لأن الكلام إذا لم يخرج من القلب لم يقع في القلب.

طالب: .......

مطابقة، مستحيل، ما فيه معصوم إلا الرسول -عليه الصلاة والسلام-.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

ماذا؟

طالب: إذا وُجد.

طالب: .......

إذا وُجد، مع أنه لن يوجد، لكن يقصد بذلك المطابقة في الغالب، يعني غالب أحواله على هذا.

طالب: .......

حتى لو قال المؤلف، المسألة النظر في واقع الأمة وفي مجتهديها من أصله -عليه الصلاة والسلام- إلى يومنا هذا، فيه معصوم غير محمد -عليه الصلاة والسلام-؟ وعدم المطابقة تقل وتكثر، قد لا يطابق في القليل، وقد يخالف في شيء يكون واضحًا وبارزًا وقد تكون مخالفته بأمور خفية، إلى غير ذلك مما لم تُشترط فيه العصمة.

طالب: "لأنه الذي ظهرت ينابيع العلم عليه، واستنارت كليته به، وصار كلامه خارجًا من صميم القلب، والكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب، ومن كان بهذه الصفة، فهو من الذين قال الله فيهم: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]، بخلاف من لم يكن كذلك، فإنه وإن كان عدلاً وصادقًا وفاضلاً لا يبلغ كلامه من القلوب هذه المبالغ، حسبما حققته التجربة العادية".

هذا شيء مجرب ومشاهد، قد يتكلم الموجه والداعية والواعظ بكلام يعني يظنه السامع عاديًّا، ما فيه زود، ولا يجلب الأنظار، ما فيه يعني قوة بلاغة ولا فصاحة ولا ترتيب، فيه كلمات يسيرة، لكن ينتفع بها الناس. بخلاف بعض الناس الذي هو مستعد أن ينشئ مقامة كاملة يعظ بها الناس، تشتمل على أصناف وأنواع البديع، وتأخذ حظًّا وافرًا ونصيبًا كبيرًا من الفصاحة والبلاغة، ثم في النهاية لا شيء.

طالب: .........

 ونحن، والجميع حضروا الخطب في الجمع وفي الأعياد وفي الاستسقاء على وجه الخصوص، من الذي كلامه يؤثر في الناس؟

 بعض الخطباء يخطبون لصلاة الكسوف، وتخرج وما تأثرت، ولا لها أي قيمة عندك، مع أنها خطب مرتبة ومسجوعة ومضبوطة من حيث الصناعة اللفظية. لكن ما الذي دخل في قلوب السامعين؟ مثل هذه المواقف، مثل خطبة الاستسقاء، يُحتاج لها أن يوجد واعظ عالم عامل مؤثر، ما هو .... لا يلزم أن يكون بليغًا في كلامه وفصيحًا في عباراته، لا، ولذا لما حصل الاستسقاء في عهد معاوية -رضي الله عنه-، استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي، من العباد، رجل صالح، يعني بدعائه، قال: استسق لنا يا يزيد، قام يزيد وقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، وسقوا، ثم قال كما تقول الرواية: فضحتني يا معاوية، ودعا على نفسه، ومات في مكانه، على ما ذكروا، على حسب الرواية.  

لكن ما نحتاج إلى ما نسمع من خطب الاستسقاء في الحرمين وغيرهما من المقامات المسجوعة التي ترن وتطنطن في آذان السامعين، ثم في النهاية الأثر ضعيف، والله المستعان. نعم.

طالب: "والثاني: أن مطابقة الفعل القول شاهد لصدق ذلك القول".

إذًا القول الفعل يصدق القول، شاهد له ومصدق له، وإذا خالفه كذبه.

طالب: "كما تقدم بيانه أيضًا، فمن طابق فعله قوله صدقته القلوب، وانقادت له بالطواعية النفوس، بخلاف من لم يبلغ ذلك المقام".

يعني الناظر إلى هذا الواعظ أو هذا الخطيب الذي يعظ الناس بكلامه البليغ، وهم يعرفون عنه خلاف ذلك، كأنه يقول: أنا أقول لكم كذا إسقاطًا للواجب، وإلا ففعلي خلاف ذلك، فلا تقتدوا بي، إنما يؤدي هذا الواجب؛ لأنها قد تكون وظيفة يؤديها في مقابل، وإذا كان فعله يخالف قوله فكأنه يقول: لا تصدقوني.

طالب: "بخلاف من لم يبلغ ذلك المقام وإن كان فضله ودينه معلومًا، ولكن التفاوت الحاصل في هذه المراتب مفيد زيادة الفائدة أو عدم زيادتها، فمن زهد الناس في الفضول التي لا تقدح في العدالة وهو زاهد فيها وتارك لطلبها، فتزهيده أنفع من تزهيد من زهد فيها وليس بتارك لها".

نعم. الذي يقول: احفظ جوارحك، لا تتكلم فيما لا يعنيك ولا تتدخل فيما لا يعنيك، وهو موغل في هذه الأمور، والناس تشهد عليه كلهم أنه من هذا النوع الذي يتكلم كثيرًا، ويعبث كثيرًا. من الذي يقبل كلامه؟ بخلاف ما لو كان مطبقًا لما يقول.

طالب: "فإن ذلك مخالفة وإن كانت جائزة، وفي مخالفة القول الفعل هنا ما يمنع من بلوغ مرتبة من طابق قوله فعله. فإذا اختلف مراتب المفتين في هذه المطابقة، فالراجح للمقلد اتباع من غلبت مطابقة قوله بفعله".

