شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الاعتكاف - 09

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الاعتكاف - 09
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
الثلاثاء, 4 رمضان, 1438 - 14:45

سماع الدرس


المقدم:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد.

فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا وسهلاً بكم مستمعينا الكِرام إلى لقاء جديد في هذا البرنامج شرح التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، في نسخته الرمضانية، حيث يتواصل الحديث وشرح الشيخ- حفظه الله- في كتاب الاعتكاف، وبادئ ذي بدء يُسعدني أن أُرحّب بمعالي الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخُضير- وفقه الله- عضو هيئة كبار العُلماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء، فمرحبًا بكم معالي الشيخ وأهلًا وسهلًا.

حياكم الله وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: وعنها- رضي الله عنها- قالت: وإن كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليُدخِل عليَّ رأسَه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفًا.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فراوية هذه الحديث، هي الراوية للحديث السابق أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر زوج النبي- صلى الله عليه وسلم-، مر ذكرها مرارًا- رضي الله تعالى عنها وأرضاها-، وهذا الحديث ترجم عليه الإمام البخاري –رحمه الله- بقوله: باب لا يدخل البيت إلا لحاجة.

قال ابن حجر: قوله: باب لا يدخل- أي يعني المعتكف- البيت إلا لحاجة، كأنه أطلق على وفق الحديث؛ لأن الحديث مطلق، وإن جاء في رواية مالك عند مسلم وغيره على ما سيأتي، إلا لحاجة الإنسان، وسيأتي الكلام على هذا، لكن الإمام البخاري أطلق على ما رواه هو، وأحيانًا يترجم بما يفيده من رواية غيره، ويذكر الرواية المطلقة مُخرّجًا لها، ويذكر القيد في الترجمة، وإن وردت في حديث ليس على شرطه.

يذكر القيد في الترجمة؛ لأنه ورد في حديث لم يخرجه؛ لأنه ليس على شرطه، ويخرج ما كان على شرطه، ومر بنا من هذا النوع من التراجم جملة لا بأس بها.

يقول العيني: باب لا يدخل البيت إلا لحاجة، أي هذا باب يذكر فيه لا يدخل المعتكف البيت إلا لحاجة لابد منها، ومطابقة الحديث للترجمة في قوله: وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة، يعني مطابقة.

المقدم: تامة.

نعم، قوله: وإن كان رسول الله- صلى الله عليه وس-لم ليدخل علي رأسه، الواو هذه كأنها عاطفة على مقدر، وكأن هذا المذكور من الحديث مسبوق بكلام حذفه الإمام البخاري واختصره، ومنهجه ومذهبه جواز اختصار الحديث، والاختصار على بعضه، شريطة ألا يكون فهم المذكور متوقفًا على المحذوف، والاختصار قول جمهور أهل العلم، الاختصار على بعض الحديث بالشرط الذي تقدم، وعلة الجواز عندهم ظاهرة، الاقتصار على ما يحتاج إليه، وإذا جاز هذا في القرآن، فمن باب أولى أن يجوز في الحديث.

ومثّلنا لهذا الجواز في مناسبات سبقت بقوله- جل وعلا-: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58] فالذي تكلم عن الأمانة لا يلزمه أن يقول: وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، بينما الذي يتكلم بالعدل يقتصر على قوله: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}، ولا يلزمه أن يذكر الجملة السابقة، ولا ما يلي هذه الجملة من تتمة للآية.

وعلى كل حال جواز الاقتصار على بعض الحديث، هو مذهب جماهير أهل العلم، قوله: "وإن كان" عرفنا أن الواو عاطفة على مقدر محذوف، وإن كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول القسطلاني: (إن) هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشان، وفي ألفية ابن مالك مع شرح الأشموني وحاشية أبي عبد الله محمد بن علي بن سعيد التونسي المطبوعة في تونس سنة ألف ومائتين وتسعين، وهي من أندر الحواشي في هذا الفن، مطبوعة قديمًا في تونس، ولذا لا توجد أو لا تتداول بين طلاب العلم، إلا بندرة، بينما حاشية الصبان التي طُبعت مرارًا موجودة عند غالب من له عناية بعلم النحو والصرف.

في ألفية ابن مالك مع ما ذكر من الشرح، شرح الأشموني والحاشية.

المقدم: حاشية التونسي عفوًا يا شيخ ما طبعت.

لا، هي ما طبعت ولا صورت، إلا تصوير خاص، وعلى نطاق ضيق، في مجلدين صُوِّرت أخيرًا على نطاق ضيق، تصوير اجتهاد فردي.

