كتاب بدء الوحي (007)

عنوان الدرس: 
كتاب بدء الوحي (007)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
الأربعاء, 23 شعبان, 1439 - 10:15

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:ـ

ففي ترجمة إمام المفسرين أبي جعفر محمد بن جرير الطبري عند كثير ممن ترجم له، أنه قال لطلابه: أتصبرون على تفسيرٍ يكون في ثلاثين ألف ورقة، قالوا: لا، قال: أتصبرون على تفسير يكون في ثلاثة ألاف ورقة، قالوا: نعم، ومثل ذلك قال في التاريخ، واستقر أمره على أن يضع هذا التفسير: "جامع البيان عن تأويل آي القرآن"، وهو الذي عدل إليه عن التفسير المطول، والطبري كلامه هذا في القرن الثالث توفي سنة عشر وثلاث مائة، وابتداء التفسير قبل ذلك بكثير، فعدم الصبر، عدم التحمل عند الطلاب ليس بجديد، والهمم لا شك أنها تتفاوت، لكن يبقى أن الملل والسامة من طبع الإنسان وما جبل عليه، فما أدري الأخوان كثير منهم قال لي: اصنع ما شئت ولا تشاور أحداً، ولا تستفتي، وبعضهم يقول: نستفتي؛ لأن نقص اليوم كأنه وإن كان ما هو بظاهر جداً لكن في نقص.

ابن جرير الطبري استفت الطلاب وأشاروا عليه بالاختصار، مع أن تفسيره بالنسبة للتفاسير ليس بمختصر مطول، لكن ماذا عما لو كان التفسير في ثلاثين ألف ورقة على ما أراد، يحتاج إلى وقت طويل وقد يحتاج إلى تكرار كثير أكثر مما هو عليه الآن، والملل معروف، وكثير من الدروس تبدأ بجموع غفيرة ثم تتناقص؛ لأن الهمم لا شك أنها قد قصرت، والدروس على هذه الكيفية، الدروس الأسبوعية دروسهم يوميه، و لوقت طويل، يعني شرف الدين الطيبي كان يجلس بعد صلاة الصبح إلى آذان الظهر جلسة واحدة للتفسير، مثل هذا لو أراد مائة ألف ورقة أنجز بهذه الطريقة، لكن ساعة أو ساعتين أو ثلاث في الأسبوع، لا شك أنها قليلة قصيرة بالنسبة للكتب المطولة، ولفت انتباهي عندما دخلت وجدت النقص، الدرس ليس كالأسابيع الماضية أقل، وأن كان الحمد لله الجمع كثير جداً، ولله الحمد، لكن هذا إذا كان هذا في الشهر الأول فماذا عن الشهر الثاني، وماذا عن السنة الثانية نعم، أمر طبيعي وجبلي، ولا الكثرة والقلة ما هي بمقياس أبداً الكثرة، وإلا نرى الجموع الغفيرة في محاضرات يمكن اختصارها في وقت يسير، يعني محاضرة في ساعة يمكن تختصر في خمس دقائق خلاصتها، ويحضر لها الجموع الغفيرة، لكن الدائم الذي يستغرق وقتاً طويلاً قد يحتاج إلى عشر سنين، أو أكثر من ذلك، لاشك أنه سوف يمل، لا سيما والإنسان إذا رأى أن النهاية بعيدة بعيدة جداً، يعني من أول الأمر، حقيقة أنا لا أريد المشقة على الأخوان، لا أريد المشقة عليهم، وأريد أن أسدد وأقارب بين الفائدة وبين المشي في الكتاب؛ لأن المشي مطلب كثير من طلاب العلم، لكنه إذا كان على حساب الكيفية فهو مطلب مرفوض، وإن كان لا يتنافى مع الكيفية فهو المطلوب.

الكلام الذي أنقله من الكتب وأعلق عليه ترى ليس بكثير، ليس بكثير لو قرأنا فتح الباري فقط واحد من الشروح لاستغرق حديث: "الأعمال بالنيات" فصل كامل؛ لأنه كلام مرتب، ومركز، ويصعب فهمه على كثير من المتعلمين، ويحتاج إلى بسط وتوضيح، فيحتاج إلى وقت طويل لا يظن أننا طولنا، يعني بكلامنا هذا ما طولنا؛ لأن الكلام المبسوط الواضح هذا ما هو بكثر، لكنه بالنسبة للكلام المركز الموجز الذي تكون فيه المعاني أكثر من الألفاظ، لا شك أنه قليل بالنسبة له نعم.

طالب: .........

 إيه هذا الذي طلبه القائمون على الدورة، قالوا: الدورة محدد لها القواعد الخمس الكلية، وهي في خمسة أيام فلا بد من الاقتصار على هذا.

طالب: ........

أقل، أقل بكثير كل شيء على حساب شيء، كل شيء له ضريبة، إيه لا لا الاتفاق مستحيل، الاتفاق مستحيل أن يتفق الإخوان كلهم على طريقة واحدة، أنا لا أريد أن تكون طريقتي عائق دون الطلب، أو تحصيل العلم لا أريد هذا أنا.

طالب: ........

إيه، نعم، بعضهم يستشكل، أو يسمع كلام مني ما يدري ما الباعث عليه، وقد يكون سؤال من الذي بجواري يسأل سؤالاً ما يسمع، فيكون الجواب على هذا السؤال مسموع، والسؤال ما يدرى ما هو، والأصل أن يعاد السؤال في الجواب، أن يعاد السؤال في الجواب.

طالب: ........

إيه لأن البعيد ما يسمع السؤال كذلك الذي خارج المسجد، الذي يستمعون من خلال الآلات سواء كانت من الدروس المباشرة من الانترنت، أو المسجلة نعم.

طالب: .........

هذا مطلوب، لكن أنا أريد أن أقرر أن مسألة الاستفتاء غير واردة، وإن طلبها بعضهم؛ الاستفتاء، لأنْ لن يتفق هذه مسألة، المسألة الثانية: أن الإخوان الذين تخلفوا عن الدرس بسبب التطويل لا بد من ملاحظتهم، وملاحظات غيرهم، لا بد من التسديد والمقاربة، وإذا كان حصل مثل هذا الاختصار من أجل الطلاب في القرن الثالث فلا أن يحصل في القرن الخامس عشر من باب أولى، فلعلنا نختصر قليلاً ونحرص على أن يكون الدرس فيه فائدة يستفيدها الحاضر إن -شاء الله تعالى-.

هذا يسأل، وهذا كلام له صلة بالدرس يقول: ما رأيكم في هذا الكتاب لتراجم البخاري للقاضي "بدر الدين بن جماعة"؟

هذا كتاب مختصر جداً في بيان تراجم البخاري، ومحقق برسالة رسالة ماجستير، وكلامه على حديث الأعمال بالنيات.

يقول: كيف كان بدأ الوحي؟ فيه حديث عمر الأعمال بالنيات وجه ابتدائه مع بعده عن معنى الترجمة، أنه قصد ابتدأ الكتاب بحسن القصد، والنية لنفسه، وللداخل فيه، والشارع فيه؛ لأنه من أعظم العبادات، والإخلاص فيه أجدر، وفيه تحريض على قصد الإخلاص بالعبادات، ولذلك ختمه بحديث التسبيح عملاً بحديث فيه عند القيام من المجلس، فكأنه جعل كتابه مجلس علم ابتدأ فيه بنية خالصة، وختمه بالتسبيح المكفر لما بينهما.

ويجوز أن يكون أشار بذلك إلى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما هاجر إلى الله مما كان قومه عليه، وتعبد بغار حرا تقبل الله منه وخصه بالرسالة الوحي الذي لا رتبة أشرف منها؛ لأن معنى "هجرته إلى الله ورسوله" أن تلك الهجرة مقبولة مثاب عليها، ولفظ الهجرة إلى الله ورسوله لم يذكرها في هذه الرواية، وقد ذكرها في كتاب الإيمان وغيره من طريق أخرى، فاكتفى بذلك لما قدمناه من الإحالة على العارف به.  

كلام جميل، ومختصر، والكتاب يستفاد منه بالجملة من ضمن ما كتب في تراجم البخاري.

انتهينا من الجملة الأولى "إنما الأعمال بالنيات"، والجملة الثانية "وإنما لكل امرئ ما نوى" وإنما لكل، كل امرئ ما نوى، كل: اسم موضوع لاستغراق أفراد النكرات، اسم موضع لاستغراق أفراد النكرات نحو: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [(35) سورة الأنبياء] ولاستغراق أجزاء المعرفة نحو: أكلت كل الرغيف يقول الجوهري في الصحاح: وكلٌ أو، وكلُ لفظه واحد، ومعناه جمع، لفظه واحد ومعناه جمع، فعلى هذا نقول: كلُ حضر وكلٌ حضروا على اللفظ مرة، وعلى المعنى أخرى، وكل وبعض معرفتان لماذا؟ لأنه إما مضاف حقيقة، أو حذف المضاف إليه، ونون تنوين العوض، تنوين العوض وكل وبعض معرفتان، ولم يجئ عن العرب بالألف واللام على ما جاء عن العرب بالألف واللام وهو جائز؛ لأن فيهما معنى الإضافة أضافت، أو لم تضف، يعن إن أضفت فتكون أل في معاقبة المضاف إليه يعني معاقبة للمضاف إليه بدلاً منه، وإن لم تضف فالتنوين تنوين العوض بدلاً من المضاف إليه، وحينئذ كأنه مذكور فيجوز إبدال المضاف إليه بأل هذا كلام الجوهري.

 "وإنما لكل امرئ" يقول الكرماني: الإمرؤ الرجل، وفي لغتان: "امرئ نحو زبرج ، ومرء نحو فلس، ولا جمع له من لفظه، ولا جمع له من لفظه وهو من الغرائب، وهو من الغرائب؛ لأن عين فعله تابع للامه في الحركات، في الحركات الثلاث فتقول: هذا امرؤ، ورأيت امرأً، ومررت بامرئ، الراء التي هي عين الكلمة تابعة للهمز التي هي لام الكلمة في الحركات الثلاث، قال: وكذا في مؤنثه أيضاً لغتان: "امرأة ، ومرأة" وفي هذا الحديث استعمل اللغة الأولى منهما في كلا النوعين فقال: "وإنما لكل امرئ" ما قال مرء وإلى امرأة يعني في المذكر والمؤنث استعمل اللغة الأولى، وفي هذا الحديث استعمل اللغة الأولى منهما في كلا النوعين، إذ قال "لكل امرئ"، وإلى امرأة وفي القاموس المرؤ مثلث الميم، المرؤ مثلث الميم الإنسان أو الرجل.

"ما نوى" أي الذي نواه وقصده، وكذا لكل امرأة ما نوت؛ لأن النساء شقائق الرجال.

هذه الجملة الأولى "إنما الأعمال بالنيات" والثانية "وإنما لكل امرئ ما نوى"، بعضهم يرى أن الجملة الثانية مؤكدة للأولى، وأنها لا تحمل فائدة زائدة على ما في الجملة الأولى، وبعضهم يرى أن فيها فائدة، وجنح القرطبي إلى أن هذه الجملة مؤكدة للجملة السابقة في حديث: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر)) إذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، قد يقول قائل: الجملة الثانية ما لها قيمة؛ لأنها لا تحمل معنىً زائداً، ولذا يقولون: أن منطوق الجملة الثانية مؤكد لمفهوم الجملة الأولى، مفهوم ((إذا كبر فكبروا)) ترتيب عمل المأموم على عمل الإمام بالفاء التي تقتضي التعقيب والترتيب، أن المأموم لا يكبر حتى يكبر إمامهم، فيكون قوله: ولا تكبروا حتى يكبر، مؤكد لمفهوم الجملة الأولى، فهل الجملة التي معنا، وإنما لكل امرئ ما نوى مؤكدة للجملة السابقة؟.

"إنما الأعمال بالنيات" جنح القرطبي إلى أن هذه الجملة مؤكدة للجملة السابقة، لكن هل هي مؤكدة لمفهومها أو لمنطوقها؟ في الحديث السابق الجملة الثانية مؤكدة لمفهوم الجملة الأولى، وعلى كلام القرطبي الجملة الثانية هنا مؤكدة لمنطوق الأولى أو لمفهومها ؟

طالب :.........

لمفهومها ولا لمنطوقها، ويش مفهوم الجملة الأولى "إنما الأعمال بالنيات".

طالب: ..........

لا أنا أبي أريد المفهوم، لا أريد المنطوق.

طالب: .........

