التعليق على الموافقات (1430) - 07

عنوان الدرس: 
التعليق على الموافقات (1430) - 07
عنوان السلسلة: 
التعليق على الموافقات
تاريخ النشر: 
الأربعاء, 28 جمادى الأول, 1439 - 10:15

سماع الدرس


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

طالب: أحسن الله إليك.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،

فيقول العلامة الشاطبي -رحمه الله تعالى-: "المسألة الثانية عشر: إن الشريعة كما أنها عامة في جميع المكلفين، وجارية على مختلفات أحوالهم".

يعني لم يستثنَ منها أحد يقدر على فعل الأوامر وترك النواهي، النبي -عليه الصلاة والسلام- أشرف الخلق لم يُستثن من التكاليف: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99]، فغيره من باب أولى.

وقد ضل من ضل من غلاة الصوفية الذين يزعمون أنهم إذا وصلوا إلى مرتبة سقط عنهم التكاليف، هذه التكاليف لا يستثنى منه أحد إلا من رفع عنه القلم.

طالب: "وجارية على مختلفات أحوالهم، فهي عامة أيضًا بالنسبة إلى عالم الغيب وعالم الشهادة من جهة كل مكلف، فإليها نَرد كل ما جاءنا من جهة الباطن، كما نرد إليها كل ما في الظاهر".

نعم. أعمال الباطن وأعمال الظاهر يجب أن تكون موافقة لشرع الله؛ لما جاء عن الله وعن رسوله -عليه الصلاة والسلام-.

طالب: "والدليل على ذلك أشياء؛ منها: ما تقدم في المسألة قبلها من ترك اعتبار الخوارق إلا مع موافقة ظاهر الشريعة.

والثاني: أن الشريعة حاكمة لا محكوم عليها، فلو كان ما يقع من الخوارق والأمور الغيبية حاكمًا عليها بتخصيص عموم، أو تقييد إطلاق، أو تأويل ظاهر، أو ما أشبه ذلك؛ لكان غيرها حاكمًا عليها، وصارت هي محكومًا عليها بغيرها، وذلك باطل باتفاق، فكذلك ما يلزم عنه".

نعم. وضل في هذا فريقان من الناس: من يزعم أنه يأخذ من الباطل، وهو مواجيد ومكاشفات عندهم لا تمت إلى الشريعة بصلة، ويزعمون أن هذا العلم لا يدركه إلا هم ومن في منزلتهم. وأما أهل العلم بقال الله وقال رسوله، هؤلاء علماء ظاهر، هؤلاء علماء ظاهر، يهتمون بالظاهر الذي هو لا شيء بالنسبة للباطن، ويحتكمون إلى الباطن في كل شيء.

الفرقة الثانية ممن ضل في هذا الباب: من يحتكم إلى العقل، ويقدمه على النقل، والشريعة حاكمة على الجميع، كل ما يخرج عن الشريعة أو ما لا يدل له أصل شرعي، فإنه مردود. نعم.

طالب: "والثالث: أن مخالفة الخوارق للشريعة دليل على بطلانها في نفسها، وذلك أنها قد تكون في ظواهرها كالكرامات وليست كذلك، بل أعمالاً من أعمال الشيطان".

شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ذكر ما يحصل على أيدي الأولياء، وما يحصل على أيدي الشياطين، مما تُخرق به العادة، ويختل به المعتاد الذي أجراه الله -جل وعلا- على يد ولي من أوليائه، وقد يكون على يد شيطان يبتلي الناس، وجعله الله -جل وعلا- مما يبتلى به ممن هو فتنة للناس، نسأل الله السلامة والعافية، وكيف نفرق بين هذا وهذا؟

نعرض أعمال هذا على الكتاب والسنة، ونعرض أعمال هذا على الكتاب والسنة. هناك كتاب في تاريخ سيناء مطبوع قديم، قديم مطبوع لعله من ثمانين سنة، ذكر فيه مقبرة للأولياء الربانيين، ومقبرة للأولياء، يقول كذا: لأولياء الشياطين، كيف يُجمع بين ضب وحوت وبين- سبحان الله- يعني ولاية مع شيطنة ما تجيء. نعم للشياطين أولياء، لهم أولياء يتولونهم، وهؤلاء الشياطين يعينونه بما يستطيعون، يفتنونه ويفتنون به، لكن إلى هذا الحد يصل الضلال؟ نسأل الله العافية.

