شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الاعتكاف - 08

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الاعتكاف - 08
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
الثلاثاء, 4 رمضان, 1438 - 14:45

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه أما بعد.

فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم مستمعينا الكرام إلى هذا اللقاء الجديد في شرح التجريد الصريح، أرحب بكم، كما أرحب بضيف هذه اللقاءات معالي الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير- وفقه الله- عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء، فأهلًا وسهلًا بكم فضيلة الشيخ ومرحبًا.

حياكم الله وبارك فيكم، وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: لا يزال الكلام مستمعينا الكرام في حديث عائشة زوجة النبي– صلى الله عليه وسلم، ورضي عنها- أن النبي– صلى الله عليه وسلم- كان يعتكف العشرة الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد،  فمازال الكلام في الطرف الثاني من مواضع التخريج، تخريج الإمام البخاري هذا الحديث، وذكرنا كثيرًا ما يتعلق بألفاظه، وذكر أهل العلم من فوائده أن المسجد شرطٌ للاعتكاف؛ لأن النساء شُرع لهن الاحتجاب في البيوت، فلو لم يكن المسجد شرطًا ما وقع ما ذُكر من الإذن والمنع، ولاكتفى لهن بالاعتكاف في مساجد بيوتهن.

وقال إبراهيم بن علي في قوله: «آلبر تردن»؟ دلالة على أنه ليس لهن الاعتكاف في المسجد، إذ مفهومه أنه ليس ببرٍ لهن، وما قاله ليس بواضح، نعم يردن البر لا شك، وكونه –عليه الصلاة والسلام- عدل على الإذن لهن لا نسخًا لفضل الاعتكاف في المساجد للرجال والنساء، وإنما خشية أن تتابع النساء على الاعتكاف في المسجد وضرب الأخبية، ثم يضيقن على المصلين، على كل حال، وما قاله ليس بواضح.

قال العلماء: وفيه شؤم الغَيرة؛ لأنها ناشئة عن الحسد المفضي إلى ترك الأفضل لأجله، وفيه ترك الأفضل إذا كان فيه مصلحة، وأن من خشي على عمله الرياء جاز له تركه وقطعه، لكن مثل هذا يفتح بابًا للشيطان، لكن المقصود أن من خشي على عمل الرياء، فعليه أن يجاهد نفسه بالإخلاص، وفيه أن الاعتكاف لا يجب بالنية؛ لأن النبي –عليه الصلاة والسلام- نوى أن يعتكف، وأزاوجه نوين كذالك، وفيه أن الاعتكاف لا يجب بالنية، وأما قضاؤه –صلى الله عليه وسلم- له على طريق الاستحباب؛ لأنه كان إذا عمل عملًا أثبته، ولهذا لم يُنقل أن نساءه اعتكفن معه في شوال، وفيه أن المرأة إذا اعتكفت في المسج استُحِب لها أن تجعل لها ما يسترها، ويُشترط أن تكون في موضع لا يضيّق على المصلين.

وفي الحديث بيان مرتبة عائشة، في كون حفصة لم تستأذن إلا بواسطتها، ويحتمل أن يكون سبب ذلك كونه كان تلك الليلة في بيت عائشة، أن يكون الإذن من طريقها.

الموضع الثالث: في كتاب الاعتكاف أيضًا، في باب الأخبية في المسجد، قال- رحمه الله-: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة بن عبد الرحمن عن عائشة- رضي الله عنها- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- أراد أن يعتكف، فلما انصرف إلى المكان الذي كان يعتكف فيه، إذا أخبيةٌ خباء عائشة، وخباء حفصة، وخباء زينب، فقال: البر تقولون بهن، ثم انصرف فلم يعتكف حتى اعتكف عشرًا من شوال. وسيأتي شرح هذا الموضع ضمن أحاديث التجريد؛ لأنه هو الرابع منها، ضمن أحاديث التجريد في باب الاعتكاف هو الرابع منها، إن شاء الله تعالى.

الموضع الرابع: في كتاب الاعتكاف أيضًا، في باب الاعتكاف في شوال، قال رحمه الله: حدثنا محمد بن سلام، قال: حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعتكف في رمضان، كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يعتكف في كل رمضان، فإذا صلى الغداة دخل مكانه الذي اعتكف فيه، قال: فاستأذنته عائشة أن تعتكف فأذن لها فضربت فيه قبةً، فسمعت بها حفصة فضربت قبة، وسمعت زينب بها فضربت قبة أخرى، فلما انصرف رسول الله –صلى الله عليه وسلم- من الغداة أبصر أربع قباب، فقال: «ما هذا؟» فأُخبر خبرهن، فقال: «ما حملهن على هذا؟ آلبر؟ انزعوها فلا أُراها»، فنزعت فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر العشر من شوال.

والمناسبة ظاهرة الاعتكاف في شوال «حتى اعتكف في آخر العشر من شوال» قال ابن حجر: قوله: «فلما صلى الغداة دخل مكانه» في رواية الكشميهني «لما صلى الغداة حل مكانه»، ورواية الأكثر: «دخل مكانه»، في رواية الكشميهني: «حلَّ» بمهملة وتشديد، وقال: «قوله: ما حملهن على هذا؟ آلبر؟ انزعوها فلا أراها، فنزعت»، و(ما) استفهامية، و(آلبر) في هذه الرواية مرفوع، وقوله( فلا أراها) فزعم ابن التين أن الصواب حذف الألف من (أراها)، (انزعوها فلا أراها)، زعم ابن التين أن الصواب حذف الألف من (أراها)؛ لأنه مجزومٌ بالنهي وليس كما قال كأنه نفي (حتى لا أراها)، أو (لألا أراها).

الموضع الخامس.

المقدم: لكن قوله: إنها مجزومة هنا من كبار العلماء.

أو معطوفة على المجزوم فلا أراها، الموضع الخامس في كتاب الاعتكاف.. لأنه يقول: زعم أنها الصواب بحذف الألف؛ لأنه مجزومٌ بالنهي، نعم على أن لا الناهية.

الموضع الخامس: في كتاب الاعتكاف، في باب: من أراد أن يعتكف، ثم بدا له أن يخرج، قال- رحمه الله-: حدثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن قال: حدثنا أبو الحسن، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الأوزاعي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثتنا عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة- رضي الله عنها- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ذكر أن يعتكف العشرة الأواخر من رمضان، فكأنه ذكر ما أراد، وأنه ذكر هذه الإرادة، ولأنه  في الترجمة (من أراد أن يعتكف) والحديث ذكر (أن يعتكف) هو أراد بقلبه، ثم بيَّن هذه الإرادة بلسانه، فذكر ذلك.

ذكر أن يعتكف العشرة الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة فأذن لها، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت، فلما رأت ذلك زينب بنت جحش أمرت ببناء فبُني لها، قالت: وكان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إذا صلى انصرف إلى بنائه فأبصر الأبنية، فقال: ما هذا؟ قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب، فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «آلبر أردن بذلك؟ أو بهذا؟ ما أنا بمعتكف». فلما أفطر اعتكف عشرة من شوال.

المناسبة مثل ما ذكرنا، الترجمة (من أراد أن يعتكف ثم بدا له) وهنا ذكر (أن يعتكف) قلنا إنه أراد بقلبه، عزم على ذلك وصمم عليه، ثم ذكره بلسانه، وإلا لو كان الكلام في مجرد الإرادة ما استأذنَّ أن يعتكفن معه؛ لأنه لا علم لهن بإرادته القلبية، لكنه بعد ذلك أفضى به إليهن وذكر، والمناسبة ظاهرة، قال ابن حجر: قوله: ( باب من أراد أن يعتكف، ثم بدا له أن يخرج) أورد فيه حديث عن عمرة عن عائشة، وقد تقدمت مباحثه، وفيه إشارة إلى الجزم بأنه لم يدخل في الاعتكاف ثم خرج منه، (من أراد أن يعتكف) يعني ما باشر الاعتكاف، أراد أن يعتكف، فلما رأى الأخبية عدل عن ذلك.

قوله: ( باب من أراد أن يعتكف) هي مجرد إرادة ما وصلت إلى حد التنفيذ، نعم أراد ثم تحدث، وفعَل الأسباب (ضربت الأخبية) لكنه ما باشر الاعتكاف.

قوله: (باب من أرد أن يعتكف ثم بدا له أن يخرج) أورد في حديث عمرة عن عائشة، وقد تقدمت مباحثه، وفيه إشارة إلى الجزم بأنه لم يدخل في الاعتكاف ثم خرج منه، بل تركه قبل الدخول، وظاهر السياق خلافًا لمن خالف فيه، قلت: أقول أنا: هذا على قول من قال: إن الاعتكاف يبدأ من أول النهار، يعني صلى الصبح ثم دخل المعتكف، في قوله: (وكان رسول الله إذا صلى انصرف إلى بنائه، ولما صلى الصبح رأى الأخبية، فعدل عن الاعتكاف قبل أن يدخل المعتكف) هذا ماشي عند من يقول: إن أول الاعتكاف بعد صلاة الصبح.

لكن من يقول-وهو قول الأئمة الأربعة-: (إن الاعتكاف يبدأ بغروب الشمس، وقد دخل قبل ذلك)، لا شك أنه مشكِل، قلت: هذا على قول من قال: إن الاعتكاف يبدأ من أول النهار، وأما على قول الجمهور أنه يبدأ بغروب الشمس، فالإشكال قائم.

وإذا قلنا: إنه دخل من غروب الشمس ثم عدل عنه بعد أن بات ليلته في المسجد، ثم عدل عنه أنه متطوع في الاعتكاف، ثم عدل عنه لمصلحة راجحة، ثم قضاه بعد ذلك.

المقدم: أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ ونفع بكم، وبهذا نصل إلى ختام هذه الحلقة مستمعينا الكرام، نتقدم في ختامها بالشكر الجزيل لمعالي الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير- وفقه الله- عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء، نلقاكم بإذن الله تعالى في لقاء مقبل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.