كتاب بدء الوحي (032)

عنوان الدرس: 
كتاب بدء الوحي (032)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
الأربعاء, 23 شعبان, 1439 - 10:15

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تقدَّم الكلام في أول ما نزل من القرآن، وما قيل فيه، والراجح من هذه الأقوال –على ما تقدم- أنه "اقرأ" ثمَّ "المدثر"، جاء عن جابر في "الصحيح" –الصحيحين وغيرهما-: أن أول  ما نزل سورة "المدثر". قيل: "الفاتحة" ،هناك أقوال أخرى، لكن مما قيل: "المزمل".
كاتب هذه الورقة كلامه نحتاجه فيما نحن بصدده، من قوله: «زملوني، زملوني»، فنزلت سورة "المدثر" نحتاج لمثل هذا؛ لأن في هذا إشكال
ًا كبيرًا، فيه كلام لأهل العلم طويل، نسوق منه ما يتضح به المقام –إن شاء الله تعالى-.
ونترك القراءة هذه حتى يأتي وقتها في هذا الدرس – إن شاء الله- تقرأ هذه الورقة من كاتبها.
طالب:................
نحن أمة أميّة.
طالب:..............
الرسول –عليه الصلاة والسلام- أميّ، {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأميّ} [الأعراف:157]،  ونحن أمة أميّة، الخلاف في كونه –عليه الصلاة والسلام- كتب في الحديبية تقدم، وما قاله الباجي وما رد به أهل العلم عليه، هذا تقدم بالتفصيل، عند قوله: «ما أنا بقارئ»، والأمة كما قال النبي –عليه الصلاة والسلام: «نحن أمة أميّة لا نقرأ ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا» يعني: في وقته –عليه الصلاة والسلام- لا يقرأون ولا يحسبون، وهذا وصفٌ ترتب عليه الحكم وإن ارتفع الوصف فقد بقي الحكم، وهناك أحكام عُلِّقت بعلَّة، ارتفعت العلّة وبقي الحكم، مثل: الرَّمَل في الطواف، مثل: الخوف في السفر، هذه أحكام مسائل مرت بنا.
طالب:................
في ولا نحسب.
طالب:.............
المقصود أن هذه الأوصاف تفترض أنها ارتفعت، لكن هل يرتفع معها الحكم؟ لا، هل فيه من يقول الآن: إن المسلمين يأتون وقد وهنتهم الحمى –حمى نجد أو حمى يثرب أو حمى اليمن؟ ما في أحد، وبقي الحكم: الرمل في الطواف باقٍ، وعلته ارتفعت، فلا يلزم من ارتفاع العلة ارتفاع الحكم.
 فرجع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بها أي: بالآيات، أو بالقصة يرجف فؤاده، يرجف يعني: يخفق، ويضطرب. والرجفان: شدة التحريك والاضطراب، والطيبي يقول: صار بسبب تلك الضغطة يضطرب فؤاده، الإنسان إذا اعتراه ما يؤثر على بدنه أو على نفسه يحصل عنده اضطراب.
قال صاحب "المحكم": رجف الشيء يرجف رجفًا ورجوفًا ورجفانًا ورجيفًا وأرجف: خفق واضطرب اضطربًا شديدًا.
فؤاده: يقول النووي في شرح القطعة من "صحيح البخاري" من كتاب "الوحي والإيمان" يقول: الفؤاد هو القلب، وهذا هو المشهور. وقيل: إنه عين القلب، يعني: أخص من القلب، وقيل: باطن القلب. وقيل: غشاء القلب. وقال الليث ابن من؟
طالب: ابن سعد.
القلب مضغة من الفؤاد، تبين القائل من القول، يعني الليث بن سعد يقول هذا الكلام؟ ما يقول هذا الكلام. يعني: معدود في أهل اللغة، ليس معدودًا من الفقهاء والمحدثين.

 القلب مضغة من الفؤاد معلَّقةٌ بالنِّياط، سميَ قلبًا؛ لتقلبه.
الليث الذي يدور اسمه كثيرًا في كتب اللغة، وتُنقل أقواله في شرح مفردات اللغة هو الليث بن المظفر، إمام من أئمة اللغة مشهور معروف عند أهل العناية، سُمِّي قلبًا؛ لتقلبه، وأنشدوا:

ما سِّمي القلب إلا من تقلبه

 

.............................

وكذا في شرح النووي، وتتمة البيت:

.............................

 

فاحذر على القلب من قلبٍ وتحويلِ

يقول الكرماني: كيف عرفت خديجة أنه يرجف بها فؤاده؟ هل رجفان الفؤاد يظهر له أثر في الخارج؟ يعني من خلال القلب لا من العلامات والأمارات في موضع آخر، القلب محوط بالقفص لا يصل إلى القفص، يعني لو كان بجوار القفص، والقفص: شيء ليس بالصلب يمكن أن يُنظر ضربُ الفؤاد من ورائه، لكن القفص عظم، عِظام، ما يمكن أن يُرى رجفان الفؤاد من ورائه، لكن هناك أمارات وهناك علامات تدل على ذلك.
يقول الكرماني: وأما علم خديجة برجفان الفؤاد فالظاهر أنها رأته حقيقةً. كيف تراه حقيقة؟ كيف تراه حقيقة! فالظاهر أنها رأته حقيقةً ويجوز أنها لم تره وعلمتْهُ بالقرائن وصورةِ الحال أو أخبرها النبي –صلى الله عليه وسلم-.

