شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 03

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 03
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
الجمعة, 29 شعبان, 1438 - 22:30

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً بكم إلى حلقةٍ جديدة في شرح كتاب الصوم من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

مع مطلع حلقتنا يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير, فأهلًا بكم فضيلة الدكتور.   

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: لازلنا في باب بركة السحور من غير إيجاب في حديث أنس بن مالك –رضي الله عنه–.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد تحدثنا قليلًا عما يتعلق بهذا الحديث من راويه وترجمته، وما ذكره الزين بن المنير من أن الحاجة تدعو إلى الترجمة إذا وُجد ما يستدعيها، ما يتطلبها، قال: "الاستدلال على الحكم إنما يُفتقر إليه إذا ثبت الاختلاف، أو كان متوقعًا"، ولم يثبت اختلاف؛ لأنه نُقل الإجماع، سبق أن نقلنا الإجماع عن ابن المنذر والقاضي عياض في أن السحور ندب وليس بواجب.

وإذا ثبت الاختلاف أو كان متوقعًا نعم هو متوقع؛ لأن البخاري يقول في الترجمة: باب بركة السحور من غير إيجاب، متوقع أن يوجبه من يوجبه للأمر الصريح «تسحروا فإن في السحور بركة»؛ ولذا ترجم البخاري بهذه الترجمة –رحمه الله– وبيَّنا هذا فيما تقدم.

ابن بطال –رحمه الله– في شرحه يقول: قول البخاري في هذه الترجمة أن الرسول –صلى الله عليه وسلم– وأصحابه واصلوا، ولم يُذكر سحور غفلةٌ منه، غفلة من البخاري –رحمه الله– لماذا؟ يقول: لأنه قد أخرج في باب الوصال حديث أبي سعيد أن الرسول –صلى الله عليه وسلم– قال لأصحابه: «أيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر»، فحديث أبو سعيد نفسه يقضي على المجمل الذي لم يُذكر فيه سحور، وقد ترجم له البخاري: باب الوصال إلى السحر.

البخاري حينما ترجم بقوله: باب بركة السحور من غير إيجاب؛ لأن النبي –صلى الله عليه وسلم– وأصحابه واصلوا ولم يُذكر السحور.

يقول ابن بطال: هذه غفلة من الإمام البخاري –رحمه الله– عما أورده في كتابه؛ لأنه قد أخرج في باب الوصال حديث أبي سعيد أن الرسول –صلى الله عليه وسلم– قال لأصحابه: «أيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» فدل على أن فيه سحورًا، ظاهر أم ليس بظاهر؟

المقدم: نعم.

فدل على أن هناك سحورًا، ويقول: لأن النبي –عليه الصلاة والسلام– واصل ولم يُذكر السحور، فيه سحور؛ لأنه قال: «أيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر»، فحديث أبي سعيد نفسه يقضي على المجمل الذي لم يُذكر فيه سحور، وقد ترجم له البخاري: باب الوصال إلى السحر.

هذا بالنسبة لما يتعلق بالصحابة –رضوان الله عليهم– ظاهر، لكن بالنسبة لما يتعلق به -عليه الصلاة والسلام- لأنه واصل ولم يتسحر.

الأمر الثاني: أن النبي –عليه الصلاة والسلام- واصل بهم يومًا ثم يومًا ثم رؤي الهلال، ولو زادت المدة زاد عليهم كالمنكِّل بهم، فهذا يدل على أنهم واصلوا من غير سحور، فيتجه ما قاله الإمام البخاري.

يعني: ثبت الوصال من غير سحور، نعم في حديث «أيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر» هذا ظاهر في الاعتراض على الترجمة، لكن ثبت أنه -عليه الصلاة والسلام- واصل ولم يتسحر، وعلل ذلك بأنه يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه.

أيضًا واصل بالصحابة –رضوان الله عليهم – اليومين والثلاث ثم رؤي الهلال كالمنكل بهم، وعلى هذا لم يتسحروا، هل يقال: إنهم واصلوا وقد تسحروا؟! هذا وصال؟ يمكن أن يكون وصالًا مع ثبوت السحور؟ ما يسمى وصالًا.

