التعليق على الموافقات (1436) - 08

عنوان الدرس: 
التعليق على الموافقات (1436) - 08
عنوان السلسلة: 
التعليق على الموافقات
تاريخ النشر: 
الأحد, 6 شعبان, 1439 - 10:15

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نعم.

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم.

 الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

قال الشاطبي -رحمه الله تعالى-: "المسألة الحادية عشرة: تقدم الكلام على محالِّ الخلاف في الجملة، ولم يقع هنالك تفصيل، وقد ألف ابن السَّيِّد".

"السِّيد".

طالب: أحسن الله إليك.

مر قريبًا.

طالب: نعم مر، أحسن الله إليك. "وقد ألف ابن السِّيد كتابًا في أسباب الخلاف الواقع بين حملة الشريعة، وحصرها في ثمانية أسباب".

والكتاب مطبوع ومتداول في مجلد متوسط، واسمه: التنبيه على أسباب الخلاف، وفي الموضوع لشيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: رفع الملام على الأئمة الأعلام، إشارات إلى بعض الخلاف، ولولي الله الدهلوي أيضًا كتاب في الموضوع اسمه: الإنصاف في بيان أسباب الخلاف، وكتب أخرى لمعاصرين موجودة في الأسواق، لكن هذه أهمها.

طالب: "أحدها: الاشتراك الواقع في الألفاظ، واحتمالها للتأويلات، وجعله ثلاثة أقسام: اشتراك في موضوع اللفظ المفرد، كالقُرء وأو في آية الحرابة".

"كالقرء" وهو مشترك بين الحيض والطهر، ونشأ عن ذلك الاشتراك خلاف بين أهل العلم: هل المراد بالقرء الحيض، أو المراد به الطهر؟ جمع من أهل العلم يقولون: المراد بالقرء الحيض، وبه يقول الحنابلة ومن معهم، وفريق من العلم يرون أنه الطهر، وبه يقول الشافعية ومن معهم من أهل العلم.

 والسبب في ذلك أن لفظ القرء مشترك في لغة العرب، وكل منهما، كل من الفريقين يرجح بأمور خارجية.

 "أو في آية الحرابة": {يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [المائدة: 33]، {أَوْ} هذه، (أو) في الأصل في لغة العرب تأتي لمعانٍ كثيرة:

 خَيِّرْ أَبِحْ قَسِّمْ بأَوْ وأَبْهِمِ         واشْكُكْ وإضرابٌ بها أيضًا نُمِي

 فهي تأتي لمعانٍ كثيرة منها: التخيير، والإباحة، والتقسيم، والإبهام، والشك، والإضراب. {أَوْ} في آية الحرابة منهم أنها للتخيير للإمام، فالإمام مخير بين أن يفعل بالمحاربين ما ذُكر في الآية، ومنهم من يرى أنها للتقسيم: قِسم من المحاربين يُفعل، وقسم منهم يُفعل به كذا، وقسم يُفعل به كذا. والخلاف الفقهي معروف بكتب الفقه وكتب أحكام القرآن. المقصود أن مرد هذا الاختلاف الاشتراك، وورود أكثر من معنى لهذا الحرف.

طالب: "واشتراك في أحواله العارضة في التصرف، نحو: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} [البقرة: 282]".

(لا يُضارَّ)، الحرف المضعف في آخر الكلمة عبارة عن حرفين، إذا فُك الإدغام وصار محتملًا لأن يكون: يُضارِر أو يُضارَر، لا يُضارِر كاتب ولا شهيد، إذا فككنا الإدغام، يعني إذا وُجد الإدغام صار مشتركًا، لا تدري هل هو للفاعل أو للمفعول؟ هل هو يُضارِر أو يُضارَر؟ ومن هنا نشأ الخلاف في المعنى: هل النهي للكاتب أن لا يُضارِر صاحب الحق أو المدين؟ أو هو هذا الكاتب والشهيد لا يُضارَر؟ وكل منهما محتمل، فالكاتب لا يُضارِر، لا يجوز له أن يُضارِر صاحب الحق وكذلك الشهيد، أو يُضارِر المدين محاباة لصاحب الحق، كما أنه متجه لصاحب الدين أن لا يُضارِر الكاتب ولا الشهيد.

 فعلى هذا: لا يُضارَر كاتب ولا شهيد. والمُضَارَّة صورها معروفة، قد يكتب، يُحسن، يتبرع، أو يكتب الدين لفلان، وفلان يشهد، ثم بعد ذلك يُضارِره، يُضارَر من قبل الدائن أو المدين، ويُتعَب في المطالبات، وأداء الشهادة في مواقع الحكم. وقل مثل هذا في نفس الكاتب صاحب الدين قد يُضارَر.

 وعلى كل حال: منشأ الخلاف في الاشتراك الذي سببه التصريف.

طالب: "واشتراك من قبل التركيب، نحو: {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]".

يعني عود الضمير على أكثر من واحد، وهو صالح أن يعود على الأول أو على الثاني، هذا يوجد اختلاف في فهم المعنى.

طالب: "{وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} [النساء: 157]".

عامة أهل العلم والمفسرين على أن (ما قتلوه) الضمير يعود إلى عيسى، ومنهم من يقول: إنه يعود إلى العلم: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ} [النساء: 157]، ويكون المعنى حينئذٍ: وما قتلوا العلم. هذا قيل به من قِبل بعض المفسرين، لكن وجه ضعيف، والظاهر من السياق أن المقصود هو عيسى. ثم إذا قيل بمثل هذا الخلاف، يكون الخلاف ناشئًا عن حمل الكلام على الحقيقة أو المجاز، فإذا قلنا: (ما قتلوه) يعود إلى عيسى، حقيقة. وإذا قلنا: يعود إلى العلم، فهو قتل مجازي عند من يقول بالمجاز. فيرجع الخلاف إلى التردد في حمل الكلام على حقيقته أو مجازه، وهو الثاني الذي يتحدث عنه المؤلف.

طالب: "والثاني: دوران اللفظ بين الحقيقة والمجاز، وجعله".

"وجعله" يعني: ابن السِّيد، ما زال الكلام لابن السِّيد.

طالب: "وجعله ثلاثة أقسام: ما يرجع إلى اللفظ المفرد، نحو حديث النزول، و{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النور: 35]".

المؤلف ابن السِّيد سلك مسلك النفاة، نفاة الصفات، ولذلك حمله على المجاز، حمل النزول الإلهي الثابت في الحديث المتفق عليه، وكذلك لفظ النور المضاف إلى الله...، المسند إلى الله- جل وعلا-، حمله على المجاز، وهذه طريقة نفاة الصفات، والذي عليه أئمة المسلمين من سلف الأمة وأئمتها: أن يُثبت لله -جل وعلا- ما أثبته لنفسه، مع نفي ما يُتوهم من التشبيه أو التمثيل أو ما يَتذرع به النفاة.

طالب: "وما يرجع إلى أحواله، نحو: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [سبأ: 33]، ولم يبين وجه الخلاف".

يعني {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}، {مَكْرُ}: مضاف، و{اللَّيْلِ}: مضاف إليه. {مَكْرُ اللَّيْلِ} هل هو مضاف إلى الليل؟ أو {مَكْرُ} الماكرين في {اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}؟ هل المراد {مَكْرُ اللَّيْلِ}، وإضافة المكر إليه مجاز على كلامه؟ أو مكركم في {اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}، {مَكْرُ} المكلفين في {اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}؟ هو دائر بين هذا وهذا، والاحتمال الثاني هو الحقيقة على كلام المؤلف، والاحتمال الأول من قبيل المجاز.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

على ماذا؟

طالب: .......

الظرفية.

طالب: .......

كيف؟

طالب: .......

الظرف بما ثبت فيه، ظروف يقدر فيها (في)، نعم.

طالب: حديث النزول ....... ابن السَّيِّد، هل حمله .......

ابن من؟

طالب: السِّيد.

السِّيد، وما هو السِّيد؟

طالب: الذِّئْب.

الذِّئْب، الذِّئْب أم ذِيب؟

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

والذي في القرآن؟

طالب: {الذِّئْبُ} [يوسف: 13].

والكسائي ماذا يقول؟

طالب: .......

قراءة سبعية، الكسائي من أئمة القراء يقول: {الذِّيبُ} [يوسف: 13] على ما هو دارج عندنا. وقيل له: لِم لا تهمز الذئب؟ قال: أخاف أن يأكلني!!

طالب: هل هو ذكر .......

هو وضعه تحت عنوان.

طالب: هو ذكر أنه من أسباب الخلاف، فهل هو حمله على المجاز؟

نعم، به محل خلاف بين السلف والخلف، لكنه يتبنى كونه مجازًا.

طالب: "وما يرجع إلى جهة التركيب، كإيراد الممتنع بصورة الممكن، ومنه: «لئن قدر الله علي» الحديث".

في حديث الإسرائيلي الذي بلغ به من الخوف ما بلغ من الله -جل وعلا- فأوصى أولاده أنه إذا مات أن يُحرق ويُذر رماده في يوم شديد الريح، وقال: «لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا» إلى أن وصف العذاب بأنه شديد أو عظيم. هذا بلغ به الخوف ما بلغ، ولزم على هذا الخوف إنكار القدرة الإلهية على جمعه. لكن ما الذي حصل له؟ إنكار القدرة كفر، إنكار قدرة الله- جل وعلا- كفر. لكن عُذر أم ما عُذر؟

طالب: عُذر.

عُذر؛ بسبب....

طالب: .......

شدة الخوف الذي بلغ به ما غطى عقله، مذهول، إضافة إلى الجهل. على كل حال هذا الذي يقوله المؤلف وأشباه ذلك، يقول في أصل المسألة: "وما يرجع إلى جهة التركيب كإيراد الممتنع بصورة الممكن".

 الموجود عندنا من هذه الصورة أم عكس الصورة؟

طالب: العكس يا شيخ.

العكس.

طالب: العكس نعم.

لأنه في الأصل أن يقول: وعكسه، كإيراد الممتنع بصورة الممكن وعكسه. ولذلك المثال الذي ذكره عكس.

طالب: "وأشباه ذلك مما يورد من أنواع الكلام بصورة غيره، كالأمر بصورة الخبر".

"بصورة الخبر": {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: 228]، جاء بصورة الخبر وإلا فالأصل أنه أمر بالمكث وقت العدة.

طالب: "والمدحُ بصورة الذم".

"والمدحِ".

طالب: أحسن الله إليك. "والمدحِ بصورة الذم".

مدح بصورة الذم:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم         بهن فلول من قراع الكتائب

 هذا مدح، لكنه أورده في صورة الذم، وأيضًا عكسه: الذم بصورة المدح، له مثال؟ له أمثلة في كتب البلاغة.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

لا، هذا واضح أنه ذم.

طالب: .......

لا لا، ذم هذا، ذم بصورة الذم، نعم، ذكِّرونا يا إخوان.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

طالب: ....... يا شيخ.

ماذا؟

طالب: .......

نعم.

طالب: .......

ما أدري واللهِ.

طالب: .......

نعم، بسبب العجز لا يظلمون الناس، هو حسبه يمدحهم.

طالب: "والتكثير بصورة التقليل، وعكسها".

مثاله؟ "التكثير بصورة التقليل"، الحرف الذي يرد للتقليل ويرد للتكثير مثل (ربما)، قد يستعمل للتكثير، والحرف في الأصل للتقليل، ومثله (قد) الأصل فيه التقليل ويستعمل للتكثير، وعكسه، والتصغير يأتي للتعظيم، مثل: (دويهة تصفر منها الأنامل)، ويأتون بألفاظ ظاهرها الذم، بألفاظ يلقبون بها بعض الناس ظاهرها ذم، وهم يمدحونه بذلك، فقد يقال: (فلان حمار) بناءً على صبره وتحمله.

وقد يقال (كلب) ويمدح بهذا لوفائه، وغير ذلك من الألفاظ التي في ألفاظ الجرح والتعديل، قالوا: (فلان شيطان)، الآن إذا أعجب الإنسان بألمعيته ودقته وكذا قيل: شيطان، ولا يقصدون بذلك أنهم يذمونه. وإذا أرادوا أن يذموا شخصًا بالمقابل قالوا: (فلان ابن حلال) يعني مغفل! هذه ألفاظ دارجة حتى عند المتقدمين، ليست مبتكرة.

طالب: "والثالث: دوران الدليل بين الاستقلال بالحكم وعدمه، كحديث الليث بن سعد مع أبي حنيفة وابن أبي ليلى وابن شُبرمة في مسألة البيع والشرط".

يعني هل نهى عن بيع وشرط؟ يمكن أن يؤخذ على جهة الاستقلال ويطبق على كل صورة من هذه الصور؟ أو ينظر فيه إلى أدلة أخرى، كحديث جابر، كشراء النبي -عليه الصلاة والسلام- جمل جابر واشتراط الحملان إلى المدينة. هل نأخذ الحديث مجردًا؟ من أخذه مجردًا طرده بجميع الصور، ومن نظر إلى الأدلة الأخرى حمله على بعض الصور دون بعض. نعم.

طالب: "وكمسألة الجبر والقدر والاكتساب".

نعم. من نظر إلى بعض الأدلة من القرآن أو السنة: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17]، يعني ما لك أي دخل ولا تصرف، لكن من يفهم الحديث على وجهه، الجبرية يقولون: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] أنت ما لك دخل، مثل حركة الشجر والورق، حركتك مثل حركة ورق الشجر. وبالمقابل القدرية يقولون: يخلق أفعاله. فإذا نظرنا إلى النصوص التي استدل بها الجبرية على حدة اتجه قولهم، وإذا نظرنا إلى النصوص التي استدل بها القدرية اتجه قولهم، لكن إذا جمعنا بين هذا وهذا خرجنا بالقول الصحيح الذي هو قول سلف الأمة وأئمتها.

 وفي جميع أبواب الدين القول الوسط يُنظر فيه إلى الطرفين، ما ننظر إلى طرف، ولذا في الواسطية شيخ الإسلام -رحمه الله- أبدع في توصيف مذهب أهل السنة والجماعة، وأنهم وسط في باب كذا، في باب القدر بين الجبرية والقدرية، في باب الصفات بين الجهمية والمشبهة، في باب الصحابة بين الروافض والنواصب، وفي جميع أبواب الدين على هذه الطريقة.

طالب: "والرابع: دورانه بين العموم والخصوص، نحو: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256]".

هل هو عام؟ لجميع الناس {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}، أو خاص بأهل الكتاب الذين يؤدون الجزية؟ فاللفظ دائر بين العموم والخصوص.

طالب: "{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31]".

{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا}، أسماء كل شيء، وجاء في التفسير بعض الأمثلة التي تدل على ذلك، أو أنه علمه أسماء ما يحتاج إليه؟ أو أسماء الملائكة فقط؟ المقصود أنه دائر بين العموم أو الخصوص بنوع أو بأنواع معينة.

طالب: "والخامس: اختلاف الرواية، وله ثماني علل قد تقدم التنبيه عليها".

تقدم قبل ستين صفحة، صفحة مائة وأربعين إذا كان معكم الكتاب المحقق، في صفحة مائة وأربعين ذكرها، نقلاً عن ابن السِّيد، وفي ذلك الموضع مر ذكره. ذكرها في صفحة مائة وأربعين وواحد وأربعين:

 "فصل: وقد عد ابن السِّيد هذا المكان من أسباب الخلاف" يعني على ما سيأتي "حين عد جهة الرواية وأن لها ثماني علل: فساد الإسناد، ونقل الحديث على المعنى، ومن الصحف..." هذا كله شرحناه فيما تقدم "والجهل بالإعراب، والتصحيف، وإسقاط جزء الحديث أو سببه، وسماع بعض الحديث وفوت بعضه، وهذه الأشياء ترجع إلى معنى ما تقدم..." إلى آخره. والغريب أنه في التعليق نقلها، نقل الثمانية أعاد ذكرها!

طالب: "والسادس: جهات الاجتهاد والقياس".

يعني من جهة، "جهات"، من جهة الاستدلال بالقياس مثلاً أو مواطن الاجتهاد والاختلاف فيها، والخلاف في بعض الأقيسة، والخلاف في تحقق العلة، والخلاف في مشابهة الفرع للأصل، من يرى وجود المشابهة يقيس، والذي يقول: لا وجه بينهما والاشتراك بينهما بالعلة ينفي القياس، فيحصل الاختلاف.

طالب: "والسابع: دعوى النسخ وعدمه".

"دعوى النسخ وعدمه"، المسألة مفترضة فيمن يقول بالنسخ، أما من لا يقول بالنسخ فلا يُعتد به في الوفاق ولا في الخلاف. لكن من يقول، الخلاف، يحصل اختلاف عند من يقول عند القائلين بالنسخ، هل هذا النص منسوخ أو غير منسوخ؟ مع الاعتراف بالنسخ في أصل المسألة، أما الذين لا يرون النسخ أصلاً فهؤلاء لا يُعتد بهم، وإن كان بعض من علق على الكتاب ذكره من مواطن الخلاف بين القائلين بالنسخ وعدمه. لكن ينبغي أن لا يورد من لا يقول بالنسخ.

 من يقول بالنسخ، هذه الآية يختلفون فيها: هل هي محكمة أو منسوخة؟ يختلفون في هذا، ويترتب على ذلك وجود الخلاف في المسألة المستنبطة من هذه الآية. نعم. وقل مثل هذا في الأحاديث.

 "والثامن".

طالب: "والثامن: ورود الأدلة على وجوه تحتمل الإباحة وغيرها كالاختلاف في الأذان، والتكبير على الجنائز، ووجوه القراءات".

"ورود الأدلة على وجوه تحتمل الإباحة وغيرها" لا سيما إذا كان الاختلاف من اختلاف التنوع لا من اختلاف التضاد؛ لأنه في اختلاف التنوع كل يقول بما يشاء من القائلين في حكم هذه المسألة أو في معنى هذه الآية أو حكم مستنبط من هذه الآية. فاختلاف التنوع، يعني تحمل الآية على المشرع الأصلي، وهو الله -جل وعلا-، وقد تُحمل على المبلغ عنه، وقد تُحمل على الكتاب الذي أنزله، والكل بمعنى واحد، فهو من اختلاف التنوع لا من اختلاف التضاد.

 "وجوه تحتمل الإباحة وغيرها": هناك أوامر يختلفون في مفادها، منهم من يقول للوجوب، ومنهم من يقول للاستحباب، ومنهم من يقول: للإباحة. {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا} [الأحزاب: 53]، اللفظ يحتمل في أصل الأمر الوجوب، ونظرًا للأدلة الأخرى الصارفة له عن الوجود تردد بين الاستحباب والإباحة. {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2]، {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا} [الجمعة: 10]. فالأمر محتمل، وإن كان التقعيد من أهل العلم أن الأمر بعد الحظر يختلفون فيه، منهم من يقول للإباحة مطلقًا، ومنهم من يقول: يعود إلى ما كان عليه قبل الحظر.

طالب: "هذه تراجم ما أورد ابن السِّيد في كتابه، ومن أراد التفصيل فعليه به، ولكن إذا عرض جميع ما ذكر على ما تقدم تبين به تحقيق القول فيها، وبالله التوفيق.

المسألة الثانية عشرة: من الخلاف ما لا يُعتد به في الخلاف، وهو ضربان".

أولاً من العلماء ومن الفرق من لا يُعتد بقوله ولا يؤثر في الخلاف، فمن لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد هذا لا يُعتد بخلافه. والفرق المخالفة للأصول وقواعد الشريعة هؤلاء أيضًا لا يُعتد بهم، ويتكلم المؤلف -رحمه الله- عن الخلاف نفسه هل يعتد به أو لا يعتد به بغض النظر عن قائله؟ يقول: هو ضربان.

طالب: "أحدهما: ما كان من الأقوال خطأً مخالفًا لمقطوع به في الشريعة، وقد تقدم التنبيه عليه".

"خطأ" ولو كان قائله من أهل الاجتهاد، فإذا تُحقق الخطأ المخالف للدليل الصحيح الصريح فإنه لا يُلتف إليه ولا يُنصب هذا الخلاف في مقابل الأقوال التي تدل عليها الأدلة الشرعية، فهذا يُطرح.

طالب: "والثاني: ما كان ظاهره الخلاف وليس في الحقيقة كذلك، وأكثر ما يقع ذلك في تفسير الكتاب والسنة".

وهو الذي تقدم الإشارة إليه وهو اختلاف التنوع، مثل هذا يذكر المفسرون أقوالاً في معنى الآية وهي في حقيقتها لا اختلاف بينها، فمثل هذا لا يسمى خلافًا.

طالب: "فتجد المفسرين ينقلون عن السلف في معاني ألفاظ الكتاب أقوالاً مختلفةً في الظاهر، فإذا اعتبرتها وجدتها تتلاقى على العبارة كالمعنى الواحد، والأقوال إذا أمكن اجتماعها والقول بجميعها من غير إخلال بمقصد القائل، فلا يصح نقل الخلاف فيها عنه، وهكذا يتفق في شرح السنة".

يعني مثل ما تُشرح السنة ويبين فيها أقوال اللفظ أو التركيب مما لا اختلاف فيه في الحقيقة هو بمثابة ما جاء عن السلف في تفسير الآية.

طالب: "وكذلك في فتاوى الأئمة وكلامهم في مسائل العلم".

وهذا موجود في كلام أهل العلم بكثرة، تستعرض الفتاوى من شخص فيسأل سؤالاً واحدًا ويجيب بأجوبة، يمكن يُسأل في خمسة مواضع أو ستة في كل موضع يجيب بجواب مضمونه واحد، لكن الألفاظ تختلف، فمثل هذا لا يسمى اختلافًا في القول إلا إذا تضاد الحكم بينهم. نعم.

طالب: "وهذا الموضوع مما يجب تحقيقه، فإذا نُقل الخلاف في مسألة لا خلاف فيها في الحقيقة خطأ، كما أن".

"فإنَّ نَقْلَ".

طالب: "فإنَّ نَقْلَ الخلاف في مسألة لا خلاف فيها في الحقيقة خطأ، كما أن نقل الوفاق في موضع الخلاف لا يصح".

ولذا تجدون بعض الباحثين يريد أن يستقسي ويستوعب الأقوال في المسألة، فيقول: المسألة عشرة أقوال، وأنت إذا تأملتها ودققت فيها ونظرت ما بينها من التوافق يمكن أن تصير أربعة أو خمسة أو ثلاثة، يمكن أن يُضم بعضها إلى بعض للاتفاق بينها.

طالب: "فإذا ثبت هذا، فلنقل الخلاف هنا أسباب؛ أحدها: أن يذكر في التفسير عن النبي- صلى الله عليه وسلم- في ذلك شيء أو عن أحد من أصحابه أو غيرهم، ويكون ذلك المنقول بعض ما يشتمله اللفظ، ثم يذكر غير ذلك القائل أشياء أخر مما يشمله اللفظ أيضًا، فينصهما المفسرون على نصهما".

ينقلون ما وجدوا، ما وجدوا مما ذُكر في معنى الآية، وقد تكون هذه الأشياء أفراد تندرج تحت عموم اللفظ.

طالب: "فيظن أنه خلاف، كما نقلوا في المَن أنه خبز الرقاق، وقيل: زنجبيل، وقيل: الترنجبين، وقيل: شراب مزجوه بالماء، فهذا كله يشمله اللفظ؛ لأن الله مَنَّ به عليهم، ولذلك جاء في الحديث: «الكمأة من المن الذي أنزل الله على بني إسرائيل»".

وفي البخاري: «الكمأة من المن ماؤها شفاء للعين».

طالب: "فيكون المَن جملة نعم، ذكر الناس منها آحادًا".

يعني لو سمع شخص يفسر المن بأنه الزنجبيل، هل يستطيع أن يقول: هذا خطأ، المن الكمأة؛ لأنه جاء في البخاري تفسيره بأنها من المن؟ لا، هذا فرد من أفراد المن.

طالب: "والثاني: أن يذكر في النقل أشياء تتفق في المعنى بحيث ترجع إلى معنًى واحد".

والفرق بين الأول والثاني: أن الأول في التفسير المرفوع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، والثاني فيما ينقل عن قوله -عليه الصلاة والسلام-.

طالب: .......

لا لا.

طالب: .......

لا لا يكفي.

طالب: "فيكون التفسير فيها على قول واحد، ويوهم نقلها على اختلاف اللفظ أنه خلاف محقق، كما قالوا في السلوى إنه طير يشبه السماني، وقيل: طير أحمر صفته كذا، وقيل: طير بالهند أكبر من العصفور، وكذلك قالوا في المن: شيء يسقط على الشجر فيؤكل، وقيل: صمغة حلوة، وقيل: الترنجبين وقيل: مثل رُبٍّ غليظ، وقيل: عسل جامد، فمثل هذا يصح حمله على الموافقة وهو الظاهر فيها".

كل هذه قيلت، وهي مما يشملها ويتناولها اللفظ. الرُّبُّ، ما هو الرُّبُّ؟

طالب: .......

عسل أو تمر يوضع في السمن ليحلو طعمه.

طالب: "والثالث: أن يذكر أحد الأقوال على تفسير اللغة، ويذكر الآخر على التفسير المعنوي، وفرق بين تقرير الإعراب وتفسير المعنى، وهما معًا يرجعان إلى حكم واحد؛ لأن النظر اللغوي راجع إلى تقرير أصل الوضع، والآخر راجع إلى تقرير المعنى في الاستعمال، كما قالوا في قوله تعالى: {وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ} [الواقعة: 73]، أي: للمسافرين، وقيل: النازلين بالأرض القَوَّاء".

"القَوَاء".

طالب: أحسن الله إليك. "وقيل: النازلين بالأرض القَوَاءِ وهي القفر".

حتى إذا بات المرء جائعًا قالت العرب: (بات القَوَاء)، يعني بطنه خالٍ ليس فيه شيء. وإذا اختلف الفقيه والعالم مع اللغوي في فهم آية أو حديث، الإمام الشافعي -رحمه الله- يقول: الفقيه مقدم على اللغوي في الفهم، ومثل هذا يرد فيما إذا وُجد في غريب الحديث أو في غريب القرآن ما يحتاج إلى تفسير وبيان للمعنى، فمما يخطئ فيه بعض طلاب العلم أن يرجعوا إلى كتب اللغة ويفسروه بأدنى ما يجدونه من المعاني؛ لأنهم حينئذٍ يغفلون عن السياق ويغفلون عن النصوص الأخرى في الباب، بخلاف الفقيه.

 فلا بد أن يجمع بين اللغة والفقه، والأصل في الفقيه أن يكون لديه معرفة باللغة، لا يكون عاميًّا في الباب ثم ينازع، هذا ما هو بفقيه، واللغة من شرائط الاجتهاد. لكن المتخصص في اللغة مع الفقيه الذي أخذ من اللغة ما يكفيه للاجتهاد، فالفقيه مقدم عليه، أنك تشرح هذه الكلمة من كتاب لغة يُعنى بجمع أقوال اللغويين ومعاني هذه الكلمة عندهم، قد تأخذ من هذا الكتاب معنًى لا يناسب السياق ولا يليق به، بينما الفقيه الذي همه المعنى أكثر من اللفظ لا يمكن أن يفسر اللفظ بما لا يتمشى مع السياق.

قال: "في قوله تعالى {وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ} [الواقعة: 73]، قيل فيهم: المسافرون"، وهذا موجود في اللغة، "وقيل: النازلين بالأرض القواء" وهي القفر، ولا شك أن النار يحتاجها المسافر، ويحتاجها النازل أكثر من حاجة أهل البلدان والقرى؛ لأن أهل البلدان والقرى قد يستعيضون عنها بشراء الأطعمة الجاهزة الموجودة في بلدانهم، لكن هؤلاء لا بد أن يعدوا طعامهم، ولذا امتن الله عليهم بالنار.

طالب: "وكذلك قوله: {تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ} [الرعد: 31]، أي: داهية تفجؤهم، وقيل: سرية من سرايا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأشباه ذلك".

يعني على التفسير اللغوي: القارعة الداهية، وعلى التفسير الواقعي الذي قد يكون سببًا أو المفهوم من السياق كله أن الداهية كما تحصل بآفة من السماء أو بسباع أو أشياء أخرى تفجؤهم، كذلك من الدواهي السرية التي بعثها النبي -عليه الصلاة والسلام-، التي يبعثها النبي- عليه الصلاة والسلام- إليهم فتدهاهم وتأخذهم، وتقتل رجالهم وتسبي نساءهم، وهذه من أعظم الدواهي.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

فرق، يشملها كلها، نعم.

 "والرابع".

طالب: "والرابع: أن لا يتوارد الخلاف على محل واحد، كاختلافهم في أن المفهوم له عموم أو لا، وذلك أنهم قالوا: لا يختلف القائلون بالمفهوم أنه عام فيما سوى المنطوق به، والذين نفوا العموم أرادوا أنه لا يثبت بالمنطوق به، وهو مما لا يختلفون فيه أيضًا، وكثير من المسائل، على هذا السبيل، فلا يكون في المسألة خلاف، وينقل فيها الأقوال على أنها خلاف".

يعني لو دققت النظر في أصل المسألة وجدت أن القول الثاني لا يدخل، يعني القول بأن المفهوم له عموم أو لا عموم له، يعني حمله على أن المنطوق لا عموم له في غير المحز، ولذلك قال: "كاختلافهم في أن المفهوم له عموم أو لا، وذلك أنهم قالوا: لا يختلف القائلون بالمفهوم أنه عام فيما سوى المنطوق"، يعني دلالة اللفظ في غير محل النطق تشمل كل ما يتناوله هذا اللفظ في غير ما نُطق به، فهو يفيد العموم. لكن الذين قابلوهم والذين نفوا العموم، نفوه عن المفهوم أو عن المنطوق؟

طالب: عن المفهوم.

أنه لا يثبت بالمنطوق هذا شيء ثانٍ، هذا لا شك أنه سبق فهم.

طالب: "والخامس: يختص بالآحاد في خاصة أنفسهم".

يعني في أفراد الناس.

طالب: "كاختلاف الأقوال بالنسبة إلى الإمام الواحد".

ومعلوم أن الأئمة لهم في المسائل أقوال، أكثر من القول في كثير من المسائل، فالإمام أحمد عنه روايات، قد تكون المسألة ثلاث روايات، أربع روايات، والشافعي -رحمه الله- له القول القديم ،وله القول الجديد، وقل مثل هذا عن بقية الأئمة.

طالب: "بناءً على تغير الاجتهاد والرجوع عما أفتى به إلى خلافه، فمثل هذا لا يصح أن يعتد به خلافًا في المسألة؛ لأن رجوع الإمام عن القول الأول إلى القول الثاني اطراح منه للأول ونسخ له بالثاني".

نعم. إذا كان القول الثاني مناقضًا للأول، فلا شك أن أقوال الأئمة كما قالوا عن الأتباع، أن أقوالهم ونصوصهم تُعامل معاملة النصوص، فيخص عامها بخاصها، ويقيد مطلقها بمقيدها، وإذا أعيت المسالك رُجع إلى القول بالنسخ، فالمعتمد هو المتأخر دون المتقدم، وأن الإمام رجع عن القول الأول. وقد يرجع عن القول الأول في ظرف أو في حال ثم يترجح عنده فيما بعد، ولذلك تعددت الروايات.

وعند الشافعية الفتوى على الجديد، يعني على القول الجديد باعتبار أن كله منسوخ إلا في بضع عشرة مسألة يفتون فيها على القديم، وذكرها النووي في مقدمة المجموع، والسيوطي في الأشباه والنظائر.

طالب: أحسن الله إليك يا شيخ. لو وجدنا قولاً لأهل العلم من المعاصرين متأخرًا يخالف قوله المتقدم.

نفس الشيء.

طالب: فهل يُعدل الأول، لو كان مثلاً العالم موجودًا على قيد الحياة؟

لا، يُنظر في الظرف والحال التي صدرت فيها تلك الفتوى القديمة، وظرف الفتوى الجديدة، فإن وُجد ما يمكن حملهما على الصحة ويحمل هذا على حال وذا على حال فما فيه إشكال، لكن إذا كانت الأحوال متطابقة فالجديد هو مذهبه.

طالب: يعني مثلاً الشيخ الحكم على الأحاديث، قد يحكم العالم على حديث بأنه ضعيف، وبعد خمس سنوات تجد له...

نعم؛ لأنه يتجدد عنده، يقف على طرق لم يقف عليها في السابق.