 قال: وسبب ذلك ما فاجئه من الأمر المخالف للعادة والمألوف، فنفر طبعه البشري وهاله ذلك ولم يتمكن من التأمل في تلك الحالة؛ لأن النبوَّة لا تُزيل طِباع البشريَّةِ كلها.
طالب:.................
رجع بها يرجف فؤاده.
طالب:..........
الآن المتكلم: فرجع بها رسول الله –صلى الله عليه وسلم- من المتحدث؟ عائشة، لكن تنقل عمن؟ المقصود: أن الذي حضر القصَّة من هو؟ خديجة هي التي حضرتِ القصة.
فإما أن يكون خبره –عليه الصلاة والسلام- لخديجة وغيرها، أن أخبر خديجة بالوضع؛ لأنه لا يتم النظر في الموضوع من قِبل خديجة إلا إذا كُشِف لها عن كل شيء بما في ذلك رجفان الفؤاد.
قالوا: وسبب ذلك ما فجأه من الأمر المخالف للعادة والمألوف، فنفر طبعه البشريّ وهاله ذلك، ولم يتمكن من التأمل في تلك الحالة، قالوا: لأن النبوة لا تزيل طباع البشر كلَّها..

 يعني: الرسول –عليه الصلاة والسلام- بشر، «إنما أنا بشر» فيعتريه ما يعتري البشر، فبقيت أوصاف البشرية من الجوع، والبرد، والخوف الذي وُجِد «قد خشيت على نفسي»، وإن كانت النبوَّة يعني بالتدريج بدأ يتكامل لها –عليه الصلاة والسلام-؛ لأنه لا تُزال الطباع فجأة، فقد جاء في النصوص أنه يفزع فزعا شديدًا، ويذهب إلى شواهق الجبال، وإن كان هذا فيه مقال؛ لأنه من بلاغات الزهري، ليس بمتصل، يكاد أن يتردَّى من رؤوس الجبال، ويعتريه ما يعتريه مما يعتري البشر إلا ما خُصَّ به –عليه الصلاة والسلام- مما يتمُّ به تبليغ ما أُمر به–عليه الصلاة والسلام-.
فدخل رسول الله –صلى الله عليه وسلم- على خديجة بنت خويلد –أم المؤمنين- التي ألف تأنيسها له فأعلمها بما وقع له، فأعلمها بما وقع له، فقال –عليه الصلاة والسلام: «زملوني زملوني» يقول النووي: هكذا هو في الروايات: «زملوني زملوني» مرتين، والتزميل: هو الاشتمال والتلفف، وفي شرح الكرماني: التزميل: هو التلفيف والتدثير، فزملوني: معناها؟
طالب:
.........
مرادف لإيش؟
طالب:................
دثروني.
التزميل: هو التلفيف والتدثير، فيقول ابن الملقن: يقال لكل ما يُلقى على الثوب الذي يلي الجسد: دِثار. عندنا الشعار، وعندنا الدِّثار، الشعار: هو الذي يلي البدن يلامس شعر البدن، والدثار: فوق الشعار. ولذا جاء في الحديث الصحيح أنه قال النبي –عليه الصلاة والسلام- للأنصار: «أنتم شعار والناس دثار» يعني: أنتم أقرب إليَّ من غيركم، لمَّا وقع في أنفسهم ما وقع بعد قسمة غنائم حنين، فواساهم النبي –عليه الصلاة والسلام- بهذا الكلام وقال لهم: «ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله» –صلى الله عليه وسلم- فقال: «أنتم شعار والناس دثار»، فالدثار: الذي يلبس فوق الثياب، فالنبي –عليه الصلاة والسلام- عليه ثياب، لكن يريد أن يُغطى بقدر زائد على ثيابه، ومثله التزميل والتلفيف بغطاء غير الثياب.

 والمدثر والمزمِّل أصلهما: المتدثر والمتزمل، أُدغِمت التاء فيما بعدها، وجاء في أثرٍ أنهما من أسمائه –صلى الله عليه وسلم- جاء في أثر أنهما من أسمائه –صلى الله عليه وسلم- سيأتي في كلام السهيلي.

 قال: ليس المزمل باسم من أسماء النبي –صلى الله عليه وسلم- ولم يُعرف به كما ذهب إليه بعض الناس وعدُّوه في أسمائه –عليه الصلاة والسلام-، وإنما المزمل اسم مشتق من حالته التي كان عليها حين الخطاب. وكذلك المدثر.

 ليست من أسمائه، يعني الأسماء التي ذكرت للنبي –عليه الصلاة والسلام- في كتب الخصائص والشمائل وغيرها مما يتعلق به –عليه الصلاة والسلام- أكثرها ليست بأسمائه، وقد دونت هذه الأسماء على الجدار القبلي من المسجد النبوي، وكلها أو جلها ليست بأسمائه، وإنما هي حالات وقعت له –عليه الصلاة والسلام- فاشتقوا منها أسماء. ومنها هذا.

 يقول السهيلي: ليس المزمل، هنا يقول قبل ذلك ابن الملقن: وجاء في أثر أنهما من أسمائه– صلى الله عليه وسلم-، والسهيلي يقول: ليس المزمل باسم من أسماء النبي –عليه الصلاة والسلام- ولم يُعرف به كما ذهب إليه بعض الناس، وعدُّوه في أسمائه –عليه الصلاة والسلام- وإنما المزمل اسم مشتق من حالته التي كان عليها حين الخطاب، وكذلك المدثِّر.
يعني: التسمية والتكنية يعني ممكن أن تُؤخذ من أدنى ملابسة، يعني: إذا نودي النبي –عليه الصلاة والسلام- باسمٍ أو بوصفٍ أو بحالٍ اشتمل فيها عليها يثبت اسم أو كنيَة، يثبت "طه" ويثبت "يس" وغيرها من أسمائه التي ذُكِرت مع أن أهل  العلم ينازعون في كونها أسماء؛ لأن الأصل في الاسم هو الذي يعيِّن المسمَّى، هذا هو الاسم الذي المراد به: العلم، اسم يعين المسمى مطلقًا، علمه كجعفرٍ وخرنقا، هذا الاسم، والأصل في الاسم ما يتعارف عليه النَّاس ويقبله ويرضاه، أما إذا كان لا يقبله فهو "لقب" إذا أَشعر بذمّ لا يقبله صاحبه "لقب" أو مدح. يقول: وقال ذلك –عليه الصلاة والسلام- «زملوني، زملوني»؛ لشدّة ما لاحقَهُ ممن هولِ الأمرِ وشدَّة الضَّغطِ، ولولا ما جُبل –عليه الصلاة والسلام- يعني لو حصل هذا الأمر لغيره، شيء غريب غير مألوف من شخصٍ لا يُعرف ولا يُدرى من هو! ولا يدرى كيف أتى، يعني هل الإنسان يحب أن يخرج عن المألوف؟ يكره الخروج عن المألوف ويروعه، يعني لو أن إنسانًا مات أبوه قبل ثلاثين سنة، وهو جالس خالٍ وحده في مكان أو في مسجد أو في شيء التفت فإذا بأبيه عن يمينه، ماذا يحصل له من الفزع؟ قد يجنَّ، نعم، قد يجن، وحصل هذا في قضايا لا نقول إن أباه بُعِث، لا، حصل قضايا قريبة من هذا، يعني: سمع خبرًا مؤكدًا أن أباه مات، أو أمه ماتت، ثم رآه بعد مدة طويلة، حصل له ما حصل.