«تسحروا» الأمر فيه للندب اتفاقًا كما تقدم في كلام ابن المنذر وعياض «فإن في السحور بركة»، قيل: المراد بها الأجر والثواب في الفعل قاله الكرماني. وقال: والمناسب أن يُقرأ السُّحور بالضم؛ لأنه مصدر بمعنى التسحر، وأما السَّحور بالفتح فهو ما يُتسحر به، وقيل: البركة فيه ما يقوي على الصيام وينشط له ويخفف المشقة فيه، يعني: تكون البركة حسية.

المقدم: السُّحور بالضم الوقت يا شيخ؟

لا، السُّحور بالضم الذي هو الفعل المصدر الذي هو التسحر، مثل الطهور: التطهر، وأما السَّحور فهو ما يتسحر به مثل الوَضوء ما يتوضأ به، والوُضوء الذي هو الفعل المصدر، فعل المكلف، توضؤه.

وقيل –هذا كلام الكرماني–: ما يتضمن من الاستيقاظ والذكر والدعاء في ذلك الوقت الشريف وقت نزول الرحمة.

لكن لمَ لم يقل وقت النزول الإلهي؟

المقدم: الذي هو مَن هذا؟

الكرماني؛ لأنه يؤول حديث النزول، لا يُجريه على حقيقته، والصواب إجراؤه على ظاهره، وأن الله –جل وعلا– ينزل في آخر كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول ما يقول، والحديث في هذا متواتر.

وقيل: ما يتضمن من الاستيقاظ والذكر والدعاء في ذلك الوقت الشريف وقت نزول الرحمة، وقبول الدعاء، وما ورد في حق الاستغفار بالأسحار، هذا كلام الكرماني.

وقال ابن حجر: الأولى أن البركة في السّحور تحصل بجهاتٍ متعددة وهي اتباع السنة ومخالفة أهل الكتاب –هذه بركة– والتقوي به على العبادة، والزيادة في النشاط، ومدافعة سوء الخُلق الذي يثيره الجوع.

سوء الخُلق الذي يثيره الجوع، لكن بعض الناس إذا صام يسوء خُلقه ولو كان شبعان، يسوء خُلقه، يتغير مزاجه؛ لأنه مجرد إحساسه بأنه ممنوع يثير عنده هذا الإشكال.

ومدافعة سوء الخُلق الذي يثيره الجوع والتسبب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك أو يجتمع معه على الأكل، والتسبب للذِكر والدعاء وقت مظنة الإجابة، وتدارك نية الصوم لمن أغفلها قبل أن ينام.

وهذا مبنيٌ على أن صوم كل يوم عبادة مستقلة تحتاج إلى نية، ويأتي الكلام في هذا إن شاء الله تعالى.

وقال ابن دقيق العيد في شرح العمدة: فيه دليلٌ على استحباب السحور للصائم، وتعليل ذلك بأن فيه بركة، وهذه البركة يجوز أن تعود إلى الأمور الأخروية، فإن إقامة السنة توجب الأجر وزيادته، ويحتمل أن تعود إلى الأمور الدنيوية؛ لقوة البدن على الصوم، وتيسيره من غير إجحافٍ به.

ثم قال: ومما عُلل به استحباب السحور المخالفة لأهل الكتاب، فإنه يمتنع عندهم السحور، وهذا أحد الوجوه المقتضية للزيادة في الأمور الأخروية.

بمَ يحصل السحور؟ يعني بمَ يُمتثل الأمر «تسحروا»؟

المقدم: يعني في بعض الأحاديث قال: «ولو شربة ماء» وبالتمر جاء فيها «نِعم السحور التمر».

هل يحصل بما يحصل به الفطور أو يحصل بما يحقق الهدف من القوة على العبادة والنشاط عليها؟

يقول ابن حجر: يحصل السحور بأقل ما يتناوله المرء من مأكولٍ ومشروب، وقد أخرج هذا الحديث أحمد من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ «السحور بركة، فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعةً من ماء، فإن الله تعالى وملائكته يصلون على المتسحرين». ولسعيد بن منصور من طريق أخرى مرسل: «تسحروا ولو بلقمة»، وهذا الحديث خرَّجه..

المقدم: الأول عند أحمد يا شيخ؟

نعم، يقول: «السحور بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعةً من ماء، فإن الله تعالى وملائكته يصلون على المتسحرين».