طالب: فهل يعدل الأول يا شيخ، لو كان مثلاً؟

أين؟

طالب: له كتاب مثلاً لم يطبع؟

على كل حال، لو يُذكر من باب العلم به؛ لئلا يورده أحد على المستدل، فيقول: أنا أعرف هذا القول القديم عند فلان ورجع عنه.

طالب: أحسن الله إليك.

لمجرد ذكره والعلم به.

طالب: "وفي هذا من بعض المتأخرين تنازع، والحق فيه ما ذكر أولاً، ويدل عليه ما تقدم في مسألة أن الشريعة على قول واحد".

وأن المصيب واحد، نعم، والثاني مخطئ.

طالب: "ولا يصح فيها غيرَ ذلك".

"غيرُ".

طالب: أحسن الله إليك. "ولا يصح فيها غيرُ ذلك، وقد يكون هذا الوجه على أعمَّ مما ذكر، كأن يختلف العلماء على قولين ثم يرجع أحد الفريقين إلى الآخر، كما ذُكر عن ابن عباس في المتعة وربا الفضل، وكرجوع الأنصار إلى المهاجرين في مسألة الغسل من التقاء الختانين، فلا ينبغي أن يحكى مثلَ هذا".

"مثلُ".

طالب: أحسن الله إليك. "فلا ينبغي أن يحكى مثلُ هذا في مسائل الخلاف".

نعم، لأنه تبين أن القول الأول خطأ معارض للدليل.

طالب: "والسادس: أن يقع الاختلاف في العمل لا في الحكم، كاختلاف القراء في وجوه القراءات، فإنهم لم يقرؤوا بما قرءوا به على إنكار غيره".

نعم. يعني مع الاعتراف بثبوت جميع القراءات، القراءات السبعية كلها ثابتة ومتواترة وإن اختلفت ألفاظها مع اتفاق صورها على الخلاف في المراد بالأحرف السبعة.

طالب: "بل على إجازته والإقرار بصحته، وإنما وقع الخلاف بينهم في الاختيارات، وليس في الحقيقة باختلاف، فإن المرويات على الصحة منها لا يختلفون فيها. والسابع: أن يقع تفسير الآية أو الحديث من المفسر الواحد على أوجه من الاحتمالات، ويبني على كل احتمال ما يليق به من غير أن يذكر خلافًا في الترجيح، بل على توسيع المعاني خاصةً، فهذا ليس بمستقر خلافًا".

وهذا ما يفعله بعض أهل العلم في تقرير المسائل، سواء كان ذلك في الدروس أو في المؤلفات، يوردون في الشيء الواحد أكثر من احتمال، ويتركونه من غير ترجيح، لتوسيع مدارك الطالب وتوسيع أفقه، وهذا لا شك أنه يختلف باختلاف المتلقي، فإذا كان ممن يحتمل مثل هذا يلقى إليه، وإذا كان ما يحتمل فيقتصر معه على قول واحد، وفرق بين طلاب يُلقنون العلم وبين طلاب تُفتح لهم آفاق وأبواب ويمرنون وينشئون على دراسة المسائل العلمية على الوجه الصحيح.

طالب: "إذ الخلاف مبني على التزام كل قائل احتمالاً يَعضُده بدليل يرجحه على غيره من الاحتمالات حتى يبني عليه دون غيره، وليس الكلام في مثل هذا".

لأن من يلقي أو يؤلف على هذه الطريقة، على طريقة الاحتمالات، ما يستوعب الأدلة ليتمكن من الترجيح، وكثيرًا ما يُشكى من بعض، بل في هذا الدرس كثير قالوا بأني كثيرًا ما ألقي المسائل ولا أرجّح؟ قلت: أنا أعلِّم ولا ألقِّن. وليس هذا في كل المسائل، ولكن تمرين الطلاب وتدريبهم على كيفية الاستنباط من النصوص؛ لأن مأخذ المسألة صحيح من الدليل، لكن يبقى النظر فيما يخالفها وما يوافقها وما يعارضها ومن قال بها ومن خالفه، هذه مسألة استيعاب المسائل.

طالب: "والثامن: أن يقع الخلاف في تنزيل المعنى الواحد، فيحمله قوم على المجاز مثلاً وقوم على الحقيقة، والمطلوب أمر واحد، كما يقع لأرباب التفسير كثيرًا في نحو قوله: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} [يونس: 31]".

المؤلف معروف أنه يقول بالمجاز، ولذلك يكثر من ذكره، وأما من ينفي المجاز فلا يرد عنده مثل هذا الكلام، وهو قول معروف عند أهل العلم. {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} [يونس: 31]، يعني يُخرج النطفة من الإنسان الحي، والنطفة ميتة، هذا على الحقيقة. لكن من حياته غير حقيقية لا تفارقه بخروج الروح، كحياة النبات مثلاً، إطلاق الحياة عليه من النوع الثاني الذي ذكره وهو المجاز.

طالب: "فمنهم من يحمل الحيات والموت على حقائقهما، ومنهم من يحملهما على المجاز، ولا فرق في تحصيل المعنى بينهما، ونظير هذا قول ذي الرمَّة: وظاهِر لها مِن يابِسِ الشَّخْتِ".

نعم.

طالب: "وبائِسُ الشَّخْتِ، وقد مر بيانه"، بَائِس يا شيخ؟

بائِس ويائِس، جاء هذا وهذا.

".طالب: أحسن الله إليك. "وقول ذي الرمَّة فيه".

ويابِس، بائس ويابس.

