شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 29

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 29
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
الجمعة, 29 شعبان, 1438 - 22:30

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم إلى حلقة جديدة في شرح كتاب الصوم من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

مع بداية هذه الحلقة يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلًا ومرحبًا بكم فضيلة الدكتور.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: قال المصنف -رحمه الله-: عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد أفطر، فأفطر الناس.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد،

فراوي الحديث حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي -عليه الصلاة والسلام- مر ذكره مرارًا.

يقول القابسي: هذا الحديث من مرسلات الصحابة؛ لأن ابن عباس كان في هذه السفرة مقيمًا مع أبويه بمكة، فلم يشاهد هذه القصة، فكأنه سمعها من غيره من الصحابة.

من مرسلات الصحابة، مراسيل الصحابة: هي التي يذكرها الصحابي من قول النبي -عليه الصلاة والسلام- أو من فعله مما لم يشهده، إما لصغر سنه أو لغيبته أو لتأخر إسلامه، ابن عباس ما شاهد هذه القصة، وفطر النبي -عليه الصلاة والسلام-، صيام النبي -عليه الصلاة والسلام- وفطره، فهو من مراسيل الصحابة، وكثير من الأحاديث التي تروى عن ابن عباس -رضي الله عنهما- من هذا النوع؛ لأنه صغير من صغار الصحابة.

المقدم: رضي الله عنه وأرضاه.

وعلى كل حال؛ مراسيل الصحابة متفق على قبولها، نُقل الإجماع على قبولها، وإن قال أبو إسحاق الإسفراييني: إنها مثل غيرها.

أما الذي أرسله الصحابي

 

فحكمه الوصل على الصواب

لأنه إن كانت بواسطة، فالواسطة صحابي، وكون الصحابي لم يسم لا يضير هذا؛ لأن جهالة الصحابي لا تضره.

ما يرويه ابن عباس عن النبي -عليه الصلاة والسلام- مباشرة دون واسطة أكثره من هذا النوع حتى بالغ بعضهم؛ كالغزالي، وقال إنه لا يُعرف لابن عباس حديث يرويه عن النبي -عليه الصلاة والسلام- بدون واسطة إلا أربعة أحاديث، مع أن الحافظ ابن حجر قال: إنه وقف على أربعين حديثًا كلها تدل على أن ابن عباس رواها من غير واسطة.

وهذا الحديث ترجم عليه الإمام البخاري -رحمه الله- بقوله: باب إذا صام أيامًا من رمضان ثم سافر، إذا صام أيامًا من رمضان ثم سافر.

يقول ابن حجر: أي: هل يباح له الفطر في السفر أو لا؟ وكأنه أشار إلى تضعيف ما روي عن علي -رضي الله عنه-، وإلى رد ما روي عن غيره في ذلك. حيث قالوا: إن من استهل عليه رمضان في الحضر، ثم سافر، فليس له أن يفطر؛ لقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، يقول: كأنه أشار إلى تضعيف ما روي عن علي، وإلى رد ما روي عن غيره.

شوف اختلف الأسلوب، تضعيف ما روي عن علي، ما يمكن أن يقال: إلى رد ما روي عن علي؛ لأن قول الصحابي حجة عند جمع من أهل العلم، وعلى كل حال؛ عند من يقول: إنه ليس بحجة، ما يمكن أن يعبر بهذا الأسلوب: إلى رد ما رُوي.

المقدم: الذي هو الرد.

نعم، إنما إلى تضعيف ما رُوي عن علي.

المقدم: ما رُوي.

وإلى رد ما روي عن غيره؛ لأنه يكون رأيًا، قابل إذا كان من غير الصحابي.

تعقبه العيني يقول: قد مر مثل هَذَا الْكَلَام من هَذَا الْقَائِل -يعني ابن حجر- غير مرّة، وأجبنا عَن هَذَا بِأَن الْإِشَارَة لَا تكون إلاَّ للحاضر، فَمن أَيْن علم أَنه اطلع على هَذَا الحَدِيث حَتَّى أَشَارَ إِلَيْهِ؟ وَلَئِن سلمنَا اطِّلَاعه على هَذَا، فَكيف وَجه الْإِشَارَة إِلَيْهِ؟

الحافظ ابن حجر ماذا يقول؟ كأنه -يعني البخاري- أشار إلى تضعيف ما روي عن علي.

العيني يقول: هذا كلام تمشية، تمشية، وما يدرينا المؤكد أن البخاري اطلع عليه ليضعفه؟

يعني على احتمال أنه اطلع عليه، أشار إلى تضعيفه، لم يطلع عليه يقرر حكم شرعي.

يقول العيني: مطابقة الحديث للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- خرج إِلَى مَكَّة فصَام أَيَّامًا ثمَّ أفطر، فصَام أَيَّامًا ثمَّ أفطر.

خرج إِلَى مَكَّة، كَانَ ذَلِك فِي غَزْوَة الْفَتْح، فِي غَزْوَة الْفَتْح في رمضان سنة ثمانٍ من الهجرة.

حَتَّى بلغ الكديد -بفتح الكاف وكسر الدال المهملة- مكان معروف، وقع تفسيره في الحديث نفسه بأنه بين عُسفان وقُدَيد، يعني في بعض أطراف الحديث التي ترد: حتى بلغ الكَديد بين عُسفان وقُدَيد، وفي رواية: حتى بلغ عُسفان، وهي أيضًا في الصحيح بدل الكَديد. قال ابن حجر: وفيه مجاز القرب؛ لأن الكديد أقرب إلى المدينة من عُسفان، وبين الكديد ومكة مرحلتان.

المقدم: هي أماكن وليست جبال يا شيخ؟

هي أماكن.

قال البكري: هو بين أَمَج -بفتحتين وجيم- وعسفان وهو ماء فيه نخل كثير.

البكري أين؟ البكري ما هو معروف؟ له معجم ما استعجم في معرفة الأماكن والبقاع، كتاب مشهور يُرجع إليه بكثرة، وهو مطبوع أيضًا.

المقدم: معجم ما استعجم؟

نعم.

ووقع عند مسلم في حديث جابر: فلما بلغ كُراع الغَميم، هي سفرة واحدة، القصة واحدة، وقع عند مسلم في حديث جابر: فلما بلغ كراع الغميم، عندنا الحديث الكديد، في رواية: بلغ عُسفان بدل الكديد، وعند مسلم: فلما بلغ كُراع الغميم، وهو بضم الكاف، والغميم بفتح الغين المعجمة، وهو اسم واحد أمام عسفان.

قال عياض في إكمال المعلم، يعني كيف اختلفت المواضع؟ مكان فطره واحد -عليه الصلاة والسلام-، هل نقول: إنه أفطر في مثلًا عسفان، ورآه ناس فنقلوه، وأفطر في المكان الآخر، رآه ناس فنقلوه، هذا مع اتحاد المخرج، مع اتحاد المخرج كله عن ابن عباس...

المقدم: ما يمكن.

ممكن في حديث جابر، لكن اتحاد مخرج حديث ابن عباس لا يقال مثل هذا، يعني مثل ما قيل في إحرامه- عليه الصلاة والسلام- من المسجد، من الشجرة، على البيداء، استقل دابته، هذا ممكن التعدد، كل من رآه نقله، لكن هنا ما يمكن.

قال عياض في إكمال المعلم: هذا كله في سفر واحد في غزوة الفتح، سميت هذه المواضع في هذه الأحاديث لتقاربها، وإن كانت عسفان متباعدة شيئًا عن هذه المواضع، فكلها مضافة إليها، كلها مضافة إليها؛ كأنها من نواحي عسفان، يعني مثل ما يقال الآن: نجد، أو منطقة الرياض، أو الخرج، كلها واحد؛ لأن الخرج من منطقة الرياض، والرياض ومنطقته من؟

المقدم: نجد.

نجد، وأعم من ذلك لو يقال: المملكة مثلًا.

سميت هذه المواضع في هذه الأحاديث لتقاربها، وإن كانت عسفان متباعدة شيئًا عن هذه المواضع، فكلها مضافة إليها، ومن عملها فاشتملت عليه اسمها، وقد يكون الجمع بين هذين أنه كُلم بعسفان بحال الناس، ومشقة ذلك عليهم، وكان فطرهم بالكديد.

لما كُلم بعسفان، يعني بدأت مسألة التفكير بالفطر مثلًا، أو إذنه -عليه الصلاة والسلام- لبعض الناس أن يفطر ممن بلغ به الجهد ما بلغ، وكونه يأذن ممكن أن يضاف إليه؛ لأنه أذن به، وقد يكون الجمع بين هذين أنه كُلِّم بعسفان بحال الناس ومشقة ذلك عليهم، وكان فطرهم بالكديد.

ويعضده ما جاء في حديث الموطأ: فقيل: يا رسول الله! إن أناسًا صاموا حين صمتَ، فلما كان بالكديد دعا بقدح فشرب، فأفطر الناس.

وروى مسلم عن جابر في هذا الحديث، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، وله من وجه آخر: ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام فقال: «أولئك العصاة»، «أولئك العصاة».

ونحتاج إلى هذا اللفظ فيما بعد في تقرير الحكم، ومضى ما يدل، مضت الإشارة إليه في الحديث السابق، لكن نحتاج إلى قوله: «أولئك العصاة» الذي يدل على من صام، أن من صام في السفر يعصي، وهو حجة من يرى تحتم الفطر في السفر، ولا دلالة فيه على ما تقدم، وسيأتي من تفاوت أحوال المسافرين، وحمل ذلك على من يشق عليه الصوم.

واستدل به على أن للمسافر أن يفطر في أثناء النهار، استدل به على أن المسافر له أن يفطر في أثناء النهار ولو استهل رمضان في الحضر، والحديث نص في الجواز، إذ لا خلاف أنه -صلى الله عليه وسلم- استهل رمضان في عام غزوة الفتح وهو بالمدينة، ثم سافر في أثنائه.

واستدل به أيضًا على أن للمرء أن يفطر، ولو نوى الصيام من الليل وأصبح صائمًا، فله أن يفطر في أثناء النهار، وهو قول الجمهور وقطع به أكثر الشافعية، وفي وجه -يعني عندهم، عند الشافعية- ليس له أن يفطر، وكأن مستند قائله ما وقع -هذا كأنه من كلام ابن حجر-، وكأن مستند قائله ما وقع في البويطي من تعليق القول به على صحة حديث ابن عباس هذا، وهذا كله فيما لو نوى.

يعني كأن الشافعي علق القول بجواز الفطر بعد النية إذا سافر على صحة حديث ابن عباس، مفهومه أن الشافعي لا يقول به؛ لأنه علق القول به على صحة الحديث، وما دام القول معلقًا، فالأصل عدمه حتى يثبت ما عُلق عليه.

وكأن مستند قائله ما وقع في البويطي من تعليق القول به على صحة حديث ابن عباس هذا، وهذا كله فيما لو نوى الصوم في السفر، فأما، فأما لو نوى الصوم وهو مقيم ثم سافر في أثناء النهار، فهل له أن يفطر في ذلك النهار؟

يعني نوى الصوم في السفر، ثم أفطر، هذا ما فيه إشكال، نوى الصوم وهو مسافر، وأصبح صائمًا، ثم أفطر بعد ذلك، هذا ما فيه إشكال، ودلالة الحديث عليه..

المقدم: ظاهرة.

ظاهرة، فأما لو نوى الصوم وهو مقيم في بلده ثم سافر في أثناء النهار، فهل له أن يفطر في ذلك النهار؟ قال ابن حجر: منعه الجمهور.

لأنه شهد الشهر، فيتحتم عليه الصيام.

قال ابن حجر: منعه الجمهور، وقال أحمد وإسحاق بالجواز، واختاره المزني محتجًا بهذا الحديث ظنًّا منه أنه- صلى الله عليه وسلم- أفطر في اليوم الذي خرج فيه من المدينة.

الآن هذا الصيام الذي أفطر منه -عليه الصلاة والسلام- أنشأه النبي -عليه الصلاة والسلام- بالمدينة أو في الطريق، يتم الاستدلال فيما لو كان ابتدأه بالمدينة.

قال: واختاره المزني محتجًا بهذا الحديث ظنًّا منه أنه -صلى الله عليه وسلم- أفطر في اليوم الذي خرج فيه من المدينة، وليس كذلك.

المقدم: السبب يا شيخ هل لأن الكديد بعيدة؟

يقول: وليس كذلك، فإن بين المدينة والكديد عدة أيام.

ما دام بين المدينة ومكة عشر مراحل، وبين الكديد ومكة مرحلتان، إذن؛ ثماني مراحل.

المقدم: معناه أنه صام بعد أيام وأفطر، بلوغه الكديد على الأقل بعد يومين أو ثلاثة؟

المرحلتان في يومين، وثماني مراحل تحتاج إلى ثمانية أيام.

فإن بين المدينة والكديد عدة أيام.

قال ابن حجر: وأبلغ من ذلك ما رواه ابن أبي شيبة والبيهقي عن أنس: أنه كان إذا أراد السفر يفطر في الحضر قبل أن يركب، يفطر في الحضر قبل أن يركب.

وقلت: الراجح -هذا كلامي- أن السفر وصف عُلق به أحكام، السفر وصف عُلق به أحكام، ورُخص، وهي الفطر من الصيام، وقصر الرباعية إلى ركعتين، والجمع ين الظهرين والعشاءين، والمسح ثلاثة أيام، كل هذه عُلقت على..

المقدم: السفر.

وصف وهو السفر، فإذا تحقق الوصف وهو السفر، جاز الترخص، سواء سافر قبل أن يصوم أو بعده، لا فرق؛ لتحقق الوصف الذي أنيط الترخص به، لتحقق الوصف الذي أنيط الترخص به، ما لم يكن حيلة للفطر، فيعاقب من فعل ذلك بنقيض قصده، فلا يجوز له حينئذ أن يفطر، والسفر مأخوذ من الإسفار، وهو البروز والكشف، ولا يتم إلا إذا خرج من بلده وبرز منه، ولا يتم تحقق الوصف إلا إذا خرج من بلده وبرز منه، ومنه السفور وهو إبراز المرأة شيئًا من جسدها، فلا يجوز الترخص حينئذ حتى يتحقق الوصف، يعني حتى يفارق البلد ويبرز ويسفر.

أفطر -صلى الله عليه وسلم-، فأفطر الناس اقتداءً به -عليه الصلاة والسلام-؛ كما فعل في مواطن رفقًا بأمته، وسيأتي باب من أفطر في السفر ليراه الناس، باب من أفطر في السفر ليراه الناس.

قال ابن حجر: إذا كان ممن يُقتدى به، وأشار بذلك إلى أن أفضلية الفطر لا تختص بمن أجهده الصوم، أو خشي العجب والرياء، أو ظُنَّ به الرغبة عن الرخصة، يعني بعض الناس يترجح الفطر في حقه؛ لأن الصوم يجهده، أحيانًا يخشى العجب والرياء، يكون ما في القوم صائم إلا هو مثلًا، فيقال: هاتوا لفلان، اخدموا فلانًا، ظللوا على فلان، افرشوا لفلان، هيئوا لفلان؛ لأنه صائم، ثم تبدأ النفس تأخذ حظها من هذا العجب والرياء، فمثل هذا يترجح في حقه..

المقدم: أن يفطر.

أن يفطر.

أو خشي العجب والرياء، أو ظُنَّ به الرغبة عن الرخصة.

يعني إذا رغب عن الرخصة، فالله -جلَّ وعلا- يحب أن تؤتى..

المقدم: رخصه.

رخصه.

بل يلحق بذلك من يُقتدى به.

قد يكون بعض الناس أمن جميع هذه الأمور، لا يجهده الصوم، ولا يخشى عجب ولا رياء، ولم، ولم يرغب عن الرخصة، لكن مع ذلك يقال له: الفطر في حقه أفضل، لماذا؟ لأنه يُقتدى به بحيث لو ارتكب العزيمة شق على غيره، فإذا كان ممن يقتدى به، ولبيان الحكم الشرعي، وجواز ذلك، يترجح في حقه، ويكون الفطر في حقه في تلك الحالة أفضل لفضيلة البيان، وهذا ليس لكل أحد، ليس لكل أحد، إنما هو لمن يُقتدى به. إذا وجد شخص طالب مبتدئ الناس يصلون على الجنازة وهو جالس، فيقال له: يا محروم من صلى عليها استحق قيراطًا من الأجر، قال: أنا جلست لبيان الجواز، مثل هذا يُقتدى به؟ الحكم الشرعي استقر، ولستَ ممن يُقتدى به، وهذا عين الحرمان، وبعض الشباب لهم مثل هذه، ليس بكثير، لكنه موجود، مثل هذه التصرفات؛ ليبين الجواز ما صلى على الجنازة.

وذكر الحديث وفيه: حتى بلغ عسفان، ثم دعا بماء فرفعه إلى يده ليراه الناس، رفعه إلى يده ليراه الناس، فأفطر حتى قدم مكة، وذلك في رمضان.

قال الزركشي: قوله: فرفعه إلى يده ليراه الناس، كذا لأكثرهم، وعند أبي السكن: إلى فيه، رفعه إلى فيه، وهو أظهر إلا أن تؤول إلى في رواية الأكثرين بمعنى على، رفعه على يده، فيستقيم حينئذ الكلام.

وهذا الحديث أخرجه الإمام البخاري في ثمانية مواضع:

الأول: في..

المقدم: هنا في الباب.

نعم.

المقدم: في نفس الباب.

الأول: في كتاب الصوم، باب إذا صام أيامًا من رمضان ثم سافر.

قال -رحمه الله-: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج إلى مكة، فذكر الحديث، وسبق ذكر مناسبته.

والموضع الثاني: في كتاب الصوم أيضًا، في باب من أفطر في السفر ليراه الناس.

قال -رحمه الله-: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبو عوانة عن منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من المدينة إلى مكة فصام، الحديث؛ وفيه: ثم دعا بماء فرفعه إلى يده ليراه الناس، وتقدمت الإشارة إلى هذا، ومناسبته مطابقة للترجمة.

والموضع الثالث: في كتاب الجهاد، باب الخروج في رمضان.

قال: حدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا سفيان قال: حدثني الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- في رمضان، والترجمة باب الخروج في رمضان، مطابقة.

والرابع: في كتاب المغازي، في باب غزوة الفتح في رمضان.

قال: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: حدثنا الليث قال: حدثني عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن ابن عباس أخبره: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غزا غزوة الفتح في رمضان، والترجمة باب غزوة الفتح في رمضان، والمناسبة واضحة.

والخامس: في كتاب المغازي أيضًا، في الباب المذكور في غزوة الفتح في رمضان.

قال: حدثني محمود قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر قال: أخبرني الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: خرج في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف، يعني في غزوة الفتح، والمناسبة ظاهرة.

والموضع السادس: في الكتاب والباب المذكورين، في كتاب المغازي، باب غزوة الفتح في رمضان.

قال: حدثنا عياش بن الوليد قال: حدثنا عبد الأعلى حدثنا خالد -هو الحذاء- عن عكرمة عن ابن عباس قال: خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- في رمضان إلى حنين، خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- في رمضان إلى حنين.

والباب غزوة الفتح في رمضان من كتاب المغازي.

المقدم: وهنا إلى حنين.

إلى حنين، يعني حنين بعد الفتح مباشرة، يعني لملاصقتها لها، وقد أدركه شيء من رمضان، إذن الفتح، إذا كان ما قبلها رمضان في المدينة، أول رمضان، وآخر رمضان في حنين إذن؛ غزوة الفتح متى وهي بينهما؟ في رمضان، قد يقول قائل: ما دخل هذا في الباب؟ البخاري يريد أن يحصر البداية والنهاية كلها، البداية والنهاية، الطرفان في رمضان إذن الوسط محفوف بالطرفين في رمضان.

المقدم: لكن خروجه لحنين في آخر رمضان؟

خرج في رمضان إلى حنين، نعم.

المقدم: ووقوعها بعد رمضان؟

بعد رمضان.

والسابع: في الكتاب والباب المذكورين.

وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: خرج النبي- صلى الله عليه وسلم- عام الفتح.

ومعروف أنه في رمضان.

والثامن: في الكتاب والباب المذكورين.

قال: حدثنا علي بن عبد الله قال حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: سافر النبي -صلى الله عليه وسلم- في رمضان، فذكره.

يعني كم موضعًا في هذا الباب؟

المقدم: المغازي؟ خمسة مواضع، خمسة في المغازي.

نعم، خمسة مواضع، كلها في باب واحد، كلها في باب واحد، ومثل هذا يجعل بعض الناس...

المقدم: يستغرب.

يستغرب كثرة هذا التكرار، ويرى أن البخاري بحاجة ماسة إلى الاختصار؛ لأنه خمسة مواضع في حديث واحد، وفي ترجمة واحدة، ما يدري أن البخاري لا يكرر الحديث إلا لفائدة.

والحديث مخرج في صحيح مسلم، فهو متفق عليه.

المقدم: أحسن الله إليك، يعني نستطيع أن نقول: خلاصة الموضوع أنه لو سافر في نهار رمضان، وقد كان ينوي الصوم فعلًا أصبح صائمًا، فإنه يحق له بناءً على الرأي الصحيح أن يفطر؟

نعم يفطر، يعني ولو طرأت نية السفر في أثناء النهار.

المقدم: ولو طرأ هذا؟

نعم، فضلًا عن كونه بيت نية السفر وتردد في الصيام، فضلًا على كونه عزم على الفطر يعني من باب أولى.

المقدم: أدركتم من المشايخ الكبار -رحمهم الله- من أمثال سماحة الشيخ ابن باز -رحمه الله- من كان يفطر وإن كانت بعض وسائل السفر مريحة يا شيخ، أُثر عنه -رحمه الله- أنه ربما أفطر في السفر ولو كان في الطائرة أحيانًا؟

يفطر من هذا الباب؛ لأنه قدوة، ولو لم يشق عليه، وذكرنا مثل هذا، أن الذي يُقتدى به يترجح في حقه الفطر لا سيما إذا خشي المشقة على غيره.

المقدم: جزاكم الله خيرًا، وأحسن إليكم، ونفع بعلمكم، أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة من شرح كتاب الصوم في كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، لقاؤنا يتجدد بكم -بإذن الله- مع حلقة قادمة، وأنتم على خير، شكرًا لطيب متابعتكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.