لأن الأصل المطابقة كما هي شأنه -عليه الصلاة والسلام-، وكل من قرب منه -عليه الصلاة والسلام- فهو أولى بالاقتداء.

طالب: "والمطابقة أو عدمها يُنظر فيها بالنسبة إلى الأوامر والنواهي، فإذا طابق فيهما فهو الكمال، فإنَّ تفاوت الأمر فيهما -أعني فيما عدا شروط العدالة-".

"فإنْ".

طالب: أحسن الله إليك.

 "فإنْ تفاوت الأمر فيهما -أعني فيما عدا شروط العدالة-".

يعني الأوامر والنواهي، "فيهما": في الأوامر والنواهي. خلاف ما يتعلق بشرط العدالة الذي هو الأوامر الواجبة والنواهي التي تقتضي التحريم؛ لأنها قادحة في العدالة.

طالب: "فالأرجح المطابقة في النواهي، فإذا وُجد مجتهدان أحدهما مثابر على أن لا يرتكب منهيًّا عنه، لكنه في الأوامر ليس كذلك، والآخر مثابر على أن لا يخالف مأمورًا به، لكنه في النواهي على غير ذلك؛ فالأول أرجح في الاتباع من الثاني".

لأن فعل المحظور أشد من ترك المأمور.

طالب: "لأن الأوامر والنواهي فيما عدا شروط العدالة إنما مطابقتها من المكملات ومحاسن العادات، واجتناب النواهي آكد وأبلغ في القصد الشرعي من أوجه؛ أحدها: أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، وهو معنًى يعتمد عليه أهل العلم.

 والثاني: أن المناهي تُمتثل بفعل واحد، وهو الكف، فللإنسان قدرة عليها في الجملة من غير مشقة، وأما الأوامر، فلا قدرة للبشر على فعل جميعها، وإنما تتوارد على المكلف على البدل بحسب ما اقتضاه الترجيح، فترك بعض الأوامر ليس بمخالفة على الإطلاق، بخلاف فعل بعض النواهي، فإنه مخالفة في الجملة، فترك النواهي أبلغ في تحقيق الموافقة".

نعم. «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، معلق بالاستطاعة والقدرة، بمعنى أنه قد يسوغ تركه؛ لعدم القدرة. وأما «وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه»، ما فيه مثنوية ولا فيه خيار.

طالب: "الثالث: النقل، فقد جاء في الحديث: «فإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، فجعل المناهي آكد في الاعتبار من الأوامر، حيث حتم في المناهي من غير مثنوية، ولم يُحتم ذلك في الأوامر إلا مع التقييد بالاستطاعة، وذلك إشعار بما نحن فيه من ترجيح مطابقة المناهي على مطابقة الأوامر".

هذا من حيث الكلام العام المجمل، لكن من حيث التفاصيل في مقابلة أمر بنهي في مسائل مخصوصة أو في أمر معلوم، لا شك أنه يُنظر إلى قوة هذا الأمر وقوة هذا النهي، ففي الأوامر ما هو أشد، يعني تركه أشد من فعل المنهي بعض المنهيات، والعكس، وذكرنا في أمثلة سبقت في مناسبات كثيرة أن صلاة الجماعة واجبة على الذكور البالغين المكلفين في المسجد حيث ينادى بها، هذا أمر، ولا بد منه. قد يكون في طريق هذا المأمور محظور، لكن ما نوع هذا المحظور؟ فيه أناس يجلسون في الطرقات، ويصعب الإنكار عليهم، أنت الآن لو تركتهم من دون نهي ارتكبت محظورًا؛ لأنك لم تأمرهم.

طالب: .......

على كل حال المسألة تدريجية، لولا البديل لكان الأمر أعظم، فأنت لا تستطيع الإنكار عليهم تذهب إلى الصلاة وتصلي في المسجد. لكن لو كان الأمر أعظم من ذلك، في طريقك إلى المسجد بغي، وعلى رأسها ظالم لا يمكن أن تمر من هذا الشارع حتى تقع عليها، تترك المأمور أم المحظور؟

طالب: ترك المأمور.

نعم. ترك المأمور أسهل من فعل هذا المحظور. ولذلك ينبغي أن يُنظر إلى كل مسألة بخصوصها. أما من حيث الترجيح الإجمالي فترك المأمور أسهل من فعل المحظور.

طالب: "المسألة الخامسة: الاقتداء بالأفعال الصادرة من أهل الاقتداء يقع على وجهين؛ أحدهما: أن يكون المقتدى به في الأفعال ممن دل الدليل على عصمته كالاقتداء بفعل النبي- صلى الله عليه وسلم-، أو فعل أهل الإجماع أو ما يُعلم بالعادة أو بالشرع أنهم لا يتواطئون على الخطأ، كعمل أهل المدينة على رأي مالك".

أو ما يسميه أهل العلم بالمتواتر، ومنه ما يقال عند أهل العلم بتواتر العمل والتوارث، إذا كانت الأمة جارية على شيء على فعل من صدرها الأول إلى آخر الزمان، هذا يسمى تواتر العلم والتواطؤ، والعمل والتوارث، هذا لا تجوز مخالفته بحال.

طالب: "والثاني: ما كان بخلاف ذلك. فأما الثاني، فعلى ضربين؛ أحدهما: أن ينتصب بفعله ذلك لأن يُقتدى به قصدًا، كأوامر الحكام ونواهيهم، وأعمالهم في مقطع الحكم، من أخذ وإعطاء ورد وإمضاء، ونحو ذلك، أو يتعين بالقرائن قصده إليه تعبدًا به واهتمامًا بشأنه دينًا وأمانةً.