الإنسان من هول المفاجأة إذا كان لم يكن على مُستوى النبي –عليه الصلاة والسلام- وأنَّى له ذلك وهو أشجع الخلق، وأكرم الخلق، وأعلم الخلق، وأخشى الخلق، لا، أنى له أن يكون مثل النبي –عليه الصلاة والسلام-.
أحيانًا الأطباء النفسيون يعالجون بعض الأمور التي يُخبر بها الشَّخص، كيف يُخبر هذا الشخص بحيث إذا فجأه الأمر مباشرة، يمكن أن يخشى على عقله، سواء كان فيما يسر أو فيما يضرّ، يعني يُذكر عن شخص فاز بجائزة ما أدري كم مليونًا، قال له: كيف يُخبر هذا؟ هذه مشكلة، فجاؤوا بطبيب نفسي فأخذ يخبره على التدريج، لو جاء جائزة مقدارها ألف، قال: الحمد لله نعمة، قال: ألفان، عشرة آلاف، قال: طيب، مائة ألف؟ مليون؟ الحمد لله والشكر لله، عشرة ملايين؟  قال لك: مليون منها، جنَّ الطبيب النفسي المسكين.
بعض الأمور ما تحتملها بعض العقول.
طالب: ...................
يُوسف عاد قصته من أجل أن يتم المُراد منها، يعني: ما جاءت فجأة من أجل أن يتم المراد منها.

 ولولا ما جُبل عليه –عليه الصلاة والسلام- من الشجاعة والقوَّة، ما استطاع على تلقِّي ذلك؛ لأن الأمر جليل، وللبخاري في "التفسير" من حديث جابر ومسلم أيضًا: «دثروني» يعني: بدل "زملوني"، والقصَّة واحدة، «دثروني، وصبوا عليَّ ماءً باردًا فدثروني وصبوا علي ماءً باردًا، فنزلت {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر:1]».

