التعليق على الموافقات (1430) - 11

عنوان الدرس: 
التعليق على الموافقات (1430) - 11
عنوان السلسلة: 
التعليق على الموافقات
تاريخ النشر: 
الأربعاء, 28 جمادى الأول, 1439 - 10:15

سماع الدرس


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله  وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:

فيقول المؤلف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: كُلُّ مَا ثَبَتَ فِيهِ اعْتِبَارُ التَّعَبُّدِ؛ فَلَا تَفْرِيعَ فِيهِ".

يعني لا قياس عليه، إذا كانت علته غير معقولة، إنما هو تعبدٌ محض فلا قياس فيه، لا تفريع عليه، من هنا يقولون: العبادات لا يدخلها القياس، أما ما كانت العلة فيه معقولة، وإن كان فيه شوب تعبد، لكن الأصل فيه اعتبار المعنى فإنه فيه القياس.

"وَكُلُّ مَا ثَبَتَ فِيهِ اعْتِبَارُ الْمَعَانِي دُونَ التَّعَبُّدِ؛ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنِ اعْتِبَارِ التَّعَبُّدِ؛ لِأَوْجُهٍ".

لا بد من اعتبار التعبد، حتى في الأمور المباحات، حتى في الأمور العاديات، في أمور الدنيا، في الحرف، في الصناعات، كلها فيها شوب تعبد، فمن قصد بها وجه الله وامتثال الأمر واجتناب النهي، فهذا متعبد لله -جلَّ وعلا-، وإن كان يعاشر زوجته، هذا فيه تعبد، وهكذا. نعم.

"أَحَدُهَا: أَنَّ مَعْنَى الِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ لَازِمٌ لِلْمُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُكَلَّفٌ، عَرَفَ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ شُرِعَ الْحُكْمُ أَوْ لَمْ يَعْرِفْهُ، بِخِلَافِ اعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ، فَإِنَّهُ عَبْدٌ مُكَلَّفٌ، فَإِذَا أَمَرَهُ سَيِّدُهُ لَزِمَهُ امْتِثَالُ أَمْرِهِ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، بِخِلَافِ الْمَصْلَحَةِ؛ فَإِنَّ اعْتِبَارَهَا غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ عَبْدٌ مُكَلَّفٌ عَلَى رَأْيِ الْمُحَقِّقِينَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ..".

لأنه قد يؤمر بشيء لا مصلحة له فيه، هذا باعتبار تصرفات المخلوقين، السيد يأمر عبده بما فيه مصلحته هو، بما فيه مصلحة السيد، وإن نظرنا من بُعد قلنا: إن فيها مصلحة للعبد لامتثال أمر السيد يترتب عليه القوامة عليه، امتثال أمر الزوج بالنسبة للزوجة يترتب عليها النفقة والسكنى وغير ذلك مما يجب لها، لكن لو عصت ونشزت فما تستحق شيئًا من هذا، فاعتبار أنها مصلحة بالدرجة الأولى للآمر، للسيد أو للزوج أو الأب، فيها أيضًا اعتبار مصلحة للمأمور.

ولو لم يكن من مصلحة المأمور إلا أنه ينجو من...، لو أمره ظالم بفعل شيء، ولا يدفع له أي بدل، لا ينفق عليه، ولا يعطيه راتبًا، ولا أي شيء، ولا مكافأة، لو لم يكن من مصلحته إلا أنه ينجو من ظلمه، امتثال أمره ينجو من ظلمه، فالمصالح معتبرة من كل وجه، سواء كان ذلك الآمر أو المأمور، يعني سواءً كانت المصلحة موجبة قد تكون مصلحة سالبة، يعني بدلاً من أن يأمره فيعطيه مقابل هذا الأمر إذا امتثل، على كل الأحوال ينجو من ظلمه، وهذه مصحلة بحد ذاتها.

"وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَالتَّعَبُّدُ لَازِمٌ لَا خِيَرَةَ فِيهِ، وَاعْتِبَارُ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ الْخِيَرَةُ، وَمَا فِيهِ الْخِيَرَةُ يَصِحُّ تَخَلُّفُهُ عَقْلًا، وإذا وقع الأمر وَالنَّهْيُ شَرْعًا لَمْ يَصِحَّ تَخَلُّفُهُمَا عَقْلًا فَإِنَّهُ مُحَالٌ، فَالتَّعَبُّدُ بِالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ لَازِمٌ بِإِطْلَاقٍ".

أما الأوامر الشرعية والنواهي الشرعية فلا شك أنها عين المصالح، لا خير إلا جاء بالشرع، ولا شر إلا حذر منه الشرع، مصالح على كل وجه.

"فَالتَّعَبُّدُ بِالِاقْتِضَاءِ" إما أمر أو نهي، "أَوِ التَّخْيِيرِ" على استواء الطرفين، يعنون به المباح، ليدخل المباح في الحكم، الحكم الشرعي فيه اقتضاء أو تخيير.

والاقتضاء إما اقتضاء إيجاد فعلٍ بالأمر سواءً كان على سبيل الإلزام أو الإيجاب أو الاستحباب، أو على سبيل الترك والنهي سواءً كان على سبيل الإلزام في المحرم أو لا في المكروه أو التخيير مستوي الطرفين، وتميم لهذه القسمة يدخلون المباح في الأحكام، وسبق في أوائل الكتاب ذكر الخلاف في المباح، هل هو حكم أو ليس بحكم؟

"وَاعْتِبَارُ الْمَصَالِحِ غَيْرُ لَازِمٍ بِإِطْلَاقٍ؛ خِلَافًا لِمَنْ أَلْزَمَ اللُّطْفَ وَالْأَصْلَحَ".

"وَاعْتِبَارُ الْمَصَالِحِ غَيْرُ لَازِمٍ بِإِطْلَاقٍ؛ خِلَافًا لِمَنْ أَلْزَمَ اللُّطْفَ وَالْأَصْلَحَ" يعني المعتزلة يوجبون على الله -جلَّ وعلا- فعل الأصلح، وهذا لا شك أن ما فعله وما أوجبه على نفسه وما حرمه على نفسه كالظلم، هذا كله من فضله -جلَّ وعلا-، وإلا فلا أحد يلزمه لا بفعل ولا بترك، إنما من لطفه -جلَّ وعلا- بعباده وإحسانه إليهم.

"وَأَيْضًا؛ فَإِنَّهُ لَازِمٌ عَلَى رَأْيِ مَنْ أَلْزَمَ الْأَصْلَحَ وَقَالَ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ؛ فَإِنَّ السَّيِّدَ إِذَا أَمَرَ عَبْدَهُ لِأَجْلِ مَصْلَحَةٍ هِيَ...".

هذه المسائل تتباين فيها المذاهب:

فالمعتزلة يلزمون بالأصلح، ويقولون بأن الحسن والقبح لازم لكل تصرف عقلاً.

والأشاعرة ينفون هذا كله، لا يقولون بالتحسين والتقبيح.

وأما أهل السنة فتوسطوا في ذلك، فيقولون: كل ما جاء به الشرع فهو حسن ومعروف، وكل ما نهى عنه الشرع فهو منكر، سواء كان اليوم مأمورًا به أو مباحًا، ثم نُسخ هذا الأمر ثم كان محذورًا.

ففي وقت إباحته والأمر به حسن، ثم لمَّا نُهي عنه صار قبيحًا، تحولت ذاته من حسنة إلى قبيحة، وفي سبيل ذلك: أكل لحوم الحُمُر، كانت مباحة، ثم نُهي عنها، فصارت مُحرمة، كانت طيبة، ثم صارت خبيثة. {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157].

"فَإِنَّ السَّيِّدَ إِذَا أَمَرَ عَبْدَهُ لِأَجْلِ مَصْلَحَةٍ هِيَ عِلَّةُ الْأَمْرِ بِالْعَقْلِ، يَلْزَمُ الِامْتِثَالَ مِنْ حَيْثُ مُجَرَّدِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ مُخَالَفَتَهُ قَبِيحَةٌ، وَمِنْ جِهَةِ اعْتِبَارِ الْمَصْلَحَةِ أَيْضًا، فَإِنَّ تَحْصِيلَهَا وَاجِبٌ عَقْلًا بِالْفَرْضِ".

"بالفرض" يعني على فرض وجوده فهو واجبٌ عقلاً، لا يلزم أن يكون واجبًا شرعًا، لكنه واجب عقلاً.

"فَالْأَمْرَانِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ لَازِمَانِ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ مِنْهُمْ: إِنَّ مُخَالَفَةَ الْعَبْدِ أَمْرَ سَيِّدِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْمَصْلَحَةِ غَيْرُ قَبِيحٍ، بَلْ هُوَ قَبِيحٌ عَلَى رَأْيِهِمْ، وَهُوَ مَعْنَى لُزُومِ التَّعَبُّدِ".