 والآخر: أن لا يتعين فيه شيء من ذلك".

يعني الضرب الأول أن يتعين فعله؛ لأنه منتصب للحكم بين الناس، وحكمه ملزم، أو تدل القرائن على أن هذا الحكم ملزم من هذا العامل أو الفاعل.

طالب: "فهذه أقسام ثلاثة لا بد من الكلام عليها بالنسبة إلى الاقتداء. فالقسم الأول لا يخلو أن يقصد المقتدي إيقاع الفعل على الوجه الذي أوقعه على المقتدى به".

"أوقعه عليه".

طالب: "على الوجه الذي أوقعه عليه المقتدى به لا يقصد به إلا ذلك، سواء عليه أفهم مغزاه أم لا، من غير زيادة، أو يزيد عليه تنوية المقتدى به في الفعل أحسن المحامل مع احتماله في نفسه، فيبني في اقتدائه على المحمل الأحسن، ويجعله أصلاً يرتِّب عليه الأحكام، ويفرع عليه المسائل".

لأن المقتدى به الذي هو العالم المجتهد قد يفعل فعلاً يتردد فيه المقتدي هل هو عادة أو عبادة؟ هل هو من هذا النوع أو من هذا النوع؟ فمن تصرفات الفاعل الذي هو القدوة المجتهد ما يرجح هل هو عادة أو عبادة؟ وقد يلوح للمقتدي أنه عبادة فينويه: "أو يزيد عليه تنوية المقتدى به"، فينويه عبادة، وإن كان الأصل في المقتدي أنه لا يراه عبادة وهو قابل للوجهين. ومن العادات ما يمكن تحويله إلى عبادة بالنية الصالحة.

طالب: "فأما الأول، فلا إشكال في صحة الاقتداء به على حسب ما قرره الأصوليون، كما اقتدى الصحابة بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في أشياء كثيرة، كنزع الخاتم الذهبي".

اتخذ النبي -عليه الصلاة والسلام- خاتمًا من ذهب، فاتخذه الصحابة، ثم نزعه النبي -صلى الله عليه وسلم- ورماه فنزعوا خواتهم ورموها اقتداء به -عليه الصلاة والسلام-. نعم.

طالب: "وخلع النعلين في الصلاة، والإفطار في السفر".

وكلها بينها تفاوت، يعني نزع الخاتم لماذا؟

طالب: حرمة الذهب.

للتحريم، تحريم الذهب، وقد يكون فيمن نزعوا خواتهم لم يعلموا التحريم.

طالب: مجرد الاقتداء.

من أجل الاقتداء، لكن لما خلع نعله -عليه الصلاة والسلام- في الصلاة وخلعوا نعالهم، لماذا؟ لأن فيها قذرًا، هم ظنوا أن هذا مما يُقتدى به كالخاتم.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

هو السنة، «خالفوا اليهود»، «صلوا في نعالكم»، لكن إذا ترتب على ذلك تشويش وتقذير المسجد أو شيء من هذا فلا، لكن على الإنسان أن ينظر في نعله قبل أن يدخل المسجد.

طالب: .......

أنه كان لابسًا، كان لابسًا -عليه الصلاة والسلام-.

طالب: "والإفطار في السفر، والإحلال من العمرة عام الحديبية، وكذلك أفعال الصحابة التي أجمعوا عليها، وما أشبه ذلك".

يعني في فعل المعصوم والمجمع عليه، هذا ما فيه إشكال.

طالب: "وأما الثاني، فقد يحتمل أن يكون فيه خلاف إذا أمكن انضباط المقصد، ولكن الصواب أنه غير معتد به شرعًا في الاقتداء لأمور؛ أحدها: أن تحسين الظن إلغاء لاحتمال قصد المقتدى به دون ما نواه المقتدي من غير دليل".

يعني قد يفعل المجتهد أفعالاً، هي أمور عادية لا ارتباط لها بالعبادة، فيأتي المقتدي فيقتدي به إحسانًا للظن به، يقول: ما يسوي هذا إلا أنه زين، أحسن من تركه، فنحن نقتدي به إحسانًا للظن به. لكن هذا لا يكفي.

طالب: "فالاحتمال الذي عينه المقتدي لا يتعين، وإذا لم يتعين لم يكن ترجيحه إلا بالتشهي، وذلك مهمل في الأمور الشرعية؛ إذ لا ترجيح إلا بمرجح. ولا يقال: إن تحسين الظن مطلوب على العموم، فأولى أن يكون مطلوبًا بالنسبة إلى من ثبتت عصمته؛ لأنا نقول: تحسين الظن بالمسلم -وإن ظهرت مخايل احتمال إساءة الظن فيه- مطلوب بلا شك، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ} [الحجرات: 12] الآية، وقوله: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا} [النور: 12] الآية".

هذا الأصل بالمسلم أن يحسن ظنه بأخيه المسلم، فضلاً عن أن يكون من أهل العلم أو المجتهدين المقتدى بهم، لكن لا تكون هذه قاعدة مطردة في أفعال من يقتدى به بحيث تكون أفعاله على حد زعم من أحسن به الظن تشريعًا من دون دليل.

طالب: "بل أمر الإنسان في هذا المعنى أن يقول ما لا يعلم، كما أمر باعتقاد ما لا يعلم في قوله: {وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} [النور: 12]، وقوله: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16]".

وهو ما لا يعلم، هم يدعون، يعني النفي والإثبات النفي كالإثبات يحتاج إلى دليل، وهم أُمروا أن ينفوا بلا دليل ما لا يعلمون، لماذا؟ إحسانًا للظن بالنبي -عليه الصلاة والسلام- وأهله. نعم.

