شرح كتاب التوحيد - 50

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التوحيد - 50
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التوحيد
تاريخ النشر: 
السبت, 8 جمادى الآخر, 1439 - 10:15

سماع الدرس


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللمستمعين برحمتك يا أرحم الراحمين.

قال الإمام المجدد –رحمه الله تعالى-: "باب قول الله تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} [النحل:83] الآية، قال مجاهدٌ ما معناه: هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي.

وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان لم يكن كذا.

وقال ابن قتيبة: يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا.

وقال أبو العباس بعد حديث زيد بن خالدٍ الذي فيه: أن الله تعالى قال: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ» الحديث -وقد تقدم-، وهذا كثيرٌ في الكتاب والسُّنَّة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويُشرك به.

قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقًا، ونحو ذلك مما هو جارٍ على ألسنة كثير.

فيه مسائل:

الأولى: تفسير معرفة النعمة وإنكارها.

الثانية: معرفة أن هذا جارٍ على ألسنة كثير.

الثالثة: تسمية هذا الكلام إنكارًا للنعمة.

الرابعة: اجتماع الضدين في القلب".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد...

فيقول المؤلف –رحمه الله تعالى-: "باب قول الله تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} [النحل:83] الآية" نِعم الله –-جلَّ وعلا- لا تُعد كما قال –-جلَّ وعلا-: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا} [النحل:18] ونِعمة مفرد مضاف فيعُم، فلا يقول أحد، أو لا يتخيل أحد أن النِّعمة هنا نعمة واحدة؛ لأنه مفرد مضاف، فيعُم جميع النِّعم؛ ولذا قال: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ} [النحل:18] ما قال: وإن تعدوا نِعم الله.

{لاَ تُحْصُوهَا} [النحل:18] النِّعمة الواحدة تُحصى أم ما تُحصى؟ النِّعمة الواحدة؟

طالب:.......

نعم.

تُحصى النِّعمة الواحدة، لمَ ما تُحصى؟ نعمة البصر ما تُحصى؟ نعمة واحدة محصية، لكن نِعمة الله التي اكتسبت العموم والتعميم من الإضافة مفرد مضاف {لاَ تُحْصُوهَا} [النحل:18].

{وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا} [النحل:18] نِعم، الإنسان يتقلب بنِعم الله منذ أن يولد إلى أن يموت، ونِعم متعددة ومتنوعة، ولا يسلم مخلوق من نِعمة أنعم الله على جميع خلقه.

فقد يقول قائل: هذا المريض الذي مِن وُلِد وهو مُعاق على فراشه هل هذا في نِعمة أو في بؤسٍ وشقاء؟ في نِعمة، يخفى عليه من النِّعم ما يُغطيه هذا الشقاء الجزئي الذي هو فيه؛ ولذا جاء في الحديث «انْظُر إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْك أدنى منك»، أنت مريض، أنت فقير، لكن يوجد من هو أشد منك مرضًا، وأشد فقرًا، ولو لم يكن عندك من نِعم الله إلا أن هداك الله لهذا الدين وهو أعظم النِّعم، وأعظم المِنن الإلهية على المسلم.

 هب أن شخصًا من أغنى الأثرياء، أو أغناهم على الإطلاق، ثم بعد ذلك هو كافر، ما الذي عنده من النِّعم؟ لا شيء؛ لأن هذا الغناء، وهذا الثراء مع الكفر شقاء، وهذا الشخص الذي أغناه الله، وبخل بما أوجب الله عليه، هذا منعمٌ عليه أم مُمتحن بهذا المال ومعذبٌ عليه.

الكلام في النِّعم واستخدام هذه النِّعم، وشكر هذه النِّعم التي من أولها التحدث بها ظاهرًا تعدد نِعم الله عليك ما تستطيع أن تذكرها.

