التعليق على الموافقات (1436) - 16

عنوان الدرس: 
التعليق على الموافقات (1436) - 16
عنوان السلسلة: 
التعليق على الموافقات
تاريخ النشر: 
الأحد, 6 شعبان, 1439 - 10:15

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هذه فائدة في آخر درس بمناسبة هيبة الفتوى عند أهل العلم عند الراسخين من أهل العلم وما ذُكر عن مالك وغيره، ذكرت أنا أن الشيخ ابن باز سُئل في برنامج عام في الإذاعة عن معن بن زائدة هل هو صحابي أو لا؟ وتوقف، قال: نبحث إن شاء الله.

هذا كتب -جزاه الله خيرًا-: ذكرتم في آخر الدروس قبل الحج أن الشيخ ابن باز سئل عن معن بن زائدة هل هو صحابي أو تابعي، ولعل منشأ السؤال هو أنه قد ورد ذِكر شخص اسمه معن بن زائدة لعله آخر في أثر عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، قال ابن قدامة في المغني: وقال مالك: يجوز أن يزاد التعزير على الحد إذا رأى الإمام، لما روي أن معن بن زائدة عمل خاتمًا على نقش خاتم بيت المال، ثم جاء به صاحب بيت المال فأخذ منه مالاً، فبلغ عمر -رضي الله عنه-، فضربه مائة، وحبسه، وكُلم فيه، فضربه مائة أخرى، فكُلم فيه من بعد فضربه مائة ونفاه. ونقله ابن مفلح في الفروع.

ومن أجل هذا الأثر أورد ابن حجر ترجمة معن بن زائدة في كتاب الإصابة في القسم الرابع فيمن ذُكر في الصحابة غلطًا، فقال: ذكر أبو الحسن بن القصار المالكي أن عمر رُفع إليه كتاب زوره عليه معن بن زائدة، ونقش مثل خاتمه، فجلده مائة ثم سجنه، فشفع له قوم، فقال له: ذكرتني الطعن وكنت ناسيًا، ثم جلده مائة أخرى، ثم جلده مائة ثالثة، وذلك بمحضر من العلماء، ولم ينكر عليه أحد، فكان ذلك إجماعًا.

 قلت: الشأن في ثبوت ذلك، فإن ثبت فيحتمل أن يكون فعل ذلك بطريق الاجتهاد فلم ينكروه؛ لأن المجتهد لا يكون حجة على مجتهد، فلا يلزم أن يكونوا قائلين بجواز ذلك، فأين الإجماع؟ هذا من حيث الحكم، وأما إدراك معن العصر النبوي فواضح، فلو ثبت لذكرته في القسم الثالث، لكن معن بن زائدة لم يدرك ذلك الزمان، وإنما كان في آخر دولة بني أمية وأول دولة بني العباس.

هذا المعروف المشهور، قصصه كثيرة في كتب التواريخ والأدب.

وإنما كان في آخر دولة بني أمية وأول دولة بني العباس وولي إمرة اليمن، وله أخبار شهيرة في الشجاعة والكرم، ويحتمل أن يكون محفوظًا، ويكون مما وافق اسم هذا واسم أبيه على بُعد في ذلك.

 وقال ابن الملقن في شرحه لصحيح البخاري بعد أن ذكر القصة: عمر هذا ليس عمر بن الخطاب، ولعله عمر بن عبد العزيز، فإن سن معن يصغر عن ذلك، لكن سيأتي في الرواية التصريح بأنه عمر بن الخطاب.

 وقد قال ابن حجر في التلخيص الحبير: حديث عمر أنه عزر من زور كتابًا لم أجده، والأثر قد رواه البلاذري في أنساب الأشراف بسنده قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا الأسود بن شيبان، قال: أنبأنا خالد بن سُمير، أن رجلاً يقال له معن بن زائدة انتقش على خاتم الخلافة فأصاب خراجًا من خراج الكوفة، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فكتب إلى المغيرة بن شعبة أنه بلغني أن رجلاً يقال له معن بن زائدة انتقش على خاتم الخلافة وأصاب خراجًا من خراج الكوفة، فإذا أتاك كتابي هذا فإذا رأيته فنفذ أمري فيه وأطع رسولي، فلما صلى المغيرة العصر وأخذ الناس في مجالسهم، خرج المغيرة ومعه رسول عمر فاشرأب الناس ينظرون إليه حتى وقف على معن، فقال للرسول: إن أمير المؤمنين أمرني أن أطيع فيه أمرك فمرني بما شئت، فقال: ادع بجامعة فاجعلها في عنقه، ففعل وجبذها جبذًا شديدًا، ثم قال له: احبسه إلى أن يأتيك فيه أمر أمير المؤمنين، ففعل.

 وكان السجن يومئذ من قصب، فتحيل معن للخروج وبعث إلى أهله أن ابعثوا لي بناقتي وجارتي وعبائتي القطوانية، ففعلوا، وخرج من الليل وأردف جاريته وسار حتى رهب أن يفضحه الصبح، أناخ ناقته وعقلها ثم كمن حتى إذا سكن عنه الطلب أعاد على ناقته العباءة وأردف جاريته ثم سار كذلك حتى قدم على عمر وهو يوقظ المتهجدين النوام لصلاة الصبح، ومعه درته، فجعل ناقته وجاريته في بعض المواضع، ثم دنا من عمر فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال: وعليك، من أنت؟ قال: معن بن زائدة، قد جئتك تائبًا قبل أن تقدر عليَّ، فقال عمر: أنت معن فلا حياك الله، فلما صلى الصبح قال للناس: مكانكم، فلما طلعت الشمس قال: هذا معن بن زائدة انتقش على خاتم الخلافة فأصاب به خراجًا من خراج الكوفة، فأشيروا عليَّ، فقال قائل: اقطع يده، وقال قائل: اصلبه، وعليٌّ -رضي الله عنه- ساكت، فقال له عمر: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال: هذا رجل كذب كذبة عقوبته في بشره، فضربه عمر ضربًا شديدًا، أو قال مبرحًا، وحبسه، فكان محبوسًا ما شاء الله.

 ثم أرسل إلى صديق له من قريش أن كلم أمير المؤمنين في تخلية سبيلي، فقد بلغ من عقوبتي ما أراد، فكلمه القرشي فقال: يا أمير المؤمنين معن بن زائدة قد أصبته من عقوبته بما كان له أهلاً فإن رأيت أن تخلي سبيله، فقال عمر: ذكرتني الطعن وقد كنت ناسيًا، ثم دعا بمعن فضربه وأمر به إلى السجن، فبعث معن إلى صديق له: لا تذكروني لأمير المؤمنين! فلبث في السجن ما شاء الله، ثم إن عمر انتبه له فقال: معن، فأتي به فقاسمه ماله وخلى سبيله، أو قال: قاسمه ما كان له.