طالب: "إلى غير ذلك مما في هذا المعنى. ومع ذلك، فلم يُبنَ عليه حكم شرعي، ولا اعتُبر في عدالة شاهد".

والإفك أعظم الكذب، والكذب كما يكون في مخالفة الواقع هذا هو الأصل فيه يكون في مخالفة الحكم الشرعي، في مخالفة الحكم الشرعي كذب حقيقة شرعية وتلك حقيقة عرفية ولغوية: {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النور: 13]، لو شهد ثلاثة كلهم رأوا الرجل يزني بالمرأة، رؤيتهم مطابقة للواقع، والأصل في هذا في حد الحقيقة اللغوية للصدق أنه صدق؛ لأنه مطابق للواقع، لكن الحقيقة الشرعية لما لم تكتمل الشهادة بأربعة صاروا كذبة.

طالب: "ومع ذلك فلم يُبن عليه حكم شرعي ولا اعتبر في عدالة شاهد ولا في غير ذلك بمجرد هذا التحسين".

نعم. لا يُعدل الشاهد بمجرد تحسين الظن به، بل لا بد من وجود مزكّين يزكّونه ويشهدون بعدالته؛ لأنه يترتب عليها حقوق، وفي الرواة يترتب عليها قبول أحاديث أو رد أحاديث، نعم.

طالب: "حتى تدل الأدلة الظاهرة المحصلة للعلم أو الظن الغالب. فإذا كان المكلف مأمورًا بتحسين الظن بكل مسلم، ولم يكن كل مسلم عدلاً عند المحسن بمجرد هذا التحسين حتى تحصل الخبرة أو التزكية؛ دل على أن مجرد تحسين الظن بأمر لا يُثبت ذلك الأمر".

لأنه قد تثبت العدالة بالخبرة وقد تثبت بالتزكية، قد تثبت بالخبرة كما تثبت بالشهرة كما تثبت بالتزكية. العالم يعلم المعدل والمجرح، يعرف هذا الراوي؛ لأنه من أقاربه أو من جيرانه، ويعرف أن شروط العدالة توافرت فيه، هذه خبرة. يعرف أن هذا العالم اشتهر أمره، واستفاض بين الناس، يكفي فيه هذا لا يحتاج إلى مزكين، قال: (وصححوا استغناء للشهرة عن تزكية كمالك نجم السنن)، يعني إذا مر عليك الإمام مالك في سند تروح لكتب الرجال تشوفه عدل أم لا؟ ما يحتاج، وكذلك الأئمة الذين استفاض في الأمة خبرهم وخيرهم.

طالب: "دل على أن مجرد تحسين الظن في أمر لا يثبت ذلك الأمر، وإذا لم يثبته لم ينبن عليه حكم، وتحسين الظن بالأفعال من ذلك، فلا ينبني عليها حكم. ومثاله كما إذا فعل المقتدى به فعلاً يحتمل أن يكون دينيًّا تعبديًّا، ويحتمل أن يكون دنيويًّا راجعًا إلى مصالح الدنيا، ولا قرينة تدل على تعيين أحد الاحتمالين، فيحمله هذا المقتدي على أن المقتدى به إنما قصد الوجه الديني لا الدنيوي بناءً على تحسينه الظن به".

لما يرى من حرصه على الخير وما يجلب له الحسنات فيرجح أنه ديني؛ لأن هذا الرجل غالب أحواله أنه يسعى لآخرته، فليكن هذا منها.

طالب: "والثاني: أن تحسين الظن عمل قلبي من أعمال المكلف بالنسبة إلى المقتدى به مثلاً، وهو مأمور به مطلقًا وافق ما في نفس الأمر أو خالف؛ إذ لو كان يستلزم المطابقة علمًا أو ظنًّا لَما أُمر به مطلقًا، بل بقيد الأدلة المفيدة لحصول الظن بما في نفس الأمر، وليس كذلك باتفاق فلا يستلزم المطابقة، وإذا ثبت هذا فالاقتداء بناءً على هذا التحسين بناءٌ على عمل من أعمال نفسه لا على أمر حصل لذلك المقتدى به، لكنه قصد الاقتداء بناءً على..".

نعم. "على عمل من أعمال نفسه"، المقتدي هو الذي اجتهد وحمل عمل هذا المقتدى به على هذا المحمل، لا أن عمل العامل المقتدى به أعطى هذه النتيجة.

طالب: "لكنه قصد الاقتداء بناءً على ما عند المقتدى به، فأدى إلى بناء الاقتداء على غير شيء، وذلك باطل، بخلاف الاقتداء بناءً على ظهور علاماته، فإنه إنما انبنى على أمر حَصَل للمقتدى به علمًا أو ظنًّا".

"على أمر حَصَّل للمقتدى".

طالب: "فإنه إنما انبنى على أمر حَصَّل للمقتدى به علمًا أو ظنًّا، وإياه قصد المقتدي باقتدائه فصار كالاقتداء به في الأمور المتعينة.

 والثالث: أن هذا الاقتداء يلزم منه التناقض؛ لأنه إنما يُقتدى به بناءً على أنه كذلك في نفس الأمر ظنًّا مِثْلاً"، "مِثْلاً" أم لا يا شيخ؟

"مَثَلاً"، كأنها "مَثَلاً".

طالب: "لأنه إنما يُقتدى به بناءً على أنه كذلك في نفس الأمر ظنًّا مَثَلاً، ومجرد تحسين الظن لا يقتضي أنه كذلك في نفس الأمر لا علمًا ولا ظنًّا".