طالب: "كما حكى عياض عن الفقيه أبي ميسرة المالكي، أنه كان ليلةً بمحرابه يصلي ويدعو ويتضرع، وقد وجد رِقةً، فإذا المحراب قد انشق وخرج منه نور عظيم، ثم بدا له وجه كالقمر، وقال له: تملَّأ من وجهي يا أبا ميسرة، فأنا ربك الأعلى! فبصق فيه وقال له: اذهب يا لعين، عليك لعنة الله. وكما يحكى عن عبد القادر الكيلاني أنه عطش عطشًا شديدًا، فإذا سحابة قد أقبلت وأمطرت عليه شبه الرذاذ حتى شرب، ثم نودي من سحابة: يا فلان أنا ربك وقد أحللت لك المحرمات، فقال له: اذهب يا لعين. فاضمحلت السحابة، وقيل له: بِم عرفت أنه إبليس؟ قال: بقوله: قد أحللت لك المحرمات".

يعني هذا الشيخ عبد القادر الذي تدعى فيه الولاية، وهو من العلماء العباد المشهود لهم بالاستقامة، وليس بالمعصوم، لكن لا يصل إلى حد أن يُعبد من دون الله -جل وعلا-، والحاصل أنه جُعل ندًّا لله -جل وعلا-، يعني هو يقول: "اذهب يا لعين"، لكن أتباعه يقولون هذا الكلام؟ يسوقون هذه القصة ولا يذكرون "اذهب يا لعين" وما بعده، وإذا كان قبره الحقيقي يُعبد من دون الله، فقبر الشعرة أو ضريح الشعرة في كشمير يُعبد من دون الله، يقولون: إن هذا الضريح وهو من أكبر الأضرحة في العالم، يقولون: فيه شعرة من شعرات عبد القادر الجيلاني، وفيه سدنة وفيه خدام وفيه باعة يرتزقون من التراب الذي يعرق بجدران الضريح ومن الماء الذي يمر به؛ لأنهم يجرون تحته مياه يدخل من جهة ويخرج من جهة فيباع كما يباع الطيب للتبرك به، نسأل الله العافية، نعوذ بالله من الضلال.

طالب: الجيلاني أم الكيلاني؟

كله واحد ما يضر. نعم؛ لأنها تنطق في الأعجمية بين الكاف والجيم.

طالب: "هذا وأشباهه لو لم يكن الشرع حَكمًا فيها لما عُرف أنها شيطانية.
وقد نزعت إلى هذا المنزع في ابتداء الوحي إلى رسول الله
خديجة بنت خوليد زوجه- رضي الله عنها-، فإنها قالت له: أي ابن عم! أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟ قال: «نعم». قالت: فإذا جاءك فأخبرني به. فلما جاء أخبرها، فقالت: قم يا ابن عم، فاجلس على فخذي اليسرى. فجلس، ثم قالت: هل تراه؟ قال: «نعم». ثم حولته إلى فخذها اليمنى، ثم إلى حجرها، وفي كل ذلك تقول: هل تراه؟ فيقول: «نعم». قال الراوي: «فتحسرت، وألقت خمارها، والنبي جالس في حجرها، ثم قالت: هل تراه؟ قال: لا».

وفي رواية: «أنها أدخلته بينها وبين درعها، فذهب عند ذلك، فقالت: يا ابن عم! اثبت وأبشر، فوالله إنه لمَلَك، ما هذا بشيطان»".

نعم؛ لأنه لو كان شيطانًا لزاد قربه لما حسرت عن رأسها، لو كان شيطان ما تورع من الفرار منها لما حسرت عن رأسها. الآن تجدون في بعض الرقاة الذين يرقون المرضى، لا سيما من لا علم عنده أو من فُتن بالنساء مثلاً، تجده يتصرف تصرفات غير شرعية، ويزعم أنه يرقي بكتاب الله وسنة رسوله -عليه الصلاة والسلام-، وضبط بعضهم متلبسًا بأمور محرمة، هل مثل هذا يحصل على يده الشفاء، نسأل الله العافية؟ أبدًا، إلا من باب الفتنة؛ لأنه قد يحصل فتنة له وفتنة لمن يأتي إليه، قد يحصل. لكن هذه القصة التي ذكرها لا تُعرف في الصحاح وليس لها إسناد يثبت، وحكم عليها بعضها بالنكارة.

وعلى كل حال: هذه طريقة للاختبار شرعية، هذه طريقة شرعية، لو ادعى شخص أنه مَلَك مثلاً ولبِّس على المرأة ثم حسرت عن رأسها، أو رجل مثلاً باشر شيئًا لا يجوز أن يراه غيره ثم اختفى عنه، فقد يكون هذا، اللهم إلا إذا كان أيضًا من باب الافتتان، ثم تدور المسألة على أننا نرجع إلى الظاهر ولا نحتكم إلى الباطن ألبتة.

طالب: "ولا يقال: إن ثَم مدارك أخر يختص بها الولي لا يفتقر بها إلى النظر الشرعي؛ لأنا نقول: إن كان كما قلت على فرض تسليمه، فتلك المدارك من جملة الكرامات والخوارق؛ إذ لا يختص بها إلا من كان وليًّا لله، فلا فرق بينها وبين غيرها من الخوارق المشاهدة، فلا بد إذًا من حَكم يحكم بصحتها".

نعم. لا بد إذا قلنا: إن هذه الخوارق نحتكم فيها إلى مدارك يدركها الولي من نفسه، الخوارق يحتكم بها إلى مدارك، هذه المدارك تحتاج إلى حكم، ثم بعد ذلك يتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية.

طالب: "فلا بد إذًا من حكم يحكم بصحتها وشاهد يشهد لها، وإذ ذاك يلزم التسلسل وهو محال، ولا يكتفي في ذلك بدعوى الوجدان، فإن الوجدان من حيث هو وجدان لا دليل فيه على صحة ولا فساد؛ لأن الآلام واللذات من المواجد التي لا تُنكر، ولا يدل ذلك على صحتها أو فسادها شرعًا، وكذلك سائر الأمور التي لا يقدر الإنسان على الانفكاك عنها".

شخص ضحك، ضحك مسرور أم ضحك منكِر أم ضحك غضبان، يعني قد يحصل هذا من شدة الفرح، وقد يكون من شدة الغضب، وقد يكون على سبيل التعجب، وقد يكون على سبيل الإنكار، ما الذي يدلنا على المراد من هذه؟ يدلنا القرائن التي تحتف بها. إذًا لا بد من الاحتكام إلى شيء ظاهر، لا بد من الاحتكام إلى شيء ظاهر. ولذلك من حجج بعض العوام التي لا أصل لها، تجدون إذا سئل عن شيء قال كذا حكمه كذا، هو لا يعرف الحكم. طيب الدليل؟ ما يدري، يقوله الشيخ فلان. طيب، هو معارض لقول الرسول -عليه الصلاة والسلام- كذا؟ قال: ولو. معارض لقول الله كذا؟ ولو. معارض لقول الشيخ فلان؟ ولو. هذا ما يمكن أن تحتكم إلى شيء، لا يمكن أن ترجع إلى شيء يمكن أن يحقق به الأمر، ولو هذه يمكن أن تنفع في هذا المجال؟

نعم. هذا يسلكه كثير من عامة الناس الذين لا علم عندهم. بعض المتعصبة للأئمة والعلماء هذه أجوبتهم. طيب، الإمام يقول كذا، تقول له: لكن النص في الصحيحين يقول كذا؟ يقول لك: ولو. طيب، إلى متى ولو؟ طيب، العالم الفلاني في مقام العالم الذي تقتدي به يقول كذا؟ قال: ولو. هذه الأمور لا يمكن حتى تخرج إلى حيز الوجود من أجل أن يُنظر في حقيقتها، أما ما يكمن في النفوس ولا يعبر عنه فهذا لا يمكن أن يحتكم إليه.

طالب: "فالغضب مثلاً إذا هاج بالإنسان أمرٌ لا يُنكر كالمواجد من غير فرق، وقد يكون محمودًا إذا كان غضبًا لله، ومذمومًا إذا كان لغير الله، ولا يفرِّق بينهما إلا النظر الشرعي؛ إذ لا يصح أن يقال: هذا الغضب قد أدرك صاحبه أنه محمود لا مذموم من غير نظر شرعي؛ لأن الحمد والذم راجعان إلى الشرع لا إلى العقل، فمن أين أدرك أنه محمود شرعًا؟".

أحيانًا يكون مثل هذا الغضب محمودًا من وجه مذمومًا من وجه، ثم بعد ذلك يختلط على صاحبه، وأنه يتقرب به إلى الله -جل وعلا-، ويزعم أنه مثاب عليه؛ لأنه نعم من وجه فيه شوب حمد؛ لأنه غيرة مثلاً على شيء من محارم الله، لكن ينتابه أشياء تجعله مذمومًا من وجه آخر.

يعني إذا عرفنا أن هناك من الغضب ما هو مذموم من كل وجه، ومن الغضب ما هو ممدوح من كل وجه، قد يوجد من الغضب ما يُمدح من وجه ويذم من وجه، وإن كان الغضب في الأصل كله مذموم، لكن قد يغضب إذا انتهك من محارم الله شيء، النبي -عليه الصلاة والسلام- يغضب إذا انتهكت محارم الله، لكن البشر غيره -عليه الصلاة والسلام- قد يرتكب في غضبه الذي أصله لله غضبًا لغير الله -جل وعلا- من جهة أخرى.

طالب: "فلا يمكن أن يدركه كذلك بغير الشرع أصلاً، ولا يصح أيضًا أن ينسب تمييزه إلى المربي والمعلم؛ لأن البحث جارٍ فيه أيضًا".

نعم. لا يمكن أن يقول: يرجع هذا الأمر الغيبي النفسي الباطني إلى المربي إلى شيخه، يقول: شيخنا يقول كذا. شيخك ليس بحكم، وإن كنت تزعم أنه يقول كذا وهو حجة فيما يدعيه ويزعمه من الأعمال القلبية؛ عدنا إلى أصل المسألة التي أنكرناها عليك، كما أنكرنا عليك ننكر على المربي، فيلزم عليه التسلسل.

طالب: "وإنما الذي يُشكل في المسألة أن الخوارق لا قدرة للإنسان على كسبها ولا على دفعها؛ إذ هي مواهب من الله تعالى".

ومنها ما هو مكتسب، ومنها ما هو موهبة من الله -جل وعلا-، منها ما هو مكتسب، يعني يروضون أنفسهم عليها، لا سيما إذا وصلوا إلى حد -كما يزعمون- أنهم إلى حد الولاية على حد زعمهم، هذا بالتمرين والرياضة قد يكتسبون بعض الشيء. لكن الخوارق الحقيقية، خوارق العادات للأولياء؛ هذه من الله -جل وعلا-، لكن قد لا يكون اكتسابها من جهتها، يعني تمرين من جنسها، وقد يكون اكتسابها بفعل عبادات لله -جل وعلا- خالصة له توصله إلى هذا المقام، فهي مكتسبة من وجه باعتبار أن العبد ترقى في هذه العبودية لله -جل وعلا- مخلصًا في ذلك، إلى أن وصل إلى أن يكون من الأولياء فتحدث عليه الكرامات. لكن جنس هذه الكرامة، كونه يمشي على الماء هل نقول: إنه مكتسب، بمعنى أنه أول يوم يمشي خطوة ثم اليوم الثاني يمشي خطوتين، وهكذا بالتمرين والتدريج؟ لا.

طالب: "إذ هي مواهب من الله تعالى يختص بها من يشاء من عباده، فإذا وردت على صاحبها فلا حكم فيها للشرع، وإن فرضنا أنها غير موافقة له، كورود الآلام والأوجاع على الإنسان بغتةً، أو ورود الأفراح عليه كذلك من غير اكتساب، فكما لا توصف هذه الأشياء بحسن ولا قبح شرعًا، ولا يتعلق بها حكم شرعي، كذلك في مسألتنا؛ بل أشبه شيء بها الإغماء أو الجنون أو ما أشبهه، فلا حكم يتعلق به".

لأن الأحكام متعلقة بالأحكام أو بالأفعال الاختيارية التي للإنسان أن يفعلها، الاختيارية التي يستطيع الإنسان أن يفعلها ويستطيع تركها. أما ما لا يستطيع تركه، فمثل ذلك لا يتعلق به مدح ولا ذم؛ لأن المدح إنما يكون على الجميل الاختياري، والذم يكون على القبيح الاختياري. يعني ما يُذم فلان لأنه قصير، أو يُمدح لأنه قصير، لا، هذا ليس بيده. ولا يُذم لأنه أو يُمدح لأنه أبيض أو أسود، لا، هذه أمور إجبارية وليست اختيارية، لا يتعلق بها مدح ولا ذم. لكن يُمدح بالكرم، يمدح بالشجاعة، يمدح بغيرها من الأفعال الاختيارية التي يستطيع أن يتركها ويستطيع أن يفعلها.

طالب: "وإن فرضنا لحوق الضرر به على الغير، كما إذا أتلف المجنون مالاً أو قتل نفسًا أو شرب خمرًا في حال جنونه".

القلم مرفوع عنه، يعني الحكم التكليفي مرفوع عنه، لكن يبقى الحكم الوضعي من ربط السبب بالمسبب: أتلف المجنون، المجنون يضمن. أتلف الصغير، يضمن. أتلف النائم انقلب على شيء وكسره، يضمن. وليس هذا من باب الحكم التكليفي لأن القلم مرفوع عنه، لكنه من باب الحكم الوضعي، من باب ربط الأسباب بمسبباتها.

طالب: "ألا ترى ما يحكى عن جملة منهم في استغراقهم في الأحوال حتى تمضي عليهم أوقات الصلوات وهم لا يشعرون، ويقع منهم الوعد فيؤخذون عن أنفسهم في المكاشفات والمنازلات فلا يفون، ويكاشفون بأحوال الخلق بحيث يطلعون على عوراتهم، إلى ما أشبه ذلك. فهذا وما كان مثله إذا كان واقعًا منهم ومنقولاً عنهم، وهو داخل عليهم".

هذه كلها صفات ذم، فإن وقعت باختيارهم أثموا، وإن وقعت بغير اختيار منهم صار حكمه من أحكام من رُفع عنه القلم.

طالب: "وهو داخل عليهم شاءوا أم أبوا، فكيف ينكر في نفسه أو يعد مما يدخل تحت أحكام الشريعة؟ والجواب: أن ما تقدم من الأدلة كافٍ في إثبات أصل المسألة، وما اعتُرض به لا اعتراض به، فإن الخوارق وإن كانت لا قدرة للإنسان في كسبها ولا دفعها، فلقدرته تَعَلُّقٌ بأسباب هذه المسببات، وقد مر أن الأسباب هي التي خوطب المكلف بها أمرًا أو نهيًا، ومسبباتها خلق لله، فالخوارق من جملتها.

وتقدم أيضًا أن ما نشأ عن الأسباب من المسببات، فمنسوب إلى المكلف حكمه من جهة التسبب؛ لأجل أن عادة الله في المسببات أن تكون على وزان الأسباب في الاستقامة والاعوجاج، والاعتدال والانحراف، فالخوارق مسببات عن الأسباب التكليفية، فبقدر اتباع السنة في الأعمال، وتصفيتها من شوائب الأكدار وغيوم الأهواء؛ تكون الخارقة المترتبة".

وقد لا يوجد خوارق، يستقيم على دين الله وعلى صراطه المستقيم زمنًا طويلاً، ويعيش حياته كلها من دون خوارق.

طالب: "فكما أنه يُعرف من نتائج الأعمال العادية صواب تلك الأعمال أو عدم صوابها، كذلك ما نحن فيه، وقد قال تعالى: {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: 16]، وقال: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} [يونس: 52]، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: «إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها». وهو عام في الجزاء الدنيوي والأخروي، وفروع الفقه في المعاملات شاهدة هنا كشهادة العادات، فالموضع مقطوع به في الجملة. وإذا ثبت هذا، فما ظهر في الخارقة من استقامة أو اعوجاج، فمنسوب إلى الرياضة المتقدمة".

يعني إلى المقدمات، النتائج تخرج أو تكون على وفق ما تقدمها من مقدمات، فإن كانت المقدمات شرعية كانت النتائج شرعية، وإن كانت المقدمات غير شرعية كانت النتائج شرعية. ذكرنا مرارًا أن الإنسان قد يسأل سؤالًا يريد جوابًا شرعيًّا، مع أنه في مقدمته ووصوله إلى هذا الأمر الذي يحتاج إلى الجواب عنه من جهة الشرع ارتكب مقدمات غير شرعية، فلا تكون النتيجة شرعية والمقدمة غير شرعية.

طالب: "والنتائج تتبع المقدمات بلا شك".

حتى لو وافقت النتيجة ما جاء في الشرع، فإن حكمه لا يكون شرعيًّا، فالحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله بمقدمات غير شرعية، افترض أنه في هذا الحكم وافق ما عند الله، سواء كان يحكم بغير ما أنزل الله، وعنده علم بما أنزل الله، أو كان جاهلًا لا يعرف حكم الله في المسألة ثم حكم بها ووافقت الشرع، فهذا حكمه غير شرعي ولو وافق الشرع.

طالب: "فصار الحكم التكليفي متعلقًا بالخوارق من جهة مقدماتها، فلا تُسَلَّم لصاحبها، وإذ ذاك لا تخرج عن النظر الشرعي بخلاف المرض والجنون وأشباههما مما لا سبب له من جهة المكلف، فإنه لا يتعلق به حكم تكليفي، ولو فرضنا أن المكلف تسبب في تحصيله، لكان منسوبًا إليه، ولتوجه التكليف إليه، كالشكر ونحوه، فحصل من هذا التقرير أن الشرع حاكم على الخوارق وغيرها، لا يخرج عن حكمه شيء منها، والله أعلم".

تقدم قوله إنه إذا أحال في أمر باطن على أمر باطن أو على ولي يعتمد على الباطن، فإنه يلزم عليه التسلسل وهذا مردود. لكن الشكر قد يقول قائل: إنه يلزم عليه التسلسل، مطلوب أم مردود؟

طالب: مطلوب.

مطلوب، حصل لك نعمة فشكرت الله عليها، نظرت في هذا الشكر الذي يترتب عليه الثواب العظيم، فإذا به نعمة من الله -جل وعلا- أن وفقك للشكر تشكر الله -جل وعلا- على هذه النعمة، ثم الشكر الثاني نعمة من الله -جل وعلا- تشكر الله عليها، وهكذا، ولو تسلسل.

طالب: "فصل: ومن هنا يُعلم أن كل خارقة حدثت أو تحدث إلى يوم القيامة، فلا يصح ردها ولا قبولها إلا بعد عرضها على أحكام الشريعة، فإن ساغت هناك، فهي صحيحة مقبولة في موضعها، وإلا لم تقبل إلا الخوارق الصادرة على أيدي الأنبياء -عليهم السلام-، فإنه لا نظر فيها لأحد؛ لأنها واقعة على الصحة قطعًا، فلا يمكن فيها غير ذلك".

لأنها أصل، تكون حينئذٍ أصلًا يُحتكم إليه؛ لأنها وقعت على يد معصوم، فلا تُرد إلى أصل؛ لأنها هي أصل.

طالب: "ولأجل هذا حَكم إبراهيم -عليه السلام- في ذبح ولده بمقتضى رؤياه، وقال له ابنه: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصافات: 102]، وإنما النظر فيما انخرق من العادات على يد غير المعصوم. وبيان عرضها أن تُفرض الخارقة واردةً من مجاري العادات، فإن ساغ العمل بها عادةً وكسبًا ساغت في نفسها، وإلا فلا، كالرجل يكاشف بامرأة أو عورة بحيث اطلع منها على ما لا يجوز له أن يَطلع عليه وإن لم يكن مقصودًا له، أو رأى أنه يدخل على فلان بيته وهو يجامع زوجته ويراه عليها، أو يكاشَف بمولود في بطن امرأة أجنبية بحيث يقع بصره على بشرتها أو شيء من أعضائها التي لا يسوغ النظر إليها في الحس".

هذه الأمثلة التي ذكر "يكاشف امرأة أو عورة بحيث اطلع منها"، "أو يدخل على بيت يكاشف"، يعني يحصل له هذا الأمر يدخل على بيت ويجامع زوجته، يُكشف له عن هذا العمل، هل نقول: إن هذه الأعمال حصلت على يد ملك أو على شيطان؟

طالب: شيطان.

نجزم بأنه على يد شيطان؛ لأن الملك لا يمكن أن يخالف ما جاء في شرع الله، وهذه أمور مخالفة في الشرع.

طالب: "أو يسمع نداءً يحس فيه بالصوت والحرف، وهو يقول: أنا ربك، أو يرى صورةً مكيفةً مقدرةً".

"أو يسمع نداءً يحس فيه بالصوت والحرف"؛ هذا على مذهبهم في أن الله يتكلم بكلام ليس فيه حرف ولا صوت، والمعروف عند الأشاعرة هذا مذهبهم. لكن عند أهل السنة: بحرف وصوت يُسمع من بُعد كالنداء، ويسمع من قرب كالمناجاة {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم: 52]. المقصود أن هذا القول مبني على نفي الحرف والصوت في كلام الله -جل وعلا-.

طالب: الشاطبي على ذلك يا شيخ؟

عنده مخالفات نعم.

طالب: على مذهب الأشاعرة في هذا؟

ما هو مطرد، لكن فيه شوب.

طالب: "وهو يقول: أنا ربك، أو يرى صورة مكيفة مقدرة تقول له: أنا ربك، أو يرى ويسمع من يقول له: قد أحللت لك المحرمات، وما أشبه ذلك من الأمور لا يقبلها الحكم الشرعي على حال، ويقاس على هذا ما سواه، وبالله التوفيق".

يكفي يكفي.

طالب:........

لا، ما يصلح، يعني الاستعانة بهم في أعمال خير، الاستعانة بهم، أولاً لا ندري عن حقيقة أمرهم هل هم من الصالحين أو من الشياطين، ومآربهم ومقاصدهم خفية لا يمكن أن نطلع عليها، فقد يستدرجون هذا الذي يعينونه إلى أن يوقعوه في الشرك وهو لا يشعر، أيضًا الإفادة منهم من خواص سليمان -عليه السلام-؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال لما رأى الجني، وأراد أن يربطه ويوثقه، قال: «تذكرت دعوة أخي سليمان»، -عليه الصلاة والسلام-.