كتاب بدء الوحي (036)

عنوان الدرس: 
كتاب بدء الوحي (036)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
الأربعاء, 23 شعبان, 1439 - 10:15

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يسأل يقول: كم عدد رباعيات البخاري؟
ما أدري بالتحديد كم عددها، وإنما الذي اهتمّ به أهل العلم من عوالي البخاري هي الثلاثيات، هي الثلاثيات؛ لأنها أعلى ما في "الصحيح"، وعدتها اثنان وعشرون حديثًا، غالبها من طريق المكيّ بن إبراهيم عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع. وأما الرباعيات فلا أعلم أحدًا اعتنى بها، وهي عالية بالنسبة للبخاري إلا أن الثلاثيات هي أعلى ما فيه، وأما بالنسبة لمسلم فليس فيه ولا حديث ثلاثي. عواليه رباعيات، على أن الإمام مسلم يروي أربعة أحاديث أعلى من رواية البخاري لها، فيرويها البخاري بأنزل درجة، من نفس الطريق التي يرويها مسلم إلا أنه ينزل فيها درجة. ومعلوم أن علوَّ الإسناد مطلوب عند أهل العلم؛ فيحرصون عليه، لكن شريطة أن يكون الإسناد نظيفًا، فالاهتمام بثقة الرواة، واتصال الأسانيد، أهم بلا شك من علو الإسناد؛ لأن بعضهم يرى أن علو الإسناد قيمته وأثره ليس بتلك الدرجة التي يُبذل من أجلها هذا التعب الذي حصل من قبل كثير من المحدثين، من كثير من المحدِّثين يُعنَون بالأسانيد العالية، ويرحلون إلى البلدان النائية، وإلى الشيوخ المُعمَّرين، وإن كانت الرواية عنهم لا مَزية لها ولا قيمة لها؛ لأنهم عوام أو أشباه عوام. وهذا حصل في العصور المتأخرة.

نقول: نظافة الأسانيد أهم من عُلوها، وبعضهم يرى أن هذا من باب مُلَح العلم وترفه، لا من متينه، وإنما المعوَّل في الأسانيد على ثقةِ الرواة واتصال الأسانيد. الاتصال والثقة.
البخاري –رحمه الله تعالى- مع حرصه على العلوّ، ورحلاته من أجل ذلك، إلا أن فيه أحاديث نازلة جدًّا، يعني فيه حديث تُساعي، الواسطة بينه وبين الرسول –عليه الصلاة والسلام- تسعة، وحديث زينب: «ويل للعرب من شر قد اقترب» يعني ما فيه أنزل من هذا. وأما الرباعيات فهي كثيرة في البخاري، لكني لم أقف على عددها بالتحديد، ولا صرفتُ الهمَّة لذلك، والعلماء أيضًا ما أعرف أحدًا اعتنى بها. وأمرها سهل.
فيه أحاديث رباعية عند البخاري يقول الشُرَّاح: إنها في حكم الثُّلاثيات. بمعنى: أنه يكون بينه وبين شيخ شيخه، يعني واسطتان، رَوى عن الأوَّل منهما بدون واسطة، ثم نزل في هذا الحديث فروى عن شيخه بواسطة، الذي من المفترض أن تكون روايته عنه بغير واسطة، ويبقى بقية الإسناد عاليًا.
هذا القول: له حكم العالي، حكم الثلاثي، ثلاثي حكمًا.
مسلم ليست فيه ثلاثيات، والنسائي من باب أولى، وأبو داود فيه حديث يختلف أهل العلم فيه هل هو ثلاثي أو رباعي. يتصور الاختلاف؟ هل يتصور اختلاف في سند أنه ثلاثي أو رباعي؟ حديث أبي برزة في الحوض، بعضهم عدَّه ثلاثيًّا، وما فيه غير هذا الحديث، وبعضهم قال: لا، هو رباعي. كيف يختلف في سند وهو أمامنا نقرأه بين أيدينا؟
طالب:.................
هذا بالنسبة لهذا الحديث، القصة يرويها أبو داود عن أبي برزة بواسطة اثنين، لكن الحديث الذي يرويه هي قصة تضمَّنت لحديث، القصَّة بالنِّسبة لأبي داود يرويها عن أبي برزة بواسطة اثنين فهي ثلاثية. لكن الحديث المرفوع في الحوض فيه واسطة بين الثاني وبين أبي برزة؛ لأنهم دخلوا عند الوالي، فلما خرجوا أخبرهم شخصٌ فقال: إن أبا برزة قال: حدثنا رسول الله– صلى الله عليه وسلم-. فهذا الواسطة رابع في السند، وإن كان مجهولًا؛ لأنه موجود حقيقة موجود، وليس هذا من الإسقاط، وإنما هو موجود ومذكور في السند؛ إلا أنه مُبهم، وكونه مُبهمًا لا يعني أننا لا نحتسب به، هو محسوب. نعم إبهامه جهالة، جهالة ذات، لكنه لا يعني أن السند ارتفع بجهالة راويه. لا، بل نزل.

ابن ماجه فيه أحاديث ثلاثية والترمذي فيه حديث أو حديثان. المقصود أن الثلاثيات قليلة في الكتب الستة. في كتب شيوخ الكتب الستة فيها كثرة، يعني: المسند فيه أكثر من ثلاثمائة ثلاثي لتقدم زمنه.
أما بالنسبة للموطَّأ، نافع عن ابن عمر، فيه ثنائيات، كثيرة الثنائيات، يعني مالك يروي عن نافع عن ابن عمر، فيه كثير من الثنائيات فضلاً عن الثلاثيات، وهذه أمور نسبيَّة، هل تعتبر الثنائيات عوالٍ بالنسبة لمالك؟ والثلاثيات عوالٍ بالنسبة لأحمد؟ كما هي عوالٍ بالنسبة للبخاري؟ لا؛ لأن هذا لتقدم زمن، التُّساعي بالنسبة للبخاري نازل جدًّا، لكنَّه بالنسبة للحافظ العراقي عالٍ جدًّا أعلى ما عندَه، وبينه وبين البخاري كم؟ سبعة قرون، يعني ستة قرون ونصف بالضبط بينهما. بينهما ستمائة وخمسون سنة.