الآن: القصَّة هذه التي نزل فيها سورة "اقرأ" قوله: «دثروني» بعد حصولها ما حصل له– عليه الصلاة والسلام- نزل على إثر سورة "اقرأ" أم بعد فترة الوحي؟
بعد فترة الوحي.
طالب:...........
يعني قوله..
الآن فقال: «زملوني، زملوني» هل نقول: نزلت سورة "المزمل"؟  فقال في الرواية الأخرى  في التفسير من صحيح البخاري وفي صحيح مسلم: «دثروني، دثروني» قال: فنزلت:
{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} دليل على أن نزول سورة "المدثر" تعقَّب "اقرأ" مباشرة. يعني بعد أن انصرف من "الغار" وذهب إلى خديجة وقص عليها الخبر وقال: «دثروني»  فنزلت.
طالب: أن يكون هذا أخذًا بحديث جابر أن أول ما نزل
{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر:1] كانت مباشرة؛ لأنه ثابت أن الوحي انقطع.
نعم، لكن بعد ذلك ذكرنا في قول جابر وما يتعلق به، أنه بعد فترة الوحي «فإذا الملك الذي جاءني بحراء».
طالب: وهل رواية التفسير تكون متعلقة بما رواه؟
هو من حديث جابر هذا، في رواية، لكن هل قول «دثروني، وصبوا عليَّ ماءً باردا فدثروني وصبوا علي ماءً باردًا، فنزلت
{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر:1]»هي نفس الرواية التي عندنا. نفس القصة؟
طالب:...............
القصة التي نزلت بسبب سورة المدثر هي القصة التي هنا؟
طالب: لا.
أولاً: حديث الباب الذي فيه «زملوني، زملوني»، هذا من حديث عائشة، يعني: لو جاءت اللفظة في حديث عائشة؛ لأنه يقول: وللبخاري في التفسير من حديث جابر، ومسلمٍ أيضًا: «دثروني، وصبوا عليَّ ماءً باردا، فدثروني وصبوا علي ماءً باردًا، فنزلت
{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر:1]» ولا شك أن هذا بعد فترة الوحي.
طالب:.........
نعم.
طالب:..............
نعم لما رآه في الأفق ونزل، يعني بعد فترة الوحي، تقدم الكلام في حديث جابر، لكن الآن لما يقولون في قوله فـ «زملوني، زملوني»، هنا في هذا اللفظ يردفونها، والبخاري في التفسير الأصل أن تُفسر هذه الرواية برواية جاءت في نفس الحديث، لا في حديثٍ آخر، لماذا؟ الآن الذي ما ينظر للكلام بدقة، ما ينظر إليه بعناية، يجزم بأنَّ قولَه: «دثروني» في بعض روايات هذا الحديث جاء فيها «فنزل:
{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} وقوله: «زملوني، زملوني»، في الحديث نفسه نزل بسببها {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} [المزمل:1] هذا الكلام صحيح أم لا؟ يأتي الكلام في المزمل. الآن في قوله في الحديث: «زملوني، زملوني»، أو «دثروني، دثروني»، نزل بسببه شيء؟ فترَ الوحي مدَّة بعدهُ، فتر الوحي بعد ذلك مدَّة، بعد فترة الوحي نزلت {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ}، لكن ونحن نقرأ في الصحيح من غير نظر، ومن غير تدقيق إن جاءتنا رواية «دثروني، دثروني»، قلنا هي سبب نزول: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ}  إذا جاءت رواية «زملوني، زملوني»، هي سبب نزول: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ}. ولا هذا ولا هذا، لكن في حديث الصحيحين– وهذه قصة متأخرة عن قصص الباب- «دثروني، وصبوا عليَّ ماءً فنزلت {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر:1]» هذا ما فيه إشكال، لكن «دثروني»، في بعض روايات هذا الحديث لم ينزل بسببها {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} ولا {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ}. أقول: لعل ما جاء في هذه الرواية: «زملوني، زملوني»، هو عمدة ما نُقل عن عطاء من قوله السابق: "المزمل" نزلت قبل "المدثر"؛ لأن المدثر بعد فترة الوحي، و"المزمل" إن كان ارتباطها بقوله «زملوني، زملوني»، تكون بعد اقرأ مباشرة، وقبل "المدثر.
أقول: لعل ما جاء في هذه الرواية من قول: «زملوني، زملوني»، هو عمدة ما نقل عن عطاء من قوله السابق: "المزمل" نزلت قبل "المدثر". وسبق تضعيفه وتضعيف قوله؛ لأن ظاهر الأحاديث الصحيحة تأخر "المزمل"، ولأن فيها ذكر قيام الليل وغير ذلك مما تراخى عن ابتداء نزول الوحي، بخلاف "المدثر" فإن فيها
{قُمْ فَأَنذِرْ} [المدثر:2]. وهذا تقدم الكلام فيه.
طالب:..............
لا، قبل المدثر، هذا كلامه.
وعلى هذا فما جاء في هذه الرواية معبرٌ به عن ما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر
«دثروني، دثروني»، فالمتزمل والمتدثر، فالتزمل والتدثر بمعنى واحد، والقصَّة واحدة، فعبَّر به عنه. والله أعلم.
الحافظ ابن كثير –رحمه الله تعالى—في تفسير سورة "المزمل" ذكر عن الحافظ أبي بكر البزَّار ما رواه بسنده عن جابر قال: اجتمعت قريش في دار الندوة، فقالوا: سموا هذا الرجل اسمًا يصدر الناس عنه، عن جابر –رضي الله عنه- قال: "اجتمعت قريش في دار الندوة، فقالوا: سموا هذا الرجل اسمًا يصدر الناس عنه، فقالوا: "كاهن" قالوا: ليس بكاهن، قالوا: "مجنون" قالوا: ليس بمجنون، قالوا: "ساحر"، قالوا: ليس بساحر، فتفرق المشركون على ذلك، فبلغ ذلك النبي –صلى الله عليه وسلم-، فتزملَّ في ثيابه وتدثّر فيها، فأتاه جبريل– عليه السلام فقال:
{يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ}  {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ}" يعني: فأنزل السورتين تباعًا، ثم قال البزار: معلَّى بن عبد الرحمن –راوي هذا الحديث- قد حدَّث عنه جماعة من أهل العلم واحتملوا حديثه، لكنه تفرَّد بأحاديث لا يُتابع عليها، هذا رأي البزار في معلَّى بن عبد الرحمن، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد": رواه البزَّار والطبراني في "الأوسط" وفيه معلَّى بن عبد الرحمن الواسطي، وهو كذّاب، إذًا انتهى الخبر. الخبر انتهى.