والإنسان يذكر هذه النِّعمة إذا رأى من اتصف بضدها، فالسليم يشكر الله على العافية إذا رأى السقيم، والذي حالته في كفاف أو فوق الكفاف يذكر هذه النِّعمة إذا رأى من يتكفف الناس أو يحتاج شيئًا من الأمور الضرورية ولا يستطيع أن يحصل عليها. على الإنسان أن ينظر إلى من هو دونه، وجاء في الحديث الصحيح: «انْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَكَ، فَإِنَّهُ أَحرى أَنْ لا تَزْدَرِيَ نِعْمَةَ اللَّهِ عليك» الأمراض تتفاوت بعضها أقل خطرًا، وبعضها أقل ألمًا إلى آخره، فالذي ينام وهو مريض أفضل من المريض الذي لا ينام، المريض الذي يهجع ويهدأ مرضه ووجعه أفضل من الذي لا يرقأ ألمه ولا وجعه.

على كل حال هذه الأمور أمور الدنيا كلها التي يتقلب بها الناس من النِّعم وضدها هي بالنسبة للمسلم كلها نِعم، «عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ فشَكَرَ كان خَيرًا لهُ، وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ فصَبرَ كان خَيرًا لهُ» فالضراء إذا صبر عليها صارت نِعمة، والسَّراء إذا شكرها كانت نعمة، والعكس بالعكس، السَّراء إذا لم يشكرها نِقمة، تكون نِقمة بالنسبة له، والضراء إذا لم يصبر عليها كذلك.

يتحدث بها ظاهرًا، بعض الناس مجبول على التَّشكي، وأنا وأنا وأنا تعيس، وأنا ما رأيت خيرًا قط، وتذكره بمن هو أشد مه بؤسًا، فيرد عليك أنت لو تُحس بما أُحس به ما قلت هذا الكلام.

مريض شيخ كبير وقلق وما فيه مرضٍ بيِّن بعد، يتشكى ويقول: إنه مريض، قيل له: تذكر أيوب -عليه الصلاة والسلام-، قال: ماذا أصاب أيوب؟ يقول: ما أدري عنه شيئًا؛ لأنه ما يحس إلا في واقعه، وهو في غفلةٍ تامة عن أن ينظر إلى من هو دونه.

العلاج الشرعي انظر إلى من هو دونك يذهب عنك كل إحساس بالبؤس، تتحدث بهذه النِّعم ظاهرًا، وتعترف بها باطنًا، وتشكر الله عليها بأن تصرفها فيما يُرضيه، بأن تصرف هذه النِّعم فيما يُرضيه، وحينئذٍ تكون شكرت.

"{يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} [النحل:83] الآية" في نُسخةٍ {وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُون} [النحل:83] وما فيها الآية، لماذا؟ لأنه لا يحتاج إذا أُكمِلت الآية ما يحتاج أن يُقال: الآية؛ لأن معنى الآية -وهي في محل نصب الآيةَ- يعني أكمل الآيةَ أو الحديث يعني أكمل الحديث.

النِّعم هي ما يُنتفع به، وضدها إذا صُبِر عليها يعني مما يتضرر به تنقلب نعمة.

{ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} [النحل:83] الإنكار يندر أن يوجد إنسان يقول: ينسب النِّعم إلى غير الله بالتحديد، إذا قيل له: من الذي خلقك؟ ماذا سيقول؟ الله، من الذي رزقك؟ الرازق هو الله، كثير من المسلمين يعترف بهذا، بل كل المسلمين يعترفون، لكن الإنكار في أوقات الغفلة وفي المضايق إذا مرض واشرأبت نفسه إلى العلاج، وذُهِب به إلى المصحات نسب الشفاء أو خفة الألم إلى السبب وهو الطبيب أو العلاج لولا فلان لمت مثلاً، أو لولا العلاج الفلاني ويدعو للطبيب الذي أدركه وأنقذه من الموت؛ لأنه صرف له العلاج المناسب، هذا من كُفر النِّعم.

ومن إنكار النِّعم بعد أن عرف أن الله هو المحيي المميت الرازق ينسب هذه الأمور إلى سببها، شخص تُصُدِّق عليه بمال ينسب هذا الرزق الذي جاءه إلى المتصدق، ما يقول: رزقني فلان، لكن لا يستحضر أن المعطي والمانع هو الله –-جلَّ وعلا-، وفلان هو مجرد سبب، وليس هو المعطي الحقيقي، والمال الذي بيد فلان هو مال الله {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور:33] فهذا مجرد سبب، مجرد آلة سخره الله –-جلَّ وعلا- أن يُعطيك، والأمر بيده لو شاء لصرفه عنك ولأعطى غيرك ومنعك، وكل هذا بيد الله –-جلَّ وعلا- والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن.