 ورواه البلاذري أيضًا في فتوح البلدان عن هناد عن الأسود بن شيبان به، ورواه أبو هلال العسكري في الأوائل من طريق المدائني عن الأسود بن شيبان به، والأسود بن شيبان ثقة من رجال مسلم، وشيخه خالد بن سُمير البصري وثقه النسائي، وقال ابن حجر في التقريب: صدوق يهم قليلاً، لكن جعله من الطبقة الثالثة، فالظاهر أنه لم يدرك عمر. وقد قال البخاري في التاريخ الكبير في ترجمته: سمع أنسًا وبشير بن نهيك وعن ابن عمر، فلم يثبت له السماع حتى من ابن عمر.

 قال المزي في تهذيب الكمال: رأى الأحنف بن قيس، فهو مشعر أنه لم يدرك من هو أقدم منه.

على كل حال: هذا خبر مثل ما قال ابن حجر، يقول: لم أجده، ووجده في كتب تواريخ ما هو في كتب حديث، وليست مظنة لما يثبت من الحديث، إنما هي في الغالب أخبار.

نعم.

طالب: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في كتاب الموافقات: "كتاب لواحق الاجتهاد، وفيه نظران؛ النظر الأول: في التعارض والترجيح".

يقول: "فالنظر الأول فيه مسائل، بعد أن نقدم مقدمةً لا بد من ذكرها، وهي أن كل من تحقق بأصول الشريعة، فأدلتها عنده لا تكاد تتعارض، كما أن كل من حقق مناط المسائل، فلا يكاد يقف في متشابه؛ لأن الشريعة لا تعارُضَ فيها ألبتة، فالمتحقق بها متحقق بما في نفس الأمر، فيلزم أن لا يكون عنده تعارض، ولذلك لا تجدأالبتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما بحيث وجب عليهم الوقوف، لكن لما كان أفراد المجتهدين غير معصومين من الخطأ، أمكن التعارض بين الأدلة عندهم، فإذا ثبت هذا فنقول".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المسألة كما قال المؤلف: التعارض الحقيقي لا يوجد في الشريعة، ولذا يقول ابن خزيمة إمام الأئمة: لا يوجد حديثان صحيحان متضادان، ومن كان عنده شيء من ذلك فليأتني لأؤلف بينهما. التعارض الذي يُذكر، بل يوجد بين النصوص بالنسبة للمجتهدين، وليس في حقيقة الأمر. فلا تعارض بين الآيات ولا بين الأحاديث ولا بين الكتاب والسنة ولا بين النقل والعقل، النقل الصحيح لا يمكن أن يتعارض مع العقل الصريح، وكتاب شيخ الإسلام درء تعارض العقل والنقل أفاض في هذه المسألة.

 قد يقول قائل: نقرأ في كتب أهل العلم التعارض الكثير بين النصوص وبين الأدلة، لكنه بحسب ما يظهر للمجتهد ويلوح له، وكلما كان العالم أكثر اطلاعًا كان أقل للتعارض عنده، والمتشابه عنده أندر، بينما إذا تصدى للعلم وقد قلَّت بضاعته من النصوص والاطلاع على قواعد الشريعة، تجد عنده هذا بكثرة. وهذا مرده إلى قلة الاطلاع أو الخلل في الاطلاع، وأيضًا اختلاف الفهوم، هذا العالم يفهم من هذا النص إفادة هذا الحكم، والثاني يفهم منه إفادة حكم مخالف، ثم يوجد عند هذا ما يعارضه من نص آخر؛ لخلل في فهمه لذلك النص، وهكذا. وليس هذا عيبًا في الشريعة، وإنما مرده إلى أفهام المجتهدين واطلاعهم.

 وسبق أن ذكرت مثالاً، وإن كان غير مطابق من كل وجه، لكن فيه نوع توضيح. أنا قلت: لو أن شخصًا أتى بخارطة لبلد أو للعالم كله، ثم مزَّقها وذراها في الهواء، ثم جاء من يلتقط من هذه القصاصات، كل من يكون نصيبه أكثر من هذه القصاصات تكون رؤيته أوضح، الذي ما يدرك إلا قطعة من جزيرة أو قطعة من جبل أو قطعة من غيره، مثل من يدرك آلاف القطع من هذه، فضلاً عمن يدرك الخارطة كلها، مع أن هذا بالنسبة للنصوص مستحيلة. لكن إذا أتيت بالخارطة الممزقة ووضعتها على طاولة، ووضعت كل واحدة مكانها في موضعها الطبيعي، تكون الصورة واضحة، لكن قد يختل الأمر في فقدان قصاصة أو قصاصتين أو عشر قصاصات، يأتي الخلل من هذا النقص. وقل مثل هذا في النصوص، وهذا من باب التمثيل، وإلا ما يمكن أن يحيط أحد بالشريعة، ويجمع نصوصها كلها.

 ابن خزيمة إمام الأئمة وهو الذي يقول: لا يوجد حديثان متضادان، ومن كان عنده فليأتني به؛ لأؤلف بينهما. حكم على حديث «من أم قومًا فخص نفسه بدعوة دونهم»، هذا عليه وعيد، هل هنا أحد يحفظ الحديث؟

طالب: «فقد خانهم».

«فقد خانهم»، هذا قال ابن خزيمة: الخبر موضوع؛ لأنه معارض لحديث: «اللهم باعد بيني وبين الخطايا»، هذا في دعاء الاستفتاح متفق عليه، يقول: الرسول خص نفسه -عليه الصلاة والسلام-، والأئمة من بعده الذين يقتدون به يخصون أنفسهم، وجميع المصلين يخصون أنفسهم، لكن الكلام في الإمام.

 الحديث يقول: موضوع؛ لأنه مخالف لهذا الحديث المتفق عليه. طيب ابن خزيمة كيف وأنت تألف للناس بين الأحاديث، والجمع ممكن؟

شيخ الإسلام يقول: الحديث صحيح، وهو مخصوص بالدعاء الذي يُؤمَّن عليه كدعاء القنوت مثلاً، يعني لو أن إمامًا قال في قنوته: اللهم اهدني فيمن هديت، والناس وراءه يقولون: آمين، ألا يوجد فيهم من يقول: الله لا يهديك؟! ألا يوجد من يقول؟ خص نفسه، والناس يؤمنون على دعائه، فهذا لا يجوز. هذا كلام شيخ الإسلام. وبعضهم كالسخاوي يقول: هذا في الدعاء الذي لا يشترك فيه الإمام مع المأمون، أما ما يشترك فيه الإمام والمأموم فيجوز للإمام أن يخص نفسه؛ لأن المأموم يدعو به. لكن أين ابن خزيمة الذي يقول: أعطوني الأحاديث المخطئة؟ مما يدل على أيش؟

طالب: .......

النقص ملازم للبشر، حتى ابن خزيمة على سعة اطلاعه وعلى قدرته التوفيق بين الأحاديث، هذا الحاصل، وغيره كثير. العلماء كلهم على هذا، وبعضهم يوفق للجمع بين هذه النصوص وبعضهم يوفق لغيرها، والأمة بمجموعها لن يفوتها شيء من الدين ولا من العلم المحتاج إليه بمجموعها، لكن بأفرادها الخلل حاصل.

طالب: .......

الفرق الدعاء الذي يؤمن عليه لا شك أنه أدق وأوضح، كلام السخاوي مثل أيش؟ مثل دعاء الاستفتاح، يقول: المأموم والإمام يقوله. طيب الإمام قال: اللهم باعد بيني وبين الخطايا، والمأموم قال: سبحانك اللهم وبحمدك، ما قاله، فيه خلل كلام السخاوي. وكلام شيخ الإسلام وهو الأدق والأظهر في الحكمة أنه لا يمكن الإنسان ويؤمن وهو بالمحراب والأمة خلفه تقول: آمين. مثل ما قلت: لن يعدم من يقول من يدعو عليه، الناس جاؤوا من بيوتهم معانين يرجون دعوة مستجابة وهو يدعو لنفسه ويخليهم! هذا غير مناسب.

يقول: "فالنظر الأول فيه مسائل بعد أن نقدم مقدمة لا بد من ذكرها، وهي أن كل من تحقق بأصول الشريعة".

 "من تحقق بأصول الشريعة" يعني اطلع على قواعدها العامة وكلياتها، "فأدلتها عنده لا تكاد تتعارض"؛ لأن الرؤية واضحة عنده، وكل ما زاد العلم اتضحت الرؤية أكثر، وكل ما قل العلم زاد الخفاء، ولذلك يقول بعض العلماء: إن العالم الحقيقي لا يكاد يشقّ على الناس؛ لأن الرؤية واضحة عنده، ولا يكاد يتردد في كلامه، أو يضطرب فيه. يوجد كلام ينسب للإمام مالك ولا إخاله يثبت عنه: أنه كلما زاد العلم قل الإنكار. لماذا؟ لأنه يطلع على أقوال الآخرين، ويعذر من خالف؛ لأنه موافق من قبل الإمام الفلاني أو العالم الفلاني. لكن هذا ليس بمبرر، الكلام ليس على إطلاقه؛ لأن العبرة بالقول الذي يسنده الدليل، ما هو العبرة بمجرد وجود القول.

"كما أن من حقق مناط المسائل لا يكاد يقف في متشابه؛ لأن الشريعة لا تعارُضَ فيها ألبتة، فالمتحقق بها متحقق بما في نفس الأمر، فيلزم أن لا يكون عنده تعارض، ولذلك لا تجد ألبتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما"، يعني واستغلق الأمر بحيث لا يمكن الجمع، "بحيث وجب عليهم الوقوف"، متى يجب الوقوف؟

طالب: ما استطاع.

إذا استحكم التعارض ولم يوجد وجه من وجوه المخارج من جمع وغيره.

"لكن لما كان أفراد المجتهدين غير معصومين من الخطأ، أمكن التعارض بين الأدلة عندهم، فإذا ثبت هذا فنقول"، نعم.

طالب: يقول: "المسألة الأولى: التعارض إما أن يعتبر من جهة ما في نفس الأمر، وإما من جهة نظر المجتهد. أما من جهة ما في نفس الأمر فغير ممكن بإطلاق، وقد مر آنفًا في كتاب الاجتهاد من ذلك -في مسألة أن الشريعة على قول واحد- ما فيه كفاية. وأما من جهة نظر المجتهد فممكن بلا خلاف، إلا أنهم إنما نظروا فيه بالنسبة إلى كل موضع لا يمكن فيه الجمع بين الدليلين، وهو صواب، فإنه إن أمكن الجمع فلا تعارض، كالعام مع الخاص، والمطلق مع المقيد، وأشباه ذلك. لكنا نتكلم هنا -بحول الله تعالى- فيما لم يذكروه من الضرب الذي لا يمكن فيه الجمع، ونستجر من الضرب الممكن فيه الجمع أنواعًا مهمةً، وبمجموع النظر في الضربين يسهل -إن شاء الله- على المجتهد في هذا الباب ما عسر على كثير ممن زاول الاجتهاد، وبالله التوفيق.

 فأما ما لا يمكن فيه الجمع، وهى المسألة الثانية: فإنه قد مر في كتاب الاجتهاد أن محال الخلاف دائرة بين طرفي نفي وإثبات ظهر قصد الشارع في كل واحد منهما، فإن الواسطة آخذة من الطرفين بسبب، وهو متعلَّق الدليل الشرعي، فصارت الواسطة يتجاذبها الدليلان معًا: دليل النفي ودليل الإثبات، فتعارض عليها الدليلان، فاحتيج إلى الترجيح، وإلا فالتوقف وتصير من المتشابهات".

يعني إذا لم يمكن الجمع بوجه من الوجوه ولو بحمل المطلق على المقيد والعام على الخاص، فيُنظر المتقدم والمتأخر فيحكم بالنسخ، وإذا لم يُعرف التاريخ فحينئذ ولا الترجيح بوجه من الوجوه، فيلزم التوقف؛ لأن اعتماد أحد القولين يكون حينئذٍ تحكمًا لا مبرر له ولا مرجح، فالتوقف. لكن هذا قد يتوقف فيه هذا العالم؛ لأنه لم يبن له وجه من وجوه الجمع، ولا أمكن الترجيح، ووجوه الترجيح كثيرة جدًّا، ذكر منها الحازمي في مقدمة الاعتبار خمسين وجهًا، وزِيد عليها حتى بلغت عند الحافظ العراقي المائة.

 وبالنسبة للحديث ضبطها السيوطي في التدريب في ثمانية أوجه من وجوه الترجيح بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض. إذا لم يمكن هذا كله لا شك أن التوقف لازم؛ لأنه لا يمكن أن يرجح شيئًا من غير مرجح.

 وقالوا في العامي بالنسبة للعالم: يتعامل مع أقوال العلماء الذين أُمر بسؤالهم مثل ما يتعامل العالم مع النصوص. ولذلك تجدون عند فقهاء المذاهب، ومنوه عليه في مقدمة الإنصاف وفي آخره في الخاتمة الجامعة، يقول: إنه إذا وُجد عن الإمام أكثر من رواية فإنها تعامل معاملة النصوص بحمل مطلقها على مقيدها، وعامها على خاصها، وهكذا إلى أن قال: إن المتأخر ينسخ المتقدم من الروايات. لكن بالنسبة للإمام أحمد والروايات عنه، تجد ما فيه رواية والتي تبلغ خمس أو ست روايات إلا وهي مدعومة بقول بدليل من آية أو حديث أو بقول صحابي، فتجده يعدد الروايات تبعًا لما بلغه عن الصحابة. وعند الشافعية عندهم الفتوى على الجديد إلا في مسائل بضع عشرة ذكرها النووي في مقدمة المجموع، والسيوطي في الأشباه والنظائر، وإلا فالأصل أن المتأخر هو المعتمد؛ لأن الاجتهاد يتغير، وقد أفتى بقول في هذه المسألة في أول أمره أو في أثنائه، ثم رجع عنه فيما بعد، فكيف نقول: إن الأول معتمد معتبر؟ لكن لا يمنع أن يكون قد غفل عن القول الأول أو نسي دليله ويبقى قائله، ولا يمكن أن يعامل معاملة النصوص من كل وجه.

طالب: يقول: "ولما كان قد تبين في ذلك الأصل هذا المعنى، لم يَحتجْ إلى مزيد. إلا أن الأدلة كما يصح تعارضها على ذلك الترتيب، كذلك يصح تعارض ما في معناها، كما في تعارض القولين على المقلد؛ لأن نسبتهما إليه نسبة الدليلين إلى المجتهد، ومنه تعارض العلامات الدالة على الأحكام المختلفة، كما إذا انتُهب نوع من المتاع يندر وجود مثله من غير الانتهاب، فيُرى مِثلُه في يد رجل ورع، فيدل صلاح ذي اليد على أنه حلال".

لأن مثل هذا الورع ما يُظن به أنه انتهب، هذه قرينة مرجحة على أنه حلال، يعني ملكه بطريق شرعي.

طالب: "ويدل ندور مثله من غير النهب على أنه حرام، فيتعارضان".

ما يمكن، كيف وصل إليه من غير النهب، والعادة جرت أنه لا يمكن أن يوجد بأيدي الناس بهذه السهولة. يعني مثلاً لو كتاب، كتاب طُبع على نفقة الدولة، وهذا كثير، ولله الحمد، والكتاب ما بعد وُزع، وإلى الآن ما وُزع منه ولا نسخة، فرأيته بيد شخص ورع من المشايخ أو طلاب العلم نسخة من هذا الكتاب، وأنت تعرف أن الكتاب ما بعد فك ولا كرتونة، من أين جاءوا بذلك؟! يعني ثقتك بهذا العالم تدل على أنه وصله بطريق صحيح، لكن جزمك بأنه لم يصل إلى الآن الكتاب، ما بعد وُزع ولا نسخة ولا فك ولا كرتون، فكيف وصل إليه؟ وليس له وسيلة توصله إلى المستودع أو ما أشبه ذلك إلا بشيء، استأجر أحد أو اختلسه أو شيء من هذا. المقصود أن مثل هذا يكون فيه تعارض الأصل مع الظاهر، تستعمل فيه قاعدة تعارض الأصل مع الظاهر.

 وجدت كتابًا عند شخص، وعليه أسماء، أنت مثلاً زرت شخصًا، فوجدت عنده كتابًا عليه اسمك، وأنت ما تذكر أنك بعت هذا الكتاب، فقلت: هذا كتابي، هو الكتاب بيده، والأصل أن الكتاب...

طالب: لك.

نعم. الأصل أنه هو لمن عليه اسمه، والظاهر أنه له باعتبار أن اليد يده، فعندنا تعارض أصل مع ظاهر، الكتاب عليه اسم فلان وهو بيد فلان، فالكتاب لمن؟ الآن لو وجدنا كتابًا في الدرس، كتابًا في الدرس مع شخص قام مثلاً إلى الدورة أو شيء، وجدنا الكتاب وعليه اسم واحد من الموجودين، ننسبه لمن، هذا الكتاب؟ الأصل أن الكتاب لمن عليه الاسم، وذاك باعتبار أن اليد لها دخل، والظاهر أنه له، فتعارض هنا الأصل مع الظاهر، فينظر في صاحب الأصل هل من عادته أن يبيع، أو أن يعير؟ فإن كان من عادته أن يبيع قُدِّم الظاهر، وإن لم يكن من عادته أن يبيع، أو يُهدي قُدِّم الأصل. فتعارض مثل هذه الأمور لا بد من النظر فيها بدقة.

 أحد جاء بتركة من مصر، شخص متوفَّى من العلماء وجيء بتركته، فيها كتاب عليه خاتمي من أربعين سنة يوم كنت طالبًا، هو كيف راح هذا الكتاب؟ لعل مدرسًا من المدرسين استعاره مني وراح، لكن صار الذي جاء بالتركة- جزاه الله خيرًا- قال لي: خذ كتابك. هذا من أنواع التعارض الذي يمكن أن يُعالَج ويُجمع بين هذه الوجوه بمثل هذه القواعد. هذا رجل ورع وبيده شيء لا يمكن أن يُملك إلا بنهبة، فورعه يرجح أنه ملكه بطريق شرعي، ورعه، وانحصار سبب الملك في النهبة يعطي غير ذلك، والله المستعان.

طالب: "ومنه تعارض الأشباه الجارة إلى الأحكام المختلفة، كالعبد، فإنه آدمي، فيجري مجرى الأحرار في الملك، ومال فيجري مجرى سائر الأموال في سلب الملك".

وأجروا عليه ما يسمونه بقياس الشبه، هو تردد فرع بين أصلين، فيلحق بأقربهما شبهًا به، باعتباره آدمي تجرى عليه أحكام بني آدم، لكن باعتباره سلعة يباع ويشترى أُلحق بالسلع. والعلماء ألحقوه بأغلبهما شبهًا به وهو السلع.

طالب: "ومنه تعارض الأسباب، كاختلاط الميتة بالذكية، والزوجة بالأجنبية".

الذكية يعني المذكاة، اختلاط الميتة بالمذكاة هذا سبب مبيح، وهذا سبب محرم، تعارض السببان، ومثل هذا يُجتب، يُتقى. "والزوجة بالأجنبية" الزوجة بالأجنبية اختلطت في ظلام، وزوجته موجودة وموجود معها امرأة ثانية، هذا إذا افترضنا أن الاشتباه مستمر، مع أنه في مثل هذه الصورة من يتغافل؟!

طالب: صعب أو بعيد أو خرسان.

ماذا؟

طالب: أم خرسان؟

يمكن خرسان يمكن الله أعلم.

طالب: .......

طيب يسمع، لكن فيه علامات يستدل بها غير الأسماء.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

طالب: صحيح.

لا لا، ما يصير تشابهًا من كل وجه.

طالب: .......

ما هذه؟

طالب: .......

نعم.

طالب: .......

لا، الشكل ما هو بكل شيء، يمكن يعرف الفرق من الصوت، يعرف الفرق من تصور بعض الأمور دون بعض، وهذه عرفت شيئًا، لكن التفريق وإلا فعندنا توائم ما يعرفهم إلا أهلهم بدقة. نعم. هم أكثر ما يمثلون: إذا اشتبهت أخته بأجنبية.

طالب: .......

