شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الاعتكاف - 04

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الاعتكاف - 04
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
الثلاثاء, 4 رمضان, 1438 - 14:45

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله مُحمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد، فالسلام عليكم ورحمته وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم مستمعينا الكِرام إلى هذا اللقاء الجديد في شرح التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، أهلًا ومرحًبا بكم، ومرحبًا بمعالي الشيخ عبد الكريم بن عبد الله الخُضير- وفقهُ الله- عضو هيئة كبار العُلماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء، فمرحبًا بكم فضيلة الشيخ وأهلًا وسهلًا.

حياكم الله وبارك فيكم أيها الإخوة المستمعون.

المقدم: لا يزال الكلام موصولًا في حديث عائشة زوج النبي- صلى الله عليه وسلم، ورضي عنها– وفيه: «أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده».

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد،،

فالكلام على أحكام الحديث هنا نقل عن المدونة من فقه الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، قال: لا أرى أن يعتكف أقل من عشرة أيام، فإن نذر دونها لزمهُ، ما الذي يلزمه؟

المقدم: يلزمه ما نذر الأيام.. الاعتكاف طبعًا.

لا أرى أن يعتكف أقل من.

المقدم: لزمه العشرة الأيام يعني؟

هو الظاهر إذا كان الأقل لا يجزئ ولا يرى أن يعتكف هو، فإذا نذر أقل، يعني لو نذر صيامًا إلى الظهر مثلاً، ألا يلزمه أن يتم اليوم؟ وهذا الأقل عنده عشرة أيام، فإذا نذر ثلاثة، خمسة، فإنه يلزمه أن يعتكف عشرة أيام، وقالت طائفة: الاعتكاف بكل مسجد جائز، روي ذلك عن النخعي وأبي سلمة والشعبي وقول أبي حنيفة والثوري والشافعي وأحمد، وهو قول مالك في الموطأ.

وهو قول مالك في الموطأ، قال: لا أراه كره الاعتكاف بالمساجد التي لا يُجمّع فيها إلا كراهية أن يخرج المعتكفُ من مسجده الذي اعتكف فيه إلى الجمعة، فإن كان مسجدًا لا يُجمّع فيه، ولا يجب على صاحبه إتيان الجمعة في مسجد سواه، فلا أرى بأسًا بالاعتكاف فيه؛ لأن الله تعالى قال: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] فعم المساجد كلها، ولا يخص منها شيئًا.

يعني تصور مثل هذا معتكف لا تلزمه الجمعة، نعم مسافر مثلاً يجلس في بلد ثلاثة أيام مثلًا، فالجمعة لا تلزمه، فيجوز له أن يعتكف في مسجد غير جامع؛ لأنه لا يلزمه الخروج إلى الجمعة، في الموطأ قال: لا أُراه كره الاعتكاف في المساجد التي لا يُجمّع فيها، إلا كراهية أن يخرج المعتكف من مسجده الذي اعتكف فيه إلى الجمعة، فإن كان مسجد لا يجمّع فيه، ولا يجب على صاحبه إتيان الجمعة في مسجد سواه، فلا أرى بأسًا بالاعتكاف فيه؛ لأن الله تعالى قال: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } [البقرة: 187] فعم المساجد كلها، ولا يخص منها شيئًا.

تقدم التفريق بين رأي الشافعي ورأي الإمام مالك.

المقدم: أن هذا يشترط وذاك.

نعم، إن هذا يشترط أن يكون جامع، وذاك يستحب، وعرفنا السبب للتفريق بين القولين والعلة واحدة نعم، السبب في ذلك أن مالكًا نعم.. من كل مسجد إلا لمن تلزمه الجمعة، فاستحب له الشافعي في الجامع، وشرطه مالك؛ لأن الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة، ويجب بالشروع عند مالك، وهنا قال في الموطأ: لا أُراه كره الاعتكاف في المساجد التي لا يجمع فيها إلا كراهية أن يخرج المعتكف من مسجده الذي اعتكف فيه للجمعة، فإن كان مسجد لا يجمع فيه، ولا يجب على صاحبه إتيان الجمعة في مسجد سواه، فلا أرى بأسًا بالاعتكاف فيه.

وهنا لا يختلف قوله الثاني مع الأول نعم؛ لأنه في الأول محمولٌ على من تلزمه الجمعة، والمسجد ليس بجامع، وقوله الثاني محمول على من لا تلزمه الجمعة، فلا يترتب عليه خروج من معتكفه الذي يبطل بخروجه إلى الجمعة، والكراهية التي ذُكرت في الموطأ، هي كراهة محمولة على الكراهة التي للتحريم؛ ليتفق قولاه.

ونحوه قال الشافعي: المسجد الجامع أحب إليَّ، وإن اعتكف في غيره فمن الجمعة إلى الجمعة؛ لئلا يلزم على ذلك الخروج إلى صلاة الجمعة، والخروج إليها يقطع الاعتكاف.

وقال ابن الملقن في التوضيح: فرعٌ قد يتعين الجامع في صورة، وهي ما إذا نذر اعتكاف مدةٍ متتابعة، إذا ما نذر اعتكاف مدة متتابعة تتخللها جمعة، وهو من أهلها، فإن الخروج لها يقطع التتابع على الأصح، قاله القاضي حسين.

 يتعين الجامع في صورة، وهي ما إذا نذر اعتكاف مدة متتابعة تتخللها جمعة، نذر اعتكاف عشرة أيام وفيها جمعة، ونذر أن تكون هذه الأيام متتابعة، إن خرج إلى الجمعة انقطع التتابع؛ لأنه يشترط أن تكون متتابعة، وإن ترك الجمعة وإما تلزمه فقد ارتكب جرمًا عظيمًا نعم؛ لأن ترك الجمعة من أجل الاعتكاف لا يفعله من لديه أدنى حق دون فقه؛ لأن ترك الجمعة من عظائم الأمور؛ «من ترك ثلاث جمع متواليات طبع الله على قلبه»، وباب أهل العلم يقولون: ترك الجمعة من تيسير العُسرى، المشار إليه في سورة الليل:  {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 5-9].