والموظف ينسب الترقية إلى المدير، وينسب التعيين إلى الوزير، وينسب كذا فلان أعطاني، وفلان عينني، وفلان رقاني، ولولا الفلان ما وصلت إلى هذه المرتبة، كل هذا من نِسبة النِّعم إلى الأسباب، السبب لا شك أنه مُحسن حينما سخره الله –-جلَّ وعلا- أن يُعطي هذا المحتاج، هو في الحقيقة مُحسنٌ عليه؛ ولذلك ينبغي أن يُكافأ ولو بالدعاء «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا» فالمعروف نِعمة، والذي فعله صانعٌ له ينبغي أن يُكافأ «فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ» فهو صنع معروفًا، ولكن الصانع الحقيقي المعطي الواهب حقيقةً هو الله –-جلَّ وعلا- وهذا سبب، فقد يُنسب الشيء إلى سببه، لكن مع الاعتراف بأن المُنعم الحقيقي هو الله- جلَّ وعلا-، وكثيرٌ من عامة الناس تغيب عنه هذه الحقائق، وينسب هذه الأفعال إلى أسبابها، هذا ما فيه أدنى إشكال، وسيأتي العطف بالواو وثم، ثم يأتي به، يأتي في الباب الذي يليه.

"قال مجاهد".

طالب:........

لا، هو إذا كان معترفًا بها في قلبه عدا ما نُص عليه لولا فلان، ولولا كذا أو لولا الله وفلان هذا شِرك كما سيأتي، لكن لو تقول: أعطاني فلان حقيقة أم مجاز؟ حقيقة، لكن مع اعترافك في قرارة نفسك أن المعطي الحقيقي والمانع هو الله -جلَّ وعلا-.

"قال مجاهد" وهو الإمام المُفسِّر مُجاهد بن جبر الذي عرض التفسير على ابن عباس من أوله إلى آخره "ما معناه" في بعض النُّسخ "معناه".

"قال مجاهد معناه" إذا قال مجاهد: معناهُ،  تكون من قول مجاهد، ومعنى السياق معنى هذه الآية هو قول الرجل، فيكون التفسير بالمثال.

وإذا قال: "قال مجاهد ما معناه" المؤلف أو من فوقه ممن نقل عنه لم يضبط لفظ مجاهد، وجاء بمعنى قول مجاهد.

فإذا قال: "قال مجاهد: معناه" معنى الكلام المتقدم كذا كما في بعض النُّسخ، نعم.

طالب:........

ماذا؟

طالب:........

إذا قال: ما معناه، "قال مجاهد ما معناه: وهو قول الرجل".

طالب:........

لا، إذا قال: "ما معناه" يعني أنت إذا أردت أن تُورِد حديثًا أو أثرًا وأنت لا تضبط لفظه، قلت: ما معناه، تقول: ما معناه، ويرد في الكتب كتب السُّنَّة: حدَّثنا فلانٌ وفلانٌ المعنى يعني بالمعنى، ويقولون كثيرًا: حدَّثنا فلان وفلان، واللفظ لفلان لأحدهما، والثاني ماذا له إذا كان اللفظ لفلان له ماذا؟ المعنى، إذا كان اللفظ لواحد فالثاني ماذا له؟ له المعنى.

فإذا قال: "قال مجاهد ما معناه:" المتحدث الناقل عن مجاهد ينقل معنى ما قاله مجاهد، ولم ينقل لفظه، وإذا قال مجاهد -في بعض النُّسخ- "قال مجاهدٌ: معناه" يعني معنى الآية كذا.

"هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي" قد يقول: كابرًا عن كابر كما قال الثلاثة، كما قال: الأقرع، والأبرص هذا مالي ورثته عنى آبائي كابرًا عن كابر، فكونه يرث هذا المال عن آبائه هذا أشد في الإنعام، كون الله -جلَّ وعلا- أنعم عليك بهذا السبب الذي هو شرعه وهو الإرث، إضافةً إلى كونه أنعم على آبائك من قبل فهذه نِعم مُضاعفة، لو كان أبوه عاش في الشقاء والفقر المدقع، ثم أنعم الله عليه هو فهذا أفضل ولا كونه يعيش في نِعمٍ متوارثة عن أبيه وجده كلهم عاشوا في نِعم الله التي أنعم الله بها عليهم هذا أشد في الإنعام.

يقول: "هذا مالي ورثته عن آبائي" فنسب هذا المال إلى السبب، قد يكون السبب الذي جمع المال آباؤه وورثه عنهم.

"وقال عون بن عبد الله" ابن عتبة بن مسعود الهُذلي "يقولون: لولا فلان لم يكن كذا" افترض أن شخصًا أشرف على الهلاك في غرقٍ أو حرق، ثم جاء شخص حصل التماس كهربائي، وحصل اشتعال نار، ثم جاء واحد وأطفأ الطبلون أو وقع في حفرة أو في بئر، ثم أنقذه، المنقذ في الحقيقة هو الله الذي سخر لك هذا الرجل، وما الرجل إلا سبب في إنقاذك، والمنقذ الحقيقي هو الله تعالى.

وإضافة النِّعم إلى الأسباب لا شك أنه قدح في الربوبية.

طالب:........

لا، على حسب ما يقر في قلبه، لو يرى أنه هذا؛ لأن الاسباب يختلف فيها الطوائف، فمنهم من يجعل الأسباب مؤثرة بذاتها كالمعتزلة، ومنهم من لا يرى لها أثر بالكلية كأنها غير موجود ما فيه فرق عنده لبست فروة أو اغتسلت بماءٍ بارد في الشتاء وخرجت إلى... وصعدت السطح ما فيه فرق، أسباب ولا أثر لها.

فالأول قدحٌ في الشرع، والثاني قدح في العقل، فيه أحد يقول: ما فيه فرق في الحِس، ما فيه فرق تجلس عند النار ولا تجلس في نهر ولا بحر، وهم يقولون: ما فيه فرق، الثاني أشعرية تدري أنهم يقولون: يجوز أن يرى أعمى الصين بقة الأندلس، الصين أين، والأندلس أين؟ هذا أقصى المشرق، وذاك أقصى المغرب؛ لأن البصر سبب، والإبصار يقع عنده لا به عندهم، يقع عنده يعني عند وجوده يقع الإبصار وإلا لا يقع به، فوجوده مثل عدمه.

طالب:........

لا، ما يتعلق بالاعتقاد أعظم؛ ولذا جاء عن ابن مسعود: لئن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا، الحلف بغير الله كاذبًا قد يكون يمين غموس، والثاني الحلف بغيره صادقًا شِرك، فالشِّرك وإن كان أصغر أعظم من كبائر الذنوب؛ ولذلكم يدخل في عموم {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} [النساء:48].

طالب:........

ماذا؟

طالب:........

هو إذا كان يرى أنه حلف به؛ لأنه في تعظيمه مساوٍ لله –-جلَّ وعلا- هذا أكبر بلا شك.

طالب:........

هو في الأصل ما حلف به إلا لأنه يُعظمه.

طالب:........

نعم.

طالب:........

انظر بقية الآثار تُبين لك ويأتي الحديث الذي يليه مُتممًا {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُون} [البقرة:22] وفيه الأثر الذي سيأتي، وأثرٌ في الباب الذي يليه متقاربان جدًّا.

انظر عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهُذلي "يقولون: لولا فلانٌ لم يكن كذا" هذا الذي حصل من النِّعم أو من دفع النِّقم نُسب إلى السبب لا إلى المُنعم الحقيقي "لولا فلان" لولا أن السائق ماهر انقلبت السيارة.

طالب:........

ماذا فيه؟

طالب:........

نعم.

طالب:........