في عقد النكاح، فمثل هذا إذا كان العدد قليلًا ولا تعرف، هو ما يعرف أخته، هذا الذي يمكن فيها التشابه. ذهب أبوه إلى بلد من البلدان وتزوج وجاءه بنت، ويعرف أن له أختًا في هذا البلد، وسيتزوج. لكن إذا كان البلد كبيرًا، وهذه الأخت تذوب مع الألوف المؤلفة من البشر، ما يمكن أن يتعطل عن النكاح؛ بسبب مثل هذا الاشتباه، ويجب عليه أن يتحرى، ويسأل. لكن إذا كان العدد قليلًا فما يجوز، كما إذا اشتبه ماء طاهر بنجس، طهور بنجس، يجب حينئذٍ أن يتيمم ولا يستعمل الثاني باعتباره طهور، بخلاف ما إذا اشتبه طاهر بطهور، قالوا: يتوضأ من هذا غرفة ومن هذا غرفة، وإذا اشتبه الطهور بالنجس هل تلزم إراقته؛ ليكون عادمًا للماء فيتيمم أو لا يلزم؟ معروف الخلاف فيها.

طالب: "إذ كل واحدة منهما تطرق إليها احتمال وجود السبب المحلِّل والمحرِّم، ومنه تعارض الشروط، كتعارض البينتين، إذ قلنا: إن الشهادة شرط في إنفاذ الحكم، فإحداهما تقتضي إثبات أمر، والأخرى تقتضي نفيه، وكذلك ما جرى مجرى هذه الأمور داخل في حكمها".

ولا يمكن الترجيح بين هاتين البينتين، مع قواعد أخرى تنضم إلى ذلك من التقديم بين المثبت والنافي أيهما المقدم؟ بقواعد أخرى من وجوه الترجيح.

طالب: "ووجه الترجيح في هذا الضرب غير منحصر؛ إذ الوقائع الجزئية النوعية أو الشخصية لا تنحصر، ومجاري العادات تقضي بعدم الاتفاق بين الجزئيات، بحيث يُحكم على كل جزئي بحكم جزئي واحد، بل لا بد من ضمائم تحتف، وقرائن تقترن، مما يمكن تأثيره في الحكم المقرر، فيمتنع إجراؤه في جميع الجزئيات، وهذا أمر مشاهَد معلوم، وإذا كان كذلك، فوجوه الترجيح جارية مجرى الأدلة الواردة على محل التعارض، فلا يمكن في هذه الحال إلا الإحالة على نظر المجتهد فيه، وقد تقدم لهذا المعنى تقرير في أول كتاب الاجتهاد، وحقيقة النظر الالتفات إلى كل طرف من الطرفين أيهما أسعد وأغلب".

يعني أقرب، إذا قيل: القول الفلاني أسعد بالدليل، يعني أقوى دليلاً وأقرب.

طالب: "أيهما أسعد وأغلب أو أقرب بالنسبة إلى تلك الواسطة، فيبنى على إلحاقها به من غير مراعاة للطرف الآخر، أو مع مراعاته كمسألة العبد في مذهب مالك ومن خالفه وأشباهها".

طيب، لو تعارض قوة البينة مع الواقع؟ ادعى شخص أن هذه الناقة له، وأتى من الشهود بأعلى درجات التوثيق، ثم جاء الثاني وأحضر بينة أقل بكثير من البينة الأولى، أقل بكثير، ثم خالف الواقع.

 مثل ما حصل في قضية، قال المدعي الثاني الذي عنده من الشهود ما لا يقوم بهم حكم، قال: اسأله هل هو جمل أم ناقة؟ فسأله، قال: ناقة، قال: إن كانت ناقة فهي له، صارت جملًا. طيب، بناء البينة التي هي في أعلى درجات التوثيق كيف شهدت بأنه ناقة، وهو في الحقيقة جمل؟ هم يعرفون هذا الرجل، يعرفون أن له من الإبل ما عنده، وفيه ناقة تشبه هذا الجمل من كل وجه فشهدوا به، فصار خطأً في الشهادة. فيعرض أحيانًا من المفوق ما يجعله فائقًا، ولا سيما هذا من الأمور القطعية، في مثل هذه الصورة المسألة قطعية، ما هي بمسألة تعارض ظني بين البينات.

طالب: مثل داود وسليمان؟

ماذا؟

طالب: كما في داود وسليمان في الغنم، {لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ} [ص: 23].

لا، أوضح من ذلك: جاء شخص؛ ليستعير حمارًا من شخص، طرق عليه الباب قال: واللهِ، الحمار أخذه فلان، سافر عليه وسيجيء إن شاء الله بكرة، فنهق الحمار! قال: اسمع، قال: يا أسفاه! تكذبني وتصدق الحمار! مثل هذه الأمور قطعية، لا تحتمل يعني النقيض ولا الظن. فالكلام في الدلائل الظنية بخلاف الدلائل القطعية. ولذلك يقولون: لا يمكن أن يتعارض قطعيان.

طالب: .......

الذي يزيده قوة بلا شك. نعم.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

نعم؛ لأن القدر الزائد ما له قيمة، يكفي، تقوم باثنين يكفي. لكن البينات، الترجيح يكون أحيانًا بالقشة.

طالب: .......

نعم.

طالب: .......

نعم، بالقشة يرجحون.

طالب: "فصل: هذا وجه النظر في الضرب الأول على ظاهر كلام الأصوليين، وإذا تأملنا المعنى فيه وجدناه راجعًا إلى الضرب الثاني، وأن الترجيح راجع إلى وجه من الجمع أو إبطال أحد المتعارضين، حسبما يُذكر على أثر هذا بحول الله تعالى. وأما ما يمكن فيه الجمع، وهي المسألة الثالثة، فنقول: لتعارض الأدلة في هذا الضرب صور؛ إحداها: أن يكون في جهة كلية مع جهة جزئية تحتها، كالكذب المحرم مع الكذب للإصلاح بين الزوجين، وقتل المسلم المحرم مع القتل قصاصًا أو بالزنا، فهو إما أن يكون الجزئي رخصةً في ذلك الكلي، أو لا".

مثل هذا لا يدخل في التعارض؛ لأن الجزئي لا يعارض بالكلي، وهو في معناه قولهم أن الخاص مقدم على العام، والمقيد مقدم على المطلق. لكن قد يرد التعارض من جهة أخرى تقتضي أن يقدم المؤخر، مثال ذلك: «من لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهم أسفل من الكعبين»، هذا متى قيل؟ في المدينة، مع أنه قال -عليه الصلاة والسلام- في الموقف الذي شهده أضعاف أضعاف من سمع القيد بالمدينة ولم يُذكر القيد. فالذين رجحوا القطع قالوا: يقدم المقيد على المطلق، يُقيد المطلق بالقيد، لا سيما وأن الصورة واضحة مع اتحاد الحكم والسبب، وهنا يُحمل المطلق على المقيد بالاتفاق لولا المعارض الذي فيه أنه حضره ألوف مؤلفة وأضعاف مضاعفة ممن لم يسمع القيد، ولو كان مرادًا لذُكر في هذا الموضع؛ لأن هذا يحتاج إلى بيان، موقف يحتاج إلى بيان، تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

الذين قالوا يكفي البيان الأول، قالوا: خلاص انتهينا، خلاص المطلق يحمل على المقيد. نعم. الذين قالوا إنه لا يكفي البيان الأول لماذا؟ لأن الذين حضروا الإطلاق ألوف مؤلفة وأضعاف مضاعفة لم يسمعوا القيد فيحتاج إلى بيان، وهذا وقت حاجة للبيان من أجل هؤلاء الأضعاف المضاعفة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. ولذلك اختلف العلماء فيها، وإلا ... يعني لو قلنا بقاعدة حمل المطلق على المقيد فما يمكن أن يختلف فيها؛ لأنها ظاهرة. لكن يبقى الخفاء من جهة أخرى، وإعمال قاعدة أخرى وهي النسخ؛ لأن هذا متأخر والبيان لا بد منه. ونظير ذلك: القصر والجمع في المشاعر، منهم من قال: جميع الحجاج يقصرون الصلاة بمنى ويجمعون بعرفة والمزدلفة؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- حج بالناس وحج معه الألوف المؤلفة من جميع الأقطار بما فيهم أهل مكة، ولا حُفظ أنه قال: أتموا، فيجمع الجميع ويقصر الجميع. منهم من يقول إنه تم البيان في مناسبات كثيرة، ولا يلزم أن يكرر البيان في كل مناسبة. ولذلكم المسألة تبقى خلافية، وقوة التعارض من الجهتين ظاهرة.

طالب: "وعلى كل تقدير، فقد مر في هذا الكتاب ما يُقتبس منه الحكم تعارضًا وترجيحًا، وذلك في كتاب الأحكام وكتاب الأدلة، فلا فائدة في التكرار.

 والثانية: أن يقع في جهتين جزئيتين".

يعني الأولى دخول الجزئية في الكلية هذا أمره سهل، دخول الجزئية في الكلية الأمر سهل مثل العام والخاص، لكن إذا كان التعارض من جهتين جزئيتين أو كليتين، وقل مثل هذا فيما إذا وُجد التعارض من جهة العموم والخصوص الوجهي، وهو أشد أنواع التعارض.

طالب: "أن يقع في جهتين جزئيتين كلتاهما داخلة تحت كلية واحدة، كتعارض حديثين، أو قياسين، أو علامتين على جزئية واحدة، وكثيرًا ما يذكره الأصوليون في الضرب الأول الذي لا يمكن فيه الجمع، ولكن وجه النظر فيه أن التعارض إذا ظهر، فلا بد من أحد أمرين: إما الحكم على أحد الدليلين بالإهمال، فيبقى الآخر هو المُعمَل لا غير، وذلك لا يصح إلا مع فرض إبطاله بكونه منسوخًا، أو تطريق غلط، أو وهْم في السند أو في المتن إن كان خبر آحاد".

هذا إذا استغلق الجمع.

طالب: "أو كونه مظنونًا يعارض مقطوعًا به، إلى غير ذلك من الوجوه القادحة في اعتبار ذلك الدليل، وإذا فُرض أحد هذه الأشياء لم يمكن فرض اجتماع الدليلين فيتعارضَا، وقد سلموا أن أحدهما إذا كان منسوخًا لا يُعد معارضًا، فكذلك ما في معناه، فالحكم إذًا للدليل الثابت عند المجتهد كما لو انفرد عن معارض من أصل. والأمر الثاني: الحكم عليهما معا بالإعمال".

نعم. إذا أمكن الجمع وأمكن الترجيح، أو أمكن القول بالنسخ بمعرفة المتقدم من المتأخر، انتهى التعارض.

طالب: "والأمر الثاني: الحكم عليهما معًا بالإعمال، ويلزم من هذا أن لا يتوارد الدليلان على محل التعارض من وجه واحد".

لأنه لا يمكن الحكم عليهما بالإعمال مع وجود التعارض من كل واجه؛ لأنه تناقض.

طالب: "لأنه محال مع فرض إعمالهما فيه، فإنما يتواردان من وجهين، وإذ ذاك يرتفع التعارض ألبتة، إلا أن هذا الإعمال تارةً يَرد على محل التعارض كما في مسألة العبد في رأي مالك، فإنه أَعمل حكم الملك له من وجه وأهمل ذلك من وجه، وتارةً يخص أحد الدليلين، فلا يتواردان على محل التعارض معًا، بل يُعمل في غيره ويُهمل بالنسبة إليه لمعنًى اقتضى ذلك.

 ويدخل تحت هذا الوجه كل ما يستثنيه المجتهد صاحب النظر في تحقيق المناط الخاص المذكور في أول كتاب الاجتهاد، وكذلك في فرض الكفاية المذكور في كتاب الأحكام".

يعني في فرض الكفاية يأتي الدليل الموجب كالأمر بتغسيل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، كلها من فروض الكفايات، وكل مسلم يصح أن يتوجه إليه الأمر. لكن لا يعقل أن يتجه المسلمون كلهم لتغسيل هذا الميت، ممكن أن يتجه الخطاب إلى الجميع؟

طالب: لا.

ما يمكن، مع أنه في الأصل كل واحد مخاطب بهذا، إلى أن يقوم من يكفي، فإذا قام من يكفي حينئذٍ يكون في حق الباقين سنة، ويبقى الأمر قائمًا، لكن درجته اختلفت من الوجوب إلى السنية. طيب، يقولون: يبقى في حق الباقين سنة، لكن إذا كانت السنة يترتب عليها ضرر؟ مثلاً دفن الميت، دفنه عشرة، يكفون، والموجود في المقبرة ألف، كل واحد يحقق هذه السنة، يترتب على ذلك ضرر، تزاحم وقد يتضرر بعضهم لا سيما ضعيف البنية. فمثل هذا لا يكون مشروعًا في حق القدر الزائد إذا ترتب عليه ضرر.

طالب: "والصورة الثالثة"، أحسن الله إليك يا شيخ، كيف ينسحب هذا في الكلام على صلاة الكسوف مثلاً لما...

ماذا؟

طالب: صلاة الكسوف على قول من يقول بأنها على فرض الكفايات؟

فرض الكفايات صلاة الكسوف؟

طالب: عند الجمهور.

الجمهور أنها سنة مؤكدة.

طالب: يذكرون عنها أنها من الكفايات.

الجمهور على أنها سنة مؤكدة، وقال: ...

طالب: صلاة العيد.

صلاة العيد.

طالب: صلاة العيد.

نعم، هي، وقال أبو عوانة في صحيحه: باب وجوب صلاة الكسوف، والأمر فيها ظاهر، فإذا رأيتموها فصلوا. صلاة العيد هي التي قال كثير من أهل العلم بأنها فرض كفاية.

طالب: صحيح.

عند الحنابلة والشافعية، ومنهم قال: سنة مؤكدة، ومنهم قال بالوجوب كالحنفية، وإليهم يميل شيخ الإسلام.

طالب: "والصورة الثالثة: أن يقع التعارض في جهتين جزئيتين لا تدخل إحداهما تحت الأخرى، ولا ترجعان إلى كلية واحدة، كالمكلف لا يجد ماءً ولا تيممًا، فهو بين أن يترك مقتضى {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 43] لمقتضى {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا} [المائدة: 6]".

نعم. لأن الطهارة شرط ورفع الحدث شرط، فما وجد ما يرفع به الحدث لا بالوضوء الأصلي بالطهارة الأصلية ولا بالتيمم، عُدم الشرط يُعدم المشروط، هذا الأصل، يقول: ما دام الشرط غير متحقق، والمشروط لا يصح إلا به فلماذا أصلي حتى أجد ما أرفع به الحدث. ولذلك يقول: "فهو بين أن يترك مقتضى {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 43]"، لماذا؟ لأن الطهارة شرط؛ لأن رفع الحدث شرط، ولا يصح المشروط إلا به، "لمقتضى {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا} [المائدة: 6]"، وكيف نغسل وأنا ما عندي ماء؟ {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6]. المقصود أنه لم يوجد الطهارة الأصلية ولا البديل الذي هو التيمم، ففعل المشروط مع اختلال شرطه مع الاتفاق على أنه لا يجزي مشروط بشرط، لكن إذا عُدم بالكلية ما تصلي؟

طالب: يصلي.

ولذلك قال: "إلى آخرها، أو يعكس، فإن الصلاة راجحة إلى كلية من الضروريات، والطهارة راجعة إلى كلية من التحسينات أو التحسينيات على قول من قال بذلك"، لكن هل الوسيلة القريبة من الغاية، الغاية ضرورية، الوسيلة إليها إن قربت منها أخذت حكمها، فما أحد يقول: إن الطهارة كمال وتحسين، بل هي ضرورية؛ لقربها من الغاية، لكن هناك أشياء كمالية تحسينية، واحد عنده ماء يتوضأ به، لكنه إما حار أو بارد، تسخين البارد كمال، وتبريد الحار كمال، لكن الأصل موجود، وتحقيق هذه الغاية، ولذا ثبت عليها أو ثبت فيها النصوص المرغبة فيها على اعتبارها عبادة قائمة بذاتها، جاءت النصوص بالحث على الوضوء وعلى الغسل ووعيد من ترك الطهارة.

طالب: "فإن الصلاة راجعة إلى كلية من الضروريات، والطهارة راجعة إلى كلية من التحسينيات على قول من قال بذلك، أو معارضة {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 43] لقوله: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] بالنسبة إلى من التبست عليه القبلة، فالأصل أن الجزئي راجع في الترجيح إلى أصله الكلي".

يعني من التبست عليه القبلة، الأصل أن يصلي إلى جهة الكعبة: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144]، لكن إذا التبست عليه القبلة؟ هو بين أمرين: إما أن يصلي حيثما تولى، أو ينتظر حتى يقطع بأن القبلة إلى هذه الجهة. فإن انتظر حقق الشرط، استقبال القبلة. وإن انتظر فقد شرط الوقت. وهنا تعارض عنده شرطان. ومثله في تعارض الطهارة مع الوقت: هل ينتظر حتى يجد الماء ولو خرج الوقت، أو ينتظر حتى يتمكن من مباشرة الماء ولو خرج الوقت، أو يصلي على حسب حاله في الوقت، ولو لم يتمكن من الشرط الذي هو الطهارة. وجمهور أهل العلم في تبويبهم على تقديم الطهارة، والإمام مالك في تقديم وقوت الصلاة على الطهارة يُشم منه، كأن شيخ الإسلام بعد ميله إلى كلام مالك أو المالكية في تقديم الوقت على الطهارة.

طالب: "فالأصل أن الجزئي راجع في الترجيح إلى أصله الكلي، فإن رجح الكلي فكذلك جزئيه، أو لم يرجح فجزئيه مثله؛ لأن الجزئي معتبر بكليِّه، وقد ثبت ترجيحه، فكذلك يترجح جزئيه. وأيضًا فقد تقدم أن الجزئي خادم لكليه، وليس الكلي بموجود في الخارج إلا في الجزئي، فهو الحامل له، حتى إذا انخرم فقد ينخرم الكلي، فهذا إذًا متضمن له، فلو رجح غيره من الجزئيات غير الداخلة معه في كليه، للزم ترجيح ذلك الغير على الكلي".

لأن ترجيح الجزئي الداخل في الكلي ترجيح للكلي، لكن إذا رُجح جزئي خارج عن هذا الكلي فهذا فيه معارضة من هذا الجزئي أو بهذا الجزئي لذلك الكلي.

طالب: "وقد فرضنا أن الكلي المفروض هو المقدم على الآخر، فلا بد من تقديم جزئيه كذلك، وقد انجر في هذه الصورة حكم الكليات الشاملة لهذه الجزئيات، فلا حاجة إلى الكلام فيها مع أن أحكامها مقتبسة من كتاب المقاصد من هذا الكتاب، والحمد لله.

 والصورة الرابعة: أن يقع التعارض في كليين من نوع واحد، وهذا في ظاهره شنيع، ولكنه في التحصيل صحيح. ووجه شناعته أن الكليات الشرعية قد مر أنها قطعية لا مدخل فيها للظن، وتعارض القطعيات محال. وأما وجه الصحة، فعلى ترتيب يمكن الجمع بينهما فيه إذا كان الموضوع".

تعارض القطعيات من جميع الوجوه، يعني القطعي يعارض قطعي من جميع الوجوه، يعني في الواقع، هذا لا شك أنه محال. لكن إذا اعتبرنا أن الأدلة القطعية نصوص الكتاب ومتواتر السنة فوجد التعارض بينهما وبين الآيات وهي كلها قطعية وبين الأحاديث المتواترة وكلها قطعية، وقل مثل ذلك في الأحاديث الآحاد التي احتفت بها القرائن ارتقت إلى درجة القطعي والتعارض فيها موجود، لكنه تعارض في الظاهر لا في حقيقة الأمر.

طالب: "وأما وجه الصحة فعلى ترتيب يمكن الجمع بينهما فيه إذا كان الموضوع له اعتباران، فلا يكون تعارضًا في الحقيقة، وكذلك الجزئيان إذا دخلا تحت كلي واحد وكان موضوعهما واحدًا، إلا أن له اعتبارين. فالجزئيان أمثلتهما كثيرة، وقد مر منها ومن الأمثلة الميل ونحوه في تحديد طلب الماء للطهور، فقد يكون فيه مشقة بالنسبة إلى شخص فيباح له التيمم، ولا يشق بالنسبة إلى آخر فيمنع من التيمم".

نعم إذا وجد شخصان في مفازة، وليس عندهما ماء، والماء قيل إنه قريب يعني مسافة ميل مثلاً، أحدهما شاب نشيط، والآخر شيخ كبير لا يستطيع أن يذهب إليه، وليس هناك وسيلة ينقل بها شيء من الماء، فإن هذا يعذر لعدم استطاعته، والثاني لا يعذر لقدرته على تحصيل الماء. نعم.

طالب: "فقد تعارض على الميل دليلان، لكن بالنسبة إلى شخصين، وهكذا ركوب البحر يمنع منه بعضٌ ويباح لبعض".

نعم؛ لأن بعض الناس إذا ركب البحر أو ركب الطائرة أصيب بدوار، وأصيب بغثيان، وأصيب بأمور تضره، فمثل هذا يمنع، وإذا كان الحج لا يتمكن منه إلا بهذه الطريقة فعليه أن ينيب، مثله الذي لا يثبت على الراحلة.

طالب: "ويباح لبعض والزمان واحد، لكن بالنسبة إلى ظن السلامة والغرق، وأشباه ذلك. وأما التعارض في الكليين على ذلك الاعتبار، فلنذكر له مثالاً عامًّا يقاس عليه ما سواه إن شاء الله. وذلك أن الله تعالى وصف الدنيا بوصفين كالمتضادين: وصف يقتضي ذمها وعدم الالتفات إليها وترك اعتبارها. ووصف يقتضي مدحها والالتفات إليها وأخذ ما فيها بيد القبول؛ لأنه شيء عظيم مهدًى من ملك عظيم. فالأول له وجهان؛ أحدهما: أنها لا جدوى لها ولا محصول عندها".

يعني الدنيا بجميع ما تحتويه من متع. نعم.

طالب: "ومن ذلك قوله تعالى: {أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ} [الحديد: 20] الآية. فأخبر أنها مثل اللعب واللهو الذي لا يوجد في شيء ولا نفع فيه إلا مجرد الحركات والسكنات التي لا طائل تحتها ولا فائدة وراءها. وقوله تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185]، فحصر فائدتها في الغرور المذموم العاقبة. وقوله تعالى: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} [العنكبوت: 64]، وقوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ} [آل عمران: 14] إلى قوله: {ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [آل عمران: 14]، وقال: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 46]، إلى غير ذلك من الآيات. وكذلك الأحاديث في هذا المعنى، كقوله -عليه الصلاة والسلام-: «لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء»".

والحديث مضعف عند أهل العلم، ومثله: «الدنيا ملعونة» مضعف عند كثير من أهل العلم. وعلى كل حال: ذم الدنيا وعدم الاغترار بها، النصوص كثيرة طافحة بذلك، ولذلك لا تُتخذ غاية، وإنما هي وسيلة ومركب إلى الآخرة، ولذلك جاء قوله -جل وعلا-: {وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: 77]، النهي عن نسيان النصيب، لماذا؟ لأن هذا النصيب يستعان به للغاية والهدف الذي هو تحقيق العبودية لله -جل وعلا- الذي من أجله خلق المكلفون من الجن والإنس: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، فيؤخذ من الدنيا ما يعين على تحقيق الهدف، وما عدا ذلك فهو زائل وداخل في الذم، ويزداد ذمه إذا شغل عما خُلق من أجله.

 الناس يختلفون في مقاصدهم وغاياتهم وأهدافهم، منهم من يجعل الدنيا غاية، وكثير من الكتاب اليوم هذا منحاهم، يرون الهدف عمارة الدنيا: {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]، طلب منكم عمارتها لماذا؟ لتحقيق الغاية الأسمى وهي العبودية، بعضهم يقول: أبدًا، {وَاسْتَعْمَرَكُمْ} يعني طلب عمارة، هذه غاية، بعض الكتاب يكتبون هذا. لكن الغاية الحقيقية التي من أجلها خلق الجن والإنس هي العبودية، وأما ما يتعلق بالدنيا ومتاعها فهو من أجل تحقيق هذا الهدف، ولذا جاء: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، فكان عبد الله بن عمر يقول: «إذا أصبحت لا تنتظر المساء، وإذا أمسيت لا تنتظر الصباح»، وليس معنى هذا أنك أغلق على نفسك الباب إلى أن تخرج روحك، ما هو بصحيح، ابذل الأسباب التي أُمرت ببذلها لنفع نفسك ولنفع غيرك، فلا تعارض. وبعضهم يكتب يسخر ممن يرغب في الزهد والورع ويقول: كيف يُمدح سفيان والفضيل وفلان وفلان بالزهد الذي هو تعطيل للدنيا الذي أُمرنا بعمارته، والله المستعان.

طالب: "وهي كثيرة جدًّا، وعلى هذا المنوال نسج الزهاد ما نقل عنهم من ذم الدنيا وأنها لا شيء".

لكن الزهد والورع لا يعني تعطيل الأسباب، مع بذل الأسباب التي أُمرنا بها، والنبي -عليه الصلاة والسلام- باشر الأسباب بنفسه وأمر بمباشرتها، ومر بنا في هذا الكتاب مما نُقل عن الرسالة القشيرية أن ثلاثة في برية يمشون فوقعوا في بئر، فجلسوا، قالوا: لن نبذل أي سبب، إذا كان الله كاتًاب لنا حياة سنطلع، فمر قوم فقالوا: إن هذه البئر في طريق الناس فلو سقفناها، فسقفوها، وأولئك يسمعون من تحت.

طالب: .......

نعم، ما غيروا شيئًا؛ لأنهم متوكلون، فسقفوها. ماذا حاصل؟ جاء قوم آخرون فقالوا: في هذا المكان بئر لو حفرناها ليستقي الناس، ويستفيدوا منها، فحفروها فخرج أولئك. ذكرها صاحب الرسالة، ونقلها عنه الشاطبي فيما تقدم من.. أظن ما هي بالعهد من قدم، ما هي بقديمة، متى تقرأ؟

طالب: المجلد الذي قبل هذا.

الرابع؟

طالب: نعم.

المقصود أن مثل هذا يعني مثل ترك الأسباب قدح في العقل: «تروح خماصًا وتعود بطانًا»، «لو توكلتم حق التوكل لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا»، ما قال تجلس في أوكارها.

طالب: "والثاني: أنها كالظل الزائل والحلم المنقطع، ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ} [يونس: 24] إلى قوله: {كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ} [يونس: 24]، وقوله: {إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ} [غافر: 39]، وقوله: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ} [آل عمران: 196، 197] الآية، وقوله: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} [الكهف: 45]، وغير ذلك من الآيات المفهمة معنى الانقطاع والزوال، وبذلك تصير كأن لم تكن. والأحاديث في هذا أيضًا كثيرة، كقوله -عليه الصلاة والسلام-: «ما لي وللدنيا؟! ما أنا في الدنيا إلا كراكب قال تحت شجرة ثم راح وتركها»".

نعم. «قال» يعني: نام وقت القيلولة التي وسط النهار.

طالب: "وهو حادي الزهاد إلى الدار الباقية. وأما الثاني من الوصفين، فله وجهان أيضًا".

قف عليها.

 اللهم صل على محمد.