التعليق على الموافقات (1430) - 08

عنوان الدرس: 
التعليق على الموافقات (1430) - 08
عنوان السلسلة: 
التعليق على الموافقات
تاريخ النشر: 
الأربعاء, 28 جمادى الأول, 1439 - 10:15

سماع الدرس


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سمِّ.

طالب: أحسن الله إليك.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،

 فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "المسألة الثالثة عشرة: لما كان التكليف مبنيًّا على استقرار عوائد المكلفين، وجب أن يُنظر في أحكام العوائد؛ لما ينبني عليها بالنسبة إلى دخول المكلف تحت حكم التكليف. فمن ذلك أن مجاري العادات في الوجود أمر معلوم لا مظنون، وأعني في الكليات لا في خصوص الجزئيات. والدليل على ذلك أمور؛ أحدها: أن الشرائع بالاستقراء إنما جيء بها على ذلك".

يعني في الجملة: عامة الناس وعمومهم ظروفهم واحدة، من حيث المشقة إذا وصلت إلى حد فإنهم يشتركون فيها، ويؤمرون بتأخير الظهر لوجود الحر مثلاً، ولا يقال: فلان لا يتضرر في الحر وفلان يتضرر؛ لا، كلهم. المشقة اللازمة للمسافر غالبًا يُنظر فيها إلى عموم الناس، الكد والكدح من أجل الكسب لا شك أنه يشق على الناس كلهم، لكن مع ذلك أحكامهم فيه واحدة، ما يقال: هذا يشق عليه التكسب فيباح له ما لا يباح لغيره، أو هذا يسهل عليه الضرب في الأمصار والأقطار ويكسب المال من وجوه متعددة فيوجب عليه من الزكاة أكثر من غيره. لا، الناس في عوائدهم واحدة؛ هذا الأصل فيهم، قد يتفاوتون؛ منهم من يتحمل، ومنهم من لا يتحمل.

 الأصل أنهم سواء، وينظر فيه إلى أوساط الناس في مثل هذه العوائد. الناس سواسية أمام التشريع العام؛ نظرًا لأن الظروف المحيطة بهم سواء، في الجملة، يعني الظروف المؤثرة في التشريع سواء. لكن قد يقول قائل: لماذا الناس سواسية، والإسلام جاء بالعدل والمساواة، هذا دخله الشهري مائة ألف، وهذا دخله ألف، أو لا دخل له؟ نقول: لا، مثل هذا ليس من التشريع العام، هذا كلٌّ يخضع لتوفيق الله -جل وعلا- وجده واجتهاده ثم جده واجتهاده؛ لأن بعض الناس عنده من الخبرة والمعرفة ما لا يوجد عند غيره، ومن وراء ذلك كله ما كُتب له من رزق. وهذا أيضًا ينبغي للمسلم ألا يَنظر إليه؛ لأنه ما خُلق لهذا، إنما خُلق لتحقيق العبودية، وهم في مطالب العبودية سواء، ما يمكن أن يقال: أنت تصلي الظهر خمسًا وأنت تصلي ثلاثًا، كلهم يصلون الظهر أربعة. فهم في عوائدهم وأحكامهم التكليفية العامة.

ويخرج عن ذلك بعض الظروف الطارئة، أهل الأعذار يُعذرون في بعض التشريع، الذي لا يستطيع الصلاة من قيام يصلي وهو قاعد، لكن الذين يستطيعون كلهم يلزمهم الصلاة في الفريضة قائمًا سواء كان أمير المؤمنين أو الزبالين والحمالين والإسكاف وغيرهم، ما يختلفون. أمام التشريع العام هذا فطرته صاع، وهذا فطرته صاع، ولو كان هذا من أغنى الناس، وهذا فقيرًا، يجد صاعًا زائدًا عن قوت يومه، هذا فطرته صاع، وذاك فطرته صاع.

هذا بالنسبة للتشريع العام، هناك ظروف تحتف ببعض الأشخاص تجعل الشرع ينظر إليهم بعين، برؤية خاصة، ويخفف عنهم بعض الأشياء؛ هذا شيء، لكن لا لذواتهم وأشخاصهم، للوصف الذي تلبسوا به، فإذا تلبس به غيره استحق هذا الحكم، فلا يقال: زيد من الناس يصلي جالسًا، لماذا ما أصلي جالسًا؟ نقول: لا، لا لأنه زيد؛ بل لأنه لا يستطيع القيام، وأنت إذا لم تستطع القيام في يوم من الأيام فأنت مثل زيد. فالحكم اختلف باختلاف الوصف لا باختلاف الشخص.

وقل مثل هذا مثلاً في باب الهبات والعطايا والوصايا وغيرها: لا وصية لوارث، ويجب على الوالد أن يسوي بين أولاده بأشخاصهم، أما أوصاف: هذا معاق اشترى له آلات تخدمه، لا يمكن أن يقول الثاني: أنا أريد مثل هذه الآلات. هذا بلغ حد النكاح يريد زوجة، ما يقول الصغير: أنا أريد زوجة. فهذا أمر عام للجميع لا يتخلف عنه أحد.

طالب: "ولتعتبر بشريعتنا، فإن التكاليف الكلية فيها بالنسبة إلى من يكلَّف من الخلق موضوعة على وزان واحد وعلى مقدار واحد وعلى ترتيب واحد".

يعني مثل ما قلنا في الصلوات والزكوات وإيجاب الحج مرة واحدة في أصل الشرع وصوم رمضان على الجميع، لكن من أراد أن يتزود من الخير تزود {فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197]، لا على سبيل الوجوب والإلزام، ما يقول له: فلان قوي شديد قادر عليه حجتان في عمره، لا. أو يقال: هذا لا يستطيع أو يستطيع بمشقة بالغة، يقال له: ليس عليك حج. لا، إنما الذي لا يستطيع نعم ما هو مستطيع، مشروط بالاستطاعة.

طالب: "لا اختلاف فيه بحسب متقدم ولا متأخر، وذلك واضح في الدلالة".

والذي جاء في تكليف الصحابة سارٍ إلى قيام الساعة؛ هذا بالنسبة للوجوب والحظر، ما يوجب على الصحابة يوجب على غيرهم، وما يحرم عليهم يحرم على غيره. لكن لا شك أن هناك ظروفًا تعتري بعض الأحكام، يعني جاء في بعض الآثار بعض الأخبار يحسنه بعضهم: «أنكم في زمان من عمل فيه بتسعة أعشار الشرع هلك، وسيأتي زمان من عمل فيه بالعشر نجا»، يعني العشر هذا هو الواجبات، لكن تبقى التكاليف الأخرى من المستحبات وترك المكروهات وأمور يحتاج بعض الناس مع المشقة الشديدة في آخر الزمان لا تجد معينًا، لا تجد من يعينك؛ ولذا يقرر أهل العلم في كثير من المناسبات يقولون: حسنات الأبرار سيئات المقربين. هذا المقرب، هذا الذي اعتاد هذه العبادة، وأعانه الله عليها، يؤاخذ ما لا يؤاخذ غيره فيما إذا فرط ولو بمستحب أو ارتكب مكروهًا.

وقلنا: إن الإمام إذا انصرف إلى المأمومين بعد السلام، فرأى بعض المأمومين اثنين بجانب بعض فاته هذا ركعة، وهذا ركعتان، أحدهما يقول: الحمد لله، الذي جاء يصلي، والثاني يقول: سبحان الله! كيف تفوته ركعة؟ ألا يتفاوت الناس؟ يمكن فعلًا، لماذا؟ لأن الناس يتفاوتون في هذا الباب، في باب القدر الزائد على ما أوجب الله ورسوله، وما حرمه الله ورسوله.

طالب: "وذلك واضح في الدلالة على أن موضوعات التكاليف وهي أفعال المكلفين كذلك، وأفعال المكلفين إنما تجري على ترتيبها إذا كان الوجود باقيًا على ترتيبه، ولو اختلفت العوائد في الموجودات لاقتضى ذلك اختلاف التشريع واختلاف الترتيب واختلاف الخطاب، فلا تكون الشريعة على ما هي عليه، وذلك باطل".

الله -جل وعلا- الذي شرع هذه الشرائع يعرف أن فلانًا من الناس لا يستطيع القيام، وفلانًا من الناس يستطيع القيام، لكن لا يستطيع السجود، فلان من الناس... لماذا لا يُنص على هؤلاء بأعيانهم؟ في القضايا الخاصة لا تنتهي، فيكلف الناس من التكليف أضعاف أضعاف ما هم عليه؛ لأنه بدلاً من أن يكون القرآن ثلاثين جزءًا، كم نحتاج من جزء ليبين فيه جميع هذه التفاصيل؟ نحتاج إلى أسفار كثيرة، إذا كان كل شخص ينص عليه وعلى قدرته، وأنت يجب عليك أن تركع، وأنت لا يلزمك الركوع؛ لأنك تستطيع كذا، أفراد الناس لا يمكن أن يدخلوا تحت الحصر؛ فلذا يأتي الشرع بقواعد عامة يندرج فيها كل من اتصف بها.  

طالب: "والثاني: أن الإخبار الشرعي قد جاء بأحوال هذا الوجود على أنها دائمة غير مختلفة إلى قيام الساعة".

نعم. هذا الأصل، لكن هناك أحكام مؤقتة تنتهي بزمن معين، فنزول المسيح في آخر الزمان ينتفي أحكامه، فيه أحكام تنتهي: لا يقبل إلا الإسلام ولا يقبل الجزية، هل نقول إنه نُسخ بنزول عيسى؟ أو نقول: إنه شرع بشريعة محمد، مؤقت بوقت معين بنزول عيسى -عليه السلام- ثم بعد ذلك ينتهي التوقيت؟

طالب: "كالإخبار عن السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما من المنافع والتصاريف والأحوال، وأن سنة الله لا تبديل لها، وأن لا تبديل لخلق الله".

نعم. يعني ولذا من الخطأ البين الفادح إخضاع النصوص للنظريات؛ لأن النظريات ليست حقائق علمية، إنما هي تجارب، ويسارع بعض الناس إذا وُجد نظرية أن يستدل لها من الكتاب أو من السنة، مطابقة الاختراعات العصرية لما جاء عن سيد البرية! وينزل عليها أحاديث، ثم بعد ذلك هذا المخترع يكتشف شيئًا ينقض ما اخترعه، ماذا نصنع بالآية والحديث الذي نزلناه على هذا الاختراع؟!

طالب: "كما جاء بإلزام الشرائع على ذلك الوزان أيضًا، والخبر من الصادق لا يكون بخلاف مخبره بحال، فإن الخلاف بينهما محال.

والثالث: أنه لولا أن اطراد العادات معلوم، لَما عُرف الدين من أصله فضلاً عن تَعَرُّفِ فروعه؛ لأن الدين لا يُعرف إلا عند الاعتراف بالنبوة، ولا سبيل إلى الاعتراف بها إلا بواسطة المعجزة، ولا معنى للمعجزة إلا أنها فعل خارق للعادة".

إذًا لا بد من معرفة العادة، من معرفة العادة المطردة؛ من أجل أن نعرف هذا الأمر هل هو جار على العادة أو خارق على العادة؟ فإذا لم نعرف هذا الأمر أنه جار على العادة أو خارق للعادة ما عرفنا معجزات ولا كرامات؛ لأن أمورنا مضطربة؛ لأنك أنت تقول: معجزة خارقة للعادة، يقول لك: لا، وما العادة التي تحتكم إليها وترجع إليها؟

طالب: "ولا يحصل فعل خارق للعادة إلا بعد تقرير اطراد العادة في الحال والاستقبال كما اطردت في الماضي، ولا معنى للعادة إلا أن الفعل المفروض لو قُدر وقوعه غير مقارن للتحدي لم يقع إلا على الوجه المعلوم في أمثاله، فإذا وقع مقترنًا بالدعوة خارقًا للعادة، عُلم أنه لم يقع كذلك مخالفًا لما اطرد إلا والداعي صادق، فلو كانت العادة غير معلومة لَما حصل العلم بصدقه اضطرارًا".

نعم. لا بد أن يكون هذا الأمر الخارق للعادة مقرونًا بدعوى النبوة؛ ليكون معجزة، يعني كيف نعرف أنه صادق؟ إذا خُرقت له العادة، ولا تُخرق العادة لكاذب. يعني هل يمكن الله -جل وعلا- يؤيد من يكذب عليه بمعجزة؟ لا يمكن؛ لأن الله -جل وعلا- إنما خرق له العادة؛ ليؤيده بهذه المعجزة، ولو افترضنا أنه كذب لما أيد. ولو لم يدع النبوة ثم جاء ما يخرق العادة على يديه، ما اعترفنا بأنه نبي وإن اعترفنا بأنه ولي إذا عرفنا أن عمله مطابق لما جاء عن الله وعن رسوله.

طالب: "فلو كانت العادة غير معلومة لما حصل العلم بصدقه اضطرارًا؛ لأن وقوع مثل ذلك الخارق لم يكن يُدعى بدون اقتران الدعوة والتحدي، لكن العلم حاصل، فدل على أن ما انبنى عليه العلم معلوم أيضًا، وهو المطلوب.

 فإن قيل: هذا معارَض بما يدل على أن اطراد العوائد غير معلوم، بل إن كان فمظنون، والدليل على ذلك أمران؛ أحدهما: أن استمرار أمر في العالَم مساوٍ لابتداء وجوده؛ لأن الاستمرار إنما هو بالإمداد المستمر، والإمداد ممكن أن لا يوجد، كما أن استمرار العدم على الموجود في الزمن الأول كان ممكنًا، فلما وُجد حصل أحد طرفي الإمكان مع جواز بقائه على أصل العدم، فكذلك وجوده في الزمان الثاني ممكن، وعدمه كذلك. فإذا كان كذلك، فكيف يصح مع إمكان عدم استمرار وجوده العلمُ باستمرار وجوده؟ هل هذا إلا عين المحال؟".

يعني هذا تناقض، هذه شبهة تورد على ما تقدم، يعني إذا ادعى النبوة، أولاً هذه الدعوى وبعث هذا النبي ممكن، بمعنى أنه ليس بواجب لذاته ولا ممتنع لذاته، ممكن، إذًا هو داخل في حيز الممكن، فكيف يُدعى للممكن ابتداءً وانتهاءً أن يُدعى استمراره كمخالف للعادة المضطردة، يعني ما يأتي على ذكره كمخالف للعادة المضطردة من معجزات. هذا الكلام كلام منطقي مقضي عليه بما حصل من الشرع، الله -جل وعلا- بعثه للناس، يعني أنت تبحث هذا قبل بعثة نبي ممكن، لكن إذا بُعث تقول: إنه يمكن أن يبعث أو ما يُبعث؟ بُعث الآن، وصار الآن حقيقة معلومة، وادعى النبوة وأؤيد بالمعجزات، ما صار الأمر ممكنًا، بل تحقق وقوعه ووجوده.

طالب: يعني ماذا-أحسن الله إليك- يقصد بـ"استمرار أمر في العالَم مساوٍ لابتداء وجوده"؟

نعم.

طالب: يعني هل....

"والإمداد ممكن أن لا يوجد"، يعني بعثة نبي آخر ممكن ألا يوجد، ممكن يبعث أو لا يبعث، لكن إذا بُعث هل نقول مثل هذا الكلام؟

طالب: لا، انقضى يعني.

لا يمكن، نعم.

طالب: "والثاني: إن خوارق العادات في الوجود غير قليل، بل ذلك كثير، ولا سيما ما جرى على أيدي الأنبياء -عليهم السلام- من ذلك، وكذلك ما انخرق للأولياء من هذه الأمة وفي الأمم قبلها من العادات، والوقوع زائد على مجرد الإمكان، فهو أقوى في الدلالة، فإذًا لا يصح أن يكون مجاري العادات معلومةً البتة".

طيب، هو يقول: أنتم تقولون: إن العادات مضطردة، ما معنى الاضطراد؟ الاضطراد أنه لا يتخلف عنها شيء، فرد من مفرداتها. طيب، خُرقت هذه العادات بخوارق كثيرة جدًّا، هل تصير عادات؟

طالب: لا.

على حد زعمهم، هل تكون هذه عادات؟ افترض أنه خُرق ألف معجزة أو ألفان معجزة، وألف كرامة أو ألفان كرامة، هل يمكن أن يوجد قاعدة مضطردة يخرمها ألفان أو أربعة آلاف أو خمسة آلاف، تسمى قاعدة؟ نقول: نعم، إذا كان يندرج تحتها الملايين يمكن، هذا شيء يسير بالنسبة لهذا. القواعد الشرعية منها القواعد الكلية التي لا يخرج منها شيء، منها قواعد أغلبية وتبقى قواعد ولو خُرمت في بعض الصور. لكن قاعدة يخرج عنها نصف ما يمكن أن يُدرج تحتها من المسائل، هل نقول: هذه قاعدة؟ لا. لكن إذا كان نسبة ما يَخرِق هذه القواعد يسيرًا فهذه تبقى قاعدة، ولو لم تكن كلية تبقى قاعدة أغلبية.

طالب: "فالجواب عن الأول أن الجواز العقلي غير مندفع عقلاً، وإنما اندفع بالسمع القطعي، وإذا اندفع بالسمع وهو جميع ما تقدم من الأدلة، لم يُفد حكم الجواز العقلي".

نعم. إذا كان بالإمكان أن يبعث الله -جل وعلا- نبيًّا وإمكان أن لا يبعث، هذا ممكن قبل ختم النبوة بمحمد -عليه الصلاة والسلام-، هذا يجوز عقلاً. لكن ما الذي يقرر الجواز من عدمه؟ يعني هل هذه الأمور عقلية تُدرك بالعقل ليقرر جوازها أو امتناعها بالعقل، أو أمور سمعية شرعية لا يمكن أن تُعرف إلى من قبل الشرع؟ هذه أمور شرعية. يعني إذا اختلفوا في وجوب الإمامة هل تجب بالعقل أو تجب بالشرع أو تجب...؟ كلام، نحتكم إلى، إن تنازعنا في شيء نرده إلى..؟ إلى الله ورسوله، ما نرده إلى العقل.

نعم الشرع لا يأتي بما يناقض العقل، النقل الصحيح مطابق للعقل الصحيح. نعم، لكن عقول بعض من يتكلم في هذه الموضوعات من المتكلمين، هل نقول: هي عقول صريحة، وقد تلوثت بأفكار المتقدمين من الفلاسفة الذين لا يتدينون بدين؟ ما يمكن أن تقرر أمور الشرع على حسب قواعدهم ومصطلحاتهم.