قد يكون اعترف به سابقًا وفي حال مشادة أو مشاحنة أو كذا قال هذا الكلام.

طالب:........

على حسب الخطأ بعضها من الشِّرك الأكبر، وبعضها من الشِّرك الأصغر، وعلى كل حال الشِّرك الأصغر أعظم من الذنوب كلها حتى الكبائر.

طالب:........

على حسب ما يقر في قلبه؛ لأن الإنسان قد ينسب وتأتي النسبة إلى السبب حقيقة وليست بمجاز، ولا تقدح؛ لأنه معترف في حقيقة أمره أن المُنعم هو الله، لكن هذا أخذ المال من خزينته وأعطاك، ولكن لا بُد أن تستحضر أن المعطي والمانع هو الله –-جلَّ وعلا- وهذا سبب.

طالب:........

مثل ما تقول: أعطاني فلان، أعطاني فلان هذا الكتاب، والمعطي هو الله تُلام إذا قلت مثل هذا، وأنت تعرف أن المعطي الحقيقي...ما فيه أدنى شيء.

طالب:........

ولا يُكره، تقول: أعطاني هذا الكتاب، بعض الناس يُبالغ فينسب إلى الله ما لا تجوز نسبته إليه من باب الاحتياط ذكروا أشياء ومن المبالغة قالوا: من الله، ثم فلان وهو شيء لا يجوز محرَّم مثلاً من الله ثم فلان، ونسبوا أشياء في حياتهم العادية من عامة وغيرهم  بعضهم يقول: جئت على الله ثم على الطائرة، قالوا أشياء أسخف من هذا، لكن الأمور تؤخذ بقدرها، يجب تنزيه الله –-جلَّ وعلا- عما لا يليق به، ويجب تعظيمه على الإطلاق، ويجب إثبات النِّعم ونسبتها إلى المُنعم الحقيقي وهو الله -جلَّ وعلا-.

طالب:........

نعم.

طالب:........

أما في ذمة الله فقد وردت، يعني في مسألة الإجارة مثلاً إجارة يعني «أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» أنا في ذمة الله، ثم في ذمة فلان؛ من أجل أن يحميه كذا.

طالب:........

نعم؛ لأنه من أجل الإجارة أجاره فلان فهُم في ذمة الله؛ لأنه هو المجير الحقيقي، ثم بإجارة فلان الذي يستطيع أن يمنع عنكم بإقدار الله –-جلَّ وعلا- له على هذه الحماية.

"وقال ابن قتيبة" عبد الله بن مسلم بن قتيبة الأديب مؤرخ له في غريب القرآن، وله في مُشكل القرآن، وله (عيون الأخبار) وله أيضًا (المعارف) له كُتب كثيرة.

"يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا".

طالب:........

عمومًا العاصي غير محبوب لله -جلَّ وعلا-.

طالب:........

لمعصيته لما ظهر منه لهذا الفعل {وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِين} [آل عمران:57] لا يُحب الفاسقين، لا يُحب كل من عصى، العاصي التائب محبوب بلا شك؛ لأنه تاب، هو لا يُحبه لهذا السبب، فإذا زال السبب رجعت المحبة.

"وقال ابن قتيبة: يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا" وهذا أسوأ ما ذُكِر في الباب بشفاعة ألهتهم أو شيوخهم، وقد ينسبون بعض المصايب إلى آلهتهم، يقولون: أنت أغضبت الآلهة أو الولي، فحصل لك كذا وهذا كثير في البلدان التي يُوجد فيها من يُزعم أنهم أولياء، فهذا من أسوأ ما يُذكر، وعاد هذا وضعه الشِّرك الأكبر واضح.

"وقال أبو العباس" ابن تيمية المشهور الإمام العلم "بعد حديث زيد بن خالدٍ الذي فيه: أن الله تعالى قال: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ» الحديث" «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِر، مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ هذا مُؤْمِنٌ بِى َكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَمَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فهذا كَافِرٌ بِى مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» وهذا واضح؛ لأنه نسب هذه النعمة التي هي المطر والغيث إلى غير الله -جلَّ وعلا-.

"الحديث وقد تقدم" في باب الاستسقاء بالأنواء.