نعم مخالفة الأمر قبيحة على أي حال، سواء أدرك المصلحة أو لم يدرك، فمخالفة الأمر قبيحة، سواء كانت من الإله المالك المتصرف، وهذه أقبح المعاصي، أو من الأب الذي حقه مقرون بحق الله -جلَّ وعلا- والأم، أو من السيد أو من الكبير إلى الصغير، كل هذا من القبائح، والله المستعان.

"وَالثَّانِي: أَنَّا إِذَا فَهِمْنَا بِالِاقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ حِكْمَةً مُسْتَقِلَّةً فِي شَرْعِ الْحُكْمِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّ حِكْمَةٌ أُخْرَى وَمَصْلَحَةٌ ثَانِيَةٌ وَثَالِثَةٌ وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ".

قد يوجد الحكم الشرعي الواحد حِكَمًا ومصالح كثيرة ومتعددة، يذكر بعضهم شيئًا منها، ويذكر الآخر شيئًا آخر، والثالث وهكذا، ثم تجتمع في النهاية في عشرة أشياء أو أكثر، وهذا موجود في كثيرٍ من الأحكام، يعني الحكم من التشريع الأحكام الشرعية متعددة، وشيء يُدرك وشيء لا يُدرك، وقد تكشف الأيام أسرارًا وحِكَمًا ما اكتشفها السابقون.

"وَغَايَتُنَا أَنَّا فَهِمْنَا مَصْلَحَةً دُنْيَوِيَّةً تَصْلُحُ أَنْ تَسْتَقِلَّ بِشَرْعِيَّةِ الْحُكْمِ، فَاعْتَبَرْنَاهَا بِحُكْمِ الْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ، وَلَمْ نَعْلَمْ حَصْرَ الْمَصْلَحَةِ وَالْحُكْمِ بِمُقْتَضَاهَا فِي ذَلِكَ الَّذِي ظَهَرَ".

كثير من أهل العلم قد يدرك حِكَمًا كثيرة على العمل الواحد، لكنه يقتصر على أوضحها وأظهرها، ويترك الباقي مع علمه به، وبعضهم يخفى عليه هذا، ويقتصر على الأظهر، وبعضهم يخفى عليه الأظهر ويقتصر على غيره.

المقصود: أن مدارك الناس تتفاوت، وأسرار الشريعة لا يمكن الإحاطة بها.

طالب: ........

مصلحة دنيوية أن تستقل بشرعية الحكم يعني بحكمة مشروعيته، قد يكون الحكم معللًا بعلة واحدة، وقد يكون معللًا بأكثر من علة، وقد تكون العلة مفردة، وقد تكون العلة مركبة، فلا يستقل أحد جزئي المركب بالحكم.

مثلاً: النهي عن أكل الثوم والبصل، هل هو نهي مطلق؟

طالب: لا.

لما سُئل النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أحرام هو؟ قال: «أنا لا أحرم ما أحل الله» فهو حلال، لكن من أراد الصلاة في المسجد فلا يجوز له أن يقرب هاتين الشجرتين، لكن لو أراد الصلاة خارج المسجد، جزء علة، ولو أراد أن يدخل المسجد من غير صلاة جزء علة، فلا تستقل هذه ولا هذه، لا بد من وجود العلتين.

وعلى هذا: إذا تركبت العلة من الجزئين في فرعٍ من الفروع، توجد في فرعٍ من الفروع، يوجد هذان الجزآن؛ قلنا بإلحاقه به، لكن إذا انضم وانضاف إلى العلل الشرعية علة يمكن أن تستقل بالحكم من جهةٍ أخرى مُنِع مطلقًا، كالدخان مثلاً، يُمنع؛ لرائحته، يمنع؛ لإرادة الصلاة، يمنع؛ لدخول المسجد، ويمنع؛ للضرر، فالضرر هذه علة مستقلة بالحكم بتحريمه مطلقًا، وإذا أراد أن يصلي مع الجماعة ازداد الحكم، وفي المسجد يزداد الحكم.

"وَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَنَا بِذَلِكَ عِلْمٌ وَلَا ظَنٌّ، لَمْ يَصِحَّ لَنَا الْقَطْعُ بِأَنَّ لَا مَصْلَحَةَ لِلْحُكْمِ إِلَّا مَا ظَهَرَ لَنَا".

يعني كثير من الأمور تعبد، يعني ما ظهر لنا لا حكمة ولا مصلحة، لكن لا يلزم أن نجزم بأنه لا علة ولا حكمة ولا مصلحة، قد يكتشف غيرنا ما يخفى علينا.

"إِذْ هُوَ قَطْعٌ عَلَى غَيْبٍ بِلَا دَلِيلٍ، وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، فَقَدْ بَقِيَ لَنَا إِمْكَانُ حِكْمَةٍ أُخْرَى شُرِعَ لَهَا الْحُكْمُ، فَصِرْنَا مِنْ تِلْكَ الجهة واقفين مع التعبد.

فَإِنْ قِيلَ: لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمْ نقضِ بِالتَّعَدِّي عَلَى حَالٍ".

يعني بالقياس، إذا كان كل الأفعال وكل الأحكام فيها شوب تعبد فلماذا نقول بالقياس؟ نقول بالقياس إذا توافرت أركانه، واجتمعت أسبابه من أصل وفرع وعلة توجد في الفرع كوجودها في الأصل فإننا نقيس، وحجة من ينفي القياس يقول: هذا تعبد، كل هذه الأمور تعبدية، نتعبد الله -جلَّ وعلا- مما شرع لنا، فلا يجوز لنا أن نشرع غير ما شرع الله.

"فَإِنَّا إِذَا جَوَّزْنَا وُجُودَ حِكْمَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ أُخْرَى، لَمْ نَجْزِمْ بِأَنَّ الْحُكْمَ لَهَا فَقَطْ؛ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ جُزْءَ علة، أو لجواز خلو الْفَرْعِ عَنْ تِلْكَ الْحِكْمَةِ الَّتِي جَهِلْنَاهَا، وَإِنْ وُجِدَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ الَّتِي عَلِمْنَاهَا، فَإِذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ الْإِلْحَاقُ وَالتَّفْرِيعُ حَتَّى نَتَحَقَّقَ أَنْ لَا عِلَّةَ سِوَى مَا ظَهَرَ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ لَا سَبِيلَ إِلَى الْقِيَاسِ وَلَا الْقَضَاءِ بِأَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ مَشْرُوعٌ لِتِلْكَ الْعِلَّةِ".

لأنه ما من علة وحكمة تَبِيْن للمجتهد في حكم من الأحكام إلا ويقول فيها من يمنع القياس قد توجد علة أخرى، وحينئذٍ يكون ما ذكرتموه جزء علة، لا يستقل بالتشريع، فيُمنع القياس من أجله، فيُمنع القياس من أجل ذلك؛ لأنه احتمال أن يكون هذا جزء علة وليس بعلة، وهناك علل أخرى إذا تركبت مجموع العلل صاغ القياس، من أين لكم أن تجزموا بأنه لا حكمة إلا ما ذكرتم؟

"فَالْجَوَابُ أَنَّ الْقَضَاءَ بِالتَّعَدِّي لَا يُنَافِي جَوَازَ التَّعَبُّدِ".

القضاء بالقياس تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع لا ينافي جواز التعبد، وقلنا: إن التعبد لازم في كل تصرفات المُكلَّف: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162] تصرفات المُكلَّف كلها تعبد، ومُعطى ومحروم، من الناس من لا يتصور هذا التعبد فيُحرم أجره، ومن الناس من يتصور وينوي التقوي، حتى بالمباحات على طاعة الله فتكون عبادات يؤجر عليها.

"لِأَنَّ الْقِيَاسَ قَدْ صَحَّ كَوْنُهُ دَلِيلًا شَرْعِيًّا، وَلَا يَكُونُ شَرْعِيًّا إِلَّا عَلَى وَجْهٍ نَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ عَادَةً".

جاءت الأدلة الدالة على صحة القياس، والعمل بالقياس، وجاءت به النصوص الكثيرة، النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قاس، قاس الولد على الإبل، «هل فيها من أورق؟» قال: نعم، إن فيها الأورق، قال: «ما الذي جعله كذلك؟» قال: لعل نزعه عرق، فقال: «ولدك لعل نزعه عرق». هذا قياس، وأدلة أخرى تدل على ثبوت القياس في الشرع، وإذا كان الأمر ثابتًا فلا يمكن أن يحال على شيءٍ مستحيل، لأنه مقتضى قولنا: أنكم عرفتم علة، وقد لا تكون مستقلة بالحكم، بل يجوز علة لا بد أن ينضاف إليها علل أخرى وأنتم لا يمكن إحاطتكم بجميع العلل، إذًا لا يمكن القول بالقياس في التعدي.

نقول: ما دام الشرع جاء به، فالشرع لا يأتي بالمستحيل، لا يأتي بالمستحيل إلا يأتي بما يمكن تحقيقه.

"وَلَا يَكُونُ شَرْعِيًّا إِلَّا عَلَى وَجْهٍ نَقْدِرُ عَلَى الْوَفَاءِ بِهِ عَادَةً؛ وَذَلِكَ إِذَا ظَهَرَ لَنَا عِلَّةٌ تَصْلُحُ لِلِاسْتِقْلَالِ بِشَرْعِيَّةِ الْحُكْمِ، وَلَمْ نُكَلَّفْ أَنْ نَنْفِيَ مَا عداها".

نعم، إذا أدركنا العلة وطردنا القياس فيها، لا يلزم أن نقول: لا علة غير هذه العلة، ولا حكمة غير هذه الحكمة.

"فَإِنَّ الْأُصُولِيِّينَ مِمَّا يُجَوِّزُونَ كَوْنَ الْعِلَّةِ خِلَافَ مَا ظَهَرَ لَهُمْ، أَوْ كَوْنَ ذَلِكَ الظَّاهِرِ جُزْءَ عِلَّةٍ لَا عِلَّةً كَامِلَةً، لَكِنْ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِأَنَّ مَا ظَهَرَ مُسْتَقِلٌّ بالعلِّية، أَوْ صَالِحٌ لِكَوْنِهِ عِلَّةً، كافٍ فِي تَعَدِّي الْحُكْمِ بِهِ.

وَأَيْضًا فَقَدَ أَجَازَ الْجُمْهُورُ تَعْلِيلَ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِأَكْثَرِ مِنْ عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَكُلٌّ مِنْهَا مُسْتَقِلٌّ، وَجَمِيعُهَا مَعْلُومٌ، فَنُعَلِّلُ بِإِحْدَاهَا مَعَ الْإِعْرَاضِ عَنِ الْأُخْرَى وَبِالْعَكْسِ، وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الْقِيَاسَ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ الْأُخْرَى فِي الْفَرْعِ أَوْ لَا تَكُونَ فِيهِ، وَإِذَا لَمْ يُمْنَعْ ذَلِكَ فِيمَا ظَهَرَ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يُمْنَعَ فِيمَا لَمْ يَظْهَرْ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، لَمْ يبقَ لِلسُّؤَالِ مَوْرِدٌ، فَالظَّاهِرُ هُوَ الْمَبْنِيُّ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ، وَلَا عَلَيْنَا".

لا يلزم أن نقطع بأن هذه العلة لا يوجد غيرها، لكن إذا غلب على ظننا أن هذه هي العلة التي شُرع من أجلها الحكم وجعلناها هي الجامع بين الأصل والفرع الذي نريد القياس على أصله، كفى، ويكفي في ذلك غلبة الظن، ثم إن ظهر ما هو أوضح من هذه العلة مما يقتضي قياس أمرٍ آخر عليه قلنا به، ومن ذلك قياس الشبه مثلاً، تردد فرع بين أصلين، يعني بعض العلماء يظهر له أن العبد بالإنسان أليق، ومنهم من يظهر له أن العبد بالحيوان أقرب، من حيث الأحكام الشرعية، فهل يقاس على هذا أو هذا؟ هذا قياس الشبه، تردد الفرع بين أصلين، فكون هذا العالم يترجَّح عنده من وجوه الشبه بينه وبين الإنسان فيقيسه عليه أو يقيسه على الحيوان، ليس معنى أن يقاس على الحيوان بمعنى أنه خلاص ينقلب حيوانًا حقوقه حقوق حيوان، لا، هو إنسان على أي حال، لكن كيف يُتعامل معه ومنافعه مملوكة لغيره كالدابة؟ هذه مسألة تحتاج إلى مزيد عناية.

"وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمَصَالِحَ فِي التَّكْلِيفِ ظَهَرَ لَنَا مِنَ الشَّارِعِ أَنَّهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: مَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ بِمَسَالِكِهِ الْمَعْرُوفَةِ، كَالْإِجْمَاعِ، وَالنَّصِّ، وَالْإِشَارَةِ".

يعني مسالك العلة المعروفة المذكورة في كتب الأصول: الإجماع أن يُجمع على أن هذه هي العلة التي من أجله شُرع، وهذا قطعي، والنص أنها ليست بنجس، من الطوافين، هذا نص على أن هذه هي العلة، فكل ما يتصف بالطوافة يقاس على الهر في طهارة سؤره؛ ولذا يقول أهل العلم: "وسؤر الهرة مما دونها في الخلقة طاهر"؛ لأن هذا لا يمكن التحرز منه؛ لأنه يطوف في البيوت، ولا يمكن، مع دونها في الهرة؛ لأن ما فوقها في الخِلْقة يمكن التحرز منه بالأغلاق والأبواب، لكن ما دونها في الخلقة ما يمكن التحرز منه، يتحرك وأنت ما تدري، هل يمكن أن تتحرز من فأرة مثلاً؟ ما يمكن، لكن ما أكبر من الهرة يمكن.

"كَالْإِجْمَاعِ، وَالنَّصِّ، وَالْإِشَارَةِ وَالسَّبْرِ، وَالْمُنَاسَبَةِ، وَغَيْرِهَا".

السَّبْر وهو ما يسمونه السبر والتقسيم أن يقال: تُجمع الاحتمالات كلها التي يمكن أن تكون علةً، العلة إما أن تكون كذا أو كذا أو كذا، السبر ثم التقسيم يأخذ بنفي: هذا لا يصلح لكذا، وهذا لا يصلح لكذا، وهذا لا يصلح لكذا، ثم يبقى واحدة أو اثنتان.

"وَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الظاهر الذي نُعَلِّلُ بِهِ، وَنَقُولُ: إِنَّ شَرْعِيَّةَ الْأَحْكَامِ لِأَجْلِهِ.

وَالثَّانِي: مَا لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ بِتِلْكَ الْمَسَالِكِ الْمَعْهُودَةِ".

هذا في باب الإلحاق والقياس، لكن في باب نفي الحكم وإثباته فيما يقوله أهل العلم: "الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا" هذه العلل منصوصة، لا العلل المستنبطة.

"وَالثَّانِي: مَا لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ بِتِلْكَ الْمَسَالِكِ الْمَعْهُودَةِ، وَلَا يُطَّلع عَلَيْهِ إِلَّا بِالْوَحْيِ، كَالْأَحْكَامِ الَّتِي أَخْبَرَ الشَّارِعُ فِيهَا أَنَّهَا أَسْبَابٌ لِلْخِصْبِ وَالسِّعَةِ وَقِيَامِ أُبَّهَةِ الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ الَّتِي أَخْبَرَ فِي مُخَالَفَتِهَا أَنَّهَا أَسْبَابُ الْعُقُوبَاتِ وَتَسْلِيطِ الْعَدُوِّ، وَقَذْفِ الرُّعْبِ، وَالْقَحْطِ، وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ الدُّنْيَوِيِّ وَالْأُخْرَوِيِّ".

هذه لا يمكن أن تُدرك بالرأي، ما يمكن أن يقول قائل: إن ترك الصلاة مثلاً سببٌ لنوع خاص من المرض، يعني من قال: ترك الصلاة يورث الجزام! هذا يحتاج إلى نص، أو غير ذلك من الذنوب والمعاصي، لكن جاء في نصوص أن من فعل كذا حصل له كذا.

"وَإِذَا كَانَ مَعْلُومًا مِنَ الشَّرِيعَةِ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ أَنَّ ثَمَّ مَصَالِحَ أُخَرَ غَيْرَ مَا يُدْرِكُهُ المكَلف، لَا يُقْدَرُ عَلَى اسْتِنْبَاطِهَا وَلَا عَلَى التَّعْدِيَةِ بِهَا فِي مَحَلٍّ آخَرَ؛ إِذْ لَا يُعْرَفُ كَوْنُ الْمَحَلِّ الْآخَرِ وَهُوَ الْفَرْعُ وُجِدَتْ فِيهِ تِلْكَ الْعِلَّةُ ألْبَتَّةَ، لَمْ يَكُنْ إِلَى اعْتِبَارِهَا فِي الْقِيَاسِ سبيل، فبقيت موقوفة على التعبد المحض؛ لأنه لَمْ يَظْهَرْ لِلْأَصْلِ الْمُعَلَّلِ بِهَا شَبِيهٌ إِلَّا مَا دَخَلَ تَحْتَ الْإِطْلَاقِ أَوِ الْعُمُومِ الْمُعَلَّلِ، ذَاكَ يَكُونُ أَخْذُ الْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ بِهَا مُتَعَبَّدًا بِهِ، وَمَعْنَى التَّعَبُّدِ بِهِ الْوُقُوفُ عِنْدَ مَا حَدَّ الشَّارِعُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ".

لا يمكن أن تقيس شخصًا لم تره على شخص رأيته، إلا لو قيل لك: إنه يشبه فلانًا، إن قيل لك إنه يشبه فلانًا عرفت أنه طويل أو قصير أو أسمر أو أبيض أو غير ذلك، لكن مادام ما عرفته ولا رأيته ولا شُبه لك بأحد، فإنك لن تستطيع أن تدرك شيئًا من أوصافه، نعم قد تدرك الإجمال، تدرك أنه إنسان، يقف على رجلين، وله يدان، هذا الأصل فيه، إلا لو قيل لك: إنه يشبه فلانًا المقعد، فأنت تخرج على هذا الأصل من أجل القياس.

"وَالرَّابِعُ: أَنَّ السَّائِلَ إِذَا قَالَ لِلْحَاكِمِ: لِمَ لَا تَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ؟ فَأَجَابَ بِأَنِّي نُهِيتُ عَنْ ذَلِكَ، كَانَ مُصِيبًا، كَمَا أَنَّهُ إِذَا قَالَ: لِأَنَّ الْغَضَبَ يُشَوِّشُ عَقْلِي وَهُوَ مَظِنَّةُ عَدَمِ التَّثَبُّتِ فِي الْحُكْمِ، كَانَ مُصِيبًا أَيْضًا".

لِمَ لا تحكم بين الناس وأنت غضبان؟ إما أن يجيب بالدليل، ويكون جوابه سديدًا للنهي عن ذلك، أو أن يجيب بالحكمة التي استنبطت من الدليل: لأن الغضب يشوش، لكن لو سُئل: لماذا لا تحكم في مكانٍ شديد البرد، أو في مكان شديد الحر؟ هل يقول: لأن القاضي نهي أن يقضي وهو غضبان؟ لا يمكن، إنما يجيب بالعلة التي تربط بينه وبين ما نُهي عنه.

"وَالْأَوَّلُ جَوَابُ التَّعَبُّدِ الْمَحْضِ، وَالثَّانِي جَوَابُ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَعْنَى، وَإِذَا جَازَ اجْتِمَاعُهُمَا وَعَدَمُ تَنَافِيهِمَا، جَازَ الْقَصْدُ إِلَى التَّعَبُّدِ، وَإِذَا جَازَ الْقَصْدُ إِلَى التَّعَبُّدِ دَلَّ عَلَى أَنَّ هُنَالِكَ تَعَبُّدًا، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ تَوَجُّهُ القصد إلا مَا لَا يَصِحُّ الْقَصْدُ إِلَيْهِ مِنْ مَعْدُومٍ أَوْ مُمْكِنٍ أَنْ يُوجَدَ أَوْ لَا يُوجَدَ، فَلَمَّا صَحَّ الْقَصْدُ مُطْلَقًا، صَحَّ الْمَقْصُودُ لَهُ مُطْلَقًا، وَذَلِكَ جِهَةُ التَّعَبُّدِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.

وَالْخَامِسُ: أَنَّ كَوْنَ الْمُصْلِحَةِ مُصْلِحَةٌ تُقْصَدُ بِالْحُكْمِ، وَالْمَفْسَدَةِ مَفْسَدَةٌ كَذَلِكَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالشَّارِعِ، لَا مَجَالَ للعقل فيه، بناءً على قاعدة نفي التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ، فَإِذَا كَانَ الشَّارِعُ قَدْ شَرَعَ الْحُكْمَ لِمَصْلَحَةٍ مَا، فَهُوَ الْوَاضِعُ لَهَا مَصْلَحَةً، وَإِلَّا فَكَانَ يُمْكِنُ عَقْلًا أَنْ لَا تَكُونَ كَذَلِكَ؛ إِذِ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَضْعِهَا الْأَوَّلِ مُتَسَاوِيَةٌ لَا قَضَاءَ لِلْعَقْلِ فِيهَا بِحُسْنٍ ولا قبح؛ فإذن كَوْنُ الْمَصْلَحَةِ مَصْلَحَةً هُوَ مِنْ قِبَلِ الشَّارِعِ بِحَيْثُ يُصَدِّقُهُ الْعَقْلُ، وَتَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ النَّفْسُ، فَالْمَصَالِحُ مِنْ حَيْثُ هِيَ مَصَالِحُ قَدْ آلَ النَّظَرُ فِيهَا إِلَى أَنَّهَا تَعَبُّدِيَّاتٌ، وَمَا انْبَنَى عَلَى التَّعَبُّدِيِّ لَا يَكُونُ إِلَّا تَعَبُّدِيًّا".

الخمرة لمَّا كانت مباحة فيها منافع، فلما حُرمت سُلبت تلك المنافع، كان فيها مصالح، ثم سُلبت تلك المصالح، فالحُسْن والقبح إنما يدور مع الدليل؛ لأنه قد لا ندرك الحسن على حقيقته، ولا ندرك القبح على حقيقته، نعم الفطر السليمة المستقيمة والعقول الصريحة هي موافقة للنقول الصحيحة باستمرار، ولا يوجد عقل صريح وفطرة مستقيمة، ما اجتالتها الشياطين، ولا أثرت فيها الخلطة بغير المسلمين هذا يدرك بفطرته، لكنه لا يستقل بتشريع إلا بالدليل، وإن أدرك الحسن والقبح.

"وَمِنْ هُنَا يَقُولُ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ مِنَ التَّكَالِيفِ مَا هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ خَاصَّةً، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى التَّعَبُّدِ، وَمَا هُوَ حَقٌّ لِلْعَبْدِ. وَيَقُولُونَ فِي هَذَا الثَّانِي: إِنَّ فِيهِ حَقًّا لِلَّهِ، كَمَا فِي قاتل العمد إذ عُفي عنه ضُرِب مئة وسُجِن عَامًا، وَفِي الْقَاتِلِ غِيلَةً إِنَّهُ لَا عفوَ فِيهِ، وَفِي الْحُدُودِ إِذَا بَلَغَتِ السُّلْطَانَ فِيمَا سِوَى الْقِصَاصِ كَالْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ لَا عَفْوَ فِيهِ، وَإِنْ عَفَا مَنْ لَهُ الْحَقُّ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْ بَائِعِ الْجَارِيَةِ إِسْقَاطُ الْمُوَاضَعَةِ وَلَا مِنْ مُسْقِطِ الْعِدَّةِ عَنْ الْمَرْأَةِ المُطَلّقة، وَإِنْ كَانَتْ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا حَقًّا لَهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ".

لكن لا يملك إسقاط العدة والاستبراء، وإن كان حقًّا له، قد تُعلم براءة الرحم بحيضة، وجُعل العدد ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر وعشرًا، مع أن الرحم يبرأ بدونها، بأقل من ذلك مما هو حق الزوج، الزوج له حق؛ ولذلك تحد عليه المرأة أربعة أشهرٍ وعشر، بل يُجزم ببراءة رحمها بأقل من ذلك، مع أن الزوج لا يملك إسقاطه، لو قال: زوجتي ليست حبلى، زوجته يجزم بأنها ليست حبلى، فإذا طلقها يقول: ما تحتاج أن تعتد، أليست العدة لبراءة الرحم؟ ومن أجل حقي؟ ومن أجل المراجعة؟ أنا متنازل؛ نقول: ما تملك التنازل، وكذلك فيما يتعلق بذاته، إذا كان يتعلق بزوجته، لا يملك أن يتصرف فيما يتعلق بذاته، كتبرعه بشيء من أجزائه، هو لا يملك، ما يملك أن يتبرع، أمه، أو أبوه، أو أخوه، أو صديقه، أو العالم الفلاني الذي يجله، أو يتمنى أن يعطيه من أيامه، لا يملك أن يتبرع له بشيء؛ لأنه لا يملك نفسه، نعم.

"وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى اعْتِبَارِ التَّعَبُّدِ وَإِنْ عُقِلَ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ شُرِعَ الْحُكْمُ، فقد صار إذن كُلُّ تَكْلِيفٍ حَقًّا لِلَّهِ، فَإِنَّ مَا هُوَ لِلَّهِ، فَهُوَ لِلَّهِ، وَمَا كَانَ لِلْعَبْدِ، فَرَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ مِنْ جِهَةِ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، وَمِنْ جِهَةِ كَوْنِ حَقِّ الْعَبْدِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ؛ إِذْ كَانَ لِلَّهِ أَنْ لَا يَجْعَلَ للعبد حقًّا أصلاً".

إذا قلنا: إن العبد يملك فيما شُرع من أجل مصلحته يملك التنازل عنه أبحنا الربا بالتراضي، لما يقول الشرع من أجل وصيانة حقي منع الربا، أنا مستعد أن أدفع، نقول: لا، ما يكفي التراضي، التراضي شرط لمصلحة البيع، لكنه لا يحل محرمًا. 

"ومن هذا الموضع يقول كثير من الْعُلَمَاءِ: "إِنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ بِإِطْلَاقٍ"، عَلِمْت مَفْسَدَة النَّهْيِ أَمْ لَا".

عُلِمَتْ.

"عُلِمَتْ مفسدةُ النهي أم لا".

"النَّهْي يَقْتَضِي الْفَسَادَ بِإِطْلَاقٍ" هذا قول الظاهرية، مطلقًا، لكن من أهل العلم من يرى أنه قد يقتضي بإطلاق إذا لم تنفك الجهة، وقد لا يقتضي إذا انفكت الجهة، فقد يرد الأمر والنهي لكن من جهات، من جهة منفكة، وحينئذٍ يُتَصوَّر.

يعني الإنسان يصلي وبيده خاتم ذهب، هو مأمور بالصلاة ومنهي عن التختم بالذهب، هل لهذا أثر في الصلاة؟

طالب: لا.

ليس له أثر، لكن إذا عاد النهي إلى  ذات المنهي عنه، منهي عن السجود لصنم فسجد، هذا يقتضي البطلان والفساد، إذا عاد إلى جزءٍ مؤثر في الصلاة إلى ركنها، أو إلى شرطها فإنه يؤثر فيها فسادًا؛ لأننا نعتبر أن هذا الشرط مُلغى، أو هذا الركن غير موجدود؛ لأنه منهي عنه ولا يتجه الأمر والنهي في آنٍ واحد، فحينئذٍ يكون النهي مؤثرًا.

"انْتَفَى السَّبَبُ الَّذِي لأجله نُهي عن العمل أولا، وُقُوفًا مَعَ نَهْيِ النَّاهِي؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ، وَالِانْتِهَاءُ هُوَ الْقَصْدُ الشَّرْعِيُّ فِي النَّهْيِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ، فَالْعَمَلُ بَاطِلٌ بِإِطْلَاقٍ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ تَكْلِيفٍ لَا يَخْلُو عَنِ التَّعَبُّدِ، وَإِذَا لَمْ يَخْلُ، فَهُوَ مِمَّا يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ كَالطَّهَارَاتِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ.

إِلَّا أَنَّ التَّكَالِيفَ الَّتِي فِيهَا حَقُّ الْعَبْدِ مِنْهَا مَا يَصِحُّ بِدُونِ نِيَّةٍ، وَهِيَ الَّتِي فَهِمْنَا مِنَ الشَّارِعِ فِيهَا تَغْلِيبَ جَانِبِ الْعَبْدِ".

أداء الديون ورد الودائع والمغصوب، هذه لا تحتاج إلى نية، تدفع أو يؤخذ منك الحق ويُدفع إلى صاحبه يسقط، ولا يلزم أن يكون بطوعك أو اختيارك أو نيتك، لا، لكن الثواب والعقاب مُرتب على القصد.

عليك زكاة أو دين مثلاً لشخص أو غصبت شيئًا، جاء ولدك من باب البر بك واختلس هذا الشيء وأعاده إلى صاحبه. في الدنيا لا تُطالب به، انتهى، وقد تموت وأنت ما عرفت أنه مردود إلى صاحبه بناءً على أنه عندك، ومقفل عليه، جاء الولد وأخذه من المكان ودفعه لصاحبه، أنت ما تطالب به في الدنيا، سقط الحق، لكن تأثم أو ما تأثم؟ تأثم، وإذا كنت مدينًا فأُخذ منك أو أديته من غير نية فإنه يسقط، لكن لا تؤجر على أداء هذا الدين، لكن إذا نويت برد الغصب، التوبة والاستغفار والندم والبراءة من هذه المظلمة، وكذلك الديون وغيرها فإنك تؤجر على هذه النية.

"كَرَدِّ الْوَدَائِعِ وَالْمَغْصُوبِ وَالنَّفَقَاتِ الْوَاجِبَةِ، وَمِنْهَا مَا لَا يَصِحُّ إِلَّا بِنِيَّةٍ، وَذَلِكَ مَا فَهِمْنَا فِيهِ تَغْلِيبَ حَقِّ اللَّهِ".

والدليل على صحة ما لم يقترن بالنية أن النبي -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- قال لهند امرأة أبي سفيان: «خذي من ماله ما يكفيكِ وولدك بالمعروف» يعني ولو من غير علمه، الأصل من غير علمه، وإلا كان يحصل مشاكل، مادام رجل شحيح يحصل مشاكل إذا علم، لكن من غير علمه.

"وَمِنْهَا مَا لَا يَصِحُّ إِلَّا بِنِيَّةٍ وَذَلِكَ مَا فَهِمْنَا فِيهِ تَغْلِيبَ حَقِّ اللَّهِ؛ كَالزَّكَاةِ وَالذَّبَائِحِ وَالصَّيْدِ، وَالَّتِي تَصِحُّ بِدُونِ نِيَّةٍ إِذَا فُعِلت بِغَيْرِ نِيَّةٍ لَا يُثَابُ عَلَيْهَا، فَإِنَّ فِعْلهَا"

فإنْ فَعَلَهَا.

 "فإنْ فَعَلَهَا بِنِيَّةِ الِامْتِثَالِ وَهِيَ نِيَّةُ التَّعَبُّدِ، أُثِيبَ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ التُّرُوكُ إِذَا تُرِكت بِنِيَّةٍ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَتْ حُقُوقًا لِلْعِبَادِ خاصة ولم يكن لله فيها حَقٌّ، لَمَا حَصَلَ الثَّوَابُ فِيهَا أَصْلًا؛ لِأَنَّ حُصُولَ الثَّوَابِ فِيهَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهَا طَاعَةً مِنْ حَيْثُ هِيَ مُكْتَسَبَةٌ مَأْمُورٌ بِهَا، وَالْمَأْمُورُ بِهِ مُتَقَرَّبٌ إِلَى اللَّهِ بِهِ، وَكُلُّ طَاعَةٍ مِنْ حَيْثُ هِيَ طَاعَةٌ لِلَّهِ عِبَادَةٌ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى نِيَّةٍ، فَهَذِهِ الْأُمُورُ مِنْ حَيْثُ هي طاعة مفتقرة إلى نية.

فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا أُمِرَ بِهَا مِنْ حَيْثُ حَقِّ الْعَبْدِ خَاصَّةً، وَمِنْ جِهَةِ حَقِّ الْعَبْدِ حَصَلَ فِيهَا الثَّوَابُ؛ لَا مِنْ كَوْنِهَا طَاعَةً مُتَقَرَّبًا بِهَا.

قِيلَ: هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ؛ لَصَحَّ الثَّوَابُ بِدُونِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ حَاصِلٌ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، لَكِنَّ الثَّوَابَ مُفْتَقِرٌ فِي حُصُولِهِ إِلَى نِيَّةٍ".

لعموم: «إنما الأعمال بالنيات».

"وَأَيْضًا، فَلَوْ حَصَلَ الثَّوَابُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، لَأُثِيبَ الْغَاصِبُ إِذَا أُخِذَ مِنْهُ الْمَغْصُوبَ كرها، وليس كَذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ وَإِنْ حَصَلَ حَقُّ الْعَبْدِ، فَالصَّوَابُ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي كَوْنِ الْعَمَلِ عِبَادَةً، وَالنِّيَّةُ الْمُرَادَةُ هُنَا نِيَّةُ الِامْتِثَالِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا جَارِيًا فِي كُلِّ فِعْلٍ وَتَرْكٍ، ثَبَتَ أَنَّ فِي الْأَعْمَالِ الْمُكَلَّفِ بِهَا طَلَبًا تَعَبُّدِيًّا عَلَى الْجُمْلَةِ. وَهُوَ دَلِيلٌ سَادِسٌ فِي الْمَسْأَلَةِ.

فَإِنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يَفْتَقِرَ كُلُّ عَمَلٍ إِلَى نِيَّةٍ، وَأَنْ لَا يَصِحَّ عَمَلُ مَنْ لَمْ ينوِ، أَوْ يَكُونَ عَاصِيًا".

لا يصح عمل من لم ينوِ في العبادات، ولا بد فيها من النية لتكون عبادة، أما في العادات فتصح بلا نية، لكن الثواب مرتب على النية.

"قِيلَ: قَدْ مَرَّ أَنَّ مَا فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ تَارَةً يَكُونُ هُوَ المغلَّب، وقد يكون جِهَةُ التَّعَبُّدِ هِيَ الْمُغَلَّبَةَ، فَمَا كَانَ الْمُغَلَّبُ فِيهِ التَّعَبُّدُ، فمسلَّم ذَلِكَ فِيهِ، وَمَا غُلِّبَ فِيهِ جِهَةُ الْعَبْدِ، فَحَقُّ الْعَبْدِ يَحْصُلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، فَيَصِحُّ الْعَمَلُ هُنَا مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَلَا يَكُونُ عِبَادَةً لِلَّهِ، فَإِنْ رَاعَى جِهَةَ الْأَمْرِ، فَهُوَ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ عِبَادَةٌ، فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نِيَّةٍ، أَيْ: لَا يَصِيرُ عِبَادَةً إِلَّا بِالنِّيَّةِ، لَا أَنَّهُ يَلْزَمُ فِيهِ النِّيَّةُ أَوْ يَفْتَقِرُ إِلَيْهَا، بَلْ بِمَعْنَى أَنَّ النِّيَّةَ فِي الِامْتِثَالِ صَيَّرَتْهُ عِبَادَةً، كَمَا إِذَا أَقْرَضَ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ بِالتَّوْسِعَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ، أَوْ أَقْرَضَ بِقَصْدٍ دُنْيَوِيٍّ، وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ، وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالنِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَغَيْرُهَا.

 وَمِنْ هُنَا كَانَ السَّلَفُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- يُثَابِرُونَ عَلَى إِحْضَارِ النِّيَّاتِ فِي الْأَعْمَالِ، وَيَتَوَقَّفُونَ عَنْ جُمْلَةٍ مِنْهَا حَتَّى تَحْضُرَهُمْ".

يعني الشخص إذا أنفق على نفسه وأهله وولده فهذا يجب عليه، فإن اشترى ما يحتاجونه بغير نية سقط الإثم عنه والواجب، لكن لا يؤجر، بعض الناس يستحضر حتى أنه يفرِّق بين الأوقات.

الناس يشترون ما يحتاجونه في رمضان قبل رمضان، في آخر شعبان، قبله بيومين أو ثلاثة، قبل الزحام، بعض الناس يقول: لا، لا أشتري هذه الحاجات إلا إذا دخل الشهر؛ لأن نفقة رمضان مضاعفة، أجرها مضاعف، ويقصد بذلك قدرًا زائدًا على مجرد الأجر، قدرًا زائدًا على مجرد إسقاط الواجب، والأجر مرتب عليه، المضاعفة يقصد، والناس مثلما قلنا: مُعطى ومحروم.

"فَصْلٌ: وَيَتَبَيَّنُ بِهَذَا أُمُورٌ، مِنْهَا أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَيْسَ بخالٍ عَنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ جِهَةُ التَّعَبُّدِ، فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَعِبَادَتُهُ امْتِثَالُ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابُ نَوَاهِيهِ بِإِطْلَاقٍ، فَإِنْ جَاءَ مَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَقٌّ لِلْعَبْدِ مُجَرَّدًا فَلَيْسَ كَذَلِكَ بِإِطْلَاقٍ، بَلْ جَاءَ عَلَى تَغْلِيبِ حَقِّ الْعَبْدِ فِي الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ.

كَمَا أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَفِيهِ حَقٌّ لِلْعِبَادِ إِمَّا عَاجِلًا وَإِمَّا آجِلًا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّرِيعَةَ إِنَّمَا وُضِعَتْ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: «حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا عَبَدُوهُ وَلَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا أَلَّا يُعَذِّبَهُمْ» وَعَادَتُهُمْ فِي تَفْسِيرِ "حَقِّ اللَّهِ" أَنَّهُ مَا فُهِمَ مِنَ الشَّرْعِ أَنَّهُ لَا خِيَرَةَ فِيهِ لِلْمُكَلَّفِ، كَانَ لَهُ مَعْنًى مَعْقُولٌ أَوْ غَيْرُ مَعْقُولٍ، "وَحَقُّ الْعَبْدِ" مَا كَانَ رَاجِعًا إِلَى مَصَالِحِهِ فِي الدُّنْيَا، فَإِنْ كَانَ مِنَ الْمَصَالِحِ الْأُخْرَوِيَّةِ، فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ، وَمَعْنَى "التَّعَبُّدِ" عِنْدَهُمْ أَنَّهُ مَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ عَلَى الْخُصُوصِ، وَأَصْلُ الْعِبَادَاتِ رَاجِعَةٌ إِلَى حَقِّ اللَّهِ، وَأَصْلُ الْعَادَاتِ رَاجِعَةٌ إِلَى حُقُوقِ الْعِبَادِ".

يعني جاء تفسير حق الله على العباد، وحق العباد على الله: تفسير «حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا» هذا أعظم الحقوق، أعظم الحقوق حقوق الله، واكتُفي بأعظمها لأن فيه النجاة، وبتركه الهلاك، وهناك حقوق أخرى، لكنها كلا شيء بالنسبة لهذا الحق لعظمه، فاقتصر عليه.

حق العباد: العبد إنما يتسشرف نجاته «ألا يعذب من لا يشرك به شيئًا» يهمه بالدرجة الأولى أن لا يُعذَّب، نعم يهمه أن يُنعَّم، لكن أين النعيم من العذاب؟ يعني كون الإنسان يخرج كفافًا، لا ينعم ولا يعذب، الأمر سهل، كونه يُنعَّم زيادة على ذلك فهذا أفضل بلا شك، لكن الإشكال في كونه يُعذَّب، والإنسان يفر من العذاب قبل أن يطلب النعيم.

"فَصْلٌ: وَالْأَفْعَالُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَقِّ اللَّهِ أَوْ حَقِّ الْآدَمِيِّ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:

أَحَدُهَا: مَا هُوَ حُقٌّ لِلَّهِ خَالِصًا كَالْعِبَادَاتِ، وَأَصْلُهُ التَّعَبُّدُ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِذَا طَابَقَ الْفِعْلُ الْأَمْرَ، صَحَّ؛ وَإِلَّا؛ فَلَا.

وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ التَّعَبُّدَ رَاجِعٌ إِلَى عَدَمِ مَعْقُولِيَّةِ الْمَعْنَى، وَبِحَيْثُ لَا يَصِحُّ فِيهِ إِجْرَاءُ الْقِيَاسِ، وَإِذَا لَمْ يُعْقَلُ مَعْنَاهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ فِيهِ الْوُقُوفُ عِنْدَ مَا حَدَّهُ لَا يَتَعَدَّى، فَإِذَا وَقَعَ طَابَقَ قَصْدَ الشَّارِعِ وَإِنْ لَا؛ خَالَفَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مُخَالَفَةَ قَصْدِ الشَّارِعِ مُبْطِلٌ لِلْعَمَلِ، فعدم مطابقة الأمر مبطل للعمل.

وَأَيْضًا؛ فَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ عَدَمَ مَعْقُولِيَّةِ الْمَعْنَى لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى أَنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ الْوُقُوفُ عند ما حده الشارع، فيكفي في ذلك عدم تحقيق الْبَرَاءَةِ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ الْبَرَاءَةُ، وَعَدَمُ تَحَقُّقِ الْبَرَاءَةِ مِنْهُ إِنْ لَمْ تَحْصُلْ الْمُطَابَقَةُ، وَعَدَمُ تَحْقِيقِ الْبَرَاءَةِ مُوجِبٌ لِطَلَبِ الْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ بِفِعْلٍ مُطَابِقٍ، لَا بِفِعْلٍ غَيْرِ مُطَابِقٍ".

إذا أُمر الإنسان فعليه أن يأتي بما أُمر به، بالمطابقة، ولا يعني هذا أنه لا يزيد مما شُرع من جنس المأمور به.

يعني فرق بين أن يأتي بما أُمر به مطابقةً من غير زيادة ولا نقصان، وبين أن يأتي بما أُمر به ويزيد من جنس المأمور به مما أُمر به أو ينقص عما أمر به، أو يزيد من جنس المأمور به مما لم يُؤمر به.

يعني فرق بين من يصلي الظهر أربعًا ولا يزيد، وبين من يزيد عليها الراتبة، وبين من يزيد عليها خامسة، وبين من ينقصها فيجعلها ثلاثًا، فروق بين هذه التصرفات.

"وَالنَّهْيُ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَيْضًا نَظِيرُ الْأَمْرِ، فَإِنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ الْفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ إِمَّا بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ بِإِطْلَاقٍ، وَإِمَّا لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي أَنَّ الْفِعْلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِقَصْدِ الشَّارِعِ، إِمَّا بِأَصْلِهِ، كَزِيَادَةِ صَلَاةٍ سَادِسَةٍ، أَوْ تَرْكِ الصَّلَاةِ، وَإِمَّا بِوَصْفِهِ، كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ".

نعم، قراءة القرآن مأمور بقراءته، لكن لا بد من مراعاة الزمان والمكان والحال، فلا يقرأ الإنسان وهو راكع وهو ساجد؛ لأنه ثبت النهي عن ذلك، لا يقرأ القرآن في الأماكن التي لا تليق بالقرآن، لا يقرأ القرآن في مكانٍ أو في زمانٍ أو في حالٍ شُغل فيه بغيره مما عُيِّن لهذا المكان أو لهذا الزمان أو لهذه الحال، وإن كان القرآن أفضل الكلام وأفضل الأذكار، ومتعبدًا بمجرد تلاوته، بخلاف غيره من الكلام.

"وَإِمَّا بِوَصْفِهِ، كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ مَقْصُودًا لَمْ ينهَ عَنْهُ، وَلَأُمِرَ بِهِ أو أذن فيه، فإن الإذن هو المعرِّف أَوَّلًا بِقَصْدِ الشَّارِعِ فَلَا تَتَعَدَّاهُ".

نعم، إذا أذن بشيء أو أمر به عرفنا أن الشارع يقصده، وإذا نهى عن شيء عرفنا أن الشارع يقصد تركه.

"فَعَلَى هَذَا إِذَا رَأَيْتَ مَنْ يُصَحِّحُ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ بَعْدَ الْوُقُوعِ، أَوِ الْمَأْمُورَ بِهِ مِنْ غَيْرِ الْمُطَابِقِ؛ فَذَلِكَ إِمَّا لِعَدَمِ صِحَّةِ الْأَمْرِ أَوْ النَّهْيِ عِنْدَهُ، وَإِمَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِأَمْرٍ حَتْمٍ وَلَا نَهْيٍ حَتْمٍ".