طالب: "ولا يقال: إن هذا تعارض في القطعيات وهو محال؛ لأنا نقول: إنما يكون محالاً إذا تعارضا من وجه واحد".

نعم. إذا اتحدت الجهة، إذا تعارض القطعيان من جهة واحدة، نعم هذا محال. لكن إذا انفكت الجهة يحصل شيء قد يوصف بالتعارض، إذا انفكت الجهة فما فيه إشكال، ولا يسمى تعارضًا في الحقيقة؛ لأن المورد ليس بواحد. يعني إذا قيل لزيد: لا تقم ولا تقعد؛ هذا أيش؟ تعارض. لكن إذا قيل: لا تقم يا زيد ولا تقعد يا عمرو، أو: لا تقعد يا زيد في الصباح واقعد في المساء. انفكت الجهة.

طالب: "لأنا نقول: إنما يكون محالاً إذا تعارضَا من وجه واحد، وليس...".

يعني إذا قلت: جاء الطويل القصير، يقول لك: هذا تناقض، كيف طويل وقصير؟ نقول: نعم إذا كان النظر إلى جهة واحدة تعارض، يعني يقول لك: ما مرادك؟ قال: واللهِ طويل القامة قصير القامة، نقول: هذا تعارض. لكن إذا قال: أقصد طويل العمر قصير القامة، فيه تعارض أم ما فيه؟ ما فيه تعارض. {فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ} [الحج: 4]، الضلال مقابل الهداية، يعني يناقضه، هل نقول: تعارض هذا؟ لا، انفكت الجهة، يهديه {يُضِلُّهُ} عن الصراط المستقيم {وَيَهْدِيهِ} إلى...

طالب:.........

نعم.

طالب: نعم.

طالب:.........

طالب: "وليس كذلك هنا، بل الجواز العقلي هنا باق على حكمه في أصل الإمكان، والامتناع السمعي راجع إلى الوقوع، وكم من جائز غير واقع؟!".

يجوز أن يدخل علينا رجل من هذا الباب، يجوز أم مستحيل؟

طالب: يجوز.

يجوز أم مستحيل؟ لكن إذا انتهينا ولا دخل أحد، هل يلزم من الجواز الوقوع؟

طالب: لا.

لا يلزم من الجواز الوقوع. نعم.

طالب: "وكذلك نقول: العالَم كان قبل وجوده ممكنًا أن يبقى على أصله من العدم، ويمكن أن يوجد، فنسبة استمرار العدم عليه أو إخراجه إلى الوجود من جهة نفسه نسبة واحدة، وقد كان من جهة علم الله فيه لا بد أن يوجد، فواجب وجوده، ومحال استمرار عدمه، وإن كان في نفسه ممكن البقاء على أصل العدم، ولذلك قالوا: من الجائز تنعيم من مات على الكفر، وتعذيب من مات على الإسلام".

نعم. جائز باعتباره داخلًا تحت القدرة الإلهية، لكن فيما أوجبه الله على نفسه من تحريم الظلم وتحريم الجنة على الكافر، يحصل أم ما يحصل؟ لا يمكن أن يحصل.

طالب: "ولذلك قالوا: من الجائز تنعيم من مات على الكفر، وتعذيب من مات على الإسلام، ولكن هذا الجائز محال الوقوع من جهة إخبار الله تعالى أن الكفار هم المعذَّبون، وأن المسلمين هم المنعمون، فلم يتوارد الجواز والامتناع والوجوب على مرمى واحد، كذلك هاهنا، فالجواز من حيث نفس الجائز، والوجوب أو الامتناع من حيث أمر خارج، فلا يتعارضان.

وعن الثاني: أنا قدمنا أن العلم المحكوم به على العادات إنما هو في كليات الوجود، لا في جزئياته، وما اعترض به من باب الأمور الجزئية التي لا تخرم كلية، ولذلك لم يدخل ذلك على أرباب العوائد شكًّا ولا توقفًا في العمل على مقتضى العادات ألبتة، ولولا استقرار العلم بالعادات، لَما ظهرت الخوارق كما تقدم".

على من يخطر بباله إذا توضأ وأراد أن يخرج إلى الصلاة يقول: احتمال أن المسجد مهدوم، هذا جائز أم مستحيل؟ جائز، لكن فيه أحد بيتوقف عن الخروج إلى المسجد لوجود هذا الاحتمال الجائز؟

طالب: بعيد.

ما فيه أحد، إلا واحد من أصله ما هو مصلٍّ، والذي يريد الصلاة ما يمكن واللهِ أن يقول: ما أنا طالع احتمال أن المسجد مهدوم؛ لأن هذا أمر جائز ممكن، هو جائز في العقل ممكن، لكن العادة مضطردة. أنا أذهب إلى المسجد باليوم خمس مرات ونجده قائم. نعم. فلا تُترك العادات لمجرد هذه الاحتمالات.

طالب: "ولولا استقرار العلم بالعادات لما ظهرت الخوارق كما تقدم، وهو من أنبل الأدلة على العلم بمجاري العادات، وأصله للفخر الرازي -رحمه الله تعالى-، فإذا رأينا جزئيًّا انخرقت فيه العادة على شرط، دلَّنا على ما تدل عليه الخوارق من نبوة النبي -عليه الصلاة والسلام- إن اقترنت بالتحدي".

قد يقول قائل: كل هذا الكلام لسنا بحاجة إليه، والمسلم يمكن أن يعيش عمره الكامل، ويزاول العلم علم الكتاب والسنة، ولا يخطر بباله مثل هذا الكلام كله، فلماذا يُبحث؟ ولذلك هذه المسائل الكلامية يطالب بعض الغيورين على تنقية كتب الأصول منها، ويقولون: إنها غزت كتب الأصول. لكنها مسائل فرضت نفسها، ولو لم تكن لإقناع من لا يعرفها أو من لا يلتفت إليها ويمكن أن يعيش بدونها، لكن هناك من يقتنع بها، لا بد من إقناعه. نعم. ولذلك شيخ الإسلام كيف نجح في مقارعة المبتدعة؟

طالب: بأصولهم.

إلا بسلاحهم.

 ومن العجيب أنه بسلاحهم          أرداهم نحو الحضيض الداني

 وإلا كيف ترد عليهم وأنت ما تعرف أساليبهم؟ ولا نقول: إن هذا يلزم جميع المتعلمين، يلزم من توجد فيه الكفاءة لفهمه ونقضه والقدرة على نقضه.

طالب: "فإذا رأينا جزئيًّا انخرمت فيه العادة على شرط ذلك، دلنا على ما تدل عليه الخوارق من نبوة النبي إن اقترنت بالتحدي، أو ولاية الولي إن لم تقترن أو اقترنت بدعوى الولاية على القول بجواز ذلك، ولا يقدح انخراقها في علمنا باستمرار العادات الكلية، كما إذا رأينا عادةً جَرَتْ في جزئية من هذا العالَم في الماضي والحال، غلب على ظنوننا أيضًا استمرارها في الاستقبال، وجاز عندنا خرقها بدليل انخراق ما انخرق منها، ولا يقدح ذلك في علمنا باستمرار العاديات الكلية، وهكذا حكم سائر مسائل الأصول. ألا ترى أن العمل بالقياس قطعي، والعمل بخبر الواحد قطعي".

وإن كانت دلالة القياس ظنية، ودلالة خبر الواحد ظنية عند الأكثر. المقصود أن كون الدلالة ظنية لا يعني أن وجوب العمل مظنون أو مشكوك به، بل لا بد من العمل به.

طالب: "والعمل بخبر الواحد قطعي، والعمل بالترجيح عند تعارض الدليلين الظنيين قطعي، إلى أشباه ذلك. فإذا جئت إلى قياس معين لتعمل به كان العمل به ظنيًّا، أو أخذت في العمل بخبر واحد معين وجدته ظنيًّا لا قطعيًّا، وكذلك سائر المسائل، ولم يكن ذلك قادحًا في أصل المسألة الكلية، وهذا كله ظاهر.

المسألة الرابعة عشرة: العوائد المستمرة ضربان؛
أحدهما: العوائد الشرعية التي أقرها الدليل الشرعي أو نفاها، ومعنى ذلك: أن يكون الشرع أمر بها إيجابًا أو ندبًا، أو نهى عنها كراهةً أو تحريمًا، أو أذن فيها فعلاً وتركًا. والضرب الثاني: هي العوائد الجارية بين الخلق بما ليس في نفيه ولا إثباته دليل شرعي. فأما الأول؛ فثابت أبدًا كسائر الأمور الشرعية، كما قالوا في سلب العبد أهلية الشهادة، وفي الأمر بإزالة النجاسات، وطهارة التأهب للمناجاة، وستر العورات، والنهي عن الطواف بالبيت على العري"
.

يعني كل هذا جاءت فيه النصوص، فهو من الضرب الأول.

طالب: "وما أشبه ذلك من العوائد الجارية في الناس، إما حسنةً عند الشارع أو قبيحةً، فإنها من جملة الأمور الداخلة تحت أحكام الشرع، فلا تبديل لها، وإن اختلفت آراء المكلفين فيها، فلا يصح أن ينقلب الحسن فيها قبيحًا ولا القبيح حسنًا، حتى يقال مثلاً: إن قبول شهادة العبد لا تأباه محاسن العادات الآن فلنُجِزه، أو: إن كشف العورة الآن ليس بعيب ولا قبيح فلنُجِزه، أو غير ذلك".

وإن وُجد من بعض المخالفين وبعض من مُسخت فطرهم أنها صارت الحسنات سيئات والسيئات حسنات، الذين مُسخت أفكارهم وفطرهم صاروا يرون الحسن قبيحًا والقبيح حسنًا، والله المستعان.

طالب: "أو غير ذلك؛ إذ لو صح مثل هذا لكان نسخًا للأحكام المستقرة المستمرة، والنسخ بعد موت النبي باطل، فرفع العوائد الشرعية باطل. وأما الثاني؛ فقد تكون تلك العوائد ثابتةً وقد تتبدل، ومع ذلك فهي أسباب لأحكام تترتب عليها، فالثابتة كوجود شهوة الطعام والشراب".

"الثاني" هذا ما يحتاج إلى دليل، الضرب الثاني يعني العادات الجارية بين الخلق بما ليس فيه دليل لا نفي ولا إثبات.

طالب: الإباحة.

يعني شهوة الطعام والشراب وغيرها، هذه تحتاج إلى دليل؟ ما تحتاج إلى دليل يشهد بها الواقع.

طالب: "فالثابتة كوجود شهوة الطعام والشراب والوقاع والنظر والكلام والبطش والمشي وأشباه ذلك، وإذا كانت أسبابًا لمسببات حكم بها الشارع، فلا إشكال في اعتبارها والبناء عليها والحكم على وفقها دائمًا. والمتبدلة: منها ما يكون متبدلاً في العادة من حسن إلى قبح وبالعكس، مثل كشف الرأس فإنه يختلف بحسب البقاع".

يعني ما مرده إلى الأعراف، هذا يختلف من بلد إلى بلد، ومن زمان إلى زمان، هذا أمره واسع، يُرجع فيه إلى عرف البلد. بعض البلدان لو مشى الرجل حاسر الرأس انتقد وقُدح في عدالته، وبعضهم يمشي حاسر الرأس بدون نكير. بعضهم لو أكل في الأماكن العامة انتقد، وبعضهم يأكل في الأماكن العامة من غير نكير. وكما يختلف هذا باختلاف البلدان والأزمان، يختلف أيضًا باختلاف الأشخاص، فمن الناس من يُتسامح في حقه في مثل هذه الأمور العرفية، ومنهم من لا يُتسامح في حقه.

طالب: شيخ، هذا لو انتقل الذي في المشرق ومتعود على هذا العالم وانتقل إلى المغرب، فعله فعل المغاربة هل...؟

نعم. نعم. إذا كان فعلهم فعل المسلمين.

طالب: نعم.

نعم، إذا كانت عوائد إسلامية لا بأس.

طالب: لا يُثرب عليه فيه؟

لا يثرب عليه نعم إذا كانت عوائدهم إسلامية.

طالب: "مثل كشف الرأس فإنه يختلف بحسب البقاع في الواقع، فهو لذوي المروءات قبيح في البلاد المشرقية، وغير قبيح في البلاد المغربية، فالحكم الشرعي يختلف باختلاف ذلك، فيكون عند أهل المشرق قادحًا في العدالة، وعند أهل المغرب غير قادح. ومنها ما يختلف في التعبير عن المقاصد، فتنصرف العبارة عن معنًى إلى عبارة أخرى، إما بالنسبة إلى اختلاف الأمم كالعرب مع غيرهم، أو بالنسبة إلى الأمة والواحدة، كاختلاف العبارات بحسب اصطلاح أرباب الصنائع في صنائعهم مع اصطلاح الجمهور، أو بالنسبة إلى غلبة الاستعمال في بعض المعاني، حتى صار ذلك اللفظ إنما يسبق منه إلى الفهم معنًى ما، وقد كان يُفهم منه قبل ذلك شيء آخر".

ومن الطرائف ويصلح مثالًا لما نحن فيه: طُلب تعريف التمريض، هو مطلوب في أي مقرر؟ يعني لو طُلب في علم الطب وقال: التمريض أن يصدر الكلام بقيل ويقال ويُذكر، أو العكس لو طُلب في مصطلح الحديث وقال: مهنة إنسانية يخدم بها الإنسان أخاه المريض وكذا! هذا اصطلاح وهذا اصطلاح، لكن اصطلاح هؤلاء يختلف عن اصطلاح هؤلاء، وهو ما يريده المؤلف.

طالب: "أو كان مشتركًا فاختص، وما أشبه ذلك، والحكم أيضًا يتنزل على ما هو معتاد فيه بالنسبة إلى من اعتاده دون من لم يعتده، وهذا المعنى يجري كثيرًا في الأيمان والعقود والطلاق كنايةً وتصريحًا. ومنها ما يختلف في الأفعال في المعاملات ونحوها، كما إذا كانت العادة في النكاح قبض الصداق قبل الدخول، أو في البيع الفلاني أن يكون بالنقد لا بالنسيئة أو بالعكس، أو إلى أجل كذا دون غيره؛ فالحكم أيضًا جارٍ على ذلك حسبما هو مسطور في كتب الفقه.

ومنها ما يختلف بحسب أمور خارجة عن المكلف، كالبلوغ فإنه يعتبر فيه عوائد الناس من الاحتلام أو الحيض، أو بلوغ سن من يحتلم أو من تحيض، وكذلك الحيض يعتبر فيه إما عوائد الناس بإطلاق أو عوائد لِدَّاتِ".

"لِدَات".

طالب: "لِدَاتِ المرأة أو قراباتها".

يعني إذا كانت المرأة لا عادة لها ولا تمييز، إن كانت لها عادة رُدت إلى عادتها، وإن كان لها تمييز رُدت إلى تمييزها. طيب، لا عادة لها ولا تمييز؟ ترد إلى لِدَاتِها وقراباتها، كم تحيض أمها؟ كم تحيض أختها؟ وهكذا.

طالب: "أو نحو ذلك، فيحكم لهم شرعًا بمقتضى العادة في ذلك الانتقال. ومنها ما يكون في أمور خارقة للعادة، كبعض الناس تصير له خوارق العادات عادة، فإن الحكم عليه يتنزل على مقتضى عادته الجارية له المضطردة الدائمة، بشرط أن تصير العادة الأولى الزائلة لا ترجع إلا بخارقة أخرى: كالبائل أو المتغوط من جرح حدث له حتى صار المخرج المعتاد في الناس بالنسبة إليه في حكم العدم، فإنه إن لم يصر كذلك فالحكم للعادة العامة. وقد يكون الاختلاف من أوجه غير هذه، ومع ذلك فالمعتبر فيها من جهة الشرع أنفس تلك العادات، وعليها تتنزل أحكامه؛ لأن الشرع إنما جاء بأمور معتادة جارية على أمور معتادة".

نعم. لو فُتح في بدن الإنسان مخرج غير المخرج الأصلي، الأحكام المختصة بالمخرج الأصلي من كون الاستنجاء مجزيًا، مع أنه لا يزيل النجاسة كاملة، هل يكفي الاستنجاء في المخرج الفرعي؟ لا بد من غسله، ما يكفي فيه الاستنجاء. وقل بالعكس: إذا مسه، مخرج البول مسه، هل نقول: إن مسه مثل مس الذكر يثبت له حكم من انتقض به الوضوء؟ لا.

طالب: "لأن الشرع إنما جاء بأمور معتادة جارية على أمور معتادة كما تقدم بيانه.

فصل: واعلم أن ما جرى ذكره هنا من اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد، فليس في الحقيقة باختلاف في أصل الخطاب؛ لأن الشرع موضوع على أنه دائم أبدي لو فُرض بقاء الدنيا من غير نهاية، والتكليف كذلك؛ لم يحتج في الشرع إلى مزيد، وإنما معنى الاختلاف أن العوائد إذا اختلفت رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يُحكم به عليها، كما في البلوغ مثلاً، فإن الخطاب التكليفي مرتفع عن الصبي ما كان قبل البلوغ، فإذا بلغ وقع عليه التكليف، فسقوط التكليف قبل البلوغ ثم ثبوته بعده ليس باختلاف في الخطاب، وإنما وقع الاختلاف في العوائد أو في الشواهد، وكذلك الحكم بعد الدخول بأن القول قول الزوج في دفع الصداق بناءً على العادة".

"بناء على العادة"، أن العادة جارية بأن الصداق يدفع قبل الدخول، لكن إذا كانت العادة في بلد جارية أن الصداق منه المقدم ومنه المؤخر، يُقبل قول الزوج أو لا يُقبل أنه دفع الجميع؟ لا يُقبل قوله.

طالب: "وأن القول قول الزوجة بعد الدخول أيضًا بناءً على نسخ تلك العادة، ليس باختلاف في الحكم؛ بل الحكم أن الذي ترجح جانبه بمعهود أو أصل فالقول قوله بإطلاق؛ لأنه مدعى عليه".

وكل من يُقبل قوله في كلام أهل العلم لا بد أن يكون مع يمينه.

طالب: "لأنه مدعى عليه، وهكذا سائر الأمثلة، فالأحكام ثابتة تتبع أسبابها حيث كانت بإطلاق، والله أعلم".

اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وصحبه.