يقول ابن مالك: وخُفّفت إن المكسورة، لكلام الشارح فقلّ العمل وخُفّفت إنّ فقل العمل، أيش يعني قلَّ العمل؟ يعني قلَّ نصبها لاسمها، يعني كما في قوله: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} [مريم: 63]،  ولو شددت "إن هذين لساحران" يعني تنصب المبتدأ، فقلّ العمل وكثر الإهمال؛ لزوال اختصاصها حينئذ، نحو: {وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} [يس: 32] وجاز إعمالها استصحابًا للأصل نحو: وإنْ كلًّا لما ليوفينهم.

قال ابن مالك: وتلزم اللام إذا ما تهمل..

وخففت إن فقل العمل

 

وتلزم اللام إذا ما تهمل

شوف الآن وإن كلًّا لما، أو لما على القراءات إن هذان لساحران، وتلزم اللام إذا ما تهمل، لتفرق بينها وبين إن النافية، ولهذا تسمي اللام الفارقة، وقد عرفت أنها لا تلزم عند الإعمال؛ لعدم اللبس، يعني إذا نصبت ما بعدها، على قلة كما تقدم في كلام ابن مالك، فقل العمل إذا نصبت ما تلزم اللام، لماذا؟ لعدم اللبس بينها وبين إن النافية.

يقول الأشموني: تنبيه مذهب سيبويه أن هذه اللام هي لام الابتداء، وذهب الفارسي إلى أنها غيرها، اجتلبت للفرق، الآن التأكيد بأن المشددة، واللام التي يسمونها المزحلقة؛ لئلا يتوالي حرفان مؤكِدان يدخل حرف على حرف، فزحلقت للخبر، وإلا فالأصل للمبتدأ، نعم هذه اللام هي لام الابتداء عند سيبويه، وإن زُحلقت للخبر، وذهب الفارسي إلى أنها غيرها، اجتلبت للفرق.

قال الأشموني: ويظهر أثر الخلاف في نحو قوله- عليه السلام-، قد علمنا إن كنت لمؤمنًا، فعلى الأول يجب كسر إن، وعلى الثاني يجب فتحها، يعني إذا قلنا: إنها لام الابتداء، يجب كسر إن على مذهب سيبويه، وإذا قلنا غيرها كما يقول الفارسي يجب فتحها، وربما استغني عنها إن بدا يعني عن اللام إن بدا أي ظهر ما ناطق أراده معتمدًا، يعني معتمدًا، يعني إن بدا ما يريده الناطق معتمدًا على قرينة، يعني تُحذف هذه اللام يستغني عنها، إذا ما كان هناك لبس، إذا كانت هناك قرينة تدل عليها، إما لفظية كقوله: إن الحق لا يخفي على ذي بصيرة، هذه قرينة لفظية، هل يمكن أن تلتبس إن هذه المخففة من إنّ على إن النافية؟ لا يمكن؛ لأن وصفه بذي بصيرة، ولو قلنا: إن نافية قررنا أن الحق يخفي، إن الحق لا يخفي على ذي بصيرة، أو قرينة معنوية كقوله:

أنا ابن أبات الضيم من آل مالك             وإن مالك كانت كرام المعادن

أو كانت كرام المعادن.

هذا في الألفية وشرحها للأشموني، وفي حاشية التونسي: قوله: وإن كل لما جميع لدينا محضرون، قال في تفسير البيضاوي وإن مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة وما مزيدة للتوكيد، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة، لما بالتشديد فتكون بمعنى إلا، فتكون إن نافية.

المقدم: إذا شددت في لمّا.

تكون نافية، إذا كانت بمعنى إلا؛ لأن إن النافية تليها إلا في النفي والاستثناء، {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} [النساء: 159]، قوله: {وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ} [هود: 111] في تفسير البيضاوي، اللام الأولى لام القسم.

المقدم: هذا من كلام التونسي؟

نعم، اللام الأولى في لما أو لما على القراءتين لام القسم، والثانية للتوكيد، أو بالعكس، وما مزيدة بينهما للفصل وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة: لما بالتشديد، على أن أصله هو لَمن، فقلبت النون ميمًا للإدغام، فاجتمع ثلاث ميمات، فحُذفت أولاهن.

المقدم: ولعلنا نقف عند هذا الحد معالي الشيخ، أيها الإخوة المستمعون الكرام لم يتبقَّ من وقت البرنامج شيء، نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه جواد كريم، وشكر الله لمعالي الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير- وفقه الله- عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء، ما تفضل به، نلقاكم بإذن الله تعالى في لقاء مقبل.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.