يعني إذا كان مفهومها أن الأعمال صحيحة بنياتها فالأعمال غير صحيحة بدون نياتها، أو بغير نياتها، فليست مؤكدة لمفهوم الجملة تلك، هذا كلامه أنها مؤكدة للمنطوق، مؤكدة للمنطوق، لكن غيره يرى أنها تفيد فائدة زائدة غير مجرد التأكيد، جنح القرطبي إلى أن هذه الجملة مؤكدة للجملة السابقة، وقال غيره: بل تفيد غير ما أفادته الأولى؛ لأن الأولى نبهت على أن العمل يتبع النية، نبهت على أن العمل يتبع النية ويصاحبها فيترتب الحكم على ذلك، والثانية أفادت أن العامل لا يحصل إلا ما نواه.

شخص جاء إلى الصلاة لا ينهزه من بيته إلا الصلاة، ولم يشرك في نيته، وصلى صلاة غفل فيها، حقق الجملة الأولى "الأعمال بالنيات" حقق الجملة الأولى فصلاته صحيحه، وإنما له من صلاته ما نوى، يعني ما عقل منها، يعني شخص جاء إلى الصلاة ودخل فيها مخلصاً لله -جل وعلا- ثم غفل عنها، عن نصفها، عن ثلثها، عن ربعها، خرج منها بنصف الأجر، بثلث الأجر، بعشرها صلاته صحيح؛ لأن الأعمال بالنيات، وكان قصده الصلاة لله وحده لا شريك له، لكنه لم ينوي في هذه الصلاة، ولم يعقل منها إلا جزء فليس له إلا ما نوى، وما عقل من هذه العبادة.

يعني لو أن إنساناً جاء إلى الصلاة افترضنا المسألة الأولى في المخلص الذي لا يشرك في نيته شيء، لكنه غفل فيها فلم يحصل من أجرها إلا بقدر ما عقل منها كالنصف، أو الربع، أو الثلث، أو العشر حقق الجملة الأولى، وحقق من الجملة الثانية بقدر ما عقل من صلاته، لكن لو أن شخص دخل في العبادة ومع شيء من الرياء، فإن كان من أصل الدخول -يعني قارن الدخول الرياء- فصلاته باطلة وحابطة، لكن إذا دخل فيها مخلص ثم طرأ عليه إن استمر معه له حكم، وإن جاهد نفسه وطرده له حكم أيضا، هذا أخل بالجملة الأولى، وإن قدر أنه عقل وفي الغالب أنه إذا كان مرائياً أنه يعقل صلاته؛ لئلا ينتقد؛ لأنه يبي يرائي شخص، ثم يعبث، أو يسهو ويغفل، لا، تروى غالباً الذي يرائي يضبط صلاته يستحضرها؛ لأن الناقد على حد زعمه أنه يشاهده؛ لأنه إنما صلى من أجل هذا، أو أطال الصلاة من أجل هذا، فإذا حقق الجملة الأولى، وأخل بالثانية كما في الصورة الأولى، وفي الصورة الثانية أخل بالأولى، وإن حقق الثانية فإن تحقيقه للثانية لا ينفعه، لا ينفعه.

وقال غيره: بل تفيد غير ما أفادته الأولى؛ لأن الأولى: نبهت على أن العمل يتبع النية ويصاحبها فيترتب الحكم على ذلك، والثانية: أفادة أن العامل لا يحصل إلا ما نواه، أن العامل لا يحصل إلا ما نوى، فمن دخل في العبادة بنية خالصة لله سبحانه صح العمل، وسقط به الطلب، وأجزأ فاعله فلا يؤمر بالإعادة، لكن ليس له من ثواب العبادة إلا ما عقله وقصده منها، فقد يصلي صلاة مجزئة مسقطة للطلب، لكن ليس له من ثوابها إلا النصف، أو الربع، أو العشر، وهكذا -يعني على ما ذكرنا في المثال-.

طالب: .........

نعم، مثل ما نظرنا في الصلاة -يعني نفسها- يعني قدر الثواب زيادة ونقصاً، بقدر ما عقل منها، فليس له من صلاته وليس له من عبادته إلا ما نواه -يعني ما عقله منها-.

 طالب: .........

افترض أن شخصاً دخل في صلاته مخلصاً لله -جل وعلا- فكبر ثم غفل عنها، أخذ ذهنه يسرح يميناً وشمالاً ما عقل إلا الشيء اليسير منها، هل نقول أن نيته كافية؟ يعني كما نقول في الوضوء، نقول في الوضوء: النية يجب استصحاب حكمها، ولا يجب استصحاب ذكرها -يعني قصد محل الوضوء ليرفع الحدث- هذه نيته، وشرع في الوضوء سرح ذهنه وضوؤه صحيح، ولا يختلف عمن لم يسرح؛ لأن الواجب في الوضوء استصحاب الحكم، لا استصحاب الذكر، لا استصحاب الذكر، استصحاب الحكم بأن لا ينوي قطعها قبل تمامها، بأن لا ينوي قطع الطهارة قبل تمامها، بينما استصحاب الذكر ليس بلازم؛ لأنه هو الآن العبادة محسوسة، ويؤديها على الوجه الشرعي، لكن هل نقول: إن استصحاب الذكر لا قيمة له مطلقاً، أو أنه يستصحب الذكر أيضاً من أجل أن يؤدي غسل الأعضاء على الوجه المأمور به، على الوجه الذي شرح أن وضوء النبي -عليه الصلاة والسلام- وقال: ((من توضأ نحو وضوئي هذا))؛ لأنه إذا غفل لا يدري هل يغسل مرة، أو مرتين، أو ثلاث، حينما يقول؟ لكن مثل هذا لا يخل بالوضوء، الوضوء صحيح، لكن الأجر المرتب عليه، الأجر المرتب على الثلاث غير الأجر المرتب على غسلتين، أو واحدة، والإسباغ أيضاً يختلف وضعه عن مجرد المجزئ.

((من توضأ نحو وضوئي هذا)) هناك وضوء مجزئ، وهناك وضوء نحو وضوء النبي -عليه الصلاة والسلام، وهو الذي جاء الحث عليه، ورتب عليه الأجر العظيم، مع صلاة ركعتين لا يحدث فيهما نفسه.

 يقول الجرداني في شرح الأربعين يقول: قيل إنها تفيد تخصيص الألفاظ بالنية في الزمان والمكان، تخصيص الألفاظ بالنية في الزمان والمكان، وإن لم يكن في اللفظ ما يقتضي ذلك، كمن حلف لا يدخل دار فلان، كمن حلف لا يدخل دار فلان، وأراد شهر كذا، وسنة كذا، أو حلف لا يكلم فلاناً، وأرد كلامه بالقاهرة مثلاً دون غيرها، فإن له ما نوى ولا كفارة عليه.

" إنما الأعمال بالنيات" يعني: أصل العمل، "وإنما لكل امرئ ما نوى" في تفاصيل العمل إذا حلف قاصداً اليمين، لا لغوى يمين انعقدت يمينه، لكن التفاصيل في داخل هذا اليمين مما يتعلق بالنية استثناء، أو وصف وصفاً، أو علق على وصف مؤثر، حلف لا يكلم فلاناً وأراد مدة شهر، أو لا يكلمه في المكان الفلاني، أو في الزمان الفلاني قال: "وإنما لكل امرئ ما نوى" هذه تنفعه، تنفعه يعني هل يختلف الحكم في مثل هذا بين الجمهور، وبين الإمام مالك؟ الإمام مالك يرد الأيمان والنذور على النيات، بينما الجمهور يعلقونها بالأعراف.

لا شك أن النية مؤثرة فيما لا يتعلق به حق لمخلوق، لكن لو حلف ألا يفعل كذا وأضمر في نفسه، أو حلف على شيء على برأته من حق من الحقوق، وأضمر في نفسه وقتاً، أو مكاناً معيناً هذا ينفعه، ولا ما ينفعه؟ هذا مثل المعاريض تنفعه إذا كان مظلوماً، ولا تنفعه إذا كان ظالماً.

فإذا حلف أنه أعطاه مبلغ كذا، وأراد أوصل إليه هذا المال غير المال الذي في ذمته له، إما من فلان، أوعلان، قيل أعطى فلان كذا، أو دين سابق، أو ما أشبه ذلك لا يثبت ببينة، وحلف وأراد به أنه قضى الدين السابق مثل هذا لا ينفع.

يقول الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- في شرح الأربعين: قوله: "وإنما لكل امرئ ما نوى" إخبار أنه لا يحصل له من عمله إلا ما نواه، إخبار أنه لا يحصل له من عمله إلا ما نواه، فإن نوى خيراً حصل له خير، فإن نوى خيراً حصل له خير، وإن نوى شراً حصل له شر، وليس هذا تكريراً محضاً للجملة الأولى، فإن الجملة الأولى دلت على أن صلاح العمل وفساده بحسب النية المقتضية لإيجاده، الجملة الأولى دلت على أن صلاح العمل وفساده بحسب النية المقتضية لإيجاده.

والجمة الثانية: دلت على أن ثواب العامل على عمله بحسب نيته الصالحة، وأن عقابه عليه بحسب نيته الفاسدة، وإن عقابه عليه، الجملة الثانية: دلت على أن ثواب العامل على عمله بحسب نيته الصالحة، وأن عقابه عليه بحسب نيته الفاسدة، وقد تكون نيته مباحة فيكون العمل مباحاً، فلا يحصل له به ثواب، ولا عقاب، فالعمل في نفسه صلاحه وفساده وإباحته بحسب النية الحاملة عليه المقتضية لوجوده، وثواب العامل العمل في نفسه صلاحه، وفساده، وإباحته بحسب النية الحاملة عليه المقتضية لوجوده، وثواب العامل وعقابه وسلامته بحسب نيته التي صار بها العمل صالحاً، أو فاسداً، أو مباحاً، يعني قد تشتري شيئاً من الأشياء تدفع قيمته وتستلم المبيع، وهذا العقد قد يكون مثاباً عليه، وقد يكون معاقباً عليه، وقد يكون مباحاً، وقد يكون مباحاً تبعاً للنية، تبعاًِ للنية، تشتري عنب بنية صالحة، لتضعه في في من تلزمك نفقته، وافترض أنه شيء من الضروريات "التمر، أو البر، أو غيره من الضروريات" في النفقات الواجبة، يجب عليك أن تؤمن الطعام، والشراب، والمسكن، والكسوة لمن ...... إذا استحضرت هذه النية أثبت عليها، تثاب عليها، لكن إن اشتريت هذه الأمور لتكسب بها شخصاً تتوصل بمعرفته إلى أمر محرم، يشتري لامرأة يتوصل بهذه التي ظاهرها الصدقة على هذه المرأة أن يربط معها علاقة مثلاً غير شرعية، نقول شراءك لهذا الطعام محرم، وقد يكون مباحاً تشتريه بغير نية، وتدفعه إلى شخص لا تريد منه لا التقرب إلى الله -جل وعلا- ولا المعصية فيكون مستوي الطرفين، فيكون حينئذ مباحاً، ثم قال -رحمه الله-: والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين، والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين أحدهما: تمييز العبادات بعضها عن بعض، تمييز العبادات بعضها عن بعض كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر، وتمييز صيام رمضان من صيام غيره.

رمضان في وقته متميزاً؛ لأن الوقت لا يتسع لأكثر منه، لكن قضاء رمضان قضاء رمضان، لابد من تمييزه عن غيره تمييز العبادات بعضها عن بعض، كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر مثلاً، لا بد أن تدخل في الصلاة وأنت تعرف أنها صلاة ظهر، أو عصر، أو مغرب، أو عشاء دخلت على أنها صلاة العصر ثم تبين لك أن صلاة الظهر منسية مثلاً، فلما انتهيت قلت هذه عن الظهر تجزئ، وإلا ما تجزئ ؟ لا تجزئ عن صلاة الظهر، بخلاف ما لو صليت الظهر بنية الظهر خلف من يصلي العصر على الخلاف، أو صليتها عصراً، وقدمتها على الظهر عند نسيان الأولى، نسيان الترتيب، أو خشية فوات وقت الاختيار للحاضرة، هذا أمر ثاني، ذكرنا قصة الذي يصلي خلف من يصلي العشاء، يصلي المغرب على حد زعمه، وقد صلى المغرب، وصلى المغرب مع الناس جماعة، لكنه نسي أنه صلى المغرب فدخل مع الإمام على أساس أن الإمام يصلي المغرب، حتى إذا قام الإمام إلى الركعة الرابعة سبح به وجلس، لما قام الإمام إلى الرابعة؛ لأن الذي في ذهنه ونيته صلاة المغرب، وأن الرابعة زائدة مبطلة للصلاة، والناس في المسجد الحرام كلهم قاموا إلى رابعة وجلس هو، يعني ما اتهم نفسه، ولا تردد جلس، لما قرب السلام انتبه إلى أنها العشاء وأنه مصلي للمغرب ولحق به، -يعني لحق به وأدرك الركعة الرابعة معه-. هل هذه الصلاة صحيحة، وإلا غير صحيحة؟ صلاته صحيحة وإلا يلزمه الإعادة؟

طالب: .........

كيف هو مصلي للمغرب، ومنتهي مع الإمام.

طالب: .........

إذاً تكون هذه باطلة لاغيه، لاغية هذه، الصورة واضحة وإلا ما هي بواضحة، يعني قد يكون الإنسان يستغرب مثل هذه القصة وقد حصلت، صلى وراء الإمام في المسجد الحرام والخلائق الذين لا يحصون يتابعون الإمام، ولم يسبح به أحد سبح هو، ولم يجلس الإمام سبح وهو في مكان لا يسمع بعيد جداً -يعني في الدور الثاني في أبعد مكان عن الإمام-، سبح وجلس، والخلائق الذين لا يحصون قاموا مع الأمام، وأتوا بالرابعة قبل أن يركع الإمام، تذكر أنها العشاء وأنه قد صلى المغرب فلحق به في الرابعة، وأتم وسلم  نقل أعد، أو لا تعد ؟ لا شك أن هذا مخل بالنية، مخل بالنية، "وإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" هذا ما نوى الصلاة الحاضرة على وجهها.

يقول -رحمه الله-: كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر مثلاً، وتمييز صيام رمضان من صيام غيره، أو تمييز العبادات من العادات، تمييز العبادات من العادات كتمييز الغسل من الجنابة، كتمييز الغسل من الجنابة، من غسل التبرد والتنظف، ونحو ذلك، وهذه النية هي التي توجد كثيراً في كلام الفقهاء -في كتبهم- نعم.

هذه النية المعنى الأول للنية، تمييز العبادات بعضها من بعض هذه هي التي تذكر في كتب الفقه، وهي التي عليها مدار التصحيح والبطلان، ومتعلقها الظاهر، وهي التي توجد كثيراً في كلام الفقهاء -في كتبهم-، والمعنى الثاني: بمعنى تمييز المقصود بالعمل، وهل هو الله وحده لا شريك له، أم غيره، أم الله وغيره يعني هل نيته خالصة لله -جل وعلا-؟ أو نيته خالصة لغير الله -جل وعلا-؟ أم فيها شيء من التشريك؟، تشريك للمخلوق بالخالق في القصد، قصد العبادة يقول: وهذه النية، هي النية التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم، هي التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم، في كلامهم على الإخلاص وتوابعه، وهي التي توجد كثيراً في كلام السلف المتقدمين، وهي التي توجد في كثير في كلام السلف المتقدمين، وهي التي يركز عليها الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في كتبه، وابن القيم، وغيرهما ممن له عناية بما يتعلق بالقلوب، مع أن ما يتعلق بالأبدان الذي هو وظيفة الفقهاء في غاية الأهمية، لا يقال أنهم يعابون بهذا لا، لكن الأهم منه كون القلب يدور مع مراد الله -جل وعلا- والظاهر تبع له.

شخص معلم جلس للدرس، أو واعظ قام يتكلم أمام الناس فخرج شخص فأتبعه بصره إلى الباب، ثم خرج ثاني، كذلك ثالث، كذلك إلى أن لم يبقى إلا العدد القليل قطع الكلمة وقال: أنتم مشغلون، وأنا مشغول هذا واحد، الثاني: رتب له محاضرة وهو من الكبار فلما جلس لإلقاء هذه المحاضرة والمسجد فيه كأنه في وسط السوق صلى فيه عشرة صفوف، لا شك أن الكثرة مشجعة، مشجعة لا لأنه يدور في نفسه أنه شخص مرغوب، أو مطلوب، أو عنده شيء ليس عند الناس، لا إنما ينظر فيها إلى كثرة من يستفيد منه؛ ليعظم أجره في ذلك يعني فرق بين هذا وهذا.

 طيب، أنت قام الصف المؤخر، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، بقي صف واحد، ثم خرج أطراف الصف من اليمين ومن الشمال، ثم تبعهم آخرون، بقي الشيخ والمؤذن؛ لأن الإمام ما حضر ذلك اليوم الشيخ والمؤذن والشخص الذي رتب المحاضرة، نعم، والشيخ من الكبار يقول: الشخص الذي رتب المحاضرة والله ما تغير لهجة الشيخ، ولا نبرة صوته، لا خفض، ولا رفع هو هو، وهو يبصر ليس بأعمى، لاشك أن مثل هذه الأمور لها مدخل كبير في الإخلاص، يعني حينما ينزعج الشيخ إذا طلع واحد، أو اثنين، أو كذا لا لأنه يريد أن يستفيدوا منه هذا لا شك أن المسألة تدل على أن المسألة مدخولة، يعني وإن لم يكن هذا دليل قاطع على سواء نيته، أو عدم قصده الصحيح، هذا الأمر لا إشكال فيه -إن شاء الله-، لكن إذا قصد بذلك أن الأخوان يجتمعون، ويستمعون، ويستفيدون وكل ما كثر الجمع كان أكثر للفائدة، وأعظم انتشاراً لعلمه، فمن هذه الحيثية لا يلام.

فهناك أمور دقيقة في هذا الباب، أمور دقيقة في هذا الباب، بعض الناس، بعض طلاب العلم الذين يساهمون في دروس ومحاضرات، يحمل على الإمام إذا أقيمت الصلاة قبل حضوره، ويؤثر فيه هذا تأثيراً بالغاً، وبعضهم يرجع ما يدخل، يرجع ما يدخل المسجد، أقول مثل هذه الأمور لا شك أنها لا بد من مراجعة النفس فيها، ولا شك أن الأطراف في مثل هذه القضية كل له من خطاب الشرع ما يخصه، فالإمام الإمام كلف هذا الشيخ أن يحضر لإلقاء هذه المحاضرة، يا أخي ينتظر ينتظر انتظاراً لا يضر بالمأمومين، وأيضا الشيخ عليه أن يبادر فلا يحرج نفسه، ولا يحرج غيره، هذه الأمور كلها لها تأثير على النية والقصد، فإن كان الشيخ يتأثر بمثل هذه المواقف فليراجع نفسه، يراجع نفسه.

الحاج الذي حج من بغداد ثلاث مرات ذكرنا قصته مراراً، واستفتاء من العلماء من النوع الثاني، من النوع الثاني الذين يبحثون عن أعمال القلوب مع صحتها وفسادها، وقال له: أعد حجة الإسلام، بينما النوع الأول ما يقول له أعد حجة الإسلام، حجك صحيح مسقط للطلب، ولا شك أن مثل هذا التصرف حينما تأخر، وتباطأ في إعطاء الأم وأمرها واجب تلبيته نيته فيها شيء، لكن لا يعني هذا أن العمل يبطل، ويلزم بالإتيان بغيره لكن يوجه بالعناية بأمه، وأن يعتني بالواجبات أكثر من المندوبات، وأن يسعى في صلاح قلبه الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- في كلام طويل في جامع العلوم والحكم، فرق بين النية، والإرادة، والقصد، النية، والإرادة، والقصد ودعم قوله بالأدلة بنصوص الكتاب والسنة، وأقاويل السلف من أراد الفرق بين هذه الألفاظ الثلاثة: النية، والإرادة، والقصد فعليه بكلام ابن رجب في جامع العلوم والحكم، فقد أطال في تقرير ذلك، وربط ذلك بنصوص الكتاب والسنة، وأقاويل سلف هذه الأمة.

"فمن كانت هجرته إلى دنيا" فمن كانت هجرته إلى دنيا، يقول الحافظ ابن حجر: كذا وقع في جميع الأصول التي اتصلت لنا عن البخاري، بحذف أحد وجهي التقسيم وهو قوله:" فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله" إلى أخره، يعني لا يوجد في نسخة من النسخ الوجه الأول من وجهي التقسيم والتفريع، "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله" في هذا الموضع، نعم ذكرها في الموضع الثاني في كتاب الإيمان، وفي غيرها من المواضع والأصول المتصلة الأسانيد إلى الإمام البخاري كلها متفقة على أن هذا الوجه لم يذكر، وعلى هذا فمن وقف على نسخة فيها هذا الوجه، فهو من إلحاق النساخ وليس من الأصل.

يقول الخطابي في شرحه: هكذا وقع في رواية إبراهيم بن معقل -يعني النسفي- عنه عن البخاري مخروماً، قد ذهب شطره، ورجعت إلى نسخ أصحابنا.

طالب: ........

الأصل أن من هم بالسيئة ثم لم يعملها أنها لم تكتب عليه، لكن لماذا لم يعملها؟ إن كان من خشية الله كتبت له حسنة، وإن كان لعجزه عنها مع بذله الأسباب فهذا هو العزم الذي يؤاخذ عليه، كما جاء في حديث القاتل والمقتول في النار؛ لأنه كان حريص على قتل صاحبه ثم استطاع مثله.

يقول الخطابي في شرحه: هكذا وقع في رواية إبراهيم بن معقِل النسفي عنه مخروماً قد ذهب شطره، ورجعت إلى نسخ أصحابنا، ورجعت إلى نسخ أصحابنا فوجدتها كلها ناقصة، لم يذكر فيها قوله: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله وإلى رسوله" وكذلك وجدته في رواية الفربري أيضا، فلست أدري كيف وقع هذا الإغفال، ومن جهة من عرض من رواته، وقد ذكره محمد بن إسماعيل في هذا الكتاب في غير موضع من غير طريق الحميدي، فجاء به مستوفاً ما خرم منه شيئاً، ولست أشك في أن ذلك لم يقع من جهة الحميدي، ولست أشك في أن ذلك لم يقع من جهة الحميدي، فقد رواه لنا الإثبات من طريق الحميدي تاماً غير ناقص، فذكره بإسناده ذكره الخطابي بإسناده تاماً من طريق الحميدي.

إذا كان من طريق الحميدي تاماً فمن يتجه إليه القول بأنه حذف هذه الجملة، أو الوجه الأول من وجهي التقسيم؟ البخاري، يقول ابن المنير في المتواري: ولم يذكر البخاري في هذا الحديث "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله" وهو أمس بالمقصود، وهو أمس بالمقصود الذي نبهنا عليه، وهو أن جعل الحديث بمنزلة الخطبة للكتاب التي يبين فيها نيته، ومقصده، ونهجه في هذا الكتاب، وأنه مبني على الإخلاص لله -جل وعلا-.

قال: ولم يذكر البخاري في هذا الحديث "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله وإلى رسوله" وهو أمس بالمقصود الذي نبهنا عليه، وذكر هذه الزيادة في الحديث في كتاب الإيمان، في كتاب الإيمان، وكأنه استغنى عنها بقوله: "فهجرته إلى ما هاجر إليه" فهجرته إلى ما هاجر إليه تشمل من كان هاجر إلى الله ورسوله فهجرته إلى ما هاجر إليه، وهو الله ورسوله إلى أخره، وكأنه استغنى عنها بقوله: "فهجرته إلى ما هاجر إليه" فأفهم ذلك أن كل ما هاجر إلى شيء فهجرته إليه، فدخل في عمومه الهجرة إلى الله وإلى رسوله.

ومن عادته هذا من طريقة البخاري، وعادته، ومنهجه، ومن عادته أن يترك الاستدلال بالظاهر الجلي، أن يترك الاستدلال بالظاهر الجلي، ويعدل إلى الرمز الخفي -يعني الصريح-، "فهجرته إلى الله ورسوله" فكيف يعدل عن هذا الصريح إلى الاكتفاء بقوله: "فهجرته إلى ما هاجر إليه"؟ يترك اللفظ النص الصريح، ويعدل إلى المحتمل هذه من عاداته -رحمه الله-، وذكرنا فيما سبق أنه ترجم باب النظر إلى السماء، باب النظر إلى السماء، وقول الله -جل وعلا-: {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} [(17) سورة الغاشية]، نعم الصريح في الباب {وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ} [(18) سورة الغاشية]، لكن عدل عنها  إلى الإبل، فكأن الإمام البخاري إما أن يحتمل أنه يقول كأنه يقول أكمل السورة، أو أكمل الآية التي بعدها، مع أن عدوله عن الآية الصريحة، إلى الآية التي قبلها، لا شك أنه من هذه الحيثية، من هذا الباب.

العدول عن الجلي إلى الخفي، منهم من يقول: إن السماء يطلق ويراد به الإبل، ومنهم من يقول: أن الإبل تطلق ويراد بها السحاب، والذي ينظر إلى السحاب ينظر إلى السماء، هذا مذكور في بعض كتب اللغة، وأبداه بعضهم احتمالاً، وأقول إذا كانت الإبل قائمة وأراد أن ينظر إليها، لا بد أن ينظر إلى السماء، لا بد أن يرفع رأسه فينظر إلى السماء، وهذا استدلال بأمر في غاية الخفاء، وعدول عن أمر في غاية الظهور، وهذا من أوضح ما يستدل به على أن الإمام البخاري يعدل عن الظاهر الجلي إلى الأمر الخفي، لماذا؟ ليعود الطالب على مثل هذه الاستنباطات الدقيقة، ويشحذ همته إلى النظر في طرق الحديث الذي يترجم عليه، فقد يأتي بلفظ لا يطابق الترجمة، لكن الترجمة مطابقتها في رواية أخرى سواء كانت على شرطه، أو على شرط غيره.

وقال الداوودي الشارح: الإسقاط فيه من البخاري، الإسقاط من البخاري لماذا؟ لأنها ثبتت عن طريق الحميدي، فلم يبق إلا البخاري -رحمه الله تعالى-، الإسقاط فيه من البخاري، فوجوده في رواية شيخه، وشيخ شيخه يدل على ذلك انتهى.

وإذا تقرر أن الإسقاط من البخاري -رحمه الله تعالى-، فما السبب في هذا الإسقاط، إما أن يقال العدول عن الجلي إلى الخفي، كما تقدم في كلام ابن المنير.

يقول ابن حجر: الجواب ما قاله أبو محمد على بن أحمد بن سعيد الحافظ في أجوبة له على البخاري، أبو محمد على بن أحمد بن سعيد الحافظ معروف، وإلا ما هو بمعروف من هو؟

ها ابن إيش، ابن حجر يقول: فالجواب ما قاله أبو محمد على بن أحمد بن سعيد الحافظ، يصير ابن حجر

طالب: .........

من؟ ابن حزم صحيح، لماذا عدل ابن حجر عن قوله: ابن حزم، إلى أبي محمد على ابن أحمد بن سعيد الحافظ؟ هذا أيضا فيه شحذ لهمة القارئ، وأن يتتبع من هذا ابن سعيد الحافظ، ويرجع إلى كتب التراجم، ويرجع إلى كتب التي ذكرت الكتب، من له أجوبة عن مشكلات البخاري مثلاً، سيعرف أنه ابن حزم، ويمر في طريقه أثناء هذا البحث بكثير من الفوائد.

ابن حزم يعزو إليه ابن حجر بكثرة، قال ابن حزم، قال ابن حزم، لكن هو من هذا الباب، وأيضا هناك تفنن في العبارة والنقل، فتجده أحيانا يكنيه وينسبه، وقد ينسبه إلى جد، وقد يدلسه كما يفعل الخطيب في كثير من تصانيفه، ينقل عن الشيخ الواحد بعشرة ألفاظ، كل هذه من أجل أن يكون في الطريق إلى الوصول شيء من الوعورة؛ لأن العلم السهل ينسى، ولا يثبت في الذهن، الآن من وقف على هذا؟ من أبو محمد على بن أحمد بن سعيد الحافظ؟ وهو يقرأ في فتح الباري مثلاً، ويبحث في التراجم، ويبحث في الكتب التي تذكر المصنفات، ثم يقف عليها ينساها، وإلا ما ينساها؟ ما ينسها أبداً، لكن لو قال، ما قاله أبو محمد على بن أحمد بن سعيد المعروف بابن حزم؟ فاتت خلاص ما تنحفر في الذهن.

في أجوبة له على البخاري ماذا يقول؟ يقول: إن أحسن ما يجاب به هنا، إن أحسن ما يجاب به هنا أن يقال، لعل البخاري قصد أن يجعل لكتابه صدراً يستفتح به على ما ذهب إليه كثير من الناس، من استفتاح كتبهم بالخطب المتضمنة لمعاني ما ذهبوا إليه من التأليف، فكأنه ابتدأ كتابه بنية، فكأنه ابتدأ كتابه بنية رد علمها إلى الله؛ لأنه لو قال: " من كانت هجرته إلى الله فهجرته إلى الله ورسوله" وقلنا أن البخاري افتتح كتابه بهذا الحديث كان فيه نوع تزكية، كأنه قال: أنا ألفت كتابي قاصداً بذلك وجه الله؛ لأن من كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، وأبقى جملة فهجرته إلى ما هاجر إليه؛ لأنها محتملة.

يقول ابن حزم: لعل البخاري قصد أن يجعل لكتابه صدراً يستفتح به على ما ذهب إليه كثير من الناس، من استفتاح كتبهم بالخطب المتضمنة لمعاني ما ذهبوا إليه من التأليف، فكأنه ابتدأ كتابه بنية رد علمها إلى الله، فإن علم منه أنه أراد الدنيا، أو عرض إلى شيء من معانيها فسيجزيه بنيته" فهجرته إلى ما هاجر إليه" ونكب عن أحدي وجهي التقسيم مجانبة للتزكية التي لا يناسب ذكرها في ذلك المقام، الذي لا يناسب ذكرها في ذلك المقام انتهى ملخصاً من فتح الباري .

طالب: .........

يجوز بنجيب كلامه، بنجيب ما يتعلق بالبخاري بطريقته، ومنهجه في الحذف، وتقسيم الأحاديث، وتقطيعها.

يقول الحافظ ابن حجر: وحاصله أن الجملة المحذوفة، وحاصله أن الجملة المحذوفة تشعر بالقربة المحضة؛ لأن ما فيها تردد هجرته إلى الله ورسوله تشعر بالقربة المحضة؛ والجملة المبقاة تحتمل التردد بين أن يكون ما قصده يحصّل القربة، أو لا، وحاصله أن الجملة المحذوفة تشعره بالقربة المحضة، والجملة الملقاة تحتمل التردد بين أن يكون ما قصده يحصل القربة، أو لا، فلما كان المصنف كالمخبر عن حال نفسه في تصنيفه هذا بعبارة هذا الحديث، حذف الجملة المشعرة بالقربة المحضة فراراً من التزكية، وبقى الجملة المترددة المحتملة تفويضاً للأمر إلى ربه، المطلع على سريرته، المجازي له بمقتضى نيته، المجازي له بمقتضى نيته، لكن هل للإنسان، أو على الإنسان، أن يختبر نيته الآن؟ البخاري أبقى الجملة مترددة، وتبين من قبول الأمة لهذا الكتاب أنه على قدر كبير من الإخلاص، انتفاع الخاص والعام  بهذا الكتاب، منذ أن ألف إلى أخر الزمان، هذا يدل على أنه على قدر كبير من الإخلاص، نحسبه والله حسيبه.

لكن من أراد أن يختبر نيته في هذا الكتاب، كما يذكر عن ابن آجروم لما ألف المتن الصغير في النحو يقولون: ألقاه في البحر، ألقاه في البحر قال: إن كان خالصاً لله نجا، وإن لم يكن خالصاً غرق، هذا يذكر في ترجمته، وأنه نجا فدل على إخلاصه، هل اختبار النفس بمثل هذا صائغ، أو غير صائغ ؟ غير صائغ، غير صائغ يعني نظيره الإقسام على الله -جل وعلا-، هل للإنسان أن يختبر نيته بالإقسام على الله -جل وعلا- بحديث ((من الناس من لو أقسم على الله لأبره))، فيحلف أن يتحقق هذا الأمر بين جموع من الناس؟ هذا لا يسوغ، نعم لو وقع في مأزق، في مكان خفي لم يطلع عليه أحد، يعني وعظمة رغبته فيما عند الله -جل وعلا-، الإخبار عن مثل هذا يدل على انه لو وقع لما كان في إشكال، لكنه في الأصل تزكية للنفس، تزكية للنفس نظير إلقاء الكتاب في البحر، أو في النار، إلقاء المال ثقة بالله -جل وعلا- ليصل إلى صاحبه من عظم التوكل، مثلاً في قصة الإسرائيلي الذي اقترض من أخر ألف دينار، ليست سهلة من الذهب، وحدد له موعد يوفيه إياه، وأشهد الله -جل وعلا- وجعل الله وكيلاً عليه؛ لأنه طلب الكفيل، فأشار إلى أن وكيله هو الله -جل وعلا- وهو كفيله، فلما جاء الوقت المحدد خرج إلى الساحل يطلب أحداً يوصل هذا المبلغ إلى صاحبه فلم يجد، فعمد إلى خشبة فنقرها، ووضع المال فيها، ورماها في البحر.

خرج صاحب المال على الموعد لعل صاحبه حضر؛ ليوفيه دينه، فوجد هذه الخشبة فوق البحر -هذا قص في الصحيح- فأخذها؛ ليوقد عليها النار، فلما نشرها، وجد المال فيها، ووجد معها ورقة تدل على ذلك، الرجل الذي بعث هذا المال لم يكتفي بذلك، وإنما أرسل إليه مرة ثانية؛ لأنه يغلب على ظنه أنها لا تصل، لكن من باب أنه وفى بوعده، وعقده، وعهده أرسلها في البحر، الثقة بالله -جل وعلا- إلى هذا الحد، بمعنى أن الإنسان يثق بالله، ويعظم يقينه إلى هذا الحد، فيزج بالأموال بهذه الطريقة.

القصة سيقت مساق المدح على لسان محمد -عليه الصلاة والسلام-، سيق مساق المدح، لكن هل لنا أن نفعل هذا؟ أو نقول في شرعنا نهى عن إضاعة المال، نهى عن إضاعة المال؟ فمثل هذه التصرفات لا شك أنها إذا حصلت، وحصل المقصود منها، صارت بمثابة المدح والتزكية، لكن إذا حصلت ولم يحصل المقصود منها، أو قبل أن تحصل، نقول: لا يجوز أن تحصل تؤلف كتاب، وتتعب عليه، وتجعله في النار إن كان خالصا لله فينجوا، وإن كان فيه شرك، أو شيء من الدخن لا ينجوا هذا!، لا يصح أبداً.

المصنف -رحمه الله تعالى-  تابع كلام الحافظ ابن حجر يقول: لما كانت عادت المصنفين أن يضمنوا الخطب اصطلاحهم، يعني مثل ما فعل الإمام مسلم في مقدمة صحيحه، ومثل ما فعل أبو داود في رسالته إلى أهل مكة ضمنوها اصطلاحاتهم، ومناهجهم في هذه الكتب.

قال: ولما كانت عادة المصنفين أن يضمنوا الخطب اصطلاحهم في مذاهبهم واختياراتهم، وكان من رأي المصنف -رحمه الله تعالى- جواز اختصار الحديث، والرواية بالمعنى، والتدقيق في الاستنباط، وأثار الأغمض عن الاجلى، وترجيح الإسناد الوارد بالصيغ المصرحة بالسماع على غيره؛ لأنه كله صيغ صريحة حدثنا، قال: حدثنا، قال: أنه سمع، قال: سمعت كل هذه صيغ مصرحة، وترجيح الإسناد الوارد بالصيغ المصرحة بالسماع على غيره، استعمل جميع ذلك في هذا الموضع، بعبارة هذا الحديث متناً وإسناداً.

الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- لما صدر الكتاب بهذا الحديث بمثابة الخطبة، ضمنها الاصطلاح بالقول والفعل، بالقول والفعل، بالفعل حيث اختصر الحديث بفعله، هل في الحديث صراحة، ما يدل صراحة على جواز تقطيع الحديث؟ إنما من صنيعه ليس من لفظه، إنما من صنيعه، يعني قد يكون الكلام له دلالة قولية، ودلالة فعلية.

أنكر فيما ذكره الحافظ ابن كثير وغيره، أنكر بعض المتكلمين وقوع الوضع في الحديث النبوي، نقول: ما يمكن أن يقع الوضع؛ لأن الحديث وحي، والوحي محفوظ، الوحي من الذكر، والذكر محفوظ فلا يمكن أن يقع الوضع، الكذب على النبي -عليه الصلاة والسلام- فانبرا له شخص قالوا له حتى صغير السن، وابن كثير يشكك في هذه القصة، لكن مفادها صحيح، قال: ما رأيك في حديث ((سيكذب علي))، ما رأيك في حديث ((سيكذب علي))، هو رد عليه، على أي حال سواء كان صحيحاً أو باطلاً، فإن كان صحيحاً نسف قوله بالقول، وإن كان باطلاً نسف القول بالفعل، وقع الوضع، والإمام البخاري حينما اقتصر على الوجه الثاني من وجهي التقسيم، دل على أنه يرى جواز اختصار الحديث، وسيأتي في مواضع كثيرة أنه يأتي بحديث تاماً في موضع، ويقتصر على جملته الأولى في موضع، ويقتصر على الجملة الثانية في موضع، وحديث جابر في قصة جمله حينما اشتراه النبي -عليه الصلاة والسلام- أوردها الإمام البخاري بألفاظ مختلفة، وصيغ تدل على أنه يجيز الرواية بالمعنى في عشرين موضعاً، وصحيفة همام بن منبه أوردها، أورد منها جمل في مواضع متعددة، يقتصر على موضع الشاهد منها، على ما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى- .

والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.