طالب: "إن بائس ويابس واحد، ومثل ذلك قوله: {فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ} [القلم: 20]، فقيل: كالنهار بيضاء لا شيء فيها، وقيل: كالليل سوداء لا شيء فيها، فالمقصود شيء واحد وإن شُبه بالمتضادين اللذين لا يتلاقيان".

{وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} [التكوير: 17]، {عَسْعَسَ} فُسر بأنه أدبر وفسر بأنه أقبل.

طالب: "والتاسع: أن يقع الخلاف في التأويل وصرف الظاهر عن مقتضاه إلى ما دل عليه الدليل الخارجي، فإن مقصود كل متأول الصرف عن ظاهر اللفظ إلى وجه يتلاقى مع الدليل الموجب للتأويل، وجميع التأويلات في ذلك سواء، فلا خلاف في المعنى المراد، وكثيرًا ما يقع هذا في الظواهر الموهمة للتشبيه".

ويعني بذلك، مر مرارًا، نصوص الصفات.

طالب: "وتقع في غيرها كثيرًا أيضًا، كتأويلاتهم في حديث خيار المجلس بناءً على رأي مالك فيه، وأشباه ذلك".

نعم. على رأي مالك: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» بالكلام، وعلى رأي غيره وهو قول جمهور أهل العلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» بالأبدان.

طالب: "والعاشر: الخلاف في مجرد التعبير".

مع أن القول بالتفرق بالكلام يُلغي الحديث، يلغيه، يعني ما فيه بيع أو عقد يوجب الخيار قبل التفرق بالكلام، قبل الإيجاب والقبول. فمثل هذا التأويل لا يُقبل؛ لأنه يُبطل معنى الحديث، ووجوده مثل عدمه، ولذا قال ابن أبي ذئب، كلامه القاسي في حق الإمام مالك؛ لأن مالكًا خرَّج الحديث، وروي من طريقه، وهو صحيح، قال ابن أبي ذئب: ينبغي أن يُستتاب مالك. رحم الله الإمام مالك إمام دار الهجرة نجم السنن، لكن مع ذلك قوله بلا شك مرجوح.

طالب: "والعاشر: الخلاف في مجرد التعبير عن المعنى المقصود وهو متحد، كما اختلفوا في الخبر: هل هو منقسم إلى صدق وكذب خاصةً".

هذا قول أهل السنة، أم لهما قسيم ثالث وهو قول ليس بصدق ولا كذب كما يقوله المعتزلة. نعم.

طالب: "أم ثَم قسم ثالث ليس بصدق ولا كذب؟ فهذا خلاف في عبارة، والمعنى متفق عليه".

لا، الخلاف في المعنى ما هو في العبارة فقط، وعليه لوازم مذكورة في كتب العقائد.

طالب: "وكذلك الفرض والواجب يتعلق النظر فيهما مع الحنفية بناءً على مرادهم فيهما".

المعتزلة يستدلون بقوله -جل وعلا-: {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} [سبأ: 8]، فقابلوا الكذب بغير الصدق، فدل على أن هناك قسيمًا ثالثًا غير الصدق والكذب. ومناقشة المسألة والرد عليها معروفة في مظانها.

طالب: "قال القاضي عبد الوهاب في (مسألة الوتر أواجب هو؟): إن أرادوا به أن تركه حرام".

"القاضي عبد الوهاب" من أئمة المالكية ويناقش الحنفية الذين يرون وجوب الوتر.

طالب: "إن أرادوا به أن تركه حرام يُجرح فاعله به، فالخلاف بيننا وبينهم في معنًى يصح أن تتناوله الأدلة، وإن لم يريدوا ذلك، وقالوا: لا يحرم تركه ولا يُجرح فاعله، فوصفه بأنه واجب خلاف في عبارة لا يصح الاحتجاج عليه".

على كل حال الحنفية يرون الوتر واجب، ويأثم تاركه، ويُجرح به، والجمهور على خلاف ذلك أنه سنة مؤكدة، لا يأثم تاركه، ويؤثَر عن الإمام أحمد أنه قال: من ترك الوتر فإنه رجل سوء، ينبغي أن تُرد شهادته، فهو يوافق الحنفية من وجه، ولا يوافقهم على القول بإطلاق الوجوب والتأثيم. وصفه بأنه واجب مع أنه لا يأثم، "وإن لم يريدوا ذلك، وقالوا: لا يحرم تركه، ولا يُجرح فاعله، فوصفه بأنه واجب خلاف بعبارة لا يصح الاحتجاج عليه"، يعني لا يكون احتجاجًا على حكم، وإنما هو احتجاج على إطلاق الواجب في لغة العرب على غير الواجب المصطلح عليه، مثل ما يقولون: حقك واجب علي، ما معنى هذا؟ يعني آثم لو لم أؤدِّ الحق؟ وحملوا على ذلك حديث: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم».

طالب: "وما قاله حق، فإن العبارات لا مشاحة فيها، ولا ينبني على الخلاف فيها حكم، فلا اعتبار بالخلاف فيها. هذه عشرة أسباب لعدم الاعتداد بالخلاف، يجب أن تكون على بال من المجتهد، ليقيس عليها ما سواها، فلا يتساهلَ فيؤدي ذلك إلى مخالفة الإجماع".

"فلا يتساهلَ"؟

طالب: "فلا يتساهلَ".

ماذا ينصبها؟ تصير لا ملغاة والعطف على "ليقيس" تمشي.

طالب: أو "يتساهلُ"؟

لا، هو أمر أو نهي؛ لأن يتساهل، أو هو تابع لما قبله معطوف عليه؟

طالب: نعم.

اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك.