التعليق على تفسير القرطبي - سورة الحشر (04)

عنوان الدرس: 
التعليق على تفسير القرطبي - سورة الحشر (04)
عنوان السلسلة: 
التعليق على تفسير القرطبي
تاريخ النشر: 
الاثنين, 21 شعبان, 1439 - 10:15

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: "قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الحشر:11] تَعَجُّبٌ مِنَ اغْتِرَارِ الْيَهُودِ بِمَا وَعَدَهُمُ الْمُنَافِقُونَ مِنَ النَّصْرِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ دِينًا وَلَا كِتَابًا. وَمِنْ جُمْلَةِ الْمُنَافِقِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَبْتَلٍ، وَرِفَاعَةُ بْنُ زَيْد. وَقِيل: رَافِعَةُ بْنُ تَابُوتٍ، وَأَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ، كَانُوا مِنَ الْأَنْصَارِ وَلَكِنَّهُمْ نَافَقُوا، وَقَالُوا لِيَهُودِ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِير: { لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ} [الحشر:11] وَقِيلَ: هُوَ مِنْ قَوْلِ بَنِي النَّضِيرِ لِقُرَيْظَة. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا} [الحشر:11]  يَعْنُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ; لَا نُطِيعُهُ فِي قِتَالِكُم."

يقول المؤلف رحمه الله تعالى: هذا تعجب من حال اليهود الذين أوتوا ما أوتوا من كتاب منزل على نبي مرسل يصدقون ويغترون بقول المنافقين لا يعتقدون دينا وليس لهم كتاب يرجعون إليه، يعني لو أن شخصا من أهل العلم وثق بقول عامي في مسألة علمية وأفتى على ضوء كلامه، ألا يكون مثل هذا المثار عجب؟ هذا مثار عجب. الأصل إن هذا العامي يرجع إلى العالم {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل:43]، فكونه العالم يرجع إلى عامي إضافة إلى كونه عامي لا يتدين بدين أيضًا، ولا يخشى عقاب، ولا يرجو ثواب ما الذي يمنعه من الكذب والخيانة والغدر وإخلاف الوعد، وقد جاءت هذه الأمور كلها مجتمعة وممثله في المنافقين الذين وعدوا اليهود وصدقهم اليهود. لا شك أن هذا مثار عجب بل هو ضلال في الرأي وسفه. كيف يصدق مثل هؤلاء وهذه حالهم وحال من يصدقهم أفضل منهم بكثير. عندهم رأى وعندهم أيضًا دين ولديهم نبي مرسل نعم هم وحرفوا وبدلوا وغيروا، وخرجوا من دينهم لكن ما يزال عندهم آثار من دين وبقية ميراث نبوة لكن وان كانت لا تنفعهم بعد بعثته عليه الصلاة والسلام لا شك أن هذا أمر يعجب منه.  

"قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا} [الحشر:11]  يَعْنُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ; لَا نُطِيعُهُ فِي قِتَالِكُمْ  وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِهَةِ عِلْمِ الْغَيْبِ; لِأَنَّهُمْ أُخْرِجُوا فَلَمْ يَخْرُجُوا." 

أخرج اليهود ولم يخرج معهم المنافقون. أُخرجوا بعد نزول هذه الآية أخرجوا {لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ} [الحشر:12] وقد حصل أنهم أخرجوا ولم يخرجوا معهم {وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ} [الحشر:12] هذا علم بالغيب أعلمه الله إياه عليه الصلاة والسلام وإلا في الأصل أن النبي -عليه الصلاة والسلام- بشر لا يعلم الغيب إلا ما علمه الله إياه. في هذا أيضًا علم بما لم يكن أو لا يكون لو كان كيف يكون {وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ} [الحشر:12] كما في قوله -جل وعلا-: { وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا} [الأنعام:28] الإخبار عن شيء لا يكون لكن لو كان لصار الأمر كذا.

"وَقُوتِلُوا فَلَمْ يَنْصُرُوهُمْ; كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى. { وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُون }  أَيْ فِي قَوْلِهِمْ وَفِعْلِهِم." 

طالب: .........

النفاق في المدينة النفاق في المدينة عمومًا. الهجرة لا شك أنها محل قوة للإسلام والمسلمين وفيها يعني نجم النفاق أما كونه بعد بدر لا شك أنه قبل الفتح الذي دخل الناس في دين الله أفواجًا وتقوى الإسلام والمسلمون وبعد بدر انتصر الإسلام لكن ما يدرى بالتحديد أول ما نجم النفاق. المقصود أنه في المدينة. 

"قَوْلُهُ تَعَالَى :{ لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ} [الحشر:12] أَيْ مُنْهَزِمِينَ. {ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} قِيلَ: مَعْنَى لَا يَنْصُرُونَهُمْ طَائِعِينَ. وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ مُكْرَهِينَ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَار."

لا ينصرون يعني لو طلب منهم النصر واستنصروا لا ينصرون لكن لو ضغط عليهم تنفيذ ما وعدوا به وحاولوا نصرهم ولوا الأدبار. 

"وَقِيل: مَعْنَى لَا يَنْصُرُونَهُمْ لَا يَدُومُونَ عَلَى نَصْرِهِمْ. هَذَا عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَيْنِ مُتَّفِقَانِ. وَقِيلَ: إِنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ; وَالْمَعْنَى لَئِنْ أُخْرِجَ الْيَهُودُ لَا يَخْرُجُ مَعَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ. وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ أَيْ وَلَئِنْ نَصَرَ الْيَهُودُ الْمُنَافِقِينَ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ. وَقِيلَ :{ لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ }؛ أَيْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ إِنْ أُخْرِجُوا .{ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ} أَيْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْهُمْ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ: { لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ} فَأَخْبَرَ عَمَّا قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ لَوْ كَانَ؟ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ}. وَقِيلَ: مَعْنَى {وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ} أَيْ وَلَئِنْ شِئْنَا أَنْ يَنْصُرُوهُمْ زَيَّنَّا ذَلِكَ لَهُمْ. {لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَار}." 

يعنى لو غامر المنافقون ونصروا اليهود على حسب ما وعدوهم إياه فوضعهم في القتال معروف. المنافقون الخذلان. هم مخذولون ويخذلون من خرج معهم وشواهد التاريخ تشهد بذلك. خرجوا مع الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ثم خذلوه وانصرفوا دونه لأنهم لا يرجون ثوابًا ولا ينتظرون إحدى الحسينيين وهم في الاعتقاد في الباطن كفار لا يؤمنون بالإسلام، ولا يستسلمون ولا ينقادون له وإن كانوا في الظاهر مع المسلمين يصلون ويصمون معهم ويراءون الناس. يعني لو لم يروهم أحد ما صلوا ولا صاموا لكن حقنًا لدمائهم تجدهم في الظاهر يشبهون المسلمين في الظاهر حقنًا لدمائهم فيصلون معهم ويصمون معهم إلى آخره. 

طالب: .........

جامع الكفر، الكفر ملة واحدة.

"قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَأَنْتُمْ} يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ{ أَشَدُّ رَهْبَةً} أَيْ خَوْفًا وَخَشْيَةً { فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ} يَعْنِي صُدُورَ بَنِي النَّضِير. وَقِيلَ: فِي صُدُورِ المنافقين. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْفَرِيقَيْنِ; أَيْ يَخَافُونَ مِنْكُمْ أَكْثَرَ مِمَّا يَخَافُونَ مِنْ رَبِّهِمْ ذَلِكَ الْخَوْف." 

جميع طوائف الكفر في صدورهم وفى قلوبهم هذه الرهبة من المسلمين بقدر تمسكهم بدينهم بقدر تمسكهم بدينهم وبقدر إرثهم من نبيهم قولًا وعملًا واعتقادًا. بقدر ما يرثون من النبوة يرثون من «نصرة بالرعب» وإن انصرفوا عن دينهم وتخلوا عنه أو فرطوا في شيء منه ضعفت هذه الرهبة إلى أن يصل الحد إلى أن تنزع المهابة من قلوب الأعداء ويصل الأمر إلى الحد الذي نعيشه والله المستعان.   

"{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} أَيْ لَا يَفْقَهُونَ قَدْرَ عَظَمَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِه. قَوْلُهُ تَعَالَى: { لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا } يَعْنِي الْيَهُودَ {إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ} أَيْ بِالْحِيطَانِ وَالدُّورِ; يَظُنُّونَ أَنَّهَا تَمْنَعُهُمْ مِنْكُم. {أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُر}." 

لا يستطيعون البروز هم برزة المسلمين في الهواء والعراء لا يستطيعون لأن في قلوبهم من الهلع الناشئ عن حرصهم على الدنيا {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ } [البقرة:96] حرصهم على الدنيا يجعلهم بهذه المثابة لا يستطيعون أن يواجهوا بل لابد أن يكونوا في حصون ويتترسوان بأتراس ولا يستطيعون المواجهة من دون حاجز وفاصل. والله المستعان. 

"{أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُر} أَيْ مِنْ خَلْفِ حِيطَانٍ يَسْتَتِرُونَ بِهَا لِجُبْنِهِمْ وَرَهْبَتِهِمْ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ ( جُدُرٍ) عَلَى الْجَمْعِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ."

يقول قائل: كيف الآن وضع اليهود بهذه القوة وبهذه المثابة بحيث أذلت خير أمة أخرجت للناس؟ أولًا هم لا يستطيعون أن يصنعوا شيأ إلا بحبل من الله، وحبل من الناس، وقد انقطع الحبل بينهم وبين الله. بقى الحبل بينهم وبين الناس وهذا لا يحتاج إلى برهان. يعني كم تجلس إسرائيل لولا الدعم الأمريكي. الحبل الممدود من أمريكا إلى اليهود ما تنقص، ولا لحظة ولا ساعة من نهار ومع ذلك لوجود هذا الحبل وهذا مصداق قول الله -جل وعلا- لولا وجود الحبل ما مكثت ولا ساعة. وجد هذا الحبل قد يكون الحبل موجودا على مر العصور لماذا لم ينتصروا وينتقم منهم المسلمين، المسلمون فيهم قوة وفيهم ثقة بربهم وشدة ارتباط بالله جل وعلا وعملًا بدينه الآن كثيرًا من المسلمين عندهم من الإسلام إلا الاسم... أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟ قال : «لا»  مليار ونصف الآن  قال: «ولكنكم غثاء كغثاء السيل» والله المستعان.