في تفسير القرطبي يعني إذا قوله:
«زملوني، زملوني»، يعني:  لفوني لفًّا حسيًّا، هل المراد بـ {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} المتلفف تلففًا حسيًّا؟ ننظر ما قاله أهل العلم في معنى "المزمل".
في تفسير القرطبي قال: سورة "المزمل" مكية كلها. في قول الحسن وعكرمة، وعطاء، وجابر، وقال ابن عباسٍ وقتادة: إلا آيتين منها، {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} [المزمل:10]،  والتي تليها، ذكره الماوردي.
وقال الثعلبي: قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ} [المزمل:29] إلى آخره، إلى آخر السورة، فإنه نزل بالمدينة.
ثم قال: قوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} هذا خطاب للنبي –صلى الله عليه وسلم-، وفيه ثلاثة أقوال –يعني معناه-:
الأول: قول عكرمة
{يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} بالنبوة، المزمل بالنبوة، والملتزم للرسالة، وعنه أيضًا: يا أيها الذي زُمِّل هذا الأمر، أي: حُمِّلَه ثم فتر. وعنه أيضًا: -يعني عن عكرمة- يا أيها الذي زُمِّل هذا الأمر أي: حمله ثم فتر.
وكان يقرأ: " يا أيها المزَمِّل" بتخفيف الزاي، المُزَمَّل
بتخفيف الزاي وفتح الميم وتشديده على حذف المفعول، وكذلك: المدَثر.
الثاني،
هذا تزميل حسي أم معنوي؟ معنوي.
الثاني: المزمل بثيابه يناسب قوله: «زملوني زملوني» المزمل بثيابه، قال قتادة وغيره، قال النخعي: كان متزملاً بقطيفة، قبل هذا الثاني، الأول قول عكرمة: المزمل بالنبوة، والملتزم بأعباء الرسالة. والثاني: أي المزمل بالقرآن، يا أيها المزمل بالقرآن، هذا مذكور عن ابن عباس.
الثالث: المزمل بثيابه، المزمل بثيابه قاله قتادة وغيره قال النخعي: كان متمزلاً بقطيفة.
وقالت عائشة: كان متمزلًا بمرطٍ طوله أربعة عشر ذراعًا –سبعة أمتار- نصفه عليَّ وأنا نائمة، ونصفه على النبي –عليه الصلاة والسلام- وهو يصلي، والله ما كان خزًّا ولا قزًّا ولا مرعزًا ولا إبريسمًا ولا صوفًا، كان سُداه شعر، ولُحمته ووبره. ذكره الثعلبي.
يقول القرطبي: وهذا القول من عائشة  يدل على أن السورة مدنية؛ فإن النبي –صلى الله عليه وسلم- لم يبن بها إلا في المدينة، وما ذكر من أنها مكية لا يصح. والله أعلم.
هذه الأقوال الثلاثة، سواء كان قول عكرمة: المزمل بالنبوة والملتزم بأعباء الرسالة، أو قول ابن عباس: المزمل بالقرآن، أو قول عائشة: المزمل بثيابه، هل له ارتباط بما جاء في الحديث: «زملوني زملوني»؟  يعني: بعد قوله، «زملوني زملوني» نزل على إثره شيء؟
ما نزل على إثره شيء.
طالب: هذه المعاني في المزمل يحتمل أحد الثلاثة؟
هو المزمل: المتلفف، والمدثر بمعناه. لكن الكلام في معنى من الحديث «زملوني زملوني» فزملوه، كما يُقال: «دثروني، دثروني، فنزلت
{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر:1]»
 قد يقول قائل: «زملوني زملوني» فنزلت: {
يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ}؟ يعني كما تقدم عن عطاء، أن {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} نزلت قبل "المدثر"، وكأن السبب الذي حمله على ذلك ما جاء في هذه الرواية. هذه الرواية بجميع تفاصيلها كلها وقعت قبل نزول "المدثر"؛ لأن "المدثر" بعد فترةِ الوحي.
طالب:............
عائشة؟
طالب:...........
نعم، لكن بالمدينة، مقتضى قول عائشة أن سورة "المزمل" نزلت بالمدينة، وأكثر العلماء على أنها نزلت  بمكة، " لكن القرطبي ما تردد بناءً على قول عائشة أنها مدنية وما ذُكِر من كونها مكيَّة لا يصح. لكن كل هذا يُبنى على ثبوت القصَّة، ثبوت الخبر.
طالب:..........
لا، هي تقول...
طالب:.............
لا، هو مرتبط بها بتفسير الآية.
طالب:.........
هو مزمل –عليه الصلاة والسلام-، لكن متزمل بأي شيء؟ متزمل بأعباء الرسالة، بالنبوة، أو متزمل بالقرآن أو متزمل بمرط؟ يعني الحاصل في السورة؛ لأنه كله مربوط بتفسير السورة.
طالب:............
هو يُذكر هذا في تفسير السورة.
طالب:.............
واضح؟
طالب:................
لا،لا، عائشة تحكي القصَّة أن هذا الحاصل متزمِّل بمرط، يعني بخلاف ما يُقال: متزمل برسالة، بنبوة، بكذا، بالقرآن.
طالب:.................
هو متزمل بما ذُكر في جميع أحواله –عليه الصلاة والسلام-، لكن الآن المتزمل بشيء، المتدثر بشيء معنوي يمكن أن يُخاطب به؟
طالب:................
نعم، معنوي.
طالب:...................
نعم.
طالب:....................
بعيد، يعني السامع لا ينتبه لهذا الخطاب.
طالب: لأنه غير ظاهر.
لكن لما قال النبي –عليه الصلاة والسلام- «قم أبا تراب» وقد علا التراب بدنه لما نام في المسجد، على ما سيأتي في كلام أهل العلم...
يعني: إذا وجدت المناسبة المحسوسَة، يمكن أن تُوجد هناك، أن يوجد هناك شيء يترتب عليه.
طالب:....
أما الأمر المعنوي فبعيد أن يُرتب عليه شيء؛ لأنه لا يظهر للعيان؛ لأنه حتى لو قلنا: إنه شيء معنوي، فمن يأتي لا يمكن أن يجزم بأن هذا هو السبب، يعني: هل ينحسم الأمر، هل يمكن أن يُرجح أن يقال بين قول الأول والثاني؟ أو نقول كلها صالحة؟ إذًا ما تجزم بأن هذا هو السبب والمُراد في الآية. لكن الأمر الحسِّي لو صحّ وثبت أنَّه تمزمَّل وتلفلف بهذا المرط ثم نزلت:
{يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} انتهى الإشكال.
ما الفائدة من خطابه –عليه الصلاة والسلام- بـ
{يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُو{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ}، لماذا لا يُخاطب باسمه الصريح؟
طالب:..................