وكم من واحد يُحسَّن به الظن ثم يخيب هذا الظن، يعني بنى على مقدمات ليس دقيقة، ويحسن به الظن، ومع ذلك يخيب الظن فيه لما بان منه من خلاف ما يقتضي حسن الظن.

طالب: "وإذا لم يقتضه لم يكن الاقتداء به بناءً على أنه كذلك في نفس الأمر، وقد فرضنا أنه كذلك؛ هذا خلف متناقض. وإنما يشتبه هذا الموضع من جهة اختلاط تحسين الظن بنفس الظن، والفرق بينهما ظاهر؛ لأمرين".

تحسين الظن ما يبنى على مقدمات، والظن لا بد له من مقدمات تجتمع حتى يغلب على الظن أنه كذا. أما مجرد تحسين الظن بدون مقدمات، والظن لا بد له من مقدمات تجتمع حتى يغلب على الظن ويرجح جانب الحسن فيه؛ لأن الظن هو الاحتمال الراجح.

طالب: "أحدهما: أن الظن نفسه يتعلق بالمقتدى به مثلاً يقيد كونه".

"بقيد".

طالب: "بقيد كونه في نفس الأمر كذلك، حسبما دلت عليه الأدلة الظنية، بخلاف تحسين الظن، فإنه يتعلق به كان في الخارج على حسب ذلك الظن أو لا. والثاني: أن الظن ناشئ عن الأدلة الموجبة له ضرورةً لا انفكاك للمكلف عنه، وتحسين الظن أمر اختياري للمكلف غير ناشئ عن دليل يوجبه، وهو يرجع إلى نفي بعض الخواطر المضطربة الدائرة بين النفي والإثبات".

نفي الخواطر؛ لأن الشيطان حريص على أن يوقع العداوة بين الناس، فأنت مأمور بمخالفة للشيطان والهوى، بدل من أن يقول لك: هذا كذا، وهذا كذا ويلبس عليه أشياء. أنت مأمور بحسن الظن أن تنفي هذه الخواطر، لكن هل ترتب عليها أحكامًا؟ لا، الظن ترتب عليه أحكامًا؛ لأنها مقدمات اجتمعت لك.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

لا، تحسين الظن بدون مقدمات، أنت بين أمرين: إما أن تحسن أو تسيء، فأنت تحسن به الظن، لكن ما ترتب عليه أحكام. أما الظن اجتمع لديك من القرائن والدلائل ما ترجح به عندك أنه إلى الحسن أقرب منه إلى السوء.

طالب: .......

لا، ما هو باليقين، دونه، هو يتكلم عن الظن الذي هو احتمال الراجح.

طالب: .......

الظن هو المقصود به غلبة الظن، لكنه لا يصل إلى غلبة الظن حتى تتكون لديه من الأدلة ما يقوي عنده جانب الحسن.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

نعم، تطلب الدليل، لكن أحيانًا العامي المقتدي ما عنده ... ما يحتاج إلى هذه الأمور.

طالب: "وهو يرجع إلى نفي بعض الخواطر المضطربة الدائرة بين النفي والإثبات في كل واحد من الاحتمالين المتعلقين بالمقتدى به، فإذا جاءه خاطر الاحتمال الأحسن قواه وثبته بتكراره في فكره، ووعظ النفس في اعتقاده، وإذا أتاه خاطر الاحتمال الآخر ضعفه ونفاه، وكرر نفيه على فكره، ومحاه عن ذكره".

هذا تحسين الظن.

طالب: "فإن قيل: إذا كان المقتدى به ظاهره والغالب من أمره الميل إلى الأمور الأخروية، والتزود للمعاد، والانقطاع إلى الله، ومراقبة أحواله فيما بينه وبين الله؛ فالظاهر منه أن هذا الفرد المحتمل ملحق بذلك الأعم الأغلب، شأن الأحكام الواردة على هذا الوزان.

 فالجواب: أن هذا الفرد إذا تعين هكذا على هذا الفرض، فقد يقوى الظن بقصده إلى الاحتمال الأخروي، فيكون مجال الاجتهاد كما سيُذكر بحول الله، ولكن ليس هذا الفرض بناءً على مجرد تحسين الظن، بل على نفس الظن المستند إلى دليل يثيره، والظن الذي يكون هكذا قد ينتهض في الشرع سببًا لبناء الأحكام عليه، وفرضُ مسألتنا ليس هكذا، بل على جهة أن لا يكون لأحد الاحتمالين ترجيح يثير مثلُه غلبةَ الظن بأحد الاحتمالين، ويضعف الاحتمال الآخر، كرجل متق لله محافظ على امتثال أوامره واجتناب نواهيه، ليس له في الدنيا شغل إلا بما كُلف من أمر دينه بالنسبة إلى دنياه، وآخرته، فمثل هذا له في هذه الدار حالان: حال دنيوي، به يقيم معاشه ويتناول ما مَنَّ الله به عليه من حظوظ نفسه.

 وحال أخروي، به يقيم أمر آخرته. فأما هذا الثاني، فلا كلام فيه، وهو متعين في نفسه، وغير محتمل إلا في القليل، ولا اعتبار بالنوادر. وأما الأول، فهو مثار الاحتمال، فالمباح مثلاً يمكن أن يأخذه من حيث حظ نفسه، ويمكن أن يأخذه من حيث حق ربه عليه في نفسه، فإذا عمله ولم يُدر وجه أخذه".

يعني مثل هذا المباح قد يكون مأجورًا عليه، وقد يكون يفعله على أصله مباحًا، لا أجر ولا وزر، مستوي الطرفين.