فالعلوّ والنزول نسبي، والاهتمام به لا شك أنه موجود عند أهل العلم، عند المحدثين، كان علي بن المديني لما قيل له: ما تشتهي، في مرض موته؟ قال: بيت خالٍ، وسند عالٍ. هذه هي الأمنية، لكن هل يتمنى واحد منا أن يكون البيت خاليًا؟ لو صار البيت خاليًا خرج يبحث عن أحد يسمر معه. صحيح البيوت الآن إذا خلت تكون موحشة؛ لأننا ما تعودنا الأنس بالله وبذكرِه وبما يقرب إليه، لو تعودنا هذا انتهت المشكلة عندنا.

 كثير من الناس يعيش أزمات نفسيَّة بسبب الخلوة والوحدة، ولا بد أن يرفه، ولا بد أن ينفس، لا بد أن .. لذلك تجدون من أشقّ الأمور على عموم النَّاس ساعة الانتظار. لماذا؟ لأننا ما عودنا شغل هذه الساعات بالذِّكر، أو بالاشتغال بالعلم، وجرِّب، اشتغل بالعلم أو بالذكر تتمنى أن صاحبك يتأخر. تتمنى أنه يتأخر. إذا اشتغلت بما ينفعك، والمسألة تحتاج إلى تمرين وتدريب قد يشقُّ هذا الأمر على البعض في أول الأمر، ثم بعد ذلك يكون أمرًا معتادًا. بيتٌ خالٍ، وسندٌ عالٍ.
بعد عصر الأئمة وبعد الثلاثمائة صاروا يشتغلون بالعلو، يهتمون به، ولا يعنيهم نظافة الأسانيد، فيرتحلون إلى المشرق والمغرب من أجل لقاء شيخ عامِّيّ لا يفهم ما يُقرأ عليه، لا يفهم ما يُقرأ عليه، إلا أنه أُجيز بهذا الكتاب وطال عمره، فصار سنده عاليًا، لكن هل هذا مما ينبغي أن يعنى به طالب العلم؟ كما اهتم كثير من طلاب العلم اليوم بالإجازات، يسافرون إلى الأقطار، وإلى الأمصار، وينفقون الأوقات والأموال من أجل لقاء شخص عنده إجازة، ولولا هذه الإجازة يمكن أن لا يطيق أن يزوره؛ لأن عنده مخالفات، وعنده خللًا في عقيدته، وعنده أيضًا بعض الأمور التي ينتقدها عليه، لكن الحاجة، يرى أن هذه حاجة! فيتنازل بسببها، وهذا الشيء –مع الأسف- ملاحظ حتى على كافَّة المستويات.

 لو أن لك حاجة بشخص، ذهبت إلى فلان عنده حاجة تهمُّك، عنده أرض مناسبة بالنسبة لك، إما في قيمتها أو في موقعها أو عنده كتاب وأنت طالب علم، كتاب نفيس لا يوجد عند غيره، لو يرى أن بجواله موسيقى ما أنكرت عليه؛ حتى تضمن الكتاب أو تضمن الغرض، ثم بعد ذلك تلتفت لإنكاره.

 يعني هذا يذَكرنا قديمًا لما كانت المخابز قليلة، ويكون فيها سِراء من الناس –قبل ثلاثين سنة- سروات على الخبز، ثم بعد ذلك يؤذن المؤذن فلا يقول: الذي ينتظر السِّراء: عزِّل الآن، اقفل المحل؛ لأنه أذّن، حتى إذا ضمن، إذا استلم الخبز قال: أُذّن.
نقول: إن أمور الناس ماشية في كثير من أحوالهم على هذا الأمر، وهذا يحتاج إلى إعادة نظر، يعني لما تسكت عن منكر من أجل أن تحقق ما تريد عند صاحبك؛ فلتعلم أن ما عند الله لا يُنال بسخطه، وأن الأمور كلها بيد الله، وأن ما عنده لا يُنال بسخطِه.