 

 

 

قال شيخ الإسلام: "وهذا كثيرٌ في الكتاب والسُّنَّة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويُشرك به" إما لأنه أضاف النعمة صراحةً إلى ما هو سبب أو أضافها إلى ما ليس بسبب؛ لأن جعل الشيء الذي لم يجعله الله سببًا لا شرعيًّا ولا عُرفيًّا شِرك لو تقول: أجعل هذه الورقة أتقي بها شر الأشرار أو عيون الحُساد أو ما أشبه ذلك، وهي ليست بسببٍ شرعي ولا عادي عرفي هذا شِرك؛ لأنك نسبت الحماية إلى ما ليس بحامٍ حقيقةً، ولا بسببٍ للحماية.

الأسباب العادية ما يثبت بالتجربة مثلاً أن هذا ينفع بإذن الله.

طالب:........

تطرد.

طالب:........

لا أقول ما هو أوضح من ذلك: بعضهم يُشغِّل الراديو أو المسجل في البيت ليل نهار؛ ليطرد اللصوص مثلاً أو يطرد الجن، سيأتي في الباب الذي يليه قريبٌ من هذا إن شاء الله تعالى.

كتب كثيرة مملوكة لأهل العلم، ولهم عليها تعليقات تدل على تمكنهم من العلوم، ومع ذلك يكتبون أشياء على هذه الكتب هي من الشِّرك، تأتينا كتب من مشايخ كبار من مصر أو الشام أو تركيا أو المغرب لفظة يكتبونها لا نعرف معناها كأنها أعجمية "يا كيكبدج احفظ الورق" تأتي كثيرًا كثيرًا جدًّا في الكتب، ما معنى احفظ الورق؟ هو يحفظ الورق؟! يعتذر بعضهم عن هؤلاء بأنه قد يكون هذا المكتوب ترجمة لاسم الله –-جلَّ وعلا- والمراد يا الله احفظ الورق، لكن هل هذا الذي كتب هذا اللفظ يخفى عليه لفظ الجلالة؟ ما يعرف الله ليكتبه؟ وبعضهم يقول: أنه اسم شيطان، ولا يقول: اسم جني، احفظ الورق هذا شِرك، بل شِرك أكبر ومع الأسف أنه يُكتب بأقلام علماء.

كثير من البلدان فيها علماء قد يكونون في الحديث أو في الفقه أو في عقائدهم التي يسمونها علم الكلام متمكنين، لكن هم في توحيد العبادة عندهم خلل كبير، الطواف في القبور، ودعاء الأموات وغير ذلك موجود بكثرة عند المسلمين، وموجود في المصنَّفات، ومن قرأ في بعض كتب التاريخ والرحلات وجد فيها من هذا النوع أمثلة كثيرة جدًّا، وهذا الكتاب الذي بأيدينا الذي نفع الله به نفعًا عظيمًا في تحقيق التوحيد، وتنقيته وتصفيته من شوائب الشِّرك والبدع يُوجد لكل بابٍ من أبوابه أمثلة في الكتب المؤلفة يسميها العلماء، لكن ليس عندهم تحقيق في هذا الباب.

يقول ابن بطوطة: دخلت على الولي فلان، فجعل ينظر إلي، ولما أردت أن أقوم أعطاني جُبة، وأنا لست بحاجةٍ لها، لكن لما تركته ومشيت مسافة احتجتها، ثم بعد ذلك دخلت على وليٍّ ثانٍ، فقال لي: الجبة من فلان، قلت: نعم، فقال: أتعجب من كونه يعرف ما سيصير لك؟ قال: نعم، قال: هذا يُدبر الكون ويعجز عن حاجتك، ولا يعرف حاجتك، وهذا موجود في الكتب كثيرًا-نسأل الله العافية- هذا ليس بأمرٍ يسير، هذا خلل كبير في الاعتقاد، والذي يزعم أن مخلوقًا يُدبر الكون هذا شرك أكبر مُخرج من الملة.

قال –رحمه الله-: "قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبةً، والملاح حاذقًا" يعني وصولهم إلى غايتