التعليق على الموافقات (1435) - 04

عنوان الدرس: 
التعليق على الموافقات (1435) - 04
عنوان السلسلة: 
التعليق على الموافقات
تاريخ النشر: 
الثلاثاء, 1 شعبان, 1439 - 10:15

سماع الدرس

نعم.

طالب: أحسن الله إليك.

 الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- إتمامًا للمسألة الثانية: "والثالث: أن نوعًا من الاجتهاد لا يفتقر إلى شيء من تلك العلوم أن يعرفه، فضلاً أن يكون مجتهدًا فيه".

ما هو بـ"فإن قيل"؟

طالب: نقرأ من.......

(الدقيقة 27.15 من الدرس رقم4 شرح كتاب الموافقات) تابعة للسابق.

طالب: "فإن قيل: إن جاز أن يكون مقلدًا في بعض ما يتعلق بالاجتهاد، لم تصف له مسألة معلومة؛ لأن مسألةً يقلد في بعض مقدماتها لا تكون مجتهدًا فيها بإطلاق".

ذكرنا أكثر من مرة أن الاجتهاد المطلق بمعنى الإطلاق مستحيل، وذكرنا مثالاً: لو أن شخصًا أراد أن يستدل بآية أو بحديث، الآية ثابتة ما يحتاج أن يسأل عن سند ولا شيء ولا متن ولا، لكن قراءاتها، دلالتها، كيفية الاستنباط منها؟ نعم دلالاتها من جميع أنواع الدلالة، معناها من حيث اللغة، لا بد أن يقلد أهل اللغة في معناها، لا بد أن يقلد أهل الغريب، لا بد أن ينظر في كلامهم. في الحديث مثلاً وهو أشق، لا بد من ثبوته عنده، وثبوته ينبني عليه أن يجمع طرقه، وينظر في أسانيده وفي متنه، وينظر في الأسانيد الرواة راويًا راويًا بجميع ما قاله أهل العلم في كل راوٍ، ويصل إلى النتيجة في هذا الراوي في الحكم على الراوي بنفسه لا يقلد فيه أحدًا. مثل هذا يتيسر لكل أحد؟ في كل مسألة وفي كل دليل هل يتأتى مثل هذا؟ الاجتهاد المطلق بمعنى الإطلاق ضرب من الخيال؛ لأنه عدوان على قوله -جل وعلا-: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً} [الإسراء: 85].

طالب: "فلم يمكن أن يوصف صاحبها بصفة الاجتهاد بإطلاق، وكلامنا إنما هو في مجتهد يعتمد على اجتهاده بإطلاق، ولا يكون كذلك مع تقليده في بعض المعارف المبني عليها. فالجواب: إن ذلك شرط في العلم بالمسألة المجتهد".

القاضي والحاكم له أعوان يعتمد عليهم، في المحاكم الشرعية ما يسمى بهيئة النظر، إذا أراد أن يبت في شيء في قضية من القضايا تحتاج إلى نظر من قبل الهيئة، وكثير منهم ليست لديهم أدوات الاجتهاد العلمي، لكن لديهم النظر فيما أُرسلوا إليه، يعرفها أهل الخبرة، فالقاضي يعتمد عليهم. هل نقول: إن القاضي اجتهد اجتهادًا مطلقًا بمعنى الإطلاق في حكمه في هذه القضية؟ ما يمكن.

طالب: "فالجواب: إن ذلك شرط في العلم بالمسألة المجتهد فيها بإطلاق لا شرط في صحة الاجتهاد؛ لأن تلك المعارف ليست جزءًا من ماهية الاجتهاد، وإنما الاجتهاد يُتوصل إليه بها، فإذا كانت محصلةً بتقليد أو باجتهاد أو بفرض محال، بحيث يفرض تسليم صاحب تلك
المعارف المجتهد فيها ما حُصل هذا، ثم بنى عليه؛ كان بناؤه صحيحًا؛ لأن الاجتهاد هو استفراغ الوسع في تحصيل العلم أو الظن بالحكم، وهو قد وقع، ويبين ذلك ما تقدم في الوجه الثاني، وأن العلماء الذين بلغوا درجة الاجتهاد عند عامة الناس، كمالك والشافعي وأبي حنيفة، كان لهم أتباع أخذوا عنهم وانتفعوا بهم، وصاروا في عداد أهل الاجتهاد"
.

ومنهم من هو بلغ ممن بلغ مرتبة الاجتهاد المقيد بالمذهب، يسمى اجتهادًا، ومنهم من أتباع الأئمة من بلغ الاجتهاد الذي يسمونه المطلق الذي يدور على ألسنتهم، وهو المطلق النسبي، الإطلاق النسبي، الذي هو في مقدور أمثالهم، ومع ذلك لا يزالون مقلدين وتابعين لأئمتهم. نعم.

طالب: أحسن الله إليك، وصف التحقيق يا شيخ لما يقال هذا محقق؟

كيف؟

طالب: من المحققين؟

المحقق الذي يصل إلى المسألة بنفسه غالبًا، ويصل إليها ويكون حليفه الصواب غالبًا، ونرى استعمالها على ألسنة الناس من أهل العلم من يكثرون ذكرها، يصفون العلماء أحيانًا بالمحقق إذا كان قوله يوافق ما توصل إليه، قد يطلقونها بإزاء هذا التصور.

طالب: لدعم مذهب؟

نعم.

طالب: "كان لهم أتباع أخذوا عنهم، وانتفعوا بهم، وصاروا في عداد أهل الاجتهاد، مع أنهم عند الناس مقلدون في الأصول لأئمتهم، ثم اجتهدوا بناءً على مقدمات مقلد فيها، واعتُبرت أقوالهم، واتُّبعت آراؤهم، وعُمل على وفقها، مع مخالفتهم لأئمتهم وموافقتهم، فصار قول ابن القاسم أو قول أشهب أو غيرهما معتبرًا في الخلاف على إمامهم، كما كان أبو يوسف ومحمد بن الحسن مع أبي حنيفة، والمزني والبويطي مع الشافعي، فإذًا لا ضرر على الاجتهاد مع التقليد في بعض القواعد المتعلقة بالمسألة المجتَهد فيها.

وأما الثاني من المطالب: وهو فرض علم تتوقف صحة الاجتهاد عليه، فإن كان ثَم علم لا يحصل الاجتهاد في الشريعة إلا بالاجتهاد فيه، فهو بلا بد مضطر إليه؛ لأنه إذا فُرض كذلك لم يمكن في العادة الوصول إلى درجة الاجتهاد دونه، فلا بد من تحصيله على تمامه، وهو ظاهر، إلا أن هذا العلم مبهم في الجملة فيُسأل عن تعيينه".

على كل حال هو مبين ومعين عند أهل العلم، فشروط المجتهد معروفة عند أهل العلم والعلوم والمعارف التي يجب على من أراد الاجتهاد وحدثته نفسه به أن يتعلمها، مدونة في كتب أهل العلم. لكن يبقى أن العلماء قديمًا وحديثًا لهم من يساعدهم في علومهم وبحوثهم إلى الوصول إلى الحكم، تجد عنده طلابًا يكلفهم، ابحثوا أدلة كذا، ابحثوا مأخذ كذا، ابحثوا، ثم يجمع هذه البحوث، وينظر فيها، ويوازن بينها، ويخرج بحكم صائب هو حكمه في المسألة، وإن كانت الوسائل مستمدة ومعان عليها من قِبل طلابه أو الباحثين عنده. هذا موجود في القديم والحديث، ولا ينفي ذلك أن يكون من أهل الاجتهاد؛ لأن الاجتهاد لا يلزم منه حفظ كل شيء وأن يكون حاضرًا في ذهنه أو يتوصل إلى ذلك بنفسه في الاطلاع على المسائل وأدلتها بنفسه، إذا جُمعت له ونظر فيها ووازن بينها وهو لديه الأهلية لذلك يكفي.

طالب: "والأقرب في العلوم إلى أن يكون هكذا علم اللغة العربية، ولا أعني بذلك النحو وحده، ولا التصريف وحده، ولا اللغة، ولا علم المعاني، ولا غير ذلك من أنواع العلوم المتعلقة باللسان؛ بل المراد جملة علم اللسان ألفاظ أو معاني كيف تُصورت، ما عدا الغريب، والتصريف المسمى بالفعل، وما يتعلق بالشعر من حيث هو شعر كالعروض والقافية، فإن هذا غير مفتقر إليه هنا".

الذي يصل إلى مرتبة الاجتهاد وليس عنده من علم الشعر شيء. لكن بقية فروع العربية المجتهد بأمس الحاجة إليها.

طالب: أحسن الله إليك....... علم الغريب؟

علم الغريب إذا كان الغريب به النادر الشاذ فله أن يستثني، أما الغريب الذي يشكل معناه على المتعلمين فلا بد من معرفته، سواء كان في غريب القرآن أو غريب الحديث أو غريب اللغة أيضًا.

طالب: "وإن كان العلم به كمالاً في العلم بالعربية، وبيان تعين هذا العلم ما تقدم في كتاب المقاصد من أن الشريعة عربية، وإذا كانت عربيةً فلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم؛ لأنهما سيان في النمط ما عدا وجوه الإعجاز، فإذا فرضنا مبتدئًا في فهم العربية فهو مبتدئ في فهم الشريعة، أو متوسطًا فهو متوسط في فهم الشريعة، والمتوسط لم يبلغ درجة النهاية".

يعني لو افترضنا طالب علم يحفظ القرآن، ويحفظ من الحديث ما يحفظ، ويحفظ من متون العلم ما يحفظ، وهو في العربية صفر، في العربية ما يفهم شيئًا، هل يتوقع في يوم من الأيام أن يكون إمام أمة أو مجتهدًا؟ لا؛ لأن القرآن عربي، والحديث بلسان عربي، بلسان محمد -عليه الصلاة والسلام-، فلا يمكن أن يتوصل إلى فهم هذه أعني نصوص الوحيين بغير العربية. لكن هل يلزم من هذا الاشتراط أن يساوي الأئمة الكبار في العربية؟ لا، المقصود أن يأخذ من العربية ما يحتاج إليه.

طالب: "فإن انتهى إلى درجة الغاية في العربية كان كذلك في الشريعة، فكان فهمه فيها حجةً كما كان فهم الصحابة وغيرهم من الفصحاء الذين فهموا القرآن حجة، فمن لم يبلغ شأوهم، فقد نقصه من فهم الشريعة بمقدار التقصير عنهم، وكل من قصر فهمه لم يعد حجة، ولا كان قوله فيها مقبولاً، فلا بد من أن يبلغ في العربية مبلغ الأئمة فيها، كالخليل وسيبويه، والأخفش والجَرْمِي والمازني ومن سواهم، وقد قال الجَرْمِي: أنا منذ ثلاثين سنة أُفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه. وفسروا ذلك بعد الاعتراف به بأنه كان صاحب حديث، وكتاب سيبويه يُتعلم منه النظر والتفتيش، والمراد بذلك: أن سيبويه وإن تكلم في النحو، فقد نبه في كلامه على مقاصد العرب، وأنحاء تصرفاتها في ألفاظها ومعانيها، ولم يقتصر فيه على بيان أن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب ونحو ذلك؛ بل هو يبين في كل باب ما يليق به، حتى إنه احتوى على علم المعاني والبيان ووجوه تصرفات الألفاظ والمعاني. ومن هنالك كان الجرمي على ما قال، وهو كلام يُروى عنه في صدر كتاب سيبويه من غير إنكار".

"في صدر" أو "في صدد"، يعني فيه كلام يُروى فيه في حقه، نعم. ماذا يقول بالحاشية؟

طالب: .......

ماذا؟

طالب: يقول في الحاشية: "صدد" بالدال في الآخر.......

طالب: "صدر" عندي.

نعم، "صدد" يعني في حقه، يقول: في حق كتاب سيبويه.

طالب: .......

أما إذا كان مدونًا في مقدمة كتاب سيبويه صار في صدره.

طالب: كأن هذا الذي هجم على المعنى؟

ماذا؟

طالب: أقول كأن هذا الذي هجم على المعنى في إثبات هذه اللفظة؟

"صدر"؟

طالب: نعم، في الراء.

يعني هو قبل سيبويه أو بعده؟

طالب: هو بعد سيبويه.

خلاص.

طالب: .......

إما شرح، نعم له تعليقان على سيبويه. على كل حال كلام متداول ومعروف، ومعناه معروف، ذكر تفسيره هنا.

طالب: "ولا يقال: إن الأصوليين قد نفوا هذه المبالغة في فهم العربية، فقالوا: ليس على الأصولي أن يبلغ في العربية مبلغ الخليل وسيبويه وأبي عبيدة والأصمعي، الباحثين عن دقائق الإعراب ومشكلات اللغة، وإنما يكفيه أن يحصل منها ما تتيسر به معرفة ما يتعلق بالأحكام بالكتاب والسنة؛ لأنا نقول: هذا غير ما تقدم تقريره، وقد قال الغزالي في هذا الشرط: إنه القدر الذي يُفهم به خطاب العرب وعادتهم في الاستعمال، حتى يميز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله، وحقيقته ومجازه، وعامه وخاصه، ومحكمه ومتشابهه".

ومع ذلك لا يلزمه أن يساوي هؤلاء الأئمة الخليل وسيبويه ونظرائهم، لكن لا بد أن يوجد في نفسه قبول لهذا العلم، وينفتح له مغاليق هذا العلم، ولو لم يسترسل فيه ويستطرد؛ لأن بعض الناس تجده يحفظ المطولات وهو ما وصل إلى كنه هذا العلم ولا إلى حقيقته، ومنهم من ينظر في مختصره وشرحه ومع قراءته في التفاسير وما قاله أهل العلم في إعراب الآيات وشروح الأحاديث، وما ذكروه من مباحث العربية في الشروح، تجده يكون عنده من الأهلية في فهم هذا العلم والتفقه فيه أكثر من المتخصصين. ووقفنا على أقوال لأهل الكلام في التفاسير وفي شروح الحديث ما لم يقف عليها أبرع المتخصصين؛ لأنه ما وقفوا عليها في مواضعها من التطبيق؛ لأن الغاية الكتاب والسنة، فكيف نطبق هذه العلوم على الكتاب والسنة؟ تجد في كتب التفسير وكتب الحديث كثيرًا من التطبيقات على الآيات والأحاديث، هذا الذي ينبغي أن يُعتنى به بعد أخذ المقدمات التي تعين على فهم هذا الكلام.

طالب: "وحقيقته ومجازه، وعامه وخاصه، ومحكمه ومتشابهه، ومطلقه ومقيده، ونصه وفحواه، ولحنه ومفهمومه. وهذا الذي اشترط لا يحصل إلا لمن بلغ في اللغة العربية درجة الاجتهاد.

 ثم قال: والتخفيف فيه أنه لا يُشترط أن يبلغ مبلغ الخليل والمبرد، وأن يعلم جميع اللغة، ويتعمق في النحو. وهذا أيضًا صحيح، فالذي نفى اللزوم فيه ليس هو المقصود في الاشتراط، وإنما المقصود تحرير الفهم حتى يضاهي العربي في ذلك المقدار. وليس من شرط العربي أن يعرف جميع اللغة، ولا أن يستعمل الدقائق، فكذلك المجتهد في العربية، فكذلك المجتهد في الشريعة، وربما يفهم بعض الناس أنه لا يُشترط أن يبلغ مبلغ الخليل وسيبويه في الاجتهاد في العربية، فيبني في العربية على التقليد المحض، فيأتي في الكلام على مسائل الشرعية بما السكوت أولى به منه، وإن كان ممن تُعقد عليه الخناصر جلالةً في الدين، وعلمًا في الأئمة المهتدين".

يعني قد يكون بعض الأئمة اشتهر أمره وذاع صيته واقتنع به الناس وقلدوه وداروا معه حيثما دار، لكن إذا تكلم في دقائق العلوم التي يتطلبها الاجتهاد أتى بما هو دون مستواه كثيرًا، والله المستعان.

طالب: "وقد أشار الشافعي في رسالته إلى هذا المعنى، وأن الله خاطب العرب بكتابه بلسانها على ما تعرف من معانيها، ثم ذكر مما يُعرف من معانيها اتساع لسانها، وأن تخاطب بالعام مرادًا به ظاهره".

يعني العام مراد به العموم، لا يراد به الخصوص وليس بمخصوص.

طالب: "وبالعام يراد به العام ويدخله الخصوص، ويستدل على ذلك ببعض ما يدخله في الكلام، وبالعام يراد به الخاص ويعرف بالسياق، وبالكلام ينبئ أوله عن آخره وآخره عن أوله، وأن تتكلم بالشيء تعرفه بالمعنى دون اللفظ كما تعرف بالإشارة، وتسمي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة والمعاني الكثيرة بالاسم الواحد".

يعني من المترادف والمتواطئ والمشترك، والعام المراد به العموم في مثل: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 20]، والعام الذي دخله الخصوص، العام المخصوص، والعام الذي لم يرد ما يخصصه بنص آخر، وإنما من الأصل يراد به الخصوص.

طالب: "ثم قال: فمن جهل هذا من لسانها، وبلسانها نزل الكتاب وجاءت به السنة، فتكلَّف القول في علمها تكلُّف ما يجهل بعضه، ومن تكلف ما جهل وما لم تثبته معرفته، كانت موافقته للصواب إن وافقه من حيث لا يعرف غير محمودة، وكان بخطئه غير معذور".

يعني كمن يحكم بغير الحكم الشرعي ثم يوافقه، يكون حكمه، هو حاكم بقانون وضعي، لكن في النهاية حكم القانون الوضعي وافق حكم الكتاب، هذا يمدح أم يُذم؟ هذا مذموم؛ لأنه حكم بغير ما أنزل الله، وموافقته لحكم الله لا تشفع له.

طالب: "وكان بخطئه غير معذور إذا نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بين الصواب والخطأ فيه. هذا قوله، وهو الحق الذي لا محيص عنه، وغالب ما صُنف في أصول الفقه من الفنون إنما هو من المطالب العربية التي تكفل المجتهد فيها بالجواب عنها، وما سواها من المقدمات، فقد يكفي فيه التقليد، كالكلام في الأحكام تصورًا وتصديقًا، كأحكام النسخ، وأحكام الحديث، وما أشبه ذلك. فالحاصل أنه لا غنى للمجتهد في الشريعة عن بلوغ درجة الاجتهاد في كلام العرب، بحيث يصير فهم خطابها له وصفًا غير متكلف ولا متوقف فيه في الغالب، إلا بمقدار توقف الفطن لكلام اللبيب.

وأما الثالث من المطالب: وهو أنه لا يلزم في غير العربية من العلوم أن يكون المجتهد عالمًا بها، فقد مر ما يدل عليه، فإن المجتهد إذا بنى اجتهاده على التقليد في بعض المقدمات السابقة عليه، فذلك لا يضره في كونه مجتهدًا في عين مسألته، كالمهندس إذا بنى بعض براهينه على صحة وجود الدائرة مثلاً، فلا يضره في صحة برهان تقليده لصاحب ما بعد الطبيعة وهو المبرهن على وجودها، وإن كان المهندس لا يعرف ذلك بالبرهان. وكما قالوا في تقليد الشافعي في علم الحديث، ولم يقدح ذلك من صحة اجتهاده؛ بل كما يبني القاضي في تغريم قيمة المتلف على اجتهاد المقوم للسلع وإن لم يعرف هو ذلك".

يعني مثل ما قلنا في هيئة النظر، يبني على كلامهم، وهم ليس لهم من المقدمات التي تؤهلهم لفهم العلم، إنما يفهمون ما وُجِّهوا إليه.

طالب: "ولا يخرجه ذلك عن درجة الاجتهاد، وكما بنى مالك أحكام الحيض والنفاس على ما يعرفه النساء من عاداتهن، وإن كان هو غير عارف به، وما أشبه ذلك".

اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

طالب: أحسن الله إليك يا شيخ.

نعم.

طالب: .......

لا، المجتهد إذا وصل إلى هذه المرتبة وتأهل لها، لا يضره سواء جمع المادة بنفسه أو جُمعت له، يعني في الكتاب الذي معي في هامشه أن ابن العربي هو القائل بوحدة الوجود، وهذا الكلام ليس بصحيح، هذا ابن العربي المالكي أبو بكر صاحب العارضة وصاحب أحكام القرآن وغيرها من الكتب.

يقول: يكثر في كثير من الأشعار وأبيات الشعر وكلام العلماء القسم بقولهم: لعمرك أو لعمري، فهل هذا من القسم والحلف؟

لا، هذا ليس بقسم، اللام موطئة لقسم وُجدت في كلام الأئمة وفي كلام الصحابة، بل في كلام عائشة -رضي الله عنها-.

المتكلمون حينما يقولون: طريقة السلف أسلف، وطريقتنا أحكم وأعلم؟

هذا تناقض، فالحكمة والعلم مع السلامة، فأي حكمة، وأي علم إذا كان يتبعها عطب ضد السلامة؟

يقول: حديث لما قال الرسول -عليه الصلاة والسلام-: «زملوني»، إلى أن ذهب إلى ورقة فقال: «يا ليتني كنت جذعًا...»، إلى آخره. أليس هذا الحديث يدل على أن ورقة هو أول من آمن بالنبي من الرجال؟

هذا الكلام ليس بصحيح، هو إلى هذا الحد إيمانه معلق بدعوته، يعني: ليتني أكون جذعًا حين يخرجك قومك، ولذا هم حكموا بإسلامه، ولكن ما جزموا بصحبته، فضلاً عن كونه أول من آمن، ولذلك ذكره بعضهم في الصحابة، وبعضهم لم يذكرهم في الصحابة. لماذا؟ لأنه أسلم قبل الدعوة، يعني قبل الرسالة، يعني تصديقه بالنبي -عليه الصلاة والسلام- قبل رسالته وبعثته إلى الناس. نعم بعد النبوة لكن قبل الرسالة، ولذلك تجدون من العلماء من أثبت صحبته، ومنهم لم يثبتها. لكن على كل حال جاء في الحديث عن النبي: «عليه ثياب بيض يرفل في الجنة».

والله المستعان.