يعني وُجد من يسافر من أجل سند عند شخص ليس بشيء لا في علمه ولا في عمله. عنده خلل كبير في الاعتقاد إلا أن عنده سَندًا، ثم ماذا؟ يكفي طالب العلم أن يتشرف بأخذِ إجازةٍ من شخص صاحب علم وعمل إذا قال: شيخي فلان أو كذا، إن هذا العلم دين فانظر عمن تأخذ.. تأخذ من واحد أو اثنين يكفي. يعني من الشباب الآن من عنده خمسون ستون إجازة فلماذا؟ يعني: أصل الرواية بالإجازة فيه خلل كبير، وللاستدلال للرواية بها –كما يقول ابن صلاح وغيره- عُسُر، يعني: ما يمكن أن تستدل لصحة الرواية بالإجازة بوجه صحيح، إلا أنهم لما احتيج إليها بسبب كثرة الرواة والمرويَّات؛ تسامحوا. ورأوا الرواية بالإجازة، مع أن جمعًا من أهل العلم يرى أنها باطلة. أنها باطلة؛ ما معنى أنك تروي صحيح البخاري وأنت ما سمعت ولا حديث من صاحبه، ولا قرأت عليه ولا حديث!؟ هذا ليس في اللغةِ ولا في الشَّرع ولا في العُرف ما يؤيده، أن تقول: حدثني فلان وهو ما حدثك!
ومع ذلك يحصل هذا.
أيضًا: أثرها العمليّ، إذا كانت الإجازة في كتبٍ دُوِّنت وُضبطت وحُفظت واستفاضت وصحَّت وتواترت نسبتها إلى مؤلِّفيها، ماذا يستفيد البخاري من روايتك لصحيحه بالإجازة؟ يعني يضعف الحديث أو يصحّ بسبب إجازتك أو عدمها؟ ما لها أثر إطلاقًا، إلا أنَّ هذا الأمر يُهتمُّ به باعتبار المحافظة على خصيصة هذه الأمَّة. هذه الأمة خُصَّت بالأسانيد، بخلاف سائر الأمم التي انقطعت، الذي انقطع ارتباطها بأنبيائها. بعد موت أنبيائها انقطعت، انقطع الارتباط بهم؛ لأن الكتب المُنزلة حُرَّفت، فلا يمكن روايتها عن أنبيائهم بهذه الطريقة المحرَّفة. فاتصال الأسانيد من خصائص هذه الأمة، ينبغي لطالب العلم أن يُعنى بإسنادٍ نظيف، لا يتخلله فُسَّاق ولا مبتدعة، وإن كان لا أثر لهم، يعني ما يضعِّفون ولا يصححون بسببه، لكن العلم كما قال أهل العلم: إن هذا العلم دين فانظر عمَّن تأخذ دينك.
طالب:....................
وأنت تهتم بشيخك، بشيخك الذي لا يعسر أن تجد من تشرُف بأن تأخذه عنه.
طالب: سلسلة الشيخ.
سلسلته، وحرص على أن يكون شيخه معروفًا، والباقون لمجرد إبقاء سلسة الإسناد، أما أن تسافر إلى شخص في المشرق أو في المغرب لا يهتم بصلاة، ويرتكب بعض المنكرات، وهذا موجود، إلا أنه عنده إجازة ورثها من شيوخ أو من آبائه، ثم بعد ذلك تقول: حدثني فلان. وتنفق على ذلك الأموال والأوقات، هذا لا يليق بطالب علم، يميِّز. وكثير من الأجايز الموجودة الآن فيها خلل كبير، خلل كبير إذا تأملت السلسلة وجدت فيها أُناسًا لا تشرُف بأن تنتسب إليهم.
قد يقول قائل: إنه لا يمكن أن تجد سندًا نظيفًا من خلال الرُّواة منك إلى صاحب الكتاب، كلهم واحدًا بعد واحد. لكن أنت إذا حرصت على أن يكون شيخك الذي تأخذ عنه هذا العلم وعنه هذه الإجازة يكفيك، وهو يحرص على شيخه وهكذا. أما ما عدا ذلك ممن تجاوز؛ لأنه لن يترتب على ضعفهم وعلى ثقتهم شيء ألبتَّة، فأقول: هذا يعني مناسب لطالب العلم أن يحرص على إجازة، إجازتين، ثلاث من علماء معروفين ثقات يشرُف بالانتساب إليهم، وما عدا ذلك التكثُّر، والتَّزيُّد من هذا تشبُّع لا قيمة له.
طالب: والرواية بالسماع أحسن؟
الرواية بالسماع إذا أمكنت هذه هي الأصل، وهي أعلى طرق التحمُّل، لكن هو الشيخ الذي سُمع منه، سمع من شيخه إلى البخاري؟ كلهم سمعوا؟
طالب: كذا يدَّعون.
إذا كان كلُّهم سمعوا هذه أعلى طرق الرواية، أعلى طرق الرواية. لكن السَّماع لجميع الكتب هذا عَسِر، هذا شاقّ، ما يمكن أن تسمع جميع الكتب المُدونة في الأثبات على هذا الشيخ. لا، ما يمكن أن يتحقق مثل هذا. وهذا هو الذي جعل أهل العلم يعتمدون الإجازة، ويصحّحون الرواية بها، وإلا فالأصل أنها ليست بصحيحة.
طالب:.................
إن أثبت أنك سمعت، لكن هو سمع؟
طالب: هو يدعي أنه سمع.
والذي فوقه إلى البخاري؟
طالب:.............
كل واحد منهم يقول: سمعت فلانًا، أو قرأت على فلان، أو قُرئ على فلان وأنا أسمع، أو قرأ علينا فلان؟
طالب:...............
إذا أمكن فهذه أعلى طرق التَّحمُّل. هذه أعلى طرق التحمل. السماع من لفظ الشيخ، وهذا هو الأصل في الرواية. يليه القراءة على الشيخ التي هي العرض. ووُجد خلاف في أول الأمر أن الرواية بالعرض غير صحيحة، لكنه خلاف شاذّ، أجمع العلماء بعد ذلك على صحة الرواية بالعرض، وأما السماع فلم يختلف فيه أحد.
الأصل: أن النَّبي –عليه الصلاة والسلام- يتكلم، ويُحدِّث، والصّحابة يتلقُّون.
يعني في قصة ضمام بن ثعلب الموجودة في الصحيح، فيها دلالة على صحة الرواية بالعرض، صحة الرواية بالعرض، لذا يقول البخاري: القراءة على العالِم، قراءة العالم والقراءة عليه سواء. ويرى البخاري: أن النوعين واحد، لا فرق بين أن تقرأ على الشيخ، أو يقرأ عليك هو، مع أن بعضهم: يرجح هذا وبعضهم يرجح هذا.
باب قول المحدث: حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وقال لنا الحميدي: كان عند ابن عيينة حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وسمعت واحدًا، كأنه لا يرى الفرق بينهم، أما بالنسبة للسير في البخاري لا يُفرّق بين حدثنا وأخبرنا، ومسلم يفرق بدقَّة. يعني: "كتاب العلم" من صحيح البخاري مملوء بالفوائد العلمية، يعني: لم يُجمَع فوائد العلم مثل جمع الإمام البخاري –رحمه الله-، وفي تراجمه علم لا يوجد عند غيره.
فكثير من طلاب العلم يعتنون بما كتبه المتأخرون في العلم، وأدبه، ويغفلون عما كتبه البخاري– رحمه الله-.
طالب: في الباب السادس.
الباب السادس: باب ما جاء في العلم وقوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه:114]
القراءة والعرض على المحدِّث، ورأى الحسن والثوري ومالك: القراءة جائزةٌ . واحتج بعضهم على قراءة على العالم بحديث ضمام بن ثعلبة، قال للنبي –صلى الله عليه وسلم-: آلله أمرك أن نصلي الصلوات، قال: «نعم». فهذه قراءة على النَّبي –صلى الله عليه وسلم-. أخبر ضمام قومه بذلك فأجازوه.
أجازوه يعني: صحَّحوا روايته؛ لا أنهم أعطوه إجازة ولَّا شيئًا. لا. فأجازوه، واحتج مالك بالصك يُقرأ على القوم فيقال: ناشدنا فلان، ويُقرأ ذلك قراءةً ويُقرأ ذلكَ قراءةً عليهم، ويُقرأ على المقرِئ فيقول القارئ: أقرأني فلان.
جاء شخص للإمام مالك -والإمام ماك معروف أنه لا يقرأ على أحد، كل الروايات عن مالك بطريق العرض- جاءه قال له: أريد أن تقرأ عليَّ الموطأ، قال له: أعراقي أنت؟ لأنه شذّ نفر من أهل العراق، فلم يروا القراءة بالعرض. القراءة أو العرض يُجزِيك في القرآن ولا يُجزيك في الحديث؛ والقرآن أعظم؟ يعني: تقرأ على الشيخ تقرأ عليه القرآن يصحح لك، وتقول: قرأت على فلان، أو أقرأني فلان ولا يُجزئك هذا في الحديث؟ القرآن أعظم، والإمام مالك ما عُرف أنه قرأ على أحد، وإنما يُقرأ عليه.
ومن حيث النَّظر. أولًا: عامة أهل العلم على أن السَّماع أعظم، وأقوى وأصحّ من القراءة على العالم، وبعضهم يقول العكس، يعني بعضهم –نفر يسير- قالوا: لا، العرض على العالِم أقوى، لماذا؟ لأنه إذا كان الشيخ هو الذي يُحدِّث والمتلقِّي –الطَّالب- يستمع قد يُخطِئ الشَّيخ فلا يتمكن الطالب من الرَّد عليه، فلا يتمكن الطالب من الرَّد عليه. لكن إذا كان الطالب هو الذي يقرأ فإنه إذا أخطأ الطالِب فلن يتردد الشيخ في الرَّد عليه.
من صوَر السماع من لفظ الشيخ: الإملاء. الإملاء، قالوا: وهذا أعلى أنواع السَّماع؛ لما يشتمل عليه الإملاء من التَّحرُّز، تحرز كلٍّ من الشيخ والطالب.
يقول: من أراد أن يتقصى روايات البخاري ويتتبع زيادة الألفاظ والاختلاف، فأين يجد غايته؟
 بواسطة تحفة الأشراف يتحقق له هذا الأمر.
يقول: ما هو أفضل شرح لصحيح البخاري حيث إني بحثت عن "فتح الباري" الطبعة السلفية فلم أجد.
الطبعة السلفية موجودة، لكن الذي يبذل يجد، والصورة يعني قلّت من الأسواق، وإلا صوِّر وانتشر. الطبعة السلفية الأولى.
ابن الملقن ينقل عن الكرماني ولا ينسب له، فهل فيه محذور؟
كلهم ينقلون، ولا ينسبون، والنقل قد يتوارد عليه اثنان من كتابٍ واحد، وقد يكون الكرماني ناقلًا عن النووي وابن الملقن ناقلًا عن النووي، وقد يكون هذا ناقلًا عن الخطابي، وهذا ناقلًا عن الخطابي. وقد يقع الحافر على الحافر كما يقولون، لكن عندهم الأمور ماشية بالثِّقة، ولا يحتاجون أن يضيفوا ما نقلوه بدقَّة، فمنهم من يضيف، وقد نقل بالمعنى، ومنهم من ينقل بالحرف ولا يضيف، والتهمة منتفية. أما الآن حينما دُخلت النيات، وطُلب العلم لغير الدِّين تشدد أهل العلم في النَّقل، ورأوا أنه لا بد من العزو إلى المصادر المنقول منها؛ لأن الإنسان قد ينقل ويدَّعي أنَّه من ابتكاره ومن فهمه ومن استنباطه، والواقع أنه نقله بحروفه من غيرِه. الذي في النَّفس منه شيء حينما ينقُل: العيني، من "فتح الباري" الورقة كاملة ولا يضيف إليه، إلا إذا أراد الرَّد عليه، قال: "قال بعضهم" ويقصد بذلك ابن حجر ثم يرد عليه. هذا الذي في النفس منه شيء من القلق، وأما بالنسبة لنقل بعضهم من بعض، كلهم ينقلون، والذي يكون إخلاصه وتوفيق الله –جل وعلا- له أكثر، يكون كتابه أبقى. وإن لم يكن أنفس. الآن كم بين شرح ابن حجر في الطباعة وشرح ابن الملقِّن؟