طالب: "فالمقتدي به بناءً على تحسين ظنه به وأنه إنما عمله متقربًا إلى الله ومتعبدًا له به، فيعمل به على قصد التقرب، ولا مستند له إلا تحسين ظنه بالمقتدى به، ليس له أصل يبني عليه؛ إذ يحتمل احتمالاً قويًّا أن يقصد المقتدى به نيل ما أبيح له من حظه".

من غير قصد استعانة به على طاعة الله.

طالب: "فلا يصادف قصد المقتدي محلًّا".

قد يكون المقتدي مأجورًا بنيته الصالحة، والمقتدى به ما قصد شيئًا فلا أجر له، فيكون المقتدي أكمل منه.

طالب: "بل إن صادف صادف أمرًا مباحًا صيره متقربًا به، والمباح لا يصح التقرب به كما تقدم تقريره في كتاب الأحكام".

إلا إذا قُصد به الاستعانة على ما يُتقرب به إلى الله -جل وعلا-.

طالب: "بل نقول: إذا وقف المقتدى به وقفةً، أو تناول ثوبه على وجه، أو قبض على لحيته في وقت ما، أو ما أشبه ذلك، فأخذ هذا المقتدي يفعل مثل فعله بناءً على أنه قصد به العبادة مع احتمال أن يفعل ذلك لمعنًى دنيوي أو غافلاً، كان هذا المقتدي معدودًا من الحمقى والمغفلين".

لأن هذا ظاهر، لأنه ليس فيه صبغة تعبد، مجرد أن يكون جالسًا ثم يقف، أو بدلاً من يأخذ ثوبه بيده اليمنى أخذه بيده اليسرى مثلاً، أو جالس ثم قبض على لحيته. كل هذه أمور عادية لا تحتمل الاقتداء.

طالب: .......

نعم، بعضهم يقلدهم في حركاته التي لا علاقة لها بعبادة ولا علم ولا شيء، ولا يُتقرب بها إلى الله، فهذا غالبه الإعجاب إذا أعجب الشخص على الأقل، هذا مثاره، وقد تكون حركات الشيخ إلى حركات النقص أقرب منها إلى حركات الكمال، ثم يقلده إعجابًا به، ولا شك أن هذا موجود، لكن ما هو بطيب هذا.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

واللهِ على حسب قربه أو عبده من أفعال العقلاء، أحيانًا بعض الحركات ليست ممدوحة، فإذا كان يقلده في أمور لا يمدح بها، قد يكون الشيخ تركيبه فيه نوع يعني.... لأن الناس يتفاوتون في سمتهم ورزانتهم، بعض الناس قد يكون فيه خفة وعجلة، وبعضهم يكرر كلمات معينة أو حركات معينة هي خلاف الأصل، ثم يأتي هذا الطالب من إعجابه بالشيخ فيقلده فيها، هذا ليس بحسن، ولذلك كان هذا المقتدي معدودًا من الحمقى والمغفلين، بل قد يؤخذ عليه، العالم إذا وصل إلى مرتبة صارت أفعاله عند عامة الناس كلها مقبولة، لكن يبقى أن المقبول ما يقره إذا خلع عن الشرعية ما يقره العادة والعرف بين الناس وما خالف ذلك يُرد.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

على خلاف بين أهل العلم، قصد به، يعني تقليده فيما يحب من الأكل والشرب، نعم، مثل ما أثر عن أنس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يحب الدباء، فكان أنس يتتبعها في القصعة.

طالب: "فمثل هذا هو المراد بالمسألة. وكذلك إذا كان له درهم مثلاً، فأعطاه صديقًا له لصداقته، وقد كان يمكن أن ينفقه على نفسه ويصنع به مباحًا أو يتصدق به، فيقول المقتدي: حُسن الظن به يقتضي أنه كان يتصدق به، لكن آثر به على نفسه في هذا الأمر الأخروي، فيجيء منه جواز الإيثار في الأمور الأخروية".

نعم. لأنه أعطاه إياه ليتصدق به إما على نفسه أو على أهله أو على فقير، وكان بإمكان المقتدي أن يتصدق به هو، وحينئذ يكون آثر هذا المقتدي، المقتدى به آثر المقتدي. نعم.

طالب: "وهذا المعنى لحظ بعض العلماء في حديث: «واختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة»، فاستُنبط منه صحة الإيثار في أمور الآخرة؛ إذ كان إنما يدعو بدعوته التي أُعطيها في أمر من أمور الآخرة لا في أمور الدنيا".

ويكون خاصًّا به، لكنه آثر أمته بهذه الدعوة.

طالب: "فإذا بنينا على ما تقدم، فلقائل أن يقول: إن ما قاله غير متعين؛ لأنه كان يمكنه أن يدعو بها في أمر من أمور دنياه لأنه لا حجر عليه ولا قدح فيه ينسب إليه، فقد كان -عليه الصلاة والسلام- يحب من الدنيا أشياء، وينال مما أعطاه الله من الدنيا ما أبيح له، ويتعين ذلك في أمور، كحبه للنساء، والطيب، والحلواء، والعسل، والدباء، وكراهيته للضب، وأشباه ذلك، وكان يترخص في بعض الأشياء مما أباح الله له، وهو منقول كثيرًا.