يعني قد يكون هذا النهي للكراهة، فيفعل المنهي عنه، وقد يكون هذا الأمر للاستحباب، فيترك المأمور به.

"وَإِمَّا لِرُجُوعِ جِهَةِ الْمُخَالَفَةِ إِلَى وَصْفٍ مُنْفَكٍّ، كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الِانْفِكَاكِ، وَإِمَّا لِعَدِّ النَّازِلَةِ من باب المفهوم والمعنى الْمُعَلَّلِ بِالْمَصَالِحِ، فَيَجْرِي عَلَى حُكْمِهِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّ هَذَا قَلِيلٌ، وَأَنَّ التَّعَبُّدَ هُوَ الْعُمْدَةُ.

وَالثَّانِي: مَا هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْعَبْدِ، وَالْمُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ، وَحُكْمُهُ رَاجِعٌ إِلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ إِذَا صَارَ مطَّرَحًا شَرْعًا، فَهُوَ كَغَيْرِ الْمُعْتَبَرِ؛ إِذْ لَوِ اعْتُبِرَ لَكَانَ هُوَ الْمُعْتَبَرَ، وَالْفَرْضُ خِلَافُهُ كقتل النفس؛ إذ ليس لِلْعَبْدِ خِيَرَةٌ فِي إِسْلَامِ نَفْسِهِ لِلْقَتْلِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ كَالْفِتَنِ وَنَحْوِهَا".

لا يجوز لأحد أن يستسلم لمن أراد قتله، إلا في وقت الفتن التي تتطلب إما أن تُقتل أو تقتل حينئذٍ تستسلم، أما في أوقات السعة، فيسلم نفسه لأن يقتل؟ لا يجوز بحال، «من قُتل دون نفسه فهو شهيد».

"فَإِذَا رَأَيْتَ مَنْ يُصَحِّحُ الْمَنْهِيَّ أَوِ الْمَأْمُورَ غَيْرَ الْمُطَابِقِ بَعْدَ الْوُقُوعِ؛ فَذَلِكَ لِلْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، وَلِأَمْرٍ رَابِعٍ وَهُوَ الشَّهَادَةُ بِأَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ فِيهِ هُوَ الْمُغَلَّبُ.

وَالثَّالِثُ: مَا اشْتَرَكَ فِيهِ الْحَقَّانِ وَحَقُّ الْعَبْدِ هُوَ الْمُغَلَّبُ، وَأَصْلُهُ مَعْقُولِيَّةُ الْمَعْنَى، فَإِذَا طَابَقَ مُقْتَضَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَلَا إِشْكَالَ فِي الصِّحَّةِ؛ لِحُصُولِ مَصْلَحَةِ الْعَبْدِ بِذَلِكَ عَاجِلًا أَوْ آجِلًا حَسْبَمَا يَتَهَيَّأُ لَهُ، وَإِنْ وَقَعَتِ الْمُخَالَفَةُ فَهُنَا نَظَرٌ؛ أَصْلُهُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى تَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ الْعَبْدِ؛ فَإِمَّا أَنْ يَحْصُلَ مَعَ ذَلِكَ حَقُّ الْعَبْدِ وَلَوْ بَعْدَ الْوُقُوعِ عَلَى حَدِّ مَا كَانَ يَحْصُلُ عِنْدَ الْمُطَابَقَةِ أَوْ أَبْلَغَ، أَوْ لَا؛ فَإِنْ فَرَضَ غَيْرَ حَاصِلٍ؛ فَالْعَمَلُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّارِعِ لَمْ يَحْصُلْ، وَإِنْ حَصَلَ- وَلَا يَكُونُ حُصُولُهُ إِلَّا مُسَبِّبًا عَنْ سَبَبٍ آخَرَ غَيْرِ السَّبَبِ الْمُخَالِفِ- صَحَّ وَارْتَفَعَ مُقْتَضَى النَّهْيِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَقِّ الْعَبْدِ؛ وَلِذَلِكَ يُصَحِّحُ مَالِكٌ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ، إِذَا أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لِأَجْلِ فَوْتِ الْعِتْقِ، فَإِذَا حَصَلَ، فَلَا مَعْنَى لِلْفَسْخِ عِنْدَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَقِّ الْمَمْلُوكِ".

أما المدبَّر الذي يعتق دبر حياة سيده يعني إذا مات، فقال: إذا مت فلان حر، المدبَّر ما يباع، هذا الأصل، لكن إذا أراد شراءه من يريد عتقه منجزًا صح بيعه، لماذا؟ لأن منع البيع من أجل العتق، العتق المؤجل، فإذا كان العتق يكون معجلاً فمن باب أولى.

"وَكَذَلِكَ يَصِحُّ الْعَقْدُ فِيمَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ إِذَا أَسْقَطَ ذُو الْحَقِّ حَقَّهُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ قَدْ فَرَضْنَاهُ لِحَقِّ الْعَبْدِ، فَإِذَا رَضِيَ بِإِسْقَاطِهِ؛ فَلَهُ ذَلِكَ، وَأَمْثِلَةُ هَذَا الْقِسْمِ كَثِيرَةٌ، فَإِذَا رَأَيْتَ مَنْ يُصَحِّحُ الْعَمَلَ الْمُخَالِفَ بَعْدَ الوقوع؛ فذلك لأحد الأمور الثلاثة".

لو أن شخصًا عنده عمارة يعدها للبيع، قيمتها مليون ريال، حال عليها الحول قلنا: تجب فيها الزكاة خمسة وعشرون ألفًا، لو قال: وقت حلول الحول توزع بين الفقراء كلها، ماذا نقول؟ هل نقول: إنه تجب الزكاة عليه؟ لا، لماذا؟ لأن الزكاة ووجوب الزكاة صيانة لحق الفقراء، وهذا بذل أكثر مما طُلب منه، هل نقول: مثل هذا يتهرب من الزكاة؟ صنيعه هذا من أجل أن يتهرب من الزكاة؟ لا، فمثله بيع المدبر مُنع من أن يعتق هذا العبد ولو بعد حين، فإذا كان بيعه يترتب عليه عتقه فورًا أُجيز.

"الْمَسْأَلَةُ الْعِشْرُونَ: لَمَّا كَانَتِ الدُّنْيَا مَخْلُوقَةً؛ لِيَظْهَرَ فِيهَا أَثَرُ الْقَبْضَتَيْنِ".

«هؤلاء في النار ولا أبالي، وهؤلاء في الجنة ولا أبالي» ما يمكن أن يبين أصحاب القبضة، قبضة اليمين من قبضة الشمال إلا بوجود هذه الدنيا وهذه التكاليف، التي يتبين بها المطيع، ويتبين بها العاصي.

"وَمَبْنِيَّةً عَلَى بَذْلِ النِّعَمِ لِلْعِبَادِ؛ لِيَنَالُوهَا وَيَتَمَتَّعُوا بِهَا".

يعني لولا أن الله -جلَّ وعلا- أوجد هذه الدنيا وخلق فيها ما خلق من المنافع، وخلق هذه المنافع للخلق ما بانت هذه النعم.

"وَلِيَشْكُرُوا اللَّهَ عَلَيْهَا فَيُجَازِيهِمْ فِي الدَّارِ الْأُخْرَى، حَسْبَمَا بيَّن لَنَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الشَّرِيعَةُ الَّتِي عَرَّفَتْنَا بِهَذَيْنِ مَبْنِيَّةً عَلَى بَيَانِ وَجْهِ الشُّكْرِ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ، وَبَيَانِ وَجْهِ الِاسْتِمْتَاعِ بِالنِّعَمِ الْمَبْذُولَةِ مُطْلَقًا.

وَهَذَانِ الْقَصْدَانِ أَظْهَرُ فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِمَا، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النَّحْلِ: 78] .

وَقَوْلِهِ: {هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [الملك: 23].

وَقَالَ: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونَ} [الْبَقَرَةِ: 152] .

وَقَوْلِهِ: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [النَّحْلِ: 114]".

يعني هذه الدنيا خُلقت فيها المناف؛ع لينتفع بها المطيع أصالةً وغيره تبعًا، وهذا الانتفاع من قبل المطيع من أجل أن يشكر الله -جلَّ وعلا- على ذلك: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.

"وَقَالَ: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} الآية [إبراهيم: 7] .

وَالشُّكْرُ هُوَ صَرْفُ مَا أُنعم عَلَيْكَ فِي مَرْضَاةِ الْمُنْعِمِ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الِانْصِرَافِ إِلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَمَعْنَى بِالْكُلِّيَّةِ أَنْ يَكُونَ جَارِيًا عَلَى مُقْتَضَى مَرْضَاتَهُ بِحَسْبِ الِاسْتِطَاعَةِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «حَقُّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوه بِهِ شَيْئًا».

