شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح (138)

المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم إلى حلقة جديدة من برنامجكم شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، مع بداية حلقتنا يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلًا ومرحبًا بكم شيخ عبد الكريم.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: قال المصنف -رحمه الله- عن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم، ويثبت الجهل، ويُشرَب الخمر، ويظهر الزنا».

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، راوي الحديث أنس بن مالك خادم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سبق التعريف به.

 والحديث ترجم عليه الإمام البخاري بقوله: باب رفع العلم وظهور الجهل، وقال ربيعة: لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه، ووجه المناسبة بينه وبين الباب الذي قبله فضل من علِم وعلّم.

كما قال العيني: من حيث إن المذكور في الباب الأول فضل العالم والمتعلم، وفيه الترغيب في تحصيل العلم والإشارة إلى فضيلة العلم، وهذا الباب فيه ضد ذلك؛ لأن فيه رفع العلم المستلزِم لظهور الجهل، وفيه التحذير وذم الجهل، وبالضد تتبين الأشياء.

الباب الأول فضل من علِم وعلّم، فيه فضل العالم والمتعلم، ومن بيان فضل العالم والمتعلم الترغيب في تحصيل العلم، والإشارة إلى فضله؛ لأن العالِم ما نال ذلك الفضل إلا لفضل ما حمله من العلم، هذا الباب فيه رفع العلم وثبوت ضده، وهو الجهل، ففيه ضد ذلك؛ لأن فيه رفع العلم المستلزم لظهور الجهل، وفيه التحذير في ضمن ذلك ضد الممدوح ماذا؟ مذموم، فالعلم ممدوح بالترجمة السابقة، والجهل مذموم؛ لأنه ضده في هذه الترجمة، وفيه تحذير وذم الجهل، وبالضد تتبين الأشياء.

قال ابن حجر: مقصود الباب الحث على تعلم العلم، فإنه لا يرفع إلا بقبض العلماء كما سيأتي صريحًا، ومادام من يتعلم العلم موجودًا فلا يحصل الرفع، وقد تبين في حديث الباب أن رفعه من علامات الساعة أن يرفع العلم، أن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، إذا كان من علامات الساعة، فهل في طلبه طلب لرفع علامة من علامات الساعة؟

لأن عندنا أمرين: خبر لا بد من وقوعه، وعندنا أوامر بطلب العلم، فهل نقول: نتبع الإرادة الكونية؟ ونحقق ما جاء في أخبار الساعة، أو نتبع الإرادة الشرعية في تحقيق ما أمرنا به، هذا هو الثاني؟ الأول كائن لا محالة، المقدر لا بد من أن يكون، لكن يكون على يد مفرط، ولا يكون على يد من ائتمر بأوامر الله تبارك وتعالي وحصل ما طلب منه؛ لأن هذا الأمر قد يخفى على بعض الناس، يستدل بأحاديث جاء الإخبار بها مما يكون في آخر الزمان على نقض أحكام شرعية مثل في...

«سيأتي زمان تسير الظعينة من عدن إلى كذا».

المقدم: يستدل بها على الجواز سفر المرأة.

بدون محرم هذا سيقع، لكن هل هذا مأمور به؟ هل هذا تعارض به الأوامر الشرعية؟ هذا خبر سيقع بلا شك، ما كتبه الله كائن لا محالة فلا يعارض هذا بهذا، فلا يقول الإنسان: نحن في آخر الزمان، وآخر الزمان فيه يُرفَع العلم، فلماذا أطلب العلم؟ نقول: هذا الكلام ليس بصحيح.

سائل: يا شيخ أحسن الله إليك، الآن هو سيقع كونًا سير الظعينة، فيقول: كيف الله -سبحانه وتعالى- يقع في ملكه كونًا ما لا يرضاه شرعًا.

سبحان الله إذا كل المعاصي مبررة على هذا.

المقدم: سؤال الأخ كيف ما دام أنه قال: سيقع كونًا، كيف يقع والله تعالى لا يرضاه؟

مثله سائر المحرمات مثل يُشرب الخمر، يظهر الزنا، كل هذا كائن؛ لوجود من يعصي، الله -سبحانه وتعالى- لما خلق الخلق وأمرهم بعبادته وبيَّن لهم النجدين وبيَّن لهم الطريقين، وجعل فيهم من حرية الاختيار ما يمكنهم من عمل هذا وهذا، فلا إجبار، فكون الإنسان يعصي، ويرتكب النواهي؛ لأن الله -جل وعلا- خلق للخلق دارين: دار نعيم ودار جحيم، هذه لمن أطاع وهذه لمن عصى، فريق في الجنة، وفريق في السعير، يعني ليس لأحد حجة في هذا الأمر؛ لأن الله بيَّن ووضَّح وجعل في الإنسان من التركيب ما يجعله يختار، وله إرادة وحرية واختيار ومشيئة مربوطة ومقيدة بمشيئة الله -جل وعلا-، فلا إجبار، وليست مشيئته مستقلة استقلالًا تامًّا عن مشيئة الله -جل وعلا-، فلا يستقل بخلق فعله كما تقول المعتزلة، هذا هو مذهب السنة الوسط بين الجبرية والقدرية "المعتزلة".

معني قول ربيعة: "لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه" في بعض النسخ أن يضع نفسه، كيف يضع نفسه؟

الطالب: من الضعة.

من الضعة، وهي الإهانة، أن يهين نفسه، كيف يهين نفسه؟ بابتذال هذا العلم الذي كرمه الله -جل وعلا- بأن يبتغي به عرضًا من أعراض الدنيا، ولذا إذا أهان العالم نفسه، والعالم هو الذي يهين أو يحترم نفسه فالإنسان حيث يضع نفسه

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم     ولو عظموه في النفوس لعظما

إلى آخر ما قال، هذه نسخة، لكن الرواية الثابتة "أن يضيع نفسه"  كيف يضيع نفسه؟

ربيعة هو ابن أبي عبد الرحمن المعروف بربيعة الرأي، وهو شيخ الإمام مالك -رحمه الله تعالى- معنى كلامه أن من كان فيه فهم وقابلية للعلم لا ينبغي له أن يهمل نفسه، فيترك الاشتغال؛ لئلا يؤدي ذلك إلى رفع العلم. من كانت لديه أهلية، عنده فهم وقابلية للعلم لا ينبغي له أن يهمل نفسه فيترك الاشتغال، وهذا الخطاب يتجه إلى الأشخاص أنفسهم وإلى أولياء أمورهم ممن كان عرف أن ابنه لديه الأهلية ينبغي أن يوجهه إلى هذا العلم الشريف، أيضًا من كان مسؤولًا عن التعليم إذا رأى من الطلاب النابهين الذين لديهم القدرة والأهلية على تحمل العلم والنهوض بشأنه فعليهم أن يبذلوا ما يستطيعون لتأهيل مثل هذا ليكون عالمًا من علماء الأمة، أو مراده الحث على نشر العلم في أهله؛ لئلا يموت العالم قبل ذلك فيؤدي إلى رفع العلم، أو مراده أن يشهر العالم نفسه هذا كل كلام الشراح، أو مراده أن يشهر العالم نفسه ويتصدى للعلم عنده؛ لئلا يضيع علمه، كيف يشهر العالم نفسه؟

هل يقول تعالوا يا معاشر الطلاب أنا عندي علم، تعالوا خذوا مني؟

الأخ الحاضر: أن يجلس بين الطلاب

هو ما يحتاج إلى أن يشهر نفسه بنفسه، من كان عنده شيء لابد أن يظهر لاسيما مع حسن القصد، لا بد أن يظهره الله -جل وعلا-، وقيل: مراده تعظيم العلم وتوقيره، فلا يهين نفسه بأن يجعله عرضًا للدنيا، قال ابن حجر: وهذا معنى حسن، لكن اللائق بتبويب المصنف ما تقدم، في شرح الكرماني يقول: أن يضيع بأن لا يقصد الناس، وألا يسعى في تعليم الغير، إذا لم يقصد الناس ولم يسع بتعليم الناس ضيع نفسه، بمعنى أنه يقتصر على نفسه والعلم يُنسى شيئًا فشيئًا حتى يعود عاميًّا.

وقال ابن بطال: معني قول ربيعة : أن من كان له قبول للعلم وفهم له فقد لزمه من فرض طلب العلم ما لم يلزم غيره، فينبغي له أن يجتهد ولا يضيع طلبه فيضيع نفسه، هذا كلام الشراح. قلت: أولى من ينطبق عليه الخبر من حصل شيئًا من العلم، والآن جعلوا من مراد ربيعة المتأهل قبل أن يحصل، عليه أن يحصل لكن أقول أولى من ينطبق عليه الخبر من حصل شيء من العلم كمن طلب العلم وبرّز فيه، ثم انشغل عنه بأمور الدنيا من وظيفة أو تجارة حتى نسي ما حصّل، ولا شك أن هذا موجود، تجد في الصفوف في طلاب الجامعة الطلاب النابهين عددًا، وتجد بعضهم أميز من بعض لكن يتخرج الجميع في الجامعة، ثم بعد ذلك هذا ينشغل بوظيفة أو تجارة خلاص ينتهي، بينما زميله الذي هو مثله ونده أو أقل منه في التحصيل يتابع، يعلم، يؤلف، يتابع القراءة والجلوس، ثم يبرز وينبغ، هذا أمر واضح وواقع، لاشك أن هذه غفلة شديدة عن الوعد ممن لا يخلف الميعاد بما أعد الله -جل وعلا- للعلماء من منازل في الدنيا والآخرة.

 يقول الشيخ حافظ الحكمي في ميميته الشهيرة التي هي في الوصايا والآداب العلمية ينبغي لطالب العلم أن يُعنى بها، يقول -رحمه الله تعالى-:

يا طالب العلم لا تبغي به بدلًا
.

 

فقد ظفرت ورب اللوح والقلـم
.

عليه أن يحمد الله -جل وعلا- أن يسر له الطريق، وسهل له سلوك هذا  السبيل، ولا تكون العاقبة أن يجتهد ثم يأخذ الشهادة، ثم ينسى ما علم، الأمثلة على هذا النوع كثيرة من الشيوخ والأقران والطلاب، فكم من واحد ضيع نفسه؛ لهثًا وراء الدنيا بحيث تجد الاثنين من الأقران بعد مدة من التخرج بينهما بوْن شاسع في العلم والفضل والعمل، سببه اهتمام أحدهما بمواصلة التحصيل وتعليم الناس وإرشادهم، وإهمال الآخر نفسه إما كسلًا أو انشغالاً بأمور الدنيا أو تواضعًا وخمولًا على حد زعمه، بعضهم لا يحب الظهور فينزوي في بيته؛ لأنه لا يحب الظهور، هذا العذر الظاهر للناس، والله أعلم بالخبايا، الغالب أن مثل هذا باعثه الكسل؛ لأن ما معنى حب الظهور؟ ما معني مثل هذا الزهد مع مخالفة أوامر صريحة بتبليغ ما علم؟ وقد أخذ الله -جل وعلا- العهد والميثاق على أهل العلم أن يبينوا ابتعادًا عن الشهرة، يقول؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص ينزوي في بيته، ولا يخالط الناس؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص مع إمكان أن ينتفع الناس به، هذه الدعوى ليست مقبولة غافلًا عن العهد والميثاق الذي أخذه الله تعالى على أهل العلم كما قال -جل وعلا-: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}[آل عمران:187].

يقول الإمام الحافظ ابن كثير في تفسيره: هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ عليهم العهد على السنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد -صلى الله عليه وسلم- وأن ينوهوا بذكره في الناس؛ ليكونوا على أهبة من أمره، فإذا أرسله الله تابعوه، فكتموا ذلك وتعوضوا عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف والحظ الدنيوي؛ حفاظًا على رئاساتهم؛ لأنهم يخيل إليهم أنهم إذا تبعوه بدلًا من أن يكونوا متبوعين يصيروا أتباعًا تعوذوا مما ولدوا عليه في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف والحظ الدنيوي السخيف، فبئست الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم.

 يقول: وفي هذا تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم، فيصيبهم ما أصابهم، ويسلكوا بهم مسلكهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئًا، فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي -صل الله عليه وسلم- أنه قال: «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار»، والحديث صحيح مخرج في المسند والسنن، فعلى من لديه شيء من العلم أن يبذله للناس، وهذه زكاته، لا بد من أن يبذله لطلابه، ولا يجوز أن يكتم منه شيئًا لا سيما إذا تعين عليه ذلك بألا يوجد في البلد غيره، أو يوجد من لا تقوم به الكفاية، يتعين عليه ذلك، لماذا؟  لأن العهد والميثاق أُخذ عليه أن يبين وأن يعلم.

يقول: «إن من أشراط الساعة» أي من علاماتها،  و«الساعة» هي القيامة كما تقدم في شرح حديث جبريل من كتاب الإيمان، «أن يرفع العلم» الجملة في محل نصب اسم إن، إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، يعني تأويل  مصدر إن من أشراط الساعة رفع العلم، وليس المراد برفعه محوه من صدور الرجال الحفاظ وقلوب العلماء، بل رفعه بموت حملته وقبض العلماء، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا».

 يقول القاضي عياض: وقد وجد ذلك في زماننا، سنة كم؟ القاضي عياض توفي سنة 544هـ قال القاضي عياض كما أخبر -عليه الصلاة والسلام- قال الشيخ قطب الدين قلت: هذا قوله مع توفر العلماء في زمانه، فكيف بزماننا؟ قال العيني بعد ذلك، قال العبد الضعيف: هذا قوله مع كثرة الفقهاء والعلماء من المذاهب الأربعة والمحدثين الكبار في زمانه، فكيف بزماننا الذين خلت البلاد عنهم وتصدرت الجهال بالإفتاء والتعين في المجالس والتدريس في المدارس؟ فنسأل الله السلامة والعافية، هذا في زمانهم والحديث الصحيح «أنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه».

لكن هذا إجمالي في الجملة، يعني في جملة الزمان وجملة الأماكن، لكن لا يعني أنه...

المقدم: يخلو من أحد.

أو مثلاً لا يعني أن هذا أمر تفصيلي بمعنى أنه قد يوجد في بلد من البلدان العلم أظهر منه في زمن مضى، فالمسألة إجمالية على مستوى الجميع فالمسألة إجمالية، وبلادنا -ولله الحمد- منذ عقود وفيها من أهل العلم الكبار أهل العلم والعمل الذين لم يوجد نظيرهم في كثير من البلدان، بل في بعض الأزمان السابقة، فالمسألة إجمالية.  

«ويَثْبُت الجهل» يقول ابن حجر: فهو بفتح أوله وسكون المثلثة وضم الموحدة يثبت وفتح المثناة، يثبت الجهل، وفي رواية مسلم: «ويُبَث» بضم أوله وفتح الموحدة بعدها مثلثة، أي ينتشر.

يقول الحافظ ابن حجر: وغفل الكرماني فعزاها للبخاري، وإنما حكاها النووي في شرح مسلم، قال الكرماني: وفي رواية: «وينبت» بالنون بدل المثلثة من النبات، يقول ابن حجر: غفل الكرماني، تعقبه العيني بقوله: لم يقل الكرماني في رواية للبخاري ولا قال: (وروى)، وإنما قال: وفي بعض النسخ: يبث من البث، وهو النشر، ولا يلزم من هذه العبارة نسبته إلى البخاري. لأنه يمكن أن تكون هذه الرواية من غير البخاري، وقد كُتبت في كتابه، ماذا قال الكرماني؟  

قال: في بعض النسخ يبث من البث، وهو النشر، هل يلزم من وجوده في بعض نسخ الصحيح أن يكون من رواية الصحيح؟ لا يلزم. يقول: وغفل الكرماني فعزاها للبخاري، وإنما حكى أنه في شرحه لمسلم قال الكرماني: وفي رواية: «وينبت» بالنون بدل المثلثة من النبات، تعبقه العيني بقوله: لم يقل الكرماني: وفي رواية للبخاري، ولا قال: وروى وإنما قال: وفي بعض النسخ يبث، وهو النشر، ولا يلزم من هذه العبارة نسبته إلى البخاري؛ لأنه يمكن أن تكون هذه الرواية هي من غير البخاري وقد كتبت في كتابه، يمكن أن تكون هذه الرواية من غير البخاري، وقد كتبت في كتابه، وكذا قال الكرماني، ما معنى كلامه؟ يقول بعض النساخ أحيانًا يقف على بعض الروايات في كتب أخرى فيثبتها في الحاشية لا على أنها من الكتاب نفسه، إنما يثبتها للفائدة.

الطالب: اختلاف نسخ لا اختلاف روايات.

اختلاف نسخ، لكن مرد هذه الاختلاف لا إلى الأصل.

الطالب: ليس اختلاف روايات.

إنه اختلاف نساخ، وليس اختلاف نسخ، اختلاف نسخ سببه اختلاف النُّساخ، يجتهد بعض النساخ فيطلع على رواية، فبدل من أن يفوتها يضعها في هذا الموضع للحاجة إليها لو لم يستفد منها إلا تفسير الرواية المذكورة؛ لأن الرواية تفسر بعضها بعضًا، فهذا أثبت هذه الكلمة من كتب أخرى في حاشية، ثم جاء ناسخ آخر فأدخلها فصارت في بعض النسخ، وفي بعضها: ينبت من النبات بالنون، والمعترض المذكور (يعني ابن حجر) قال أيضًا: وليست هذه في شيء من الصحيحين، يقول العيني: ولا يلزم من عدم اطلاعه على ذلك نفيه بالكلية، وربما ثبت ذلك عند أحد من نقلة الصحيحين، يعني كون بعض الروايات مضبوطة ومتقنة ومحفوظة إلى يومنا هذا، هل يعني أن جميع رواة الصحيحين ضبطت رواياتهم وأتقنت؟

لا لا يلزم هذا، على مقتضى كلام العيني: وربما ثبت ذلك عند أحد من نقلة الصحيحين فنقله، ثم جعل ذلك نسخة، والمدعي بالفن (هو ينبز ابن حجر) لا يقدر على إحاطة جميع ما فيه، ولاسيما علم الرواية؛ فإنه واسع لا يدرك ساحله.

 لكن أجاب ابن حجر -رحمه الله- تعالى في انتقاض الاعتراض يقول: قلت: جميع ما قال المعترض، دفع بالصدر واعتناده الأول ظاهر السقوط، واعتراضه الأخير إنما المستند الثاني التمسك بالعدم الذي هو الأصل، فمن ادعي بعد ذلك فعليه البيان، المستند الثاني اعتراضه الأخير حينما اعترض على قول ابن حجر إنه ليست في الصحيحين قال: هل أنت أحطت بجميع روايات الصحيحين؟ يقول: إنما مستند الثاني يعني الاعتراض الثاني إنما هو التمسك بالعدم، إنما هو الأصل، ابن حجر مستنده تمسك بالعدم أنه لا يوجد، لكن يا عيني إذا كان موجودًا فهات، هكذا يقول..

رد على ابن حجر إنه لا يمكن أن يحيط بجميع ما في روايات الصحيحين، لكن هل يكفي هذا؟ يقول: إن المستند الثاني التمسك بالعدم الذي هو الأصل، فمن ادعى ذلك فعليه البيان، وهذا عياض وابن قرقول وابن الأثير ومن جاء بعدهم ممن عني بألفاظ الصحيحين إذا لم ينقلوا هذه اللفظة في هذا الحديث مع توفر دواعيهم على منع ذلك وبذل الجهد فيه، أما فيهم متمسك لمدعي العدم حتى يثبت المُدَّعى.

المقدم: أحسن الله إليك، لعلنا أيضًا نعود للفصل بينهما في الحلقة القادمة، يعني نقف عند هذا التبادل بينهما -رحمهما الله- على أن نعد المستمع الكريم بإعادة الحديث مرة أخرى في الحلقة القادمة.

 أيها الإخوة والأخوات، بهذا نصل وإياكم إلى ختام حلقتنا في شرح التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، نلقاكم بإذن الله تعالى في الحلقة القادمة؛ لاستكمال ما تبقى في ألفاظ هذا الحديث، وأنتم على خير.

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.