 ووجه ثانٍ وهو أنه قد دعا -عليه الصلاة والسلام- بأمور كثيرة دنيوية، كاستعاذته من الفقر، والدَّين، وغلبة الرجال، وشماتة الأعداء، والهم، وأن يُرد إلى أرذل العمر، وكان يمكنه أن يعوض من ذلك أمور الآخرة فلم يفعل، ويدل عليه في نفس المسألة أن جملةً من الأنبياء دعوا الدعوة المضمونة الإجابة لهم المذكورة في قوله: «لكل نبي دعوة مستجابة في أمته» على وجه مخصوص بالدنيا جائز لهم، وهو الدعاء عليهم، كقوله: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26]، حسبما نقله المفسرون، وكان من الممكن أن يدعو بغير ذلك مما فيه صلاح لهم في الآخرة، فكونهم فعلوا ذلك وهم صفوة الله من خلقه دليلٌ على أنه لا يتعين في حقهم أن تكون جميع أعمالهم وأقوالِهم مصروفةً إلى الآخرة فقط، فكذلك دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يتعين فيها أمر الآخرة البتة، فلا دليل في الحديث على ما قال هذا العالِم".

لكن النبي -عليه الصلاة والسلام- لا شك أنه حينما آثر أمته وقد أوتي الدرجة العالية الرفيعة في الجنة وهي الوسيلة، يعني ما فات عليه شيء، وإذا دعا لأمته كان له مثل أجورهم -عليه الصلاة والسلام-.

طالب: "وأمر ثالث: وهو أنا لو بنينا على هذا الأصل، لكُنا نقول ذلك القول في كل فعل من أفعاله -عليه الصلاة والسلام-، كان من أفعال الجبلة الآدمية أو لا؛ إذ يمكن أن يقال: إنه قصد بها أمورًا أخرويةً وتعبدًا مخصوصًا، وليس كذلك عند العلماء، بل كان يلزم منه أن لا يكون له فعل من الأفعال مختصًّا بالدنيا إلا ما بيَّن أنه راجع إلى الدنيا؛ لأنه لا يتبين إذ ذاك كونه دنيويًّا".

هذا ما لم يُقصد به التشريع، وإلا فقد يفعل -عليه الصلاة والسلام- خلاف الأولى من أجل التشريع، فيكون فعله آكد من تركه؛ لأنه يفعله لأمر خارج عنه من أجل التشريع، وإلا فالأصل أن تركه أولى، ظاهر؟

طالب: .......

الأمور التي فعلها وهي خلاف الأولى مثلاً، فعلها ليسن، كالسهو في الصلاة، سهى ليسن ويشرع، وسهوه أفضل ممن لم يسهو، مما لو لم يسهو؛ لأنه ترتب عليه بيان أحكام شرعية. نعم.

طالب: "لأنه لا يتبين إذ ذاك كونه دنيويًّا لخفاء قصده فيه حتى يصرح به".

لكن ما يأتي واحد يقول: أنا سأسهو بصلاتي حتى يقتدى بي، وعالم أبين للناس أحكام السهو من خلال سهوي في الصلاة، لا.

طالب: .......

أنا قلت لشاب، أظنه في الثانوي أو ما وصل: صل على الجنازة، قال: حرام. أُعلن عن جنازة: الصلاة على الأموات، وجلس ما قام يصلي. قلت: يا ولدي أنت محروم، الجنازة الواحدة فيها قيراط. قال: لئلا يُظن وجوبها!

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

هذا هو، وشايب كبير بعد قلت له: قم صلِّ، قال: صليت أمس...! الحرمان ما له نهاية، لكن يسهو ليسن، أما غيره فليس له أن يسهو ليسن.

طالب: .......

لا، ما سهى قصدًا، لكن هذا السهو هو كمال أم نقص في الأصل للصلاة؟

طالب: نقص.

نقص، وهو في حقه كمال.

طالب: "لأنه لا يتبين إذ ذاك كونه دنيويًّا؛ لخفاء قصده فيه حتى يصرح به، وكذلك إذا لم يبين جهته؛ لأنه محتمل أيضًا، فلا يحصل من بيان أمور الدنيا إلا القليل، وذلك خلاف ما يدل عليه معظم الشريعة، فإذا ثبت هذا، صح أن الاقتداء على هذا الوجه غير ثابت، وأن الحديث لا دليل فيه من هذا الوجه. مع أن الحديث- كما تقدم- يقتضي أن الدعوة مخصوصة بالأمة".

صح أن الاقتداء على هذا الوجه غير ثابت، يعني بإمكان للشخص أن يقول: بدلاً من أدعو لنفسي في أمور ديني ودنياي، أصرف دعوتي لغيري. مع أن الدعاء في القرآن وفي السنة فيه تقديم النفس، بل قد جاء الأمر به: «إذا دعا أحدكم فليبدأ بنفسه».

طالب: "مع أن الحديث كما تقدم يقتضي أن الدعوة مخصوصة بالأمة؛ لقوله فيه: «لكل نبي دعوة مستجابة في أمته»، فليست مخصوصةً به، فلا يحصل فيها معنى الإيثار الذي ذكره؛ لأن الإيثار ثانٍ عن قبول الانتفاع في جهة المؤثر، وهنا ليس كذلك".

معروف أن الإيثار، الإيثار بالقرب عند أهل العلم، بالنسبة للواجبات لا يجوز مطلقًا، وفي المستحبات يُنظر بينها وبين ما يعارضها مما يسبب الإيثار، فقد يكون أرجح من هذه القربة، فيجوز حينئذٍ بل يُندب.

طالب: .......

إيثار لأمته، لكن هل تضرر؟

 نقص من فضله وشرفه شيء؟

طالب: .......

لا، دعوا بهلاكهم.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

لكن المقصود: «لكل نبي دعوة مستجابة»، مثل نوح دعا بهلاكهم، هل هو أخذ أجره على هذه الدعوة؟ لما كُتب، كُتب قبل سنتين أو ثلاث أن نوحًا عوتب على هذه الدعوة وندم عليها، ويقررون بذلك أنه لا يجوز الدعاء على الكفار، كُتب في الصحف! نعم.

طالب: "والقسم الثاني إن كان مثل انتصاب الحاكم ونحوه، فلا شك في صحة الاقتداء؛ إذ لا فرق بين تصريحه بالانتصاب للناس، وتصريحه بحكم ذلك الفعل المفعول أو المتروك، وإن كان مما تعين فيه قصد العالم إلى التعبد بالفعل أو الترك، بالقرائن الدالة على ذلك، فهو موضع احتمال، فللمانع أن يقول: إنه إذا لم يكن معصومًا تطرق إلى أفعاله الخطأ والنسيان والمعصية قصدًا، وإذا لم يتعين وجه فعله، فكيف يصح الاقتداء به فيه قصدًا في العبادات أو في العادات؟

 ولذلك حكي عن بعض السلف أنه قال: أضعف العلم الرؤية، يعني: أن يقول رأيت فلانًا يعمل كذا، ولعله فعله ساهيًا".

نعم. من غير قصد.

طالب: "وعن إياس بن معاوية: لا تنظر إلى عمل الفقيه، ولكن سله يصدقك. وقد ذم الله تعالى الذين قالوا: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف: 22] الآية، وفي الحديث من قول المرتاب: «سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته»".

لكن هذا في غير موضوع البحث؛ لأن أصل البحث فيمن يُقتدى به من أهل العلم، أما من وجدوا آباءهم على أمة فهؤلاء كفار.

طالب: "فالاقتداء بمثل هذا المفروض كالاقتداء بسائر الناس أو هو قريب منه. وللمجيز أن يقول: إن غلبة الظن معمول بها في الأحكام، وإذا تعيَّن بالقرائن قصده إلى الفعل أو الترك- ولا سيما في العبادات، ومع التكرار أيضًا، وهو من أهل الاقتداء بقوله، فالاقتداء بفعله كذلك. وقد قال مالك في إفراد يوم الجمعة بالصوم: إنه جائز، واستدل على ذلك بأنه رأى بعض أهل العلم يصومه، قال: وأراه كان يتحراه".

مع أن النبي -عليه الصلاة والسلام- أمر أم المؤمنين بالفطر، صامت الجمعة، قال: «صمت أمس؟»، قالت: لا، قال: «تصومين غدًا؟»، قالت: لا، قال: «فأفطري». ولا كلام لأحد لا مالك ولا غير مالك، مع صحة الحديث، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، مالك يقوله، يقول هذا الكلام، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب القبر، وهذا قول مالك -رحمه الله-، واستدل مالك -رحمه الله- على الفعل هنا في صوم يوم الجمعة، وإفراد يوم الجمعة بعمل من عمل به من علماء عصره.

طالب: بالمدينة.

وأنه رآه يصومه، وأيضًا يتحراه، فاستدل على عدم مشروعية صيام الست من شوال؛ لأنه ما رأى أحدًا يصومه. والحكم في ذلك كله- فعلاً وتركًا- ما ثبت عنه -عليه الصلاة والسلام-، نعم.

طالب: "فقد استند إلى فعل بعض الناس عند ظنه أنه كان يتحراه، وضم إليه أنه لم يسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيامه".

لا يكفي نهيه -عليه الصلاة والسلام- وقد ثبت؟

طالب: "وجعل ذلك عمدةً مسقطةً لحكم الحديث الصحيح من نهيه -عليه الصلاة والسلام- عن إفراد يوم الجمعة بالصوم. فقد يلوح من هنا أن مالكًا يعتمد هذا العمل الذي يُفهم من صاحبه القصد إليه إذا كان من أهل العلم والدين، وغلب على الظن أنه لا يفعله جهلاً ولا سهوًا ولا غفلةً، فإن كونه من أهل العلم المقتدى بهم يقتضي عمله به، وتحرِّيه إياه دليل على عدم السهو والغفلة، وعلى هذا يجري ما اعتمد عليه من أفعال السلف، إذا تأملتها وجدتها قد انضمت إليها قرائن عينت قصد المقتدى به، وجهة فعله، فصح الاقتداء.

 والقسم الثالث: وهو أن لا يتعين فعل المقتدى به لقصد دنيوي ولا أخروي، ولا دلت قرينة على جهة ذلك الفعل، فإن قلنا في القسم الثاني بعدم صحة الاقتداء، فهاهنا أولى، وإن قلنا بالصحة، فقد ينقدح فيه احتمال، فإن قرائن التحري للفعل هنالك موجودة، فهي دليل يُتمسك به في الصحة".

لكن إذا ما كان هناك قصد لا دنيوي ولا أخروي، ماذا يكون الفعل؟

طالب: .......

عبث، أقرب إلى العبث.

طالب: "وأما هاهنا، فلما فقدت قوى احتمال الخطأ والغفلة وغيرهما، هذا مع اقتران الاحتياط على الدين، فالصواب- والحالة هذه- منع الاقتداء إلا بعد الاستبراء بالسؤال عن حكم النازلة المقلد فيها، ويتمكن قول من قال: لا تنظر إلى عمل الفقيه، ولكن سله يصدقك، ونحوه".

يعني في كلام شريح السابق.

طالب: .......

إياس، نعم، إياس بن معاوية. إياس نعم تقدم.

اللهم صل على محمد.