"لِأَنَّهَا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: { فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ} وَذَلِكَ جَمْع."

يعني من اشد النكاية أن يسلط عليك أحقر شيء تراه. قوم نفر يسير {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} [البقرة:61] تسلط على مليار ونصف هم خير امة أخرجت للناس. هم بالغ فى النكاية بهم  يعني لو أن رجلًا شجاعًا سلط عليه حشرة وقتلته هذه أشد نكاية به أو سلط عليه امرأة تقتله أو رجل عرف واشتهر بين الناس بالجبن لا شك أن هذه نكاية به وعقوبة له مع كونها حسية عقوبة معنوية ولن يعود تعود هذه الهيبة للأمة ولا يعود لها مجدها وسيادتها للعالم إلا برجوعها مراجعة الدين. 

طالب: .........

من قاتل أبى جهل من صبيين... المقصود أن الأمثلة على ذلك كثيرة. لو أن إنسان عنده من شدة البأس والغطرسة والكبرياء يأتي إليه حشرة صغيرة ثم تكون سببا لقتله. يعني كما ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله عند قوله جل وعلا: {وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء:78] قال كان رجل يعمل خادما عند قوم فحملت المرأة التى يخدمها ولما قرب الوضع رأى فى المنام أن هذه المرأة تلد بنتًا وسوف تزني هذه البنت مائة زنية وسوف تتزوجها أنت وسوف تموت بسبب العنكبوت. لما أجاءها المخاض أو جاءها الطلق قالت يأتي بالسكين من أجل ماذا؟ قطع السرة فذهب وجاء بالسكين مسرعًا فأجراها على حلق هذه المولودة، أو بقر بطنها. بقر بطنة هذه مولودة من أجل ماذا. ألا يتزوجها وقد زنت مائة زنية، لأنه رأى الرؤية وهرب وبعد عشرين سنة في ظنه أن هذه البنت ماتت وبعد عشرين سنة، بعد أن صار غنيا ثريا من كبار الأغنياء في وقته رجع إلى بلده ليتزوج، ويستوطن، قال انتهت الأسرة تلك بما فيها هذه البنت فوصى عجوزًا أن تنظر له أجمل بنت في البلد فقالت ما فيه إلا فلانة. هو ما يعرف اسمها على أن تلك البنت ماتت ووافق، ودخل بها فلما كشف عنها فإذا بأثر شق البطن موجود. جزم بأنها هي تلك البنت فقال لها: ما قصتك فأخبرته بكل ما حصل. قال: أسألك سؤال خاص وتجيبين بصراحة. قالت: نعم. قال: زنيت مائة زنية؟ قالت: نعم أو قريبًا منها يعني ما تضبط العدد بالضبط لكنها من الجمال بحيث لم يستطع مفارقتها لم يستطع مفارقتها أقدم عليها وبقى من الرؤية أنها تموت بسبب العنكبوت فشيد لها قصرًا منيفًا يظن أن الحشرات لا تصل إليه وفى ذات يوم وهو جالس معها رأى العنكبوت تنزل من السطح من السقف قال: هذه العنكبوت التي في الرؤية فقامت إليها فسحقتها بعقبها فأصيبت في عقبها وتآكل العقب ومن بعد ذلك ماتت. هذه قصة يحكيها الحافظ ابن كثير وغيره لكن هل يبحث عن سندها؟ ما تحتاج إلى بحث عن سند لأنها مجرد عبرة والمعنى صحيح لأنه يتفق مع مضمون الآية، والشاهد من القصة للآية واضح {وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء:78] هؤلاء الذين يقاتلون بالحصن- القرى المحصنة- من وراء جدر يحتاطون لأنفسهم لكن لا يغنى حذر من قدر. لا يغنى حذر من قدر.

"وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَابْن  مُحَيْصِنٍ وَأَبُو عَمْرٍ " جِدَارٍ " عَلَى التَّوْحِيدِ; لِأَنَّ التَّوْحِيدَ يُؤَدِّي عَنِ الْجَمْعِ. وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَكِّيِّينَ " جَدْرٍ" (بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الدَّالِّ ); وَهِيَ لُغَةٌ فِي الْجِدَارِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مِنْ وَرَاءِ نَخِيلِهِمْ وَشَجَرِهِمْ; يُقَالُ: أَجْدَرَ النَّخْلُ إِذَا طَلَعَتْ رُءُوسُهُ فِي أَوَّلِ الرَّبِيعِ. وَالْجِدْرُ: نَبْتٌ وَاحِدَتُهُ جِدْرَةٌ. وَقُرِئَ " جُدْرٌ " (بِضَمِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ) جَمْعُ الْجِدَارِ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْأَلِفُ فِي الْوَاحِدِ كَأَلِفِ كِتَابٍ، وَفِي الْجَمْعِ كَأَلِفِ ظِرَافٍ. وَمِثْلُهُ نَاقَةٌ هِجَانٌ."

يعني على قراءة "جدار" يصح أن يكون مفردا ويصح أن يكون جمعًا.

"وَمِثْلُهُ نَاقَةٌ هِجَانٌ وَنُوقٌ هِجَانٌ; لِأَنَّكَ تَقُولُ فِي التَّثْنِيَةِ: هِجَانَانِ; فَصَارَ لَفْظُ الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ مُشْتَبِهَيْنِ فِي اللَّفْظِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي الْمَعْنَى; قَالَهُ ابْنُ جِنِّيّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} يَعْنِي عَدَاوَةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ :{ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} أَيْ بِالْكَلَامِ وَالْوَعِيدِ لَنَفْعَلَنَّ كَذَا. وَقَالَ السُّدِّي: الْمُرَادُ اخْتِلَافُ قُلُوبِهِمْ حَتَّى لَا يَتَّفِقُوا عَلَى أَمْرٍ وَاحِد. وَقِيلَ :{ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} أَيْ إِذَا لَمْ يَلْقَوْا عَدُوًّا نَسَبُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَى الشِّدَّةِ وَالْبَأْسِ، وَلَكِنْ إِذَا لَقُوُا الْعَدُوَّ انْهَزَمُوا. { تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى } يَعْنِي الْيَهُودَ وَالْمُنَافِقِينَ; قَالَهُ مُجَاهِد. وَعَنْهُ أَيْضًا يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ. قال الثَّوْرِيّ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الْكِتَاب. وَقَالَ قَتَادَةُ :تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا أَيْ مُجْتَمَعِينَ عَلَى أَمْرٍ وَرَأْي. وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى مُتَفَرِّقَةٌ. فَأَهْلٌ الْبَاطِلُ مُخْتَلِفَةٌ آرَاؤُهُمْ، مُخْتَلِفَةٌ شَهَادَتُهُمْ، مُخْتَلِفَةٌ أَهْوَاؤُهُمْ وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ فِي عَدَاوَةِ أَهْلِ الْحَقّ."

يتحدون مع هذا الاختلاف في القلوب والتشتت يتحدون أمام العدو المشترك الذى هو الحق كما يتحد أهل الأهواء وأن اختلفت أهواءهم ضد أهل الحق من أهل السنة وتتحد طوائف الكفر ضد المسلمين لأن عدوهم مشترك بينهم يتحدون أمام العدو المشترك وإذا لم يكن هناك عدو مشترك بينهم لازمهم الوصف الذى ذكره الله: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} [الحشر:14] ذلك ما يوجد أكثر من اختلافاتهم لا يكادون يتفقون على رأي كما ذكر الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره يقول: اجتمع عشرة من النصارى لبحث أمر من الأمور فصدروا عن أحد عشر قولًا. أكثر من عددهم.

"وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا: أَرَادَ أَنَّ دِينَ الْمُنَافِقِينَ مُخَالِفٌ لِدِينِ الْيَهُود،  وَهَذَا لِيُقَوِّيَ أَنْفُسَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِم. وَقَالَ الشَّاعِر: 

        إِلَى اللَّهِ أَشْكُو نِيَّةً شَقَّتِ الْعَصَا          هِيَ الْيَوْمَ شَتَّى وَهِيَ أَمَسُّ جُمَّعُ

وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ " وَقُلُوبُهُمْ أَشَتُّ " يَعْنِي أَشَدَّ تَشْتِيتًا; أَيْ أَشَدُّ اخْتِلَافًا. { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} أَيْ ذَلِكَ التَّشْتِيتُ وَالْكُفْرُ بِأَنَّهُمْ لَا عَقْلَ لَهُمْ يَعْقِلُونَ بِهِ أَمْرَ اللَّه. 

قَوْلُهُ تَعَالَى: { كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}  قَالَ ابْنُ عَبَّاس:  يَعْنِي بِهِ قَيْنُقَاع: أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُمْ قَبْلَ بَنِي النَّضِير. وَقَالَ قَتَادَة: يَعْنِي بَنِي النَّضِيرِ: أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُمْ قَبْلَ قُرَيْظَةَ. وقال مُجَاهِدٌ: يَعْنِي كُفَّارَ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْر."

القبلية والبعدية هى أمور نسبية أمور نسبية. هم على الترتيب بنو قينقاع، ثم بنو النضير ثم بنو قريظة فكل طائفة منهم قبل التى بعدها.

"وَقِيلَ: هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَنِ انْتَقَمَ مِنْهُ عَلَى كُفْرِهِ قَبْلَ بَنِي النَّضِيرِ مِنْ نُوحٍ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ." 

لكن قوله قريبًا {كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا } [الحشر:15] قد يدفع هذا القول الأخير ويبعده أن يكون من عوقب على الكفر من الأمم الماضية يكون مقصودًا وإن كان المعنى موجودا لكن المراد بالآية من سياقها { مِنْ قَبْلِهِمْ } [الحشر:15] من قرب منهم.