ابن حجر طُبع سنة ألف وثلاثمائة، وابن الملقن طُبع سنة ألف وأربعمائة وتسع وعشرين، مع أنه قبله وأكثر منه جمعًا، وفيه تحريرات ونفائس، فابن حجر جعل الله له القبول، وتجده يختصر كتابًا وجُهدُه فيه لا يكاد يُذكر ضعيف، ثم بعد ذلك ينتشر كتاب ابن حجر ويُلغَى الأصل، يعني كم بين "تهذيب التهذيب" و "تهذيب الكمال" في المدة في الطبع؟ مع أن "تهذيب التهذيب" لا شيء بالنسبة لـ "تهذيب الكمال".

وكم بين "التلخيص الحبير" الذي طبع قبل ألف وثلاثمائة وبين أصله "البدر المنير" والملخص لا يكاد يُذكر بالنسبة للأصل؟

كم بين كتب ابن حجر الذي اختصرها عن غيره، وبين الكتب الأصلية التي اختصر منها ابن حجر؟ هذا من الله –جل وعلا- يعني: طِيب الذكر، والانتفاع لا شك أنه يفيد المؤلف، حينما يقال: قال –رحمه الله- في كل مكان، ويعظم الانتفاع به، على كل حال النيات الله أعلم بها، لكن القبول من الله –جل وعلا-، القبول من الله. ولذا تجد بعض العلماء يكون عنده من العلم الشيء العظيم، وتجد من دونه يكون أشهر منه، وأكثر عطاءً، وأكثر ازدحام الناس عليه، والدليل على ذلك أن ربيعة بن عبد الرحمن بن أبي عبد الرحمن –ربيعة الرأي- شيخ مالك، وإمام من أئمة المسلمين، يتوسد رداءه في المسجد النبوي ومالك يزدحمون عليه في العشرين من عمره، وشيخه موجود، لما قيل لربيعة: قال: درهم سلطان خير من قنطار علم. يعني إذا كان الإنسان مدعومًا ليس الأمر مردّه إلى السلطان ولا إلى غيره، ليس الأمر كذلك. العلم يشق طريقه، والإخلاص له مدخل كبير في ذلك، ولا يُتَّهم أحد بعينه. أما السلطان لو حاول ما حاول ما يستطيع أن يرفع ولا يضع، فالذي يرفع ويضع هو الله –جل وعلا-.
طالب:...............
لا، هذا بالنسبة للحديث، هذا هو الأصل في الإجازة، أنه لا يسمع الكتاب كاملًا، ولا كان سمع، ولا يحتاج أن يجيزه ولا شيئًا، يقول: سمعت من فلان أو قرأت على فلان، تكون الرواية من أعلى أنواعها. لكن الأصل في الإجازة أنه يقول: أجزتك برواية صحيح البخاري، ولم أسمع منه شيئًا؟ أما بالنسبة للقرآن فالمعروف عندهم أنه لا يمكن أن يجيزه حتى يقرأ عليه القرآن كاملاً.
طالب:.....................
هذا تساهل. هذا تساهل. هذا تساهل.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فتقول عائشة -في حديثها الثالث من الصحيح-، قالت: فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقةَ بن نوفل بن أسد بن عبد العزَّى ابن عم خديجة، وكان امرأً تنصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبرانيّ. كان يكتب: يعني ورقة، كان يكتب الكتاب العبراني: العبراني يعني بالكتابة العبرانية، باللغة العبرانية. فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب. كلام كثير لأهل العلم؛ لأنه جاء في بعض الروايات بالعربية، يكتب من الإنجيل بالعربية؛ لأن يكتب من الإنجيلِ، يكتب بالكتابة العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب. الآن الإنجيل عبراني أم سرياني؟
طالب: سرياني.
سرياني، يترجمه إلى العبرانية، وقد يُترجمه إلى العربية كما في بعض الرواية، يكتب الكتاب العربي، فيكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب. فيترجمه إلى اللغات. وأحيانًا إلى العبرانية وأحيانًا إلى العربية؛ وذلك لتمكنه من اللغات الثلاث.

 قال ابن حجر في رواية يونس ومعمر: ويكتب من الإنجيل بالعربية. ولمسلم: فكان يكتب الكتاب العربي. يقول ابن حجر: والجميع صحيح؛ لأن ورقة تعلم اللسان العبراني والكتابة العبرانيَّة، فكان يكتب الكتاب العبراني كما يكتب بالكتاب العربي؛ لتمكنه من الكتابين واللسانين.
في "إرشاد الساري" يقول: العِبرانية بكسر العين نسبة إلى العِبْر، بكسر العين، العين وإسكان الموحد، زيدت الألف والنون في النسبة على غير قياس. يعني كما يقال: صنعاني، زيدت النون. وكما يقال: رازي، نسبة للري زيدت الزاي، المقصود أنهم يزيدون على غير قياس.
قيل: سميت بذلك؛ لأن الخليل –عليه السلام- تكلم بها لما عبر الفرات فارًّا من النمرود، وقيل: إن التوراة عبرانية، والإنجيل سُريَاني. وعن سفيان: ما نزل من السماء وحي إلا بالعربية، وكانت الأنبياء –عليهم الصلاة والسلام- تترجمه لقومها. يعني ما أرسل رسول إلا بلسان قومه، ما معنى أن الكتاب ينزل بالعربية ثم يترجم إلى قومه؟! يقول سفيان: ما نزل من السماء وحي إلا بالعربية، وكانت الأنبياء –عليهم الصلاة- تترجمه لقومها.

 الآن فيه إشكال في عند المبتدعة في كلام الله –جل وعلا-، فمنهم من يرى أن الكلام واحد، التوراة والإنجيل والزبور والقرآن شيء واحد. شيء واحد. إنما هو اللغات تختلف، القرآن بالعربية، كلام الله واحد عندهم، إن عُبِّر عنه بالعربية صار قرًآنا، وإن عبِّر عنه بالعبرانية صار توراة، وإن عبر عنه بالسُّرَيانية صار إنجيلاً.
يعني: الآن لو جاء واحد وترجم القرآن بالعبرانية وطابقه على "التوراة" تتطابق أم ما تتطابق؟ ما يمكن، ما يمكن، وقُل مثل هذا في الإنجيل لو كتب بالعربية هل يكون قرآنًا؟ لو كان الأمر كذلك لكان لما عُرِض على ورقة ما سمعه النَّبي –عليه الصلاة والسلام- من الملك، لما عرض عليه ما سمع من الملك،  قال: هذه عندي موجودة؛ لأنه يكتب من الإنجيل بالعربية، فإذا ترجم سورة "اقرأ" من التوراة ومن الإنجيل بالعربية قال: هذه عندي. كلامهم هذا باطل. كلامٌ باطل، وهذا معروف عند المبتدعة.
نقل العيني عن الداودي قال: كان يكتب من الإنجيل الذي هو بالعبرانية بهذا الكتاب العربي، فنسبه إلى العبرانية، إذ بها كان يتكلم عيسى –عليه السلام- يكتب بالإنجيل الذي هو بالعبرانية بهذا الكتاب العربي، فنسبه إلى العبرانية؛ إذْ كان بها يتكلم عيسى –عليه السلام-، العيني يقول: لا نسلِّم أن الإنجيل كان عبرانيًّا ولا يُفهم من الحديث ذلك، والذي يُفهم من الحديث أنه كان يعلم الكتابة العبرانيَّة، ويكتب من الإنجيل بالعبرانية، ولا يلزم من ذلك أن يكون الإنجيل عبرانيًّا؛ لأنه يجوز أن يكون ُسريانيًّا. وكان ورقة ينقل منه باللغة العبرانية، وهذا يدل على علمه بالألسن الثلاثة، وتمكنه فيها حيث ينقل السُّريانية إلى العبرانية إلى آخره.