  فالذي يترك الجمعة، الذي يغلب على الظن أنه مكذب، ولذلك قالوا إنه من باب تيسير العسرى، الخروج إذا نذر تتابعًا أو وجب عليه بالشرع، شيء متتابع ثم حصل له عذر، يستأنف أم ما يستأنف؟ الأصل في صيام رمضان أنه متتابع، لكن هناك أعذارًا تخل بهذا التتابع فتبيح الفطر، طيب لو وجب عليه صيام شهرين متتابعين، فقطعه من غير عذر يستأنف، لكن من عذر مثله مثل رمضان.

هذا لو صلاة الجمعة هل تحتاج إلى استثناء أثناء النذر؟ أو هي مستثناه شرعًا؟  كما يقال في الأجير: لو استأجر شخص أجيرًا ليعمل له عشر ساعات مثلًا، وخلال هذه الساعات العشر يتخللها صلاة الظهر والعصر مثلًا، نقول: هذا مستثني شرعًا، ليس للمؤجر أو المُستأجر أن يجبر الأجير على العمل في الأوقات المستثناة شرعًا.

المقدم: وعليه فلو قطعها بالجمعة، فإنه لم يخل بالتتابع.

كونه نذر عشرة أيام، وهو على ذكر من صلاة الجمعة، لا شك أنه أساء، اشترط التتابع، لكن إذا نذر اعتكاف عشرة أيام متتابعة، وعزفت الجمعة عن باله، فإن الجمعة مستثناة شرعًا.

يقول ابن الملقن: فرعٌ يصح- يعني الاعتكاف- في سطح المسجد ورحبته، انتهي من التوضيح، يصح في سطح المسجد ورحبته. وفي الإنصاف وهو من كتب الحنابلة الخاصة، أيش معنى خاصة؟ يعني لا تتعرض للمذاهب الأخرى، بل هو جامعٌ لروايات المذهب متخصصٌ فيها.

يقول: اعلم أن المعتكف لا يخلو إما أن يأتي عليه في مدة اعتكافه فعلُ صلاةٍ، وهو من تلزمه الصلاة أو لا،  فإن لم يأتِ عليه في مدة اعتكافه فعل صلاة، فهذا يصح اعتكافه في كل مسجد؛ سواءٌ جُمِّع فيه أو لا، يعتكف مثلاً من طلوع الشمس إلى زوالها ست ساعات يصح أنه اعتكف؛ لأنه ملازم عندما لا يشترط الصلاة، خلاف الذي تقدم في أقله.

يصح أنه معتكف ولازم المسجد هذه المدة، لكن لا يمر عليه صلاة، لو اعتكف هذه المدة من طلوع الشمس إلى زوالها في مسجد لا تقام فيه الجماعة، كمسجد نمرة أو أي مسجد من المساجد التي هي للمواسم فقط، قال: اعلم أن المعتكف لا يخلو إما أن يأتي عليه مدة اعتكافه فعل صلاة، وهو ممن تلزمه الصلاة أو لا، فإن لم يأتِ عليه في مدة اعتكاف فعل صلاة، فهذا يصح اعتكافه في كل مسجد، سواء جُمّع فيه أو لا.

لكن مسجد استُغني عنه بمسجد آخر، وتعطلت منافعه وقائم ينتظر فيه الهدم، والصلاة تُقام في المسجد الجديد نعم، هل نقول: إن هذا مازالت أحكام المسجد له؟ أو أنه بالعدول عنه وتعطل منافعه انتقل من كونه مسجدًا إلى مكان عادي؟  يصح الاعتكاف فيه أم ما يصح؟ باعتباره قائمًا ومحوطًا بجدرانه، وله محرابه ومأذنته، من رآه قال مسجد.

المقدم: بالنظر قد ينقطع الاعتكاف بهدمه، الأمر بهدمه.

على كل حال المسألة تحتاج إلى مزيد بحث، وإن أتى عليه في مدة اعتكافه، فعل صلاة لم تصح إلا في مسجد، أو لم يصح إلا في مسجد جمعوا فيه؛ أي يصلي فيه الجماعة على الصحيح من المذهب في الصورتين، وعليه جماهير الأصحاب، وهذا مبنيٌ على وجوب صلاة الجماعة أو شرطيتها، أما إن قلنا إنها سنة فيصح في أي مسجد كان، قاله الأصحاب، على كل حال صلاة الجماعة معروفٌ حكمها، وأن من أهل العلم من اشترطها، وأنه لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، وله أنصاره.

والقول الثاني وهو الوجوب؛ وجوب صلاة الجماعة، وأنه يأثم بتركها وإن صحت منه منفردًا، والقول الثاني بالسنية وله من ينصره، لكن المرجح من خلال الأدلة، حديث ابن أم مكتوم وحديث الهم بالتحريق كلها تدل على وجوب صلاة الجماعة.

المقدم: إن أذنتم لنا نتوقف عند هذا الحد فضيلة الشيخ، حيث نصل إلى نهاية هذه الحلقة مستمعينا الكرام، ونتقدم في ختامها بالشكر الجزيل لمعالي الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير- وفقه الله- عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء، شكر الله له وجزاه عنا خيرًا، شكرًا لكم أنتم مستمعينا الكرام، نلقاكم بإذن الله تعالى في لقاء مقبل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.