حديث حذيفة الذي سبقت الإشارة إليه: هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع، قد يتذرع من يتذرع ويأكل بعد طلوع الفجر، والآيات والنصوص المحكمة تدل على أن الأكل ينتهي بطلوع الفجر، وأنه لا يجوز بعده.

وحديث حذيفة سبقت الإشارة إليه والجمع بينه وبين الآية والأحاديث الأخرى، وأنه إما إن يقال أنه على سبيل المبالغة في مقابلة من يتعجل السحور خلافًا للسنة أو يقال إنه كان هذا في أول الأمر كما تقدم في كلام العيني وابن حجر.

وحديث حذيفة على كل حال رواه الإمام أحمد بإسنادٍ رجاله ثقات غير عاصم بن أبي النجود، لكنه حسن الحديث، فالحديث حسن، لكنه متقدم على النصوص المحكمة، وهذا الحديث خرَّجه الإمام مسلم، فهو متفقٌ عليه.

المقدم: قال -رحمه الله-: عن سلمة بن الأكوع –رضي الله عنه– أن النبي –صلى الله عليه وسلم– بعث رجلًا ينادي في الناس يوم عاشوراء «إن من أكل فليتم أو فليصم، ومن لم يأكل فلا يأكل».

راوي الحديث هو سلمة بن عمرو بن الأكوع صحابي، أول مشاهده الحديبية، وهو أحد الشجعان، بايع تحت الشجرة، نزل المدينة ثم تحول إلى الربذة، تحول إلى الرَبَذة بعد قتل عثمان –رضي الله عنه – وتزوج بها، ثم نزل إلى المدينة قبل وفاته بليالٍ، مات سنة أربع وسبعين على الصحيح، يعني: كأنه لم يطق البقاء –رضي الله عنه – بالمدينة بعد مقتل الخليفة الراشد الزاهد العابد عثمان بن عفان المقتول ظلمًا، فتحول إلى الرَّبَذة.

المقدم: بعد مقتل عثمان أم عمر يا شيخ؟

بعد مقتل عثمان.

وتزوج بها ثم نزل إلى المدينة قبل وفاته بليالٍ، ومات سنة أربعٍ وسبعين على الصحيح؛ لأنه بعد أن نُسي الحدث بعد سنوات حدود كم؟ أربعين سنة.

المقدم: خمسة وثلاثين تقريبًا.

يعني ما يقرب من أربعين سنة، وهذا الحديث عن سلمة بن الأكوع يرويه الإمام البخاري عن أبي عاصم النبيل، عن يزيد بن أبي عُبيد، عن سلمة بن الأكوع وهو من الثلاثيات التي تقدم ذكرها، عند ذِكر أولها حديث «من يقل عليَّ ما لم أقل»، وهذا الحديث هو الخامس، خامس الثلاثيات وهي أعلى ما في البخاري، وعدتها اثنان وعشرون حديثًا تقدم ذِكرها في كتاب العلم.

وهذا الحديث ترجم عليه الإمام البخاري بقوله: باب إذا نوى بالنهار صومًا، وقالت أم الدرداء: كان أبو الدرداء يقول: عندكم طعام؟ فإن قلنا: لا، قال: إني صائم يومي هذا، وفعله أبو طلحة، وأبو هريرة، وابن عباس، وحذيفة– رضي الله عنهم–.

البخاري يقول: باب إذا نوى بالنهار صومًا، وقالت أم الدرداء: كان أبو الدرداء يقول: عندكم طعام؟ فإن قلنا: لا، قال: إني صائم يومي هذا، وفعله أبو طلحة، وأبو هريرة، وابن عباس، وحذيفة –رضي الله عنهم–.

يعني: هل هذا ثبت مرفوعًا للنبي –عليه الصلاة والسلام– أنه كان يقول ذلك أو لا؟

المقدم: مادام البخاري جاء بهذا، فمعنى ذلك ما يثبت الحديث يا شيخ أو ليس على شرطه.

ما ذكره عنهم جاء مرفوعًا من حديث عائشة عند مسلم –رحمه الله– وأصحاب السنن، قالت: دخل عليَّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم– ذات يوم فقال: «هل عندكم شي؟». قلنا: لا. قال: «فإني إذًا صائم» الحديث.

يقول العيني: مطابقة الحديث للترجمة في جواز نية الصوم بالنهار؛ لأن قوله: «فليتم»، وقوله: «فلا يأكل» يدلان على جواز النية بالصوم في النهار ولم يشترط التبييت، وهذا جارٍ على مذهب الحنفية أنهم يسوون بين الفرض والنفل في هذا، وأنه يصح من النهار ولو في الفرض، ويأتي الكلام الكثير في هذا.

يقول ابن بطال: غرض البخاري في هذا الباب إجازة صوم النافلة بغير تبييت.

هناك أطلق العيني جواز نية الصوم بالنهار، وابن بطال: جواز صوم النافلة بغير تبييت. وابن بطال يختلف مذهبه مع مذهب العيني في هذه المسألة اختلافًا تامًّا؛ فالعيني حنفي، يرى عدم التبييت لا في الفرض ولا في النفل، وابن بطال مذهبه مالكي، يرى التبييت في الفرض والنفل.

المقدم: بينهما تعارض كبير.

نعم، ظاهر؛ ولذلك أطلق العيني في قوله: مطابقة الحديث للترجمة في جواز نية الصوم بالنهار .. إلى آخره، "الصوم" ويستوي في هذا الفرض والنفل، وهنا قال ابن بطال: غرض البخاري في هذا الباب إيجاز صوم النافلة بغير تبييت، فهو جرى على شرح كلام البخاري تنزلًا على ما يراه، لا على ما يراه ابن بطال ومذهبه المالكي، وقد يرى ابن بطال ما يراه البخاري ويخالف إمامه، وهذا عادة أهل العلم الذي تجردوا عن العصبية.

أن النبي –صلى الله عليه وسلم– بعث رجلًا ينادي.

"بعث رجلًا" هو هند بن أسماء بن حارثة الأسلمي، له ولأبيه صحبة، ذكره أحمد في روايته، وجاء ما يدل على أن أباه هو المرسَل، الإمام أحمد ذكر في روايته ما يدل على أن هندًا –الابن – هو المرسَل، وأبوه صحابي جاء ما يدل على أنه هو المرسَل أيضًا.

قال ابن حجر: يحتمل أن يكون كلٌّ من أسماء وولده هند أُرسلا بذلك.

المقدم: والده وهو اسمهما أيضًا من الأسماء المشتركة.

من الأسماء المشتركة مثل جويرية بن أسماء.

يوم عاشوراء. قال الليث –من الليث هذا؟-: هو اليوم العاشر من محرم.

المقدم: الليث بن سعد يا شيخ أم غيره؟

لا.

المقدم: إذا قيل: الليث هذا اللغوي؟

هذا مادام الكلام منقولًا من كتب اللغة فهو ابن المظفر.

قال الليث: هو اليوم العاشر من محرم. قال الأزهري: ولم أسمع في أمثلة الأسماء اسمًا على فاعولاء إلا أحرفًا قليلة. قال ابن زبرج: الضاروراء الضراء، والساروراء السراء، والدالولاء الدالة، وقال ابن الأعرابي: الخابوراء موضع.

تظنه المخبر؟

المقدم: كنت أظنه المخبر.

لا لا، موضع.

هذه أسماء قليلة جاءت على هذا المثال ذكرها الأزهري في تهذيبه.

وقال ابن حجر: استُدل بالحديث على صحة الصيام لمن لم ينوهِ من الليل سواء كان من رمضان أو غيره؛ لأنه- عليه الصلاة والسلام- أمر بالصوم في أثناء النهار، فدل على أن النية لا تشترط من الليل.

وأُجيب بأن ذلك –كلام ابن حجر– وأُجيب بأن ذلك يتوقف على أن صيام عاشوراء كان واجبًا، والذي يترجح من أقوال العلماء أنه لم يكن فرضًا، وعلى تقدير أنه كان فرضًا فقد نُسخ بلا ريب، فنُسخ حكمه وشرائطه بدليل قوله: «ومن أكل فليُتم» ومن لا يشترط النية من الليل لا يجيز صيام من أكل من النهار، ظاهر؟

المقدم: نعم.

يقول: والذي يترجح من أقوال العلماء أنه لم يكن فرضًا، وعلى تقدير أنه كان فرضًا فقد نُسخ بلا ريب، فنُسخ حكمه وشرائطه بدليل قوله: «ومن أكل فليُتم» ومن لا يشترط النية من الليل لا يجيز صيام من أكل من النهار؛ لأنه قال: «من أكل فليتم».

وصرَّح ابن حبيب من المالكية بأن ترك التبييت لصوم عاشوراء من خصائص عاشوراء –يعني: فلا يسري إلى غيره، وعلى تقدير أن حكمه باقٍ.

هذا الكلام كله يناقشه العيني فيما بعد ويرد على ابن حجر.

المقدم: لكن حتى يناقش مسألة فرضية صوم عاشوراء إذ ذاك أم لا؟

لأنه يقول: وهذا يتوقف على أن صيام عاشوراء كان واجبًا، ويترجح أنه لم يكن فرضًا، سيناقشه العيني.

المقدم: ضروري أن يناقشه، وإلا ناقشناه نحن.

يناقشه، ويناقش كونه نُسخ ونُسخت شرائطه، يناقشه في كل جمله.

وصرَّح ابن حبيب من المالكية بأن ترك التبييت لصوم عاشوراء من خصائص عاشوراء، وعلى تقدير أن حكمه باقٍ فالأمر بالإمساك لا يستلزم الإجزاء.

يعني: لو قلنا: إن صيام عاشوراء واجب، وبعد أن بعث النبي –عليه الصلاة والسلام – من بعث لينادي في الناس «أن من أكل فليُتم».

المقدم: يعني هذا دليل الوجوب.

نعم دليل الوجوب، لكنه مع ذلك هل يجزئه؟ لأنه أكل في أول النهار، وهل نقول: إن الحكم يبدأ من بلوغه؟ يعني ما بلغهم الوجوب إلا في ذلك الوقت فيجزئهم، ونظير ذلك: لو لم يبلغ خبر رمضان إلا في منتصف النهار يجب عليهم الإمساك، لكن هل يجزئ أو لا يجزئ؟ باعتبار أن الحكم لا يلزم إلا من بلوغه، ولو عمل شخص بخبر منسوخ ولم يعلم بذلك إلا فيما بعد لم يلزمه إعادة ما عمل به؛ ولذا الصحابة الذين يصلون إلى بيت المقدس بعد النسخ، صلوا فرضًا أو فرضين في قباء ما أعادوا.

المقدم: ما أعادوا.

استداروا، ما استأنفوا صلاتهم، استداروا كما هم.

وعلى تقدير أن حكمه باقٍ فالأمر بالإمساك لا يستلزم الإجزاء، فيحتمل أن يكون أُمر بالإمساك؛ لحرمة الوقت كما يؤمر من قدِم من سفرٍ في رمضان نهارًا –يعني: يؤمر بالإمساك لحرمة الوقت، وهل يجزئ أو لا يجزئ؟ لا يجزئ. وكما يؤمر من أفطر يوم الشك ثم رُؤي الهلال، وكل ذلك لا ينافي أمرهم بالقضاء، بل ورد الأمر به صريحًا.

واحتجَّ الجمهور لاشتراط النية في الصوم من الليل بما أخرجه أصحاب السنن من حديث عبد الله بن عمر عن أخته حفصة، أن النبي –صلى الله عليه وسلم– قال: «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له». وأبعد من خصهم من الحنفية بصيام القضاء والنذر.

وقال ابن قدامة: تعتبر النية في رمضان لكل يومٍ في قول الجمهور، وعن أحمد أنه يُجزئ نية واحدة لجميع الشهر، وهو قول مالك وإسحاق.

العيني تعقَّب ابن حجر في جملٍ كثيرة، نبدأ بها الآن أم نؤجلها؟

المقدم: نؤجلها يا شيخ.

نعم؛ لأن المناقشة ممكن أن تطول.

المقدم: إذًا سنخلص إلى مجموعة من المسائل إن شاء الله في إكمال الحديث، منها مناقشة العيني –رحمه الله– نبدأ بها، ومنها الحديث عن مسألة صحة تبييت النية في الفريضة والنفل، أو الخلاف بينهما والتفريق.

يأتي هذا كله إن شاء الله.

المقدم: إذًا نتركها بإذن الله للحلقة القادمة وأنتم على خير.

أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة على أن نستكمل بإذن الله ما تبقى من الأحكام والفوائد في هذا الحديث في حلقةٍ قادمة، شكرًا لطيب متابعتكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.