الكرماني يقول: يُفهم منه أن الإنجيل ليس عبرانيًّا، ماذا يقول عندنا؟
طالب:......
كان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية. يكتب يعني: يترجم، يكتبه مترجمًا بالعبرانية، ولو كان عبرانيًّا كان نسخه. يقول الكرماني: يُفهم منه أن الإنجيل ليس عبرانيًّا، وهذا هو المشهور. ونقل عن التيمي قوله: الكلام العبراني هو الذي أُنزل به جميع الكتب. الكتاب العبراني هو الذي أنزل به جميع الكتب كالتوراة والإنجيل ونحوهما. يقول الكرماني: فُهم منه أن الإنجيل عبراني. قال صاحب "الصحيح" العبري: بالكسر العبراني وهو لغة اليهود. أقول: فَهمٌ منه -يعني من التيمي- أن الإنجيل عبراني. يقول صاحب "الصحاح": العبري بالكسر العبراني، وهو لغة اليهود. وما زال اليهود يتكلمون باللغة العبرية. إذًا الإنجيل سُرياني.
وقال ابن حجر: وإنما وصفته بكتابة الإنجيل..
طالب:.............
ماذا؟
طالب:............
نعم؟
طالب:.............
لغاتهم تتطور، لغاتُهم تتطور. فكل أهل جيل لا يقرأون ما كان يكتبُه الجيل الذي قبله، شوف اللغات اللاتينية كيف تطورت؟ يعني مطبوعات القرن الماضي يَعسر قراءتها على أهل هذا القرن. عندهم تطور في اللغات.
قال ابن حجر: إنما وصفته بكتابة الإنجيل دون حفظه؛ لأن حفظ التوراة والإنجيل لم يكن مُتيسِّرا كتيَسّر حفظِ القرآن الذي خُصَّت به هذا الأمَّة، فلهذا جاء في صفتها أن إنجيلها في صدورها. يحفظون، يحفظون القرآن. أقول: بهذا نعرف بطلان قول من زعم أن القرآن عبارة عن كلام الله، وكلامه واحد إن كان بالعربية كان قرآنًا، وإن عُبِّر عنه بالعبرانية كان توراةً، وإن عُبر عنه بالسريانية كان إنجيلاً. ولو كان الأمر كذلك لــ... مثل ما ذكرنا آنفًا.
الآن يستدلون، يستدل الشُّرَّاح على جواز قراءة الهَذّ، ومنهم ابن حجر، لما جاء في "الصحيح" من أن داود يقرأ الزبور.
طالب:............
نعم. يقرأ الزّبور أثناء تجهيز راحلَته، والزَّبور هو القرآن إلا أنه بلغةٍ أخرى! على كلامه، على اختيارهم أن كلام الله واحد، إن عُبِّر عنه بأي لغة صار هو كتابهم. وإلا كلام الله واحد لا يتغير، ولا يتكلم في الأزل بكلام واحد لا يتغير. كلام أهل السُّنة في هذا معروف، أن الله- جلَّ وعلا- يتكلَّم متى شاء إذا شاء على ما يليق بجلاله وعظمته بصوتٍ وحرف لا يشبه أصوات المخلوقين ولا حروفهم. المقصود: أنهم استدلوا، وممن استدلَّ بهذا ابن حجر، والقصة في "الصحيح" والاستدلال في "فتح الباري". 
داود يقرأ الزبور في وقت تجهيز الرَّاحلة. استدلوا بهذا على أنه ما يمكن أن يُقرأ ثلاثين جزءًا والراحلة تجهَّز إلا على طريقةٍ سريعةٍ جدًّا. لكن هل هذا استدلال بمحله؟ ليس في محله. لماذا؟ لأن الزبور لعله ما يجيء جزءًا، وهو جارٍ على قاعدة في أن الزبور هو القرآن، والزبور هو الإنجيل، والزبور هو التوراة، لكن اللغات تختلف. يعني: لو كان الزبور أو الإنجيل أو التوراة هو القرآن تختلف الشرائع؟ كل الشرائع واحدة، شرائع متطابقة؛ لأن الترجمة لا أثر لها في العمل، ليس لها أثر في العمل، يعني كما أمرنا بالصلاة يؤمرون بالصلاة، أمرنا بالجهاد أمروا بالجهاد، أمرنا بالصيام {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة:183]،  نفس الحروف إلا أن اللغات تختلف، طيب: ما جاء في القرآن من الرَّدود عليهم؟
نعم؟
وما جاء في وقائع حصلت لهذه الأمة؟ يعني حينما يقول القرآن: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ} [التوبة:40] يعني هذه قيلت لموسى وشخص معه؟! إلى غير ذلك من الأدلة التي مجرد تصور هذا الكلام يكفي في الرَّد عليهم، مجرد التصور لهذا الكلام يكفي في الرَّد عليهم.
طالب:............
يأتي هذا في السبب في كون ورقة قال: الذي أنزل على موسى، ما قال: على عيسى.
طالب:.........
نعم.
طالب:...........
محرَّفة، محرَّفة.
طالب:...........
لا، هو يكتب الكتب الإلهية؛ لأنه يتعبَّد بالنَّصرانية التي لم تحرَّف، على ما ذُكر في ترجمته.
طالب: الطلاب الذين يسافرون  للخارج للدراسة.
نعم.
طالب: .........زيارتها من باب تبادل معلومات، وإذا وصل إلى كنيسة دعوا صراحة إليها، ...مطويات، وكلام كله........يقترح عليهم من باب الزيارة للكنائس للتعرف وهكذا ما حكم هذا.....؟
هذه دعوة، دعوة صريحة، دعوة إلى النصرانية، لعله أن يعلق بذهنه شيء، شبهة مثلاً أو يستحسن شيئًا فيزيد، هذه دعوة.
طالب: هل تجوز تلبيتها؟
لا، ما تجوز إطلاقًا، ما تجوز.
قال: وكان شيخًا كبيرًا قد عمي. كان ورقة شيخًا كبيرًا، قد عَمِي: حال. يقول ابن الملقن: فيه جواز ذكرِ العاهة التي بالشَّخص، ولا يكون ذلك غيبة.
يعني: إذا قُصِد تمييزه عن غيره بصفةٍ تخصُّه، تُميزه عن غيره، أو لبيان هيئته وحاله من غير قصدٍ لتنقُّصِه فذُكِر كثيرٌ من أهلِ العلم بعاهاتهم. كثير من الناس ذكر الأعمش والأعرج والأعمى والأكمه، كل هذا ذُكِر؛ لأنه لا يُراد به شينه ولا عيبه، وليس من باب نبذه بهذا اللقب الذي هو في الأصل عاهة ونقص. ومثل هذه العاهة هي في حقِّ بعض النَّاس منحة إلهيَّة، بحسب ما يترتب عليها من ثوابٍ أو عقاب، كما أنَّ الاتصاف بأضدادها من توافر النِّعم من السَّمع والبصر، وغيرهما نِعَم، لكنَّها قد تكون نِقَمًا. إذا استغِلّت فيما يُرضي الله –جل وعلا- واستفيد منها فيما يقرِّب إليه صارت نِعَمًا، وإذا كان الأمر بالعكس صارت نِقَمًا، يؤاخذ عليها ويُحاسب بها، والعبرة بما يصرِفُه الإنسان من هذه النِّعم، فإن صرفه بما يقرِّب إلى الله وأدَّى شكر هذه النِّعمة صارت نعمة بالفعل يثاب عليها ويستحقُّ المزيد، وإلَّا صارت نِقمًا.

يعني: السَّمع تستمع به كلامَ الله، وتسمع وتستمتع به الكلام المحرَّم الفاحش البذيء، الغيبة، النميمة، الأغاني وغيرها، كلُّه وبال عليك، يكون الأصم أفضل منك. وكذلك البصر إما أن تنظر فيه بما يقربك إلى الله، وتقرأ في كلامه وكلام أهل العلم وتستفيد به، يصير نعمة، وإلَّا فالعكس، إن قرأت به أو نظرت به ما يضرُّك صار نقمَة، وكونه يقال: فلان الأعمش، حدثنا الأعمش أو الأعرج، وكان قد عَمي، كل هذه أمور إنما يُراد منها بيان الهيئة الحاصلة الواقعة، لا يراد بها شين الرجل ولا التنقُّص ولا التندُّر به ولا التفكُّه به. هذا لا إشكال فيه. جرى عليه الناس من الصدر الأول وإلى يومنا هذا، لكن إذا أريد به نبذه أو التقليل من شأنه فإنه حينئذٍ لا يجوز.
"فقالت له خديجة: يا ابن عمي". قال ابن حجر هذه النداء على حقيقته. يا ابن عمي. ووقع في مسلم: يا عمِّ. هنا تقول: يا ابن عمِّي، في صحيح مسلم: يا عمِّي. أكثر الشُّراح يقولون: كلاهما صحيح، هو أكبر منها سنًّا فمن باب التقدير قالت له: يا عم، وإلَّا فهو في مرتبتها، فهو ابن عمها، هو وإياها في المرتبة سواء في النسب على ما تقدّم.
يقول الكرماني وابن الملقن وقبلهما النووي: كلاهما صحيح.
أما الأول، فلأنه ابن عمها حقيقة، وأما الثاني فسمته عمًّا مجازًا للاحترام، وهذه عادة العرب يخاطبون الصغير والكبير بـ "يا عم" احترامًا له ورفعًا لمرتبته. يعني من باب التقدير إذا رأيت شخصًا أكبر منك قل: يا عم، هذا معروف ومألوف. ولا يترتب عليه أحكام شرعيَّة لا يترتب عليه أحكام شرعية، يقال: والله أنا سمعتك تقول: يا عمّ، فإذا مات أحدكما يرث الآخر وما أشبه ذلك، إذا لم يكن هناك أقربية، ما يترتب عليه حكم شرعي، إنما هو من باب الاحترام فقط.

الحافظ ابن حجر يقول: وقع في مسلم: "يا عم" وهو وهمٌ. الشراح الثلاثة يقولون: كلاهما صحيح، هذا محمول على إرادة الحقيقة، وهذا محمول على إرادة الاحترام. قال ابن حجر: وهو وهمٌ؛ لأنه وإن كان صحيحًا لجواز إرادة التوقير، لكن القصة لم تتعدد. يعني: هي قالت أحد اللفظين لا غير، القصة لم تتعدد. يعني: ما فيه احتمال أن تكون مرة قالت: يا عم، ومرة قالت: يا ابن عم، هي مرة واحدة قالتها، هل قالت: يا عم أو قالت: يا ابن عم؟ قال: وهو وهمٌ؛ لأنه وإن كان صحيحًا لجواز إرادة التوقير، لكن القصة لم تتعدد، ومخرجها ُمتَّحِد، فلا يُحمل على أنها قالت ذلك مرَّتين، فتعيَّن الحمل على الحقيقة، وإنما جوَّزنا ذلك فيما مضى في "العبراني" والعربي؛ لأنه من كلام الرَّاوي في وصف ورقة، واختلفت المخارج، فأمكن التِّعداد، وهذا الحُكم يطَّرد في جميع ما أشبهه.

هذه فائدة نفيسة يحتاج إليها في كثير من الاختلافات. قال: فلا يُحملُ قصة واحدة لم تتعدد ومخرجها متحد والقائل واحد، القائل: خديجة، ليس الكلام يحتمل أن يكون من خديجة، ويحتمل أن يكون من عائشة، يحتمل أن يكون ممن روى عن عائشة، يحتمل أن يكون من البخاري، من شيخ البخاري، لا، الذي قال: يا عم أو قالت: ابن عم هي خديجة، لكن "كان يكتب الكتاب العبراني، أو العربي". من الذي يتحدث؟ الراوي بغض النظر عن كونه الأول، أو الثاني، أو الثالث، هو وصف لورقة، يوصف بأوصاف، فكل راوٍ يصفه بما يعرفه من أوصافه. قال: وإنما جوَّزنا ذلك فما مضى في العبراني والعربي؛ لأنه من كلام الرَّاوي في وصف ورقة، واختلفت المخارج. يعني تعدد الرواة، فالوصف يحتمل أن يكون من الأول والوصف الثاني يحتمل أن يكون من الثاني وهكذا. واختلفت المخارج فأمكن التعداد، وهذا الحكم يطرد في جميع ما أشبهه.
يعني: إذا جاء في ذكر: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا»، وفي رواية "كبيرًا" يعني: هل يحتمل أن النَّبي –عليه الصلاة والسلام- قال اللفظين؟
طالب:........
نعم. الأصل أنه واحد، فبعض الرواة قال: كثيرًا، وبعضهم قال: كبيرًا. وحينئذٍ نحتاج إلى أن نرجِّح بين اللفظين؛ لنعتمده؛ لأن هذا ذكر، فنعتمد أرجح اللفظين.
 
 طالب:.............
لا، هو إذا كان اللفظ غير محتمل، يعني ما هو بوصف من الرُّواة، إذا كان وصفًا يحتمل أن كل واحد من الرواة وصف، وحينئذٍ لا يمنع أن يكون هذا اللفظ وصف راوٍ، واللفظ الثاني وصف راوٍ ثانٍ.
طالب:...............
يعني: إذا أمكن صدوره أو صدور الجميع من الرُّواة، أما إذا لم يمكن صدور الجميع، فلا بد أن يُصحَّح واحد، ويحكم على غيره من المرجوحات بالشذوذ.
"قالت: تسمع من ابن أخيك. اسمع من ابن أخيك" قالوا: إنما أطلقت الأخوة؛ لأن الأب الثالث، قالت: ابن أخيك، قالوا: لأن الأب الثالث لورقة أخٌ للأب الرابع لرسول الله –صلى الله عليه وسلَّم-، فالرَّسول –عليه الصلاة والسلام- أنزل من ورقة بدرجة، وورقة أعلى منه في النسب بدرجة. وإذا كان الأمر كذلك فالعمُّ أرفع من ابن أخيه بدرجة، وابن الأخ أنزل من عمِّه بدرجة، هو من هذه الحيثية ليس أبو ورقة...
طالب:..............
جدًّا للنبي –عليه الصلاة والسلام- مباشرة، ليس مباشرة، يعني مع البُعد الثالث يقابل الرَّابع، يقابل الرَّابع، فالنَّبي –عليه الصلاة والسلام- في النَّسب أنزل من ورقة بدرجة، فكأن ورقة أخٌ لوالد النَّبي –عليه الصلاة والسلام- فهو بمنزلة العم، والنَّبي –عليه الصلاة والسلام- بمنزلة ابن الأخ.
في قولها: "من ابن أخيك" هذا من باب الاستعطاف من أجل أن ينظر في أمرِه، ويمْحَضه النصيحة؛ لأنه عُرف باتباعه وجزالةِ رأيه، فمثل هذا يُتلطَّف معهُ في الخطابِ.
يقول الكرماني: أو جعلته عمًّا لرسول الله –صلى الله عليه وسلم- أيضًا احترامًا له على سبيل التجوَّز، لكن إذا عرفنا أن النَّبي –عليه الصلاة والسلام- أنزل من ورقة بدرجة، قيل له: صحَّ إطلاق العمومة للأعلى وابن الأخ للأدنى. قال ابن حجر: وفيه إرشاد إلى أن صاحب الحجة يقدِّم بين يديه من يعرِّفه بقدرِه ممن يكون أقرب منه إلى المسؤول، وذلك مستَفاد من قول خديجة لورقة: "اسمع من ابن أخيك" أرادت بذلك أن يتأهب لسماع كلام النَّبي –صلى الله عليه وسلم-، وذلك أبلغ.

 في المطبوع من "فتح الباري" التعليم، وفي نسخةٍ: التعظيم. نعم، أبلغ في التعظيم أو في التعليم.
بعض الناس يحرص على مثل هذا، إذا أراد أن، هو يرى لنفسه حقًّا، وأن له منزلة وأنه له شأن، ولو ذهب بمفرده إلى أي جهةٍ يُحتاجُ إليها لا يقدْرونه حقَّ قدرِه، فيحتاج إلى أن يذهب بمن يعرِّف به بين يديه: هذا فلان العامل الفاعل التارك إن كان عنده شهادات أم شيء ذكرها، وقد لا يكون يريد بذلك نفعًا من هذا الذي تُوسِّل إليه بهذه المدائح، إنما مجرَّد بيان منزلته؛ ليقدر حق قدرِه، ليُمدح أمام من يُتحدث إليه، هذا لا شك أنه نقص في شخصيَّة هذا الذي يقدِّم بين يديه من يعرف به، لكن قد يحتاج إليه، قد يحتاج إلى مثل هذا، لكن إذا دعت الحاجة إلى مثل ذلك فلا بأس، أما إذا كان من غير داعٍ إلا لمجرد إظهار منزلة هذا الرجل، ومكانته؛ ليُحترم ويُعظَّم في النُّفوس فإن هذه حقيقةٌ مرَّة.
طالب:..............
يعني تقديم الكارت مثلاً ليُعرَف أنه يحمل شهادات ويتسلم مناصب، يعني: نرى بض الناس يكتب على متاعه، فلان بن فلان، رئيس كذا، مدير كذا، أحيانًا يكتب سابقًا وأحيانًا لاحقًا، يكتب كل ما تولَّاه على .. هذا كلام فاضٍ، هذا لا يفيد شيئًا، لا يُجدي ولا يُغني عن صاحبه شيئًا، بل العكس، قد يكون مردوده قد يُعاقب بنقيض قصده، وأسوأ من ذلك إذا دخلت في باب العلم والتَّعليم. يعني: إنسان يأتي بسيرته الذاتيَّة ويعطيها المقدِّم، كانت هناك محاضرة أو درس يعطيه، إما علنًا أو هذا أسهل، أو خفية من تحت المنصة من أجل أن يقرأها المقدم، وليت الأمر يقتصر على ذلك، بل حصل هذا من بعض الشباب، ولما انتهى المقدِّم، لامه هذا الشخص وقال: سامحك الله قطعت عنق صاحبك، وأنا ما أرضى بمثل هذا. لكن مثل هذا لو كُشِف وبُيِّن حقيقة أمره كان هذا هو الأصل؛ ليتأدب هو وأمثاله، لا يمكن أن تمر مثل هذه التصرفات من غير تنبيه؛ لأنك تجرئه وتجرئ غيره على مثل هذا الصنيع، مع الأسف أنا نسمع  الكيل بالمكاييل التي لا حدَّ لها من الثناء والمدح، ويُتبادل من هذا إلى هذا، ما كنَّا نعرف مثل هذا ألبتَّة، شيوخنا لا يعرفون مثل هذا الأمر، لكن لمَّا جاءت الدراسات النظاميَّة والرسائل، والطالب يثني على المشرف، والمشرف يثني على الطالب، والمناقش كذلك، ويصير مسألة كيل مدائح بعضها بحق، وبعضها بباطل، وحقُّها لا ينبغي فضلاً عن باطلاها-والله أعلم-.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.