"وَمَعْنَى وَبَالَ جَزَاءُ كُفْرِهِمْ. وَمَنْ قَالَ: هُمْ بَنُو قُرَيْظَةَ، جَعَلَ وَبَالَ أَمْرِهِمْ نُزُولَهُمْ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذ:ٍ  فَحَكَمَ فِيهِمْ بِقَتْلِ الْمُقَاتِلَةِ وَسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ. وَهُوَ قَوْلُ الضَّحَّاكِ. وَمَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بَنُو النَّضِيرِ قَالَ: وَبَالَ أَمْرِهِمُ الْجَلَاءُ وَالنَّفْيُ. وَكَانَ بَيْنَ النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ سَنَتَانِ. وَكَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ قَبْلَ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَلِذَلِكَ قَالَ: قَرِيبًا، وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: غَزْوَةُ بَنِي النَّضِيرِ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُد. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فِي الْآخِرَة. قَوْلُهُ تَعَالَى: { كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ}.

قَوْلُهُ تَعَالَى :{ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ} هَذَا ضَرْبُ مَثَلٍ..."   

{وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الآخرة وهو الأشد والأنكى فالذي ذاقوه من العذاب في الدنيا هو العذاب الأدنى هو العذاب الأدنى { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى } [السجدة:21] فالعذاب الأشد والأنكى والأكبر هو ما يكون فى الآخرة من عذاب المؤلم الشديد الأبدي الذي لا ينتهي ولا ينقطع. العذاب فى الدنيا له أمد أمده مدة حياة الانسان المعذب فإذا مات ما لجرح بميت إيلام لكن الإشكال في العذاب الدائم الذي لا ينقطع. نسأل الله السلامة والعافية.

"قَوْلُهُ تَعَالَى :{ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ} هَذَا ضَرْبُ مَثَلٍ لِلْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودِ فِي تَخَاذُلِهِمْ وَعَدَمِ الْوَفَاءِ فِي نُصْرَتِهِمْ. وَحُذِفَ حَرْفُ الْعَطْفِ، وَلَمْ يَقُلْ: وَكَمَثَلِ الشَّيْطَانِ; لِأَنَّ حَذْفَ حَرْفِ الْعَطْفِ كَثِيرٌ كَمَا تَقُولُ: أَنْتَ عَاقِلٌ أَنْتَ كَرِيمٌ أَنْتَ عَالِمٌ."

كما بالحديث: تصدق رجل بديناره بدرهمه بمد بره بكذا بدون عواطف.

"وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: « أَنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي قَالَ لَهُ الشَّيْطَانُ اكْفُرْ، رَاهِبٌ تُرِكَتْ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ أَصَابَهَا لَمَمٌ لِيَدْعُوَ لَهَا، فَزَيَّنَ لَهُ الشَّيْطَانُ فَوَطِئَهَا فَحَمَلَتْ، ثُمَّ قَتَلَهَا خَوْفًا أَنْ يَفْتَضِحَ، فَدَلَّ الشَّيْطَانُ قَوْمَهَا عَلَى مَوْضِعِهَا، فَجَاءُوا فَاسْتَنْزَلُوا الرَّاهِبَ لِيَقْتُلُوهُ، فَجَاءَ الشَّيْطَانُ فَوَعَدَهُ أَنَّهُ إِنْ سَجَدَ لَهُ أَنْجَاهُ مِنْهُمْ، فَسَجَدَ لَهُ فَتَبَرَّأَ مِنْهُ فَأَسْلَمَهُ» .ذَكَرَهُ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ الزُّرَقِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَذَكَرَ خَبَرَهُ مُطَوَّلًا ابْنُ عَبَّاسٍ وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّه.  وَلَفْظُهُمَا مُخْتَلِف.  قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ}: كَانَ رَاهِبٌ فِي الْفَتْرَةِ يُقَالُ لَهُ : بِرْصِيصَا قَدْ تَعَبَّدَ فِي صَوْمَعَتِهِ سَبْعِينَ سَنَةً، لَمْ يَعْصِ اللَّهَ فِيهَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، حَتَّى أَعْيَا إِبْلِيسَ، فَجَمَعَ إِبْلِيسُ مَرَدَةَ الشَّيَاطِينِ فَقَالَ: أَلَا أَجِدُ مِنْكُمْ مَنْ يَكْفِينِي أَمْرَ بِرْصِيصَا؟ فَقَالَ الْأَبْيَضُ، وَهُوَ صَاحِبُ الْأَنْبِيَاءِ، وَهُوَ الَّذِي قَصَدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صُورَةِ جِبْرِيلَ لِيُوَسْوِسَ إِلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْوَحْيِ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ فَدَخَلَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ دَفَعَهُ بِيَدِهِ حَتَّى وَقَعَ بِأَقْصَى الْهِنْدِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ}  فَقَالَ: أَنَا أَكْفِيكَهُ; فَانْطَلَقَ فَتَزَيَّا بِزِيِّ الرُّهْبَانِ، وَحَلَقَ وَسَطَ رَأْسِهِ حَتَّى أَتَى صَوْمَعَةَ بِرْصِيصَا فَنَادَاهُ فَلَمْ يُجِبْهُ; وَكَانَ لَا يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَّا فِي كُلِّ عَشَرَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا."

 هذه الأخبار المتلقاة عن بني إسرائيل وفيها طول عند المؤلف يعني ورقتين، أو أكثر لا قيمة لها في ميزان الشرع لأنها لا تستند لا إلى عقل، ولا إلى نقل صحيح فإما يتلقى عن بني إسرائيل ولا قيمة له ونسردها سردًا. 

"وَكَانَ لَا يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَّا فِي كُلِّ عَشَرَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، وَلَا يُفْطِرُ إِلَّا فِي كُلِّ عَشَرَةِ أَيَّام ;وَكَانَ يُوَاصِلُ الْعَشَرَةَ الْأَيَّامِ وَالْعِشْرِينَ وَالْأَكْثَرَ; فَلَمَّا رَأَى الْأَبْيَضُ أَنَّهُ لَا يُجِيبُهُ أَقْبَلَ عَلَى الْعِبَادَةِ فِي أَصْلِ صَوْمَعَتِهِ; فَلَمَّا انْفَتَلَ بِرْصِيصَا مِنْ صَلَاتِهِ، رَأَى الْأَبْيَضَ قَائِمًا يُصَلِّي فِي هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ مِنْ هَيْئَةِ الرُّهْبَانِ; فَنَدِمَ حِينَ لَمْ يُجِبْهُ، فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ؟ فَقَالَ: أَنْ أَكُونَ مَعَكَ، فَأَتَأَدَّبَ بِأَدَبِكَ، وَأَقْتَبِسَ مِنْ عَمَلِكَ، وَنَجْتَمِعَ عَلَى الْعِبَادَةِ; فَقَالَ: إِنِّي فِي شُغْلٍ عَنْكَ; ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ; وَأَقْبَلَ الْأَبْيَضُ أَيْضًا عَلَى الصَّلَاةِ; فَلَمَّا رَأَى بِرْصِيصَا شِدَّةَ اجْتِهَادِهِ وَعِبَادَتِهِ قَالَ لَهُ: مَا حَاجَتُكَ؟ فَقَالَ: أَنْ تَأْذَنَ لِي فَأَرْتَفِعَ إِلَيْكَ. فَأَذِنَ لَهُ فَأَقَامَ الْأَبْيَضُ مَعَهُ حَوْلًا لَا يُفْطِرُ إِلَّا فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَوْمًا وَاحِدًا، وَلَا يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَّا فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَرُبَّمَا مَدَّ إِلَى الثَّمَانِينَ; فَلَمَّا رَأَى بِرْصِيصَا اجْتِهَادَهُ تَقَاصَرَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ. ثُمَّ قَالَ الْأَبْيَضُ: عِنْدِي دَعَوَاتٌ يَشْفِي اللَّهُ بِهَا السَّقِيمَ وَالْمُبْتَلَى وَالْمَجْنُونَ; فَعَلَّمَهُ إِيَّاهَا. ثُمَّ جَاءَ إِلَى إِبْلِيسَ فَقَالَ: قَدْ وَاللَّهِ أَهْلَكْتُ الرَّجُلَ. ثُمَّ تَعَرَّضَ لِرَجُلٍ فَخَنَقَهُ، ثُمَّ قَالَ لِأَهْلِهِ - وَقَدْ تَصَوَّرَ فِي صُورَةِ الْآدَمِيِّينَ -: إِنَّ بِصَاحِبِكُمْ جُنُونًا أَفَأَطِبُّهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ: لَا أَقْوَى عَلَى جِنِّيَّتِهِ، وَلَكِنِ اذْهَبُوا بِهِ إِلَى بِرْصِيصَا، فَإِنَّ عِنْدَهُ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ; فَجَاءُوهُ فَدَعَا بِتِلْكَ الدَّعَوَاتِ، فَذَهَبَ عَنْهُ الشَّيْطَانُ. ثُمَّ جَعَلَ الْأَبْيَضَ يَفْعَلُ بِالنَّاسِ ذَلِكَ وَيُرْشِدُهُمْ إِلَى بِرْصِيصَا فَيُعَافُونَ. فَانْطَلَقَ إِلَى جَارِيَةٍ مِنْ بَنَاتِ الْمُلُوكِ بَيْنَ ثَلَاثَةِ إِخْوَةٍ، وَكَانَ أَبُوهُمْ مَلِكًا فَمَاتَ وَاسْتَخْلَفَ أَخَاهُ، وَكَانَ عَمُّهَا مَلِكًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَعَذَّبَهَا وَخَنَقَهَا. ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِمْ فِي صُورَةِ رَجُلٍ مُتَطَبِّبٍ لِيُعَالِجَهَا فَقَالَ: إِنَّ شَيْطَانَهَا مَارِدٌ لَا يُطَاقُ، وَلَكِنِ اذْهَبُوا بِهَا إِلَى بِرْصِيصَا فَدَعُوهَا عِنْدَهُ، فَإِذَا جَاءَ شَيْطَانُهَا دَعَا لَهَا فَبَرِئَتْ; فَقَالُوا: لَا يُجِيبُنَا إِلَى هَذَا; قَالَ : فَابْنُوا صَوْمَعَةً فِي جَانِبِ صَوْمَعَتِهِ ثُمَّ ضَعُوهَا فِيهَا، وَقُولُوا: هِيَ أَمَانَةٌ عِنْدَكَ فَاحْتَسِبْ فِيهَا. فَسَأَلُوهُ ذَلِكَ فَأَبَى، فَبَنَوْا صَوْمَعَةً وَوَضَعُوا فِيهَا الْجَارِيَةَ; فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ عَايَنَ الْجَارِيَةَ وَمَا بِهَا مِنَ الْجَمَالِ فَأُسْقِطَ فِي يَدِهِ، فَجَاءَهَا الشَّيْطَانُ فَخَنَقَهَا فَانْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ وَدَعَا لَهَا فَذَهَبَ عَنْهَا الشَّيْطَانُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ فَجَاءَهَا الشَّيْطَانُ فَخَنَقَهَا. وَكَانَ يَكْشِفُ عَنْهَا وَيَتَعَرَّضُ بِهَا لِبِرْصِيصَا، ثُمَّ جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: وَيْحَكَ! وَاقِعْهَا، فَمَا تَجِدُ مِثْلَهَا ثُمَّ تَتُوبُ بَعْدَ ذَلِكَ. فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى وَاقَعَهَا فَحَمَلَتْ وَظَهَرَ حَمْلُهَا. فَقَالَ لَهُ الشَّيْطَانُ: وَيْحَكَ! قَدِ افْتَضَحْتَ. فَهَلْ لَكَ أَنْ تَقْتُلَهَا ثُمَّ تَتُوبَ فَلَا تَفْتَضِحَ، فَإِنْ جَاءُوكَ وَسَأَلُوكَ فَقُلْ جَاءَهَا شَيْطَانُهَا فَذَهَبَ بِهَا. فَقَتَلَهَا بِرْصِيصَا وَدَفَنَهَا لَيْلًا; فَأَخَذَ الشَّيْطَانُ طَرَفَ ثَوْبِهَا حَتَّى بَقِيَ خَارِجًا مِنَ التُّرَابِ; وَرَجَعَ بِرْصِيصَا إِلَى صَلَاتِهِ. ثُمَّ جَاءَ الشَّيْطَانُ إِلَى إِخْوَتِهَا فِي الْمَنَامِ فَقَالَ: إِنَّ بِرْصِيصَا فَعَلَ بِأُخْتِكُمْ كَذَا وَكَذَا، وَقَتَلَهَا وَدَفَنَهَا فِي جَبَلِ كَذَا وَكَذَا; فَاسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ وَقَالُوا لِبِرْصِيصَا:  مَا فَعَلَتْ أُخْتُنَا؟ فَقَالَ: ذَهَبَ بِهَا شَيْطَانُهَا; فَصَدَّقُوهُ وَانْصَرَفُوا. ثُمَّ جَاءَهُمُ الشَّيْطَانُ فِي الْمَنَامِ وَقَالَ: إِنَّهَا مَدْفُونَةٌ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّ طَرَفَ رِدَائِهَا خَارِجٌ مِنَ التُّرَابِ; فَانْطَلَقُوا فَوَجَدُوهَا، فَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ وَأَنْزَلُوهُ وَخَنَقُوهُ، وَحَمَلُوهُ إِلَى الْمَلِكِ فَأَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ. فَلَمَّا صُلِبَ قَالَ الشَّيْطَانُ: أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، قَالَ:  أَنَا صَاحِبُكَ الَّذِي عَلَّمْتُكَ الدَّعَوَاتِ، أَمَا اتَّقَيْتَ اللَّهَ أَمَا اسْتَحَيْتَ وَأَنْتَ أَعْبَدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ثُمَّ لَمْ يَكْفِكَ صَنِيعُكَ حَتَّى فَضَحْتَ نَفْسَكَ، وَأَقْرَرْتَ عَلَيْهَا وَفَضَحْتَ أَشْبَاهَكَ مِنَ النَّاسِ، فَإِنْ مِتَّ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ لَمْ يُفْلِحْ أَحَدٌ مِنْ نُظَرَائِكَ بَعْدَكَ . فَقَالَ: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: تُطِيعُنِي فِي خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَأُنْجِيكَ مِنْهُمْ وَآخُذُ بِأَعْيُنِهِمْ. قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: تَسْجُدُ لِي سَجْدَةً وَاحِدَةً; فَقَالَ: أَنَا أَفْعَلُ; فَسَجَدَ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ. فَقَالَ: يَا بِرْصِيصَا، هَذَا أَرَدْتُ مِنْكَ; كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِكَ أَنْ كَفَرْتَ بِرَبِّكَ، إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ، إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ.  وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ. إِنَّ عَابِدًا كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ مِنْ أَعْبَدِ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَكَانَ فِي زَمَانِهِ ثَلَاثَةُ إِخْوَةٍ لَهُمْ أُخْتٌ، وَكَانَتْ بِكْرًا، لَيْسَتْ لَهُمْ أُخْتٌ غَيْرُهَا، فَخَرَجَ الْبَعْثُ عَلَى ثَلَاثَتِهِمْ، فَلَمْ يَدْرُوا عِنْدَ مَنْ يَخْلُفُونَ أُخْتَهُمْ، وَلَا عِنْدَ مَنْ يَأْمَنُونَ عَلَيْهَا، وَلَا عِنْدَ مَنْ يَضَعُونَهَا.  قَالَ: فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَخْلُفُوهَا عِنْدَ عَابِدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ ثِقَةً فِي أَنْفُسِهِمْ، فَأَتَوْهُ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَخْلُفُوهَا عِنْدَهُ، فَتَكُونَ فِي كَنَفِهِ وَجِوَارِهِ إِلَى أَنْ يَقْفِلُوا مِنْ غُزَاتِهِمْ، فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَتَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنْهُمْ وَمِنْ أُخْتِهِمْ. قَالَ: فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى أَطْاعَهُمْ، فَقَالَ: أَنْزِلُوهَا فِي بَيْتٍ حِذَاءَ صَوْمَعَتِي، فَأَنْزَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ ثُمَّ انْطَلَقُوا وَتَرَكُوهَا، فَمَكَثَتْ فِي جِوَارِ ذَلِكَ الْعَابِدِ زَمَانًا، يُنْزِلُ إِلَيْهَا الطَّعَامَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ، فَيَضَعُهُ عِنْدَ بَابِ الصَّوْمَعَةِ، ثُمَّ يُغْلِقُ بَابَهُ وَيَصْعَدُ فِي صَوْمَعَتِهِ، ثُمَّ يَأْمُرُهَا فَتَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا فَتَأْخُذُ مَا وُضِعَ لَهَا مِنَ الطَّعَامِ. قَالَ: فَتَلَطَّفَ لَهُ الشَّيْطَانُ فَلَمْ يَزَلْ يُرَغِّبُهُ فِي الْخَيْرِ، وَيُعَظِّمُ عَلَيْهِ خُرُوجَ الْجَارِيَةِ مِنْ بَيْتِهَا نَهَارًا، وَيُخَوِّفُهُ أَنْ يَرَاهَا أَحَدٌ فَيَعْلَقَهَا. قَالَ: فَلَبِثَ بِذَلِكَ زَمَانًا، ثُمَّ جَاءَهُ إِبْلِيسُ فَرَغَّبَهُ فِي الْخَيْرِ وَالْأَجْرِ، وَقَالَ لَهُ: لَوْ كُنْتَ تَمْشِي إِلَيْهَا بِطَعَامِهَا حَتَّى تَضَعَهُ فِي بَيْتِهَا كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكَ; قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى مَشَى إِلَيْهَا بِطَعَامِهَا فَوَضَعَهُ فِي بَيْتِهَا، قَالَ: فَلَبِثَ بِذَلِكَ زَمَانًا ثُمَّ جَاءَهُ إِبْلِيسُ فَرَغَّبَهُ فِي الْخَيْرِ وَحَضَّهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَوْ كُنْتَ تُكَلِّمُهَا وَتُحَدِّثُهَا فَتَأْنَسُ بِحَدِيثِكَ، فَإِنَّهَا قَدِ اسْتَوْحَشَتْ وَحْشَةً شَدِيدَةً. قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى حَدَّثَهَا زَمَانًا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا مِنْ فَوْقِ صَوْمَعَتِهِ. قَالَ: ثُمَّ أَتَاهُ إِبْلِيسُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: لَوْ كُنْتَ تَنْزِلُ إِلَيْهَا فَتَقْعُدَ عَلَى بَابِ صَوْمَعَتِكَ وَتُحَدِّثَهَا وَتَقْعُدَ عَلَى بَابِ بَيْتِهَا فَتُحَدِّثَكَ كَانَ آنَسَ لَهَا. فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَنْزَلَهُ وَأَجْلَسَهُ عَلَى بَابِ صَوْمَعَتِهِ يُحَدِّثَهَا، وَتَخْرُجُ الْجَارِيَةُ مِنْ بَيْتِهَا، فَلَبِثَا زَمَانًا يَتَحَدَّثَانِ، ثُمَّ جَاءَهُ إِبْلِيسُ فَرَغَّبَهُ فِي الْخَيْرِ وَالثَّوَابِ فِيمَا يَصْنَعُ بِهَا، وَقَالَ: لَوْ خَرَجْتَ مِنْ بَابِ صَوْمَعَتِكَ فَجَلَسْتَ قَرِيبًا مِنْ بَابِ بَيْتِهَا كَانَ آنَسَ لَهَا. فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى فَعَلَ. قَالَ: فَلَبِثَا زَمَانًا، ثُمَّ جَاءَهُ إِبْلِيسُ فَرَغَّبَهُ فِي الْخَيْرِ وَفِيمَا لَهُ مِنْ حُسْنِ الثَّوَابِ فِيمَا يَصْنَعُ بِهَا، وَقَالَ لَهُ: لَوْ دَنَوْتَ مِنْ بَابِ بَيْتِهَا فَحَدَّثْتَهَا وَلَمْ تَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهَا، فَفَعَلَ. فَكَانَ يَنْزِلُ مِنْ صَوْمَعَتِهِ فَيَقْعُدُ عَلَى بَابِ بَيْتِهَا فَيُحَدِّثُهَا. فَلَبِثَا بِذَلِكَ حِينًا ثُمَّ جَاءَهُ إِبْلِيسُ فَقَالَ: لَوْ دَخَلْتَ الْبَيْتَ مَعَهَا تُحَدِّثَهَا وَلَمْ تَتْرُكْهَا تُبْرِزْ وَجْهَهَا لِأَحَدٍ كَانَ أَحْسَنَ بِكَ. فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُهَا نَهَارَهُ كُلَّهُ، فَإِذَا أَمْسَى صَعِدَ فِي صَوْمَعَتِهِ. قَالَ: ثُمَّ أَتَاهُ إِبْلِيسُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمْ يَزَلْ يُزَيِّنُهَا لَهُ حَتَّى ضَرَبَ الْعَابِدَ عَلَى فَخِذِهَا وَقَبَّلَهَا. فَلَمْ يَزَلْ بِهِ إِبْلِيسُ يُحَسِّنُهَا فِي عَيْنِهِ وَيُسَوِّلُ لَهُ حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهَا فَأَحْبَلَهَا، فَوَلَدَتْ لَهُ غُلَامًا، فَجَاءَهُ إِبْلِيسُ فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ إِخْوَةُ هَذِهِ الْجَارِيَةِ وَقَدْ وَلَدَتْ مِنْكَ! كَيْفَ تَصْنَعُ! لَا آمَنُ عَلَيْكَ أَنْ تَفْتَضِحَ أَوْ يَفْضَحُوكَ! فَاعْمِدْ إِلَى ابْنِهَا فَاذْبَحْهُ وَادْفِنْهُ، فَإِنَّهَا سَتَكْتُمُ عَلَيْكَ مَخَافَةَ إِخْوَتِهَا أَنْ يَطَّلِعُوا عَلَى مَا صَنَعْتَ بِهَا، فَفَعَلَ. فَقَالَ لَهُ: أَتَرَاهَا تَكْتُمُ إِخْوَتَهَا مَا صَنَعْتَ بِهَا وَقَتَلْتَ ابْنَهَا! خُذْهَا فَاذْبَحْهَا وَادْفِنْهَا مَعَ ابْنِهَا. فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى ذَبَحَهَا وَأَلْقَاهَا فِي الْحَفِيرَةِ مَعَ ابْنِهَا، وَأَطْبَقَ عَلَيْهَا صَخْرَةً عَظِيمَةً، وَسَوَّى عَلَيْهَا التُّرَابَ، وَصَعِدَ فِي صَوْمَعَتِهِ يَتَعَبَّدُ فِيهَا; فَمَكَثَ بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ; حَتَّى قَفَلَ إِخْوَتُهَا مِنَ الْغَزْوِ ، فَجَاءُوهُ فَسَأَلُوهُ عَنْهَا فَنَعَاهَا لَهُمْ وَتَرَحَّمَ عَلَيْهَا، وَبَكَى لَهُمْ وَقَالَ: كَانَتْ خَيْرَ أَمَةٍ، وَهَذَا قَبْرُهَا فَانْظُرُوا إِلَيْهِ. فَأَتَى إِخْوَتُهَا الْقَبْرَ فَبَكَوْا عَلَى قَبْرِهَا وَتَرَحَّمُوا عَلَيْهَا، وَأَقَامُوا عَلَى قَبْرِهَا أَيَّامًا ثُمَّ انْصَرَفُوا إِلَى أَهَالِيهِمْ. فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِمُ اللَّيْلُ وَأَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ ، أَتَاهُمُ الشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ مُسَافِرٍ، فَبَدَأَ بِأَكْبَرِهِمْ فَسَأَلَهُ عَنْ أُخْتِهِمْ; فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ الْعَابِدِ وَمَوْتِهَا وَتَرَحُّمِهِ عَلَيْهَا، وَكَيْفَ أَرَاهُمْ مَوْضِعَ قَبْرِهَا; فَكَذَّبَهُ الشَّيْطَانُ وَقَالَ: لَمْ يَصْدُقْكُمْ أَمْرَ أُخْتِكُمْ، إِنَّهُ قَدْ أَحْبَلَ أُخْتَكُمْ وَوَلَدَتْ مِنْهُ غُلَامًا فَذَبَحَهُ وَذَبَحَهَا مَعَهُ فَزَعًا مِنْكُمْ، وَأَلْقَاهَا فِي حَفِيرَةٍ احْتَفَرَهَا خَلْفَ الْبَابِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ عَنْ يَمِينِ مَنْ دَخَلَهُ. فَانْطَلِقُوا فَادْخُلُوا الْبَيْتَ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ عَنْ يَمِينِ مَنْ دَخَلَهُ، فَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَهُمَا هُنَالِكَ جَمِيعًا كَمَا أَخْبَرْتُكُمْ. قَالَ: وَأَتَى الْأَوْسَطَ فِي مَنَامِهِ وَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ أَتَى أَصْغَرَهُمْ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ اسْتَيْقَظُوا مُتَعَجِّبِينَ لِمَا رَأَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، يَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: لَقَدْ رَأَيْتُ عَجَبًا، فَأَخْبَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِمَا رَأَى. قَالَ أَكْبَرُهُمْ: هَذَا حُلْمٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَامْضُوا بِنَا وَدَعُوا هَذَا. قَالَ أَصْغَرُهُمْ: لَا أَمْضِي حَتَّى آتِيَ ذَلِكَ الْمَكَانَ فَأَنْظُرَ فِيهِ. قَالَ: فَانْطَلَقُوا جَمِيعًا حَتَّى دَخَلُوا الْبَيْتَ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ أُخْتُهُمْ، فَفَتَحُوا الْبَابَ وَبَحَثُوا الْمَوْضِعَ الَّذِي وَصَفَ لَهُمْ فِي مَنَامِهِمْ، فَوَجَدُوا أُخْتَهُمْ وَابْنَهَا مَذْبُوحَيْنِ فِي الْحَفِيرَةِ كَمَا قِيلَ لَهُمْ، فَسَأَلُوا الْعَابِدَ فَصَدَّقَ قَوْلَ إِبْلِيسَ فِيمَا صَنَعَ بِهِمَا. فَاسْتَعْدَوْا عَلَيْهِ مَلِكَهُمْ، فَأُنْزِلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ فَقَدَّمُوهُ لِيُصْلَبَ، فَلَمَّا أَوْقَفُوهُ عَلَى الْخَشَبَةِ أَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ لَهُ: قَدْ عَلِمْتَ أَنِّي صَاحِبُكَ الَّذِي فَتَنْتُكَ فِي الْمَرْأَةِ حَتَّى أَحَبَلْتَهَا وَذَبَحْتَهَا وَذَبَحْتَ ابْنَهَا، فَإِنْ أَنْتَ أَطَعْتِنِي الْيَوْمَ وَكَفَرْتَ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَكَ خَلَّصْتُكَ مِمَّا أَنْتَ فِيهِ. قَالَ: فَكَفَرَ الْعَابِدُ بِاللَّهِ; فَلَمَّا كَفَرَ خَلَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ فَصَلَبُوهُ. قَالَ: فَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: { كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}  إِلَى قَوْلِهِ: {جَزَاءُ الظَّالِمِينَ}. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَضَرَبَ اللَّهُ هَذَا مَثَلًا..."

طالب: .........

يعني هذا ما تلقيه من بني إسرائيل بهذا النظم المذكور والترتيب المزبور لا أصل له ولا يجوز أن يفسر القرآن بمثل هذا. خير ما يفسر به القرآن القرآن، ثم ما ثبت عن سيد الأنام عليه الصلاة والسلام، ثم ما جاء عن الصحابة، والتابعين. أما أن يفسر القرآن بما جاء عن بني إسرائيل مع أن المؤلف -رحمه الله- اشترط على نفسه في المقدمة أنه لا يعرج على الإسرائيليات وأنه حرص أن ينظف كتابه مما حاشاه كثير من المفسرين من هذه القصص والأخبار التي لا تثبت ومع ذلك وقع في شيء من ذلك كما هنا.

طالب: .........

من الصحابة من يتلقى عن بني إسرائيل لكن هل تثبت عن ابن عباس؟ ما يثبت.

"قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَضَرَبَ اللَّهُ هَذَا مَثَلًا لِلْمُنَافِقِينَ مِنَ الْيَهُود.  وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يُجْلِيَ بَنِي النَّضِيرِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَدَسَّ إِلَيْهِمُ الْمُنَافِقُونَ أَلَّا تَخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ، فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ كُنَّا مَعَكُمْ، وَإِنْ أَخْرَجُوكُمْ كُنَّا مَعَكُمْ، فَحَارَبُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَذَلَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، وَتَبَرَّءُوا مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأَ الشَّيْطَانُ مِنْ بِرْصِيصَا الْعَابِدِ. فَكَانَ الرُّهْبَانُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَمْشُونَ إِلَّا بِالتَّقِيَّةِ وَالْكِتْمَانِ. وَطَمِعَ أَهْلُ الْفُسُوقِ وَالْفُجُورِ فِي الْأَحْبَارِ فَرَمَوْهُمْ بِالْبُهْتَانِ وَالْقَبِيحِ."

هذا ديدن الأشرار مع الأخيار. إذا وجد هفوة أو زلة من واحد من الأخيار  أجلب الأشرار على جميع الأخيار ووصفوهم بهذا البلاء وهذا الخطأ. قال: هذا مثال منهم كلهم هكذا. ما يكتب وما يشاع على مر العصور إلى وقتنا هذا شاهد لهذا الأمر. السرقة التي نسبت لشهر بن حوشب وضعف بسببها رمي بها جميع القراء كما قال الشاعر:

             لقد باع شهر دينه بخريطة        فمن يأمن القراء بعدك يا شهر

صار القراء كلهم سراق ومثله ما يدار ويتحدث به في وسائل الإعلام من الصحف وغيرها إذا وجد هفوة أو زلة أو نقل خاطئ عن بعض الأخيار عمموه على الجميع. فمن يأمن القراء من يأمن أهل العلم من يأمن الحسبة من يأمن كذا من يأمن كذا نسأل الله العافية. وهذا ليس المقصود به عداء الذوات وإنما المقصود به عداء ما يحمله هؤلاء الأشخاص من دين وعلم وفضل ومقاومة للشر وأهله.

"وَطَمِعَ أَهْلُ الْفُسُوقِ وَالْفُجُورِ فِي الْأَحْبَارِ فَرَمَوْهُمْ بِالْبُهْتَانِ وَالْقَبِيحِ، حَتَّى كَانَ أَمْرُ جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ، وَبَرَّأَهُ اللَّهُ فَانْبَسَطَتْ بَعْدَهُ الرُّهْبَانُ وَظَهَرُوا لِلنَّاسِ.  وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَثَلُ الْمُنَافِقِينَ فِي غَدْرِهِم..." 

ولذا على طالب العلم أن يحتاط لنفسه. على أهل العلم وطلابه أن يحتاطوا لأنفسهم لئلا يكونوا سببا في اتهام نظرائهم وأقرانهم. إذا زل طالب علم كل الطلاب هكذا كلهم هكذا لكن بعضهم ما عنده مانع يعلن وبعضهم يخفي. والله المستعان. 

"وَقِيلَ: الْمَعْنَى مَثَلُ الْمُنَافِقِينَ فِي غَدْرِهِمْ لِبَنِي النَّضِيرِ كَمَثَلِ إِبْلِيسَ إِذْ قَالَ لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ: {لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ، وَإِنِّي جَارٌّ لَكُمْ} الآية. وَقَالَ مُجَاهِدٌ الْمُرَادُ بِالْإِنْسَانِ هَاهُنَا جَمِيعُ النَّاسِ فِي غُرُورِ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُمْ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى :{ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ} أَيْ أَغْوَاهُ حَتَّى قَالَ: إِنِّي كَافِر.  وَلَيْسَ قَوْلُ الشَّيْطَانِ {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}  حَقِيقَةً، إِنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّؤِ مِنَ الْإِنْسَانِ." 

يعني لو كان حقيقة ما صنع ما صنع لأن الذي يدعو الإنسان يدعو المسلم إلى الكفر هذا على خطر عظيم. المرأة التي حاولت الانفصال عن زوجها بشتى الوسائل فعجزت أفتاها من أفتاها بأن  تكفر ترتد نسأل الله السلامة والعافية لينفسخ نكاحها من زوجها. قال ابن مبارك: من أفتاها بهذه الفتوى فقد كفر. نسأل الله العافية. فلو كان يخاف الله حقيقة ما فعل هذا الفعل وما أغوى مسلمًا حتى أخرجه من دينه، أو مستقيمًا حتى أخرجه عن حيز الاستقامة إلى الفسوق، والفجور لكنه في الحقيقة لا يخاف الله لكن هذه الدعوى ليتم له التبرؤ منه، ولو قال إنه ما يخاف الله قال لا تخاف الله خلصني قال: {إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ} هذه دعوى لتحصل البراءة منه.

"وَلَيْسَ قَوْلُ الشَّيْطَانِ {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}  حَقِيقَةً، إِنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّؤِ مِنَ الْإِنْسَانِ، فَهُوَ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ} وَفَتَحَ الْيَاءَ مِنْ " إِنِّي "نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو..."

إنِّيَ

" وَأَسْكَنَ الْبَاقُون. فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَيْ عَاقِبَةُ الشَّيْطَانِ وَذَلِكَ الْإِنْسَانِ {أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا} نُصِبَ عَلَى الْحَالِ. وَالتَّثْنِيَةُ ظَاهِرَةٌ فِيمَنْ جَعَلَ الْآيَةَ مَخْصُوصَةً فِي الرَّاهِبِ وَالشَّيْطَانِ. وَمَنْ جَعَلَهَا فِي الْجِنْسِ فَالْمَعْنَى: وَكَانَ عَاقِبَةُ الْفَرِيقَيْنِ أَوِ الصِّنْفَيْنِ. وَنَصَبَ عَاقِبَتَهُمَا عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ. وَالِاسْمُ أَنَّهُمَا فِي النَّارِ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ " فَكَانَ عَاقِبَتُهُمَا " بِالرَّفْعِ عَلَى الضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ. وَقَرَأَ الْأَعْمَش "خَالِدَانِ فِيهَا" بِالرَّفْعِ وَذَلِكَ خِلَافُ الْمَرْسُومِ. وَرَفَعَهُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ " أَنَّ " وَالظَّرْفُ مُلْغًى."

يعني في النار. ظرف الذي هو والجار مجرور.

طالب: .........

يقول: ما حصل لهذا الراهب يعني في هذه القصة وفى قصة جريج وهي في الصحيحين... في هذه القصة لا شك وإن كانت ليست في صحيحة لكن ما تضمنته يمكن وقوعه وبكثرة يعني مع قرب الرجل من المرأة لابد أن يحصل شيء ولذا أمر النساء بالابتعاد عن الرجال { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } [الأحزاب:33] { وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ } [الأحزاب:53] لأنه أطهر للقلوب وأبعد من الشبهة لكن إذا حصل التقارب فلابد من وقوع الفتنة.

وشخص من أشباه العامة يقول: شركة الغاز لا يمكن أن تعطيك تصريح لبرميل الغاز بجانب الدينامو دينامو الكهرباء لابد أن تضع بينهما حجاب لابد أن تضع جدار وأنا ممن طلب منه ذلك لماذا؟ يشتعل هذا بهذا ولا شك أن الشهوة التي ركبت في بني آدم مع تيسر أسبابها أشد مما يخشى من اشتعال الغاز بهذه الشحنات الكهربائية. هذا مثل حي فيجب أن يحتاط لأعراض الناس وأديانهم أشد مما يحتاط لأموالهم في اشتعال النار في مثل هذه الصورة. في قصة جريج لما دعته أمه قصة في الصحيح وهو يصلي قال: أمي وصلاتي ثم دعته ثانية قال: أمي وصلاتي ثم دعته ثم دعت عليه: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات. وكم من شخص أصيب بهذه الدعوة من خلال النظر في هذه القنوات الإباحية التي فيها المومسات بكثرة، وفيها الفجار، وفيها أرباب الشهوات، والشبهات. يصاب بهذه الدعوة، ولا يشعر يظن أن هذه الدعوة سهلة وليست بالسهلة. كون الإنسان يديم النظر في هذه الوجوه التي تزاول المنكرات، والفجور هذا لا شك أنه يسهل عليه استمرار الفاحشة، ويهونها عنده بحيث يخشى عليه في يوم من الأيام أن يقع فيها والله المستعان.

طالب: .........

هذا معروف عن السلف. هذا معروف عن سعيد بن جبير ظاهر، على كل حال معروف مثل هذا.

"قَوْلُهُ تَعَالَى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ} فِي أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، وَأَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ .{وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَالْعَرَبُ تَكُنِّي عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ بِالْغَدِ. وَقِيلَ: ذَكَرَ الْغَدَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ السَّاعَةَ قَرِيبَةٌ; كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :  

فَإِنَّ بِكَ صَدْرَ هَذَا الْيَوْمِ وَلَّى وَإِنَّ غَدًا لِنَاظِرِهِ قَرِيبُ"

يعني أن هذا المحاسب ومحاسبة النفس {اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [الحشر:18] على الإنسان أن يحاسب نفسه فينظر ماذا قدم في هذا اليوم لغده. هل أدى الواجبات على الوجه المطلوب؟ هل اجتنب المحرمات؟ هل قصر في شيء من الواجبات؟ هل انتهك شيء من المحرمات؟ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزينوها قبل أن توزنوا وتعرضوا أو وتأهبوا للعرض الأكبر على الله كما قال عمر رضي الله عنه. 

"وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَة: قَرَّبَ السَّاعَةَ حَتَّى جَعَلَهَا كَغَدٍ. وَلَا شَكَ أَنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبُ; وَالْمَوْتَ لَا مَحَالَةَ آتٍ. وَمَعْنَى مَا قَدَّمَتْ يَعْنِي مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرّ. وَاتَّقُوا اللَّهَ، أَعَادَ هَذَا تَكْرِيرًا، كَقَوْلِكَ: اعْجَلِ اعْجَلِ، ارْمِ ارْمِ. وَقِيلَ: التَّقْوَى الْأُولَى التَّوْبَةُ فِيمَا مَضَى مِنَ الذُّنُوبِ، وَالثَّانِيَةُ اتِّقَاءُ الْمَعَاصِي فِي الْمُسْتَقْبَلِ. { إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْر: أَيْ بِمَا يَكُونُ مِنْكُمْ. وَاللَّه أَعْلَمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى:  {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ} أَيْ تَرَكُوا أَمْرَه. {فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} أَنْ يَعْمَلُوا لَهَا خَيْرًا; قَالَهُ ابْنُ حِبَّان.  وَقِيلَ: نَسُوا حَقَّ اللَّهِ فَأَنْسَاهُمْ حَقَّ أَنْفُسِهِمْ; قَالَهُ سُفْيَانُ. وَقِيلَ: نَسُوا اللَّهَ بِتَرْكِ شُكْرِهِ وَتَعْظِيمِه. {فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} بِالْعَذَابِ أَنْ يُذَكِّرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا; حَكَاهُ ابْنُ عِيسَى. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّه: نَسُوا اللَّهَ عِنْدَ الذُّنُوبِ { فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} عِنْدَ التَّوْبَةِ. وَنَسَبَ تَعَالَى الْفِعْلَ إِلَى نَفْسِهِ فِي أَنْسَاهُمْ إِذْ كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ الَّذِي تَرَكُوهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَجَدَهُمْ تَارِكِينَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ; كَقَوْلِكَ: أَحْمَدْتُ الرَّجُلَ إِذَا وَجَدْتُهُ مَحْمُودًا. وَقِيلَ: نَسُوا اللَّهَ فِي الرَّخَاءِ { فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ } فِي الشَّدَائِد. {أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} قَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ:  الْعَاصُونَ. وَقَالَ ابْنُ زَيْد: الْكَاذِبُونَ. وَأَصْلُ الْفِسْقِ الْخُرُوجُ; أَيِ الَّذِينَ خَرَجُوا عَنْ طَاعَةِ اللَّه".

{نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} [الحشر:19] نسوا الله: تركوا أوامره وارتكبوا نواهيه وناسيين عظمة من عصوه أو متناسيين فأنساهم أنفسهم أنساهم فعل ما ينفعهم في عاجل أمرهم وآجلة في الآية الأخرى {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة:67] نسوا تركوا فنسيهم فتركهم في العذاب ويكون هذا من باب المقابلة وإلا في قوله {مَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم:64]  أن النسيان ناتج عن الغفلة والذهول هذا الله جل وعلا منزه عنه لكن من باب المقابلة: تركوا فتركوا.

"قَوْلُهُ تَعَالَى : { لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ} أَيْ فِي الْفَضْلِ وَالرُّتْبَة. {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ} أَيِ الْمُقَرَّبُونَ الْمُكَرَّمُونَ. وَقِيلَ: النَّاجُونَ مِنَ النَّارِ. وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ فِي " الْمَائِدَةِ " عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : { قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ } وَفِي سُورَةِ "السَّجْدَةِ " عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : { أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ}  وَفِي سُورَةِ "ص" {أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى : { لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا } حَثَّ عَلَى تَأَمُّلِ مَوَاعِظِ الْقُرْآنِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا عُذْرَ فِي تَرْكِ التَّدَبُّرِ; فَإِنَّهُ لَوْ خُوطِبَ بِهَذَا الْقُرْآنِ الْجِبَالُ مَعَ تَرْكِيبِ الْعَقْلِ فِيهَا لَانْقَادَتْ لِمَوَاعِظِهِ، وَلَرَأَيْتَهَا عَلَى صَلَابَتِهَا وَرَزَانَتِهَا خَاشِعَةً مُتَصَدِّعَةً; أَيْ مُتَشَقِّقَةً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. وَالْخَاشِعُ: الذَّلِيلُ. وَالْمُتَصَدِّعُ: الْمُتَشَقِّقُ. وَقِيلَ: خَاشِعًا لِلَّهِ بِمَا كَلَّفَهُ مِنْ طَاعَتِه. { مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} أَنْ يَعْصِيَهُ فَيُعَاقِبَهُ. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى وَجْهِ الْمَثَلِ لِلْكُفَّار." 

يعني هذا القرآن العظيم الثقيل كما جاء في وصفه في سورة المزمل ينزل على قلب محمد عليه الصلاة والسلام، القوي الذي يحتمل هذا القول الثقيل وينزل على قلوب الناس من بعده فمنهم من يتأثر تأثرًا بالغًا مستشعرًا ثقل هذا الكلام وعظمة هذا القول من الله -جل وعلا- وينزل على قلوب قاسية لا تتأثر به فهي أشد من الجبال أشد قسوة من الحجارة. نسأل الله السلامة والعافية وأبعد القلوب من الله القلب القاسي. تجد هذا كثير من المسلمين حتى من ينتسب إلى علمه، وطلبه بينما عجوز لا تقرأ ولا تكتب لا تقرأ ولا تكتب وجدت آلامًا في بطنها وذهبت إلى المستشفى وقالوا عندك حصى في الكلى والمرارة قالت: ما العمل قالوا عملية قالت: انظروني حتى أستخير فجاءت بكأس من ماء زمزم وقرأت فيه الفاتحة والمعوذتين فنزل الحصى وذهبت إلى المستشفى، وقالوا ما في شيء قالوا ماذا صنعت؟ قالت: أخذت كأس من زمزم وقرأت فيه معتقدة أن هذا القول وهذا الكلام الذي يصدع الجبال، الجبال تتصدع لو أنزل عليها لا يعجز بإذن الله أن يفتت هذه الحصيات الصغيرة مع اليقين والتصديق بما جاء عن الله جل وعلا وهكذا حصل وهى عجوز لا تقرأ ولا تكتب.

"قَوْلُهُ تَعَالَى:  { وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ} أَيْ أَنَّهُ لَوْ أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَخَشَعَ لِوَعْدِهِ وَتَصَدَّعَ لِوَعِيدِهِ، وَأَنْتُمْ أَيُّهَا الْمَقْهُورُونَ بِإِعْجَازِهِ لَا تَرْغَبُونَ فِي وَعْدِهِ، وَلَا تَرْهَبُونَ مِنْ وَعِيدِهِ."

يعني تقرءون ما يبهر العقول من إعجاز هذا القرآن وتتعجبون من قوة هذا الإعجاز ثم بعد ذلك لا تتأثرون هذا لا شك أنها قسوة في القلب فليراجع الإنسان نفسه يعني الذي لا يجد قلبه وحضور القلب عند قراءة القرآن أو في الذكر أو في الصلاة هذا يجزم بأن الباب مغلق والعلاج في السعي في فتحه.

"وَقِيلَ: الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ; أَيْ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ يَا مُحَمَّدُ عَلَى جَبَلٍ لَمَا ثَبَتَ، وَتَصَدَّعَ مِنْ نُزُولِهِ عَلَيْهِ; وَقَدْ أَنْزَلْنَاهُ عَلَيْكَ وَثَبَّتْنَاكَ لَهُ; فَيَكُونُ ذَلِكَ امْتِنَانًا عَلَيْهِ أَنْ ثَبَّتَهُ لِمَا لَا تَثْبُتُ لَهُ الْجِبَالُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ خِطَابٌ لِلْأُمَّةِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ أَنْذَرَ بِهَذَا الْقُرْآنِ الْجِبَالَ لَتَصَدَّعَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ. وَالْإِنْسَانُ أَقَلُّ قُوَّةً وَأَكْثَرُ ثَبَاتًا; فَهُوَ يَقُومُ بِحَقِّهِ إِنْ أَطَاعَ، وَيَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ إِنْ عَصَى; لِأَنَّهُ مَوْعُودٌ بِالثَّوَابِ، وَمَزْجُورٌ بِالْعِقَاب. قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ :عَالِمُ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَة. وَقِيلَ: مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ. وَقَالَ سَهْل: عَالِمٌ بِالْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا. وَقِيلَ: الْغَيْبُ مَا لَمْ يَعْلَمُ الْعِبَادُ وَلَا عَايَنُوهُ. وَالشَّهَادَةُ مَا عَلِمُوا وَشَاهَدُوا." 

عالم بالآخرة والدنيا لا شك أن الآخرة قبل قيام الساعة من عالم الغيب والدنيا من عالم الشهادة والأمثلة على هذا كثيرة جدًا.

"{هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ}  أَيِ الْمُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، وَالطَّاهِرُ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ. وَالْقَدَسُ (بِالتَّحْرِيكِ): السَّطْلُ بِلُغَةِ أَهْلِ الْحِجَاز؛ لِأَنَّهُ يُتَطَهَّرُ بِهِ. وَمِنْهُ الْقَادُوسُ لِوَاحِدِ الْأَوَانِي الَّتِي يُسْتَخْرَجُ بِهَا الْمَاءُ مِنَ الْبِئْرِ بِالسَّانِيَةِ. وَكَانَ سِيبَوَيْهِ يَقُولُ: قَدُّوسٌ وَسَبُّوحٌ; بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا. وَحَكَى أَبُو حَاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ أَنَّهُ سَمِعَ عِنْدَ الْكِسَائِيِّ أَعْرَابِيًّا فَصِيحًا يُكْنَى أَبَا الدِّينَارِ يَقْرَأُ "الْقَدُّوسَ" بِفَتْحِ الْقَافِ. قَالَ ثَعْلَب: كُلُّ اسْمٍ عَلَى فَعُّولٍ فَهُوَ مَفْتُوحُ الْأَوَّلِ; مِثْلَ سَفُّودٍ وَكَلُّوبٍ وَتَنُّورٍ وَسَمُّورٍ وَشَبُّوطٍ، إِلَّا السُّبُّوحَ وَالْقُدُّوسَ فَإِنَّ الضَّمَّ فِيهِمَا أَكْثَرُ; وَقَدْ يُفْتَحَانِ. وَكَذَلِكَ الذُّرُّوحُ (بِالضَّمِّ) وَقَدْ يُفْتَح. { السَّلَامُ} أَيْ ذُو السَّلَامَةِ مِنَ النَّقَائِصِ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيّ:  اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ.. ."

في الحاشية فسر هذه الألفاظ الغريبة: السفود مثلا: حديدة يشوى عليها اللحم، والجمع سفافيد. والكلوب: حديدة معطوفة كالخطاف واحدة الكلاليب التي تستعمل لجر الأشياء البعيدة. والتنور: الكانون يخبز فيه. والسمور: حيوان بري يشبه السنور يتخذ من جلده فراء ثمينة للينها وخفتها وادفائها وحسنها. والشبوط: سمك رقيق الذنب عريض الوسط لين المس صغير الرأس. والجمع شبابيط. الذروح: دويبة حمراء منقطة بسواد تطير، وهى من السموم القاتلة.

"وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيّ:  اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِنَا فِي اللَّهِ السَّلَامُ: النِّسْبَةُ، تَقْدِيرُهُ ذُو السَّلَامَةِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَرْجَمَةِ النِّسْبَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَال: الْأَوَّلُ: مَعْنَاهُ الَّذِي سَلِمَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَبَرِئَ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ." 

يعني كما قال ابن القيم رحمه الله: وهو السلام على الحقيقة سالم من كل ما عيب ومن نقصان.

"الثَّانِي: مَعْنَاهُ ذُو السَّلَامِ; أَيِ الْمُسَلِّمُ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْجَنَّةِ; كَمَا قَالَ : { سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ}.  الثَّالِثُ: أَنَّ مَعْنَاهُ الَّذِي سَلِمَ الْخَلْقُ مِنْ ظُلْمِه. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ; وَعَلَيْهِ وَالَّذِي قَبْلَهُ يَكُونُ صِفَةَ فِعْلٍ. وَعَلَى أَنَّهُ الْبَرِيءُ مِنَ الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِصِ يَكُونُ صِفَةَ ذَاتٍ.  وَقِيلَ: السَّلَامُ مَعْنَاهُ الْمُسَلِّمُ لِعِبَادِه.  {الْمُؤْمِنُ} أَيِ الْمُصَدِّقُ لِرُسُلِهِ بِإِظْهَارِ مُعْجِزَاتِهِ عَلَيْهِمْ وَمُصَدِّقُ الْمُؤْمِنِينَ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنَ الثَّوَابِ وَمُصَدِّقُ الْكَافِرِينَ مَا أَوْعَدَهُمْ مِنَ الْعِقَابِ. وَقِيلَ: الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُؤْمِنُ أَوْلِيَاءَهُ مِنْ عَذَابِهِ وَيُؤْمِنُ عِبَادَهُ مِنْ ظُلْمِهِ; يُقَالُ: آمَنَهُ مِنَ الْأَمَانِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْخَوْفِ; كَمَا قَالَ تَعَالَى :{ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} فَهُوَ مُؤْمِنٌ; قَالَ النَّابِغَةُ :

وَالْمُؤْمِنُ الْعَائِذَاتِ الطَّيْرَ يَمْسَحُهَا رُكْبَانُ مَكَّةَ بَيْنَ الْغِيلِ وَالسَّنَدِ

وَقَالَ مُجَاهِدٌ :الْمُؤْمِنُ الَّذِي وَحَّدَ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ:{ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُخْرِجَ أَهْلُ التَّوْحِيدِ مِنَ النَّارِ. وَأَوَّلُ مَنْ يَخْرُجُ مَنْ وَافَقَ اسْمُهُ اسْمَ نَبِيٍّ،  حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ فِيهَا مَنْ يُوَافِقُ اسْمُهُ اسْمَ نَبِيٍّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِبَاقِيهِم: أَنْتُمُ الْمُسْلِمُونَ وَأَنَا السَّلَامُ،  وَأَنْتُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَنَا الْمُؤْمِنُ،  فَيُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ بِبَرَكَةِ هَذَيْنَ الِاسْمَيْنِ. {الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ} ."

مخرج؟ يعني هذا له حكم الرفع. هذا له حكم الرفع وينبغي أن يخرج لكن العلامات عليه ظاهرة أنه لا أصل له.

"{الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ} تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْمُهَيْمِنِ فِي الْمَائِدَةِ، وَفِي الْعَزِيزِ فِي غَيْرِ مَوْضِع. {الْجَبَّارُ} قَالَ ابْنُ عَبَّاس: هُوَ الْعَظِيمُ. وَجَبَرُوتُ اللَّهِ عَظَمَتُه. وَهُوَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ صِفَةُ ذَاتٍ، مِنْ قَوْلِهِمْ: نَخْلَةٌ جَبَّارَةٌ. قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ :

            سَوَامِقُ جَبَّارٍ أَثِيثٌ فُرُوعُهُ        وَعَالِينَ قِنْوَانًا مِنَ الْبُسْرِ أَحْمَرَا

يَعْنِي النَّخْلَةَ الَّتِي فَاتَتِ الْيَدَ ."

يعني فاتت اليد لا تستطيع اليد أن تنالها إلا بسلم.

"فَكَانَ هَذَا الِاسْمُ يَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ اللَّهِ وَتَقْدِيسِهِ عَنْ أَنْ تَنَالَهُ النَّقَائِصُ وَصِفَاتُ الْحَدَثِ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْجَبْرِ وَهُوَ الْإِصْلَاحُ، يُقَالُ: جَبَرْتُ الْعَظْمَ فَجَبَرَ، إِذَا أَصْلَحْتُهُ بَعْدَ الْكَسْرِ، فَهُوَ فَعَّالٌ مِنْ جَبَرَ إِذَا أَصْلَحَ الْكَسِيرَ وَأَغْنَى الْفَقِيرَ. وَقَالَ الْفَرَّاء: هُوَ مِنْ أَجْبَرَهُ عَلَى الْأَمْرِ أَيْ قَهَرَهُ. قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْ فَعَّالًا مِنْ أَفْعَلَ إِلَّا فِي جَبَّارٍ وَدَرَّاكٍ مِنْ أَدْرَكَ. وَقِيلَ: الْجَبَّارُ الَّذِي لَا تُطَاقُ سَطْوَتُه."

 على كل حال هو فعال صيغة مبالغة إما من الجبر للكسر أو من الجبروت والعظمة والكبر.

{الْمُتَكَبِّر} الَّذِي تَكَبَّرَ بِرُبُوبِيَّتِهِ فَلَا شَيْءَ مِثْلَهُ. وَقِيلَ: الْمُتَكَبِّرُ عَنْ كُلِّ سُوءٍ الْمُتَعَظِّمُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ صِفَاتِ الْحَدَثِ وَالذَّمِّ. وَأَصْلُ الْكِبْرِ وَالْكِبْرِيَاءِ الِامْتِنَاعُ وَقِلَّةُ الِانْقِيَادِ. وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ :

    عَفَتْ مِثْلَ مَا يَعْفُو الْفَصِيلُ فَأَصْبَحَتْ        بِهَا كِبْرِيَاءُ الصَّعْبِ وَهِيَ ذَلُولُ

وَالْكِبْرِيَاءُ فِي صِفَاتِ اللَّهِ مَدْحٌ، وَفِي صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ ذَمّ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ :« الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَصَمْتُهُ ثُمَّ قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ».  وَقِيلَ: الْمُتَكَبِّرُ مَعْنَاهُ الْعَالِي. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْكَبِيرُ لِأَنَّهُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّفَ كِبْرًا. وَقَدْ يُقَالُ: تَظَلَّمَ بِمَعْنَى ظَلَمَ، وَتَشَتَّمَ بِمَعْنَى شَتَمَ، وَاسْتَقَرَّ بِمَعْنَى قَرَّ. كَذَلِكَ الْمُتَكَبِّرُ بِمَعْنَى الْكَبِيرِ. وَلَيْسَ كَمَا يُوصَفُ بِهِ الْمَخْلُوقُ إِذَا وُصِفَ بِتَفَعَّلَ إِذَا نُسِبَ إِلَى مَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ فَقَالَ :{ سُبْحَانَ اللَّهِ} أَيْ تَنْزِيهًا لِجَلَالَتِهِ وَعَظَمَتِهِ {عَمَّا يُشْرِكُونَ}."

يعني من صفات الرب جل وعلا ما للمخلوق أن يتشبه بها ومن صفات الله جل وعلا ما لا يجوز للمخلوق أن يتشبه به. فإذا جاء ذم هذه الصفة بالنسبة للمخلوق لا يجوز له أن تشبه بها كالكبر والجبروت وأما الرحمة والرأفة وغيرهما من الصفات الممدوحة بالنسبة للمخلوق وهى من صفات الخالق فهي صفات مشتركة صفات مشتركة بين الخالق والمخلوق.

على ما يليق بجلاله وعظمته...

"قَوْلُهُ تَعَالَى : {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} الْخَالِقُ هُنَا الْمُقَدِّرُ. وَالْبَارِئُ الْمُنْشِئُ الْمُخْتَرِعُ. وَالْمُصَوِّرُ مُصَوِّرُ الصُّوَرِ وَمُرَكِّبُهَا عَلَى هَيْئَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. فَالتَّصْوِيرُ مُرَتَّبٌ عَلَى الْخَلْقِ وَالْبَرَايَةِ وَتَابِعٌ لَهُمَا. وَمَعْنَى التَّصْوِيرِ التَّخْطِيطُ وَالتَّشْكِيلُ.  وَخَلَقَ اللَّهُ الْإِنْسَانَ فِي أَرْحَامِ الْأُمَّهَاتِ ثَلَاثَ خِلَق: جَعَلَهُ عَلَقَةً، ثُمَّ مُضْغَةً، ثُمَّ جَعَلَهُ صُورَةً وَهُوَ التَّشْكِيلُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ صُورَةً وَهَيْئَةً يُعْرَفُ بِهَا وَيَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ بِسِمَتِهَا . { فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} . وَقَالَ النَّابِغَةُ :

الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ فِي الأَرْحَامِ مَاءً حَتَّى يَصِيرَ دَمًا

وَقَدْ جَعَلَ بَعْضُ النَّاسِ الْخَلْقَ بِمَعْنَى التَّصْوِيرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا التَّصْوِيرُ آخِرًا وَالتَّقْدِيرُ أَوَّلًا وَالْبَرَايَةُ بَيْنَهُمَا. وَمِنْهُ قَوْلُهُ الْحَقّ: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ}. وَقَالَ زُهَيْرٌ :

وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي

يَقُولُ: تُقَدِّرُ مَا تُقَدِّرُ ثُمَّ تَفْرِيهِ، أَيْ تُمْضِيهِ عَلَى وَفْقِ تَقْدِيرِكَ، وَغَيْرُكَ يُقَدِّرُ مَا لَا يَتِمُّ لَهُ وَلَا يَقَعُ فِيهِ مُرَادُهُ، إِمَّا لِقُصُورِهِ فِي تَصَوُّرِ تَقْدِيرِهِ أَوْ لِعَجْزِهِ عَنْ تَمَامِ مُرَادِهِ. وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى هَذَا كُلِّهِ فِي  الْكِتَابِ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى  وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. وَعَنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ أَنَّهُ قَرَأَ " الْبَارِئُ الْمُصَوَّرَ " بِفَتْحِ الْوَاوِ وَنَصْبِ الرَّاءِ،  أَيِ الَّذِي يَبْرَأُ الْمُصَوَّرَ أَيْ يُمَيِّزُ مَا يُصَوِّرُهُ بِتَفَاوُتِ الْهَيْئَاتِ. ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيّ.  {لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ خَلِيلِي أَبَا الْقَاسِمِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم..."

البارئ المصور يعني الذي يبرأ ما صوره أو يصور ما برأه.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ خَلِيلِي أَبَا الْقَاسِمِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ اسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَم، فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، عَلَيْكَ بِآخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ فَأَكْثِرْ قِرَاءَتَهَا» فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ فَأَعَادَ عَلَيَّ، فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ فَأَعَادَ عَلَيَّ ".

تخريجه؟

خبر ضعيف على كل حال.

 "وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ : إِنَّ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمِ هُوَ اللَّهُ لِمَكَانِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْحَشْرِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّر»."

 لكنه ضعيف.

"عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:  « مَنْ قَرَأَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْحَشْرِ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَقَبَضَهُ اللَّهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَوْ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ الْجَنَّة»."

وهذا كسابقيه.

طالب: .........

شديد الضعف.