وَيَسْتَوِي فِي هَذَا مَا كَانَ مِنَ الْعِبَادَاتِ أَوِ الْعَادَاتِ.

أَمَّا الْعِبَادَاتُ؛ فَمِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ الشَّرِكَةَ؛ فَهِيَ مَصْرُوفَةٌ إِلَيْهِ.

وَأَمَّا الْعَادَاتُ؛ فَهِيَ أَيْضًا مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى النَّظَرِ الْكُلِّيِّ، وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ؛ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} الْآيَةَ [الأعراف: 32] .

وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} الآية [المائدة: 87] .

فَنَهَى عَنِ التَّحْرِيمِ، وَجَعَلَهُ تَعَدِّيًا عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمَّا هَمَّ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِتَحْرِيمِ بَعْضِ الْمُحَلَّلَاتِ قَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «مَنْ رغب عن سنتي، فليس مني»".

بعض الصحابة كأنهم تقالُّوا فعل النبي -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، ورأوا أنه -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقالوا: نريد أن نصل إلى مرتبة الامتناع من المباحات، فضلاً عن المحرمات، وقال بعضهم: إنه لا يأكل اللحم، وبعضهم: لا ينام الليل، قال بعضهم: لا يتزوج النساء، فأخبرهم النبي -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: هذه من سننه، ومن رغب عن سنته فليس منه، «مَنْ رغب عن سنتي، فليس مني».

قد يقول قائل: أنا حر، أليس الأمر متروكًا لي آكل أو ما آكل؟ ما آكل، أتزوج أو ما أتزوج؟ لن أتزوج، أنام أو ما أنام؟ أنا حر، الله -جلَّ وعلا- له عليَّ أن أتعبد بما أمرني، لكن الذي تركه لي ومن أجلي، نقول: لا، لست بحر، وهؤلاء الذين ينادون بالحرية المطلقة:

أولاً: الحرية المطلقة تصورها مستحيل؛ لأنك إن حققت حرية زيد فهي على حساب حرية عمرو، وإن حققت حرية زيد في شيء، صارت على حساب حريته في شيءٍ آخر، لكنهم يريدون أن يتمرد الناس على التكاليف الشرعية، ويقعوا في عبودية المخلوق، العبودية لا بد منها، كون الإنسان محتاجًا إلى غيره لا بد منه، كون الإنسان لا بد أن يقف عند حد لا يتعدى فيه على نفسه فضلاً على غيره هذا أمرٌ لا بد منه، الإنسان ليس بحر، لكن لا يعني أن الإنسان كالسلعة يباع ويشترى ويمتهن، لا، له نوع حرية.

"وَذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا وَضَعَهُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ} [الْمَائِدَةِ: 103].

وَقَوْلِهِ: {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ} الآية [الأنعام: 138] .

فَذَمَّهُمْ عَلَى أَشْيَاءَ فِي الْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ اخْتَرَعُوهَا، منها مجرد التحريم، وهو المقصود ههنا".

لكن فيما حرَّمه إسرائيل على نفسه، {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} [آل عمران: 93].

طالب: {مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ}.

لكنه حرَّم على نفسه، يملك أن يحرم على نفسه شيء؟ هل يملك الإنسان أن يحرم على نفسه شيئًا؟

طالب: في شرعنا لا يملك.

في شرعنا لا يملك، وأيضًا في غير شرعنا، قبل شرعنا المحرمات هذه البحيرة والسائبة، قبل شرعنا، لكن هذا التحريم مقر من قبل الله -جلَّ وعلا-، لما حرمه على نفسه أُقر، يعني امتنع منه فأقر منعه.

بالمقابل: التشريع، هل الإنسان يشرع لنفسه شيئًا ما شرعه الله؟ لا، {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا}[الحديد: 27] استثناء منقطع أو متصل؟

طالب: منقطع.

نعم أكثر المفسرين على أنه منقطع، لكن على القول بأنه متصل: أنهم ابتدعوها ثم فُرضت عليهم.

"وَأَيْضًا؛ فَفِي الْعَادَاتِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ جِهَةِ وَجْهِ الْكَسْبِ وَوَجْهِ الِانْتِفَاعِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغَيْرِ مُحَافَظٌ عَلَيْهِ شَرْعًا أَيْضًا، وَلَا خِيَرَةَ فِيهِ لِلْعَبْدِ، فَهُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى صَرْفًا فِي حَقِّ الْغَيْرِ، حَتَّى يَسْقُطَ حَقُّهُ بِاخْتِيَارِهِ في بعض الجزئيات، لا في الْأَمْرِ الْكُلِّيِّ، وَنَفْسُ الْمُكَلَّفِ أَيْضًا دَاخِلَةٌ فِي هَذَا الْحَقِّ؛ إِذْ لَيْسَ لَهُ التَّسْلِيطُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ بِالْإِتْلَافِ".

لا بالإتلاف ولا بالتبرع، لا يدفعه لأحد؛ لأنه لا يملك.

طالب: يبدو أنه ما كان متصورًا في وقته.

نعم ما يتصوره.

"وَلَا عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ بِالْإِتْلَافِ؛ فإذن الْعَادِيَّاتُ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ اللَّهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ الْأَوَّلِ الْكُلِّيِّ الدَّاخِلِ تَحْتَ الضَّرُورِيَّاتِ.

وَالثَّانِي: مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ التَّفْصِيلِيِّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْعَدْلُ بَيْنَ الْخَلْقِ، وَإِجْرَاءُ الْمَصْلَحَةِ عَلَى وَفْقِ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ، فَصَارَ الْجَمِيعُ ثَلَاثَةَ أقسام.

وَفِيهَا أَيْضًا حَقٌّ لِلْعَبْدِ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: جِهَةُ الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَهُوَ كَوْنُهُ مُجَازًى عَلَيْهِ بِالنَّعِيمِ، موقَّىً بِسَبَبِهِ عَذَابَ الْجَحِيمِ.

وَالثَّانِي: جِهَةُ أَخْذِهِ لِلنِّعْمَةِ عَلَى أَقْصَى كَمَالِهَا فِيمَا يَلِيقُ بالدنيا؛ لكن بحسبه فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف: 32] ، وبالله التوفيق".

الطيبات في الدنيا للمطيع، للمتعبد المتذلل لربه، ويشركه فيها غيره، لكنها في الآخرة خالصة، ما يشركه فيها أحد، هذا على القول بأنه لا يجوز، ولا يحل للكافر أن يتناول من الطيبات شيئًا، يعني حكمًا، يعني كونه قدرًا يأكل ويشرب فهذا أمر مفروغ منه، لكن هو آثم في أكله، لكن ماذا عن: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} [المائدة: 5]؟ شيخ الإسلام معروف رأيه: أنها هي للمطيع خاصة؛ لأن الذي يستعين به على غير طاعة الله، بل على معصية الله، على الكفر، على الشرك، على الظلم لا تحل له، إنما هي حلٌّ لمن يستعملها في طاعة الله، هذا في الدنيا مشروكة يشركه فيها غيره، لكن في الآخرة خالصة.

{قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} يعني: مع غيرهم، {خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} لا يشركهم فيها أحد، فلا تحل لأحدٍ يستعين بها على معصية الله، كافر يستعين به على الباطل فلا تحل له، وإذا أكل منها أو استعمل منها شيئًا، فإنما يأكل بغير حقه، ويستعمل من خير مستحقه، ماذا عن قوله -جلَّ وعلا-: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ}؟ ما معنى: {حِلٌّ لَهُمْ}؟ هل يعني أنه حلالٌ لهم كحله لكم؟ فيكون كلام شيخ الإسلام معترضًا بهذه الآية، أو نقول: {حِلٌّ لَهُمْ} ولا يعني بذلك الحكم الشرعي بأنه يُخلَّى بينهم وبينه؟ كما تأكل الأنعام يأكل هؤلاء، ولا يعني أنهم يتدينون بإباحته أو بمنعه.

طالب: أو من حيث إنه يجوز لكم إطعامهم.

المقصود: أن الطعام الذي تأكلونه يحل لهم أن يأكلوه، هل الحل شرعي؟ بمعنى: أنهم لا يعاقبون على أكله باعتبارهم أنهم يأكلون حلالًا، أو أنهم {حِلٌّ لَهُمْ} يعني يخلى بينهم وبينه كما هو شأن الأنعام؟

طالب: .........

ولا يعطونه أصلاً، ولا يطعمونه.

طالب: .........

يبيعه ويهدي ويؤجر على الهدية إذا قصد بها وجه الله.

طالب: .........

هو في الأصل هكذا، لكن ينبغي أن ينظر أيضًا إلى ما يترتب على هذا الأكل، إذا كان مترتبًا عليه الاستعانة به على غير طاعة الله، على معصية الله، على ظلم، على فجور، كالمسلم إذا كان يستعين ببعض الأمور المباحة في الأصل على المعصية؛ نقول: لا تحل له.

الله أعلم.

 وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.