 هو واقع ومتزمِّل ومتدثِّر، مزمِّل ومدَّثِّر.
طالب:...........
يعني أنت تعرف شخصًا واقفًا هناك، تدعوه باسمه
أم تقول: يا واقف؟
طالب: على حسب ما يناسبه.
إن كنت تريد أن يجلس تقول: يا واقف، صح؟ المناسبة تنفع؛ لأنك تنبهه إلى ما يحتاج إليه.
طالب: كقول الخطيب: أيها الداخل يتخطى رقاب الناس.
ولو كان يعرف اسمه؛ ليشمل كل داخل، وهنا ليشمل كل مدَّثِّر وكل مزمل؟
طالب:....................
ما معنى أن كل مزمل يقوم، كل مدثر
{قُمْ فَأَنذِرْ} [المدثر:2]. بلِّغ، وكل مزمل {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل:2] .
طالب:
لكن المقصود الأول.
لا أنا أقول هل المقصود الشخص أو المقصود الوصف؟

طالب: الوصف له أثر الآن في النداء.
نحن نريد لماذا ما قال: يا محمد قم فأنذر، قال:
{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ*قُمْ فَأَنذِرْ} [المدثر:1-2]؟
ومثل ما قلت للتو: واحد واقف هناك بدل من أن تقول: يا فلان، تقول: يا واقف.
طالب: لأنه يا شيخ هنا تدثر وتزمل وانشغل عمَّا..
يعني: إذا قلت: يا فلان اجلس، وشخص وقف هناك، وقف هناك يمكن ما يجلس، لكن إذا قلت: يا واقف اجلس، كلهم يجلسون. واضح
أم لا؟
طالب:................
ليشمله ويشمل غيره.
طالب:............
يعني: من باب مخالفة المألوف، اترك المألوف، وهو التزمل والتلفلف والمدثر، {قُمْ فَأَنذِرْ} [المدثر:2].
على كل حال يقول القرطبي: وفي خطابه بهذا فائدتان:
الأولى: الملاطفة، فإن العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطَب وتركَ المعاتَبة سمَّوه باسم مشتق من حالته التي هو عليها.
العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطَب وتركَ المعاتَبة سمَّوه باسم مشتق من حالته التي هو عليها.
كقول النبي –عليه الصلاة والسلام-
«قم يا أبا تراب» حصل بينه وبين زوجِه فاطمة –رضي الله عنهما- ما حصل من نزاع، فخرج ونام في المسجد، وهذا أمر عادي، يعني معروف عند الناس كلهم يحصل ما يحصل بين الزوج وزوجته، فيهجر فراشها إلى غيره، نام في المسجد، فتبعه النبي –عليه الصلاة والسلام- فوجده في المسجد، وقد علاه التراب، فقال: «قم أبا تراب» هذا الوصف لا شك أن فيه ملاطفة للمخاطب، للمُنادى، وفيه أيضًا اشتقاق من الحال التي اشتمل عليه المخاطب، فيه تراب، نام على تراب، وعلاه تراب، تمرغ بالتراب، فصار: أبا تراب.
ولحذيفة: «قم يا نومان» عادي لما تجيء إلى شخص أكثر وقته تقول له: قم يا نومان، هل تقول له: قم يا يقظان؟ أو قم يا فلان؟ قم يا نومان، تريد أن تلفت نظره وانتباهه إلى شيء قد غفل عنه.
الفائدة الثانية: التنبيه -وهذا الذي نريد تقريره- التنبيه لكل متزمِّل لا راقد ليله؛ لينتبه إلى قيام الليل وذكر الله –تعالى-، تنبيه لكل متزمل لا راقد ليله؛ لينتبه إلى قيام الليل وذكر الله تعالى.
فإن قال: يا محمد، قد يقول قائل: والله هذ الأمر لم يوجَّه لي، لكن إذا كان الإنسان متزملًّا ومتلفلفًا في فراشه استحضر هذا؛ لأنه ينطبق عليه.
طالب:............
ما الذي يضعف قول عائشة؟
.............

الذي يضعف قول عائشة أنه يُصلي ومتزمل ويقال له: قم الليل، يمكن أن يقال وهو يصلي: قم؟
طالب:...........
ممكن؟
طالب:............
يقال: قم الليل للنائم أو الغافل.
 ننظر في الورقة التي كتبها الأخ، يقول: هل يمكن القول إن أول سورة نزلت بعد سورة "العلق" هي مقدمة سورة "المزمل"؛ وذلك لقول الله تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل:5]، فلا يُمكن أن يأمر الله رسوله –عليه الصلاة والسلام- بالدعوة دون أن يُوحي إليه الوحي المراد تبليغه للناس؟
ثم لما أوحى إليه، ثم لما أوحى الله للرسول –عليه الصلاة والسلام- الوحي أمره بالدعوة، فنزلت مقدمة سورة "المدثر"
يعني الوحي جاء ذكره في سور كثيرة، منها ما نزل في أول الأمر، ومنها ما نزل في آخر الأمر، يعني كونه يلقى إليه، وكونه يُوحى إليه لا يعني أن هذه السورة نزلت من أوائل ما نزل.
أما عن قول القائل: ورود قيام الليل في سورة "المزمل"، فقد يجاب عنه: أن المقصود بقيام الليل هو "التحنث" والتعبد الذي كان يفعله الرسول –عليه الصلاة والسلام- في غار حراء، أمَّا هذا ففيه بُعد، {
قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل:2]  {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ} [المزمل:29] إلى آخره، هل هذا المراد به التعبد في غار حراء؟ هذا بعيد.
الآن ما الذي تحصَّل مما تقدم؟ أن نزول "المدثر" و"المزمل" لا علاقة له بالقصة، وأن القصة نزل فيها سورة "اقرأ": فقط، ثم بعد هذه القصة بتمامها على ما سيأتي –إن شاء الله تعالى-

بعدها فتر الوحي، ولذلك قال في الأخير:

 ثم لم ينشب ورقة أن توفِّيَ وفتر الوحي. ثم بعد ذلك لمَّا عاد –كما في حديث جابر- رأى النبي –عليه الصلاة والسلام- ما رأى، ثم حصل له شيء من الفزع، فقال: «دثروني، دثروني وصبوا عليَّ فنزلت {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر:1]»  أما سورة "المزمل" فهي متأخرة، ولا ارتباط لها بقوله في الحديث: «زملوني زملوني»

 لأن مثل هذا الكلام، مثل ما كررنا مرارًا، أن الإنسان الذي يقرأ الكلام ويعرف –يعني ويستصحب أن هناك سورة اسمها المزمل- يربط هذا بهذا؛ لأن بعض الألفاظ جذَّابة، تجذب الإنسان شعر أو لم يشعر، يعني كل إنسان قبل أن يدقق في الموضوع، وأنا واحد منكم، كل إنسان تجذبه مثل هذه الكلمة، ويستصحب سورة في القرآن لها ارتباط في هذا؛ لأن بعض الألفاظ –مثل ما ذكرنا- تجذب، تجذب الإنسان، وأحيانًا تهجم على عقله فتجعله لا ينظر نظر الدقيق المناسب.

 فزملوه يعني: لفوه؛ استجابة لطلبه –عليه الصلاة والسلام- حتى ذهب عنه الروع، سكن وارتاح –عليه الصلاة والسلام- والروع: هو الفزع بفتح الراء، قال صاحب المحكم: الروع، والرواع، والتروُّع: الفزع.
في الحديث: «لن تُراعوا»، في أي مناسبة؟
طالب:........
ماذا؟
طالب: الصوت الذي حصل في غزوة...
نعم.
في الصوت، بسبب الصوت «لن تُراعُوا»، بخلاف ما لو قال: لن تراعَوا، لكن بعض الناس وهو ينطق بعض الألفاظ لا يفرق بين هذا وهذا، نسمع بعض الأئمة، الأصل: تراصُّوا، ومنهم من يقول: تراصَّوْا، ويخبر عنهم أنهم تراصَّوْا، وانتهى، وليس هذا هو المطلوب.
لن تراعَوْا: من المراعاة، هذا كأنه مدرِّس يهدد الطلاب في الامتحان أنه يشد عليهم، ولن يراعيهم. فرق بين هذا وهذا.

 الروع: هو الفزع، لن تراعُوا: لن ُتفزعوا، ولن تُخافوا، وهنا: "حتى ذهب عنه الروع" الفزع.

 يقول الهَروي في "غريب الحديث": هو بالضم، الرُّوع، وهو: موضع الفزع من القلب. وفي الحديث ومن أنواع الوحي «ألقي في رُوعي» ألقي في رُوعي الذي هو موضع الفزع من القلب.
يقول ابن الملقن: كونه –يعني النبي عليه الصلاة والسلام- لم يخبر بشيء «زملوني، زملوني»، ولفوه حتى ذهب عنه الفزع، لم يخبر بشيء أول ما وصل، الآن بعض الناس يأتي فزعًا، ثم يخبر بأخبار يبثها، هذا موجود عند كثير من الناس، وبعضهم يسأل هذا الفزِع من أوَّل الأمر: ماذا حصل؟ لكنه في هذه الحال وهذا الظرف مع الفزع وشدة الخوف لا يضبط، يقول: كونه –عليه الصلاة والسلام- لم يخبر بشيء حتى ذهب عنه الروع يؤخذ منه أن الفازع لا ينبغي أن يُسأل عن شيء حتى يزول عنه فزعه، حتى يزول عنه فزعه. حتى قال الإمام مالك: إن المذعور لا يلزمه بيعٌ ولا إقرار ولا غيره.
شخص يتبعه سَبْع تعرض عليه بيع سلعة أو شيء يقول: خلاص بعنا، من باب أن يتخلص منك؛ لأنك صرت عائقًا في طريقه.
بعض الناس يتحين مثل هذه الفرص، يتحين مثل هذه الفرص، مثل ما ذكرت لكم، واحد من الشباب موكل المقاول يعمر له، وهذا الشاب مدرس إذا جاء تعبان نام بعد صلاة الظهر، إذا انتصف نومه طرق عليه قال: نريد حديدً، أو نريد أسمنتًا. هذا يقول: يا أخي العمارة كلها لك، لكن دعنا. يثبت تصرفه؟ تثبت هدية مثل هذا؟ يعني تحيُّن مثل هذه الفرص. يا أخي انتظر حتى يهدأ.
شخص وراءه سبع أو صائل أو شيء خلفه ما يثبت عنه شيء على ما قال الإمام مالك.
يقول: إن المذعور لا يلزمه بيع ولا إقرار ولا غيره.
استقبلته زوجته فقالت: أريد الطلاق، فقال: طالق، أريد كذا. هو لكِ. هذا لا يثبت له شيء. لماذا؟ لأن وعيَه غير تامّ، يعني: إذا كان الغضبان يصل إلى حد لا تثبت تصرفاته من طلاق وغيرِه، والمُكره أيضًا يصل إلى حدّ لا تلحقه الأحكام، فالمذعور من باب أولى.
فقال –صلى الله عليه وسلم-، فقال –عليه الصلاة والسلام- لخديجة –أم المؤمنين- وأخبرها الخبر، «لقد خشيت على نفسي»،

 وأخبرها الخبر. الواو هذه..
طالب:...............
يلفَّف نعم، يُلفَّف حتى يهدأ.
طالب:....................
كل هذه من أسباب التسكين وإزالة الخوف والفزع، لكن قد يقول قائل: إنه إذا جاء فزعًا يريد أن يُظهر ما في نفسِه؛ الآن وصل إلى المأمن، وأُغلق عليه الباب، يريد أن ينفس عما في نفسه ويخبر عما.... لا سيما أن بعض الناس لا يصبر على الخبر. بعض الناس لا يصبر على السر ولا على الخبر، فيريد أن يبث الخبر بسرعة، لكنه خبر دون خبر، هناك أخبار تترتب عليها آثار عظمى، مثل هذه لا تؤخذ من مثل هذا، أما الأخبار العادية، جاء فزعًا، ووجدنا حادثًا، وجدنا كذا... سهل، اللهم إلا إن أراد أن يقرر المصيب من المخطئ، أما كونه مجرد رأى كذا فأمره سهل، أما إذا أراد أن يقرر المصيب من المخطئ هنا يُقال له: انتظر.
فقال –صلى الله عليه وسلم- لخديجة –أم المؤمنين- وأخبرها الخبر.

الواو هذه واو الحال، الجملة حاليَّة تحتاج إلى "قد" أم ما تحتاج؟ هل تحتاج إلى إضمار مبتدأ أم ما تحتاج؟ عندنا الجملة الحاليَّة إن كانت مضارعًا لابد أن تحتوي على ضمير، وأن لا تقترن "بالواو".

حوت ضميرًا ومن الواو خلت

 

وذات بدءٍ بمضارع  ثبت

لكن قد تأتي "الواو" قبل المضارع، وحينئذٍ نحتاج إلى تقدير:

له المضارع اجـعلن مـسـنـدًا

 

وذات واو بعدها انو مبتدأ

هذا بالنسبة لجملة المضارع، لكن جملة الماضي ما تحتاج إلى شيء منها والواو: واو الحال، والجملة حالية.

«لقد خشيت على نفسي»، هذه الخشية فيها كلام كثير لأهل العلم، يحتاج إلى وقت، ولعلنا نرجئها.
يقول: أيهما أفضل صيام التاسع والعاشر –يعني فقط- أو: التاسع والعاشر والحادي عشر؟
ابن القيم –رحمه الله- جعل صيام هذه الأيام على ثلاث مراتب:
الأولى: صيام ثلاثة أيام.
الثاني: صيام يومين، لا سيما التاسع مع العاشر.
والثالث: صيام عاشوراء وحده.
والنبي –عليه الصلاة والسلام- يقول:« لئن بقيت إلى قابل لأصومنَّ التاسع»، لا وحده كما فهم بعض الناس، ويذكر عن ابن عباس..
 أن ينقل الصيام من العاشر إلى التاسع، لا، مع العاشر من أجل المخالفة وقال –عليه الصلاة والسلام-: «صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده»، وابن القيم استروح إلى أن الجمع أحوط وأكثر أجرًا وفيه زيادة صيام يوم، فهو أفضل من هذه الحيثية، لكن قوله –عليه الصلاة والسلام- وما يختاره لنفسه لا شك أنه أفضل وأكمل، فإن حصل-بيقين- صيام التاسع والعاشر فهو أكمل الصور.
نعم.
طالب:...............
إلَّا بلى، لكن الرسول: «لأصومنَّ التاسع»، خلاص اختار لنفسه هذا، يعني: إذا كان تتم المخالفة بالتاسع والحادي عشر فالتاسع أفضل؛ لأنه اختاره لنفسه –عليه الصلاة والسلام-.
يقول: ما رأيكم في دعوة القرضاوي لصلاة الغائب على القتلى الفلسطينيين بعد صلاة الجمعة؟ ليسوا شهداء معركة، فلا يُصلى عليهم، ثم لو كانوا ممن يصلَّى عليهم أليسوا في وسط مسلمين يصلون عليهم؟
أولاً: منهم من قُتِل في بيته، هذا يُرجى له خير عظيم –إن شاء الله-، لكن ثبوت الشهادة لمثله فيه نظر.
فيُصلى عليه، ولكن هل يصلى عليهم صلاة الغائب؟ الخلاف المعروف بين أهل العلم في حكم الصلاة على الغائب.
هذا السؤال يعني تكرر عند بعض الناس يقول: إن ما حدث في غزة –ينقل عن- إنما ما حدث في غزة إنما السبب فيه حماس؛ لأنها أثارت اسرائيل.
على كل حال ظرف مهم، ما يحتمل مثل هذا الكلام، مساعدتهم والتخفيف عنهم واجب على كل مسلم قادر، بغض النظر عن الأسباب والدوافع والموانع وغيرها.
يعني: لو حصل عندنا فيضان مثلا –لا سمح الله- أو جدب، وطلبنا استجداءً من المسلمين، قال: مما كسبت أيديكم؟! مرة السودان عندهم فيضان وأتلف كثيرًا من زروعهم، وخطب خطيب الجمعة وحث على التبرعات وقال: إن هذا سببه الذنوب والمخالفات وعندهم وعندهم وعندهم . طيب: هل هذا كلام يناسب وأن تطلب لهم مساعدة!
قام واحد بعد الصلاة، طبعًا هو يقول خطبة مضمونها أنكم لا تساعدونهم، فالظروف يعني قبل حصول الأمر قل ما شئت من ذكر الأسباب وخوف وحذر وأنذر وشدد، وهذا هو الحاصل وهو الواقع، لكن حصل ما حصل، يتركون ويسلمون للعدو؟ هذا الكلام ليس بصحيح.
يقول: ذكرتم أنه قد ترتفع العلة ويبقى الحكم، ولعل الأدق من ذلك هو: ارتفاع السبب؛ لأن الحكم تدور العلة معه وجودًا وعدمًا والأمثلة المذكورة تدل على ذلك.
الآن العلة والحِكمة والسبب، ما بينهما من اتفاق وافتراق؟ نعم، طيب. والسبب: الباعث.
طالب:..........
نعم السبب من حيث التوسُّع كلها يدخل بعضها في بعض –من حيث التوسع في الإطلاق- يمكن أن يطلق بعضها على بعض، لكن إذا اجتمعت مثلاً، قيل: السبب والعلة والحكمة، تختص كل واحدة بما يوضحها، ويميزها عن غيرها.
طالب:.............
يعني هل نقول إن سبب الرمل في الطواف قول مشركين أو الحكمة؟ الحكمة في الغالب هي التي تنشأ عن الفعل.
طالب:..............
نعم؟
طالب: هذا كان يا الشيخ في عمرة الفتح النبي –عليه الصلاة والسلام- قدم في عمرة الوداع، رمل وزاد...
في حجة الوداع، زاد ما بين الركنين.
طالب:......................
أهل العلم عندما يتكلمون عن الرمل في الطواف، أنه قال: قالوا إنه شُرع لعلة، ارتفعت العلة، ومثله الخوف المؤثر في القصر.
والله أعلم.
وصلى الله على محمدٍ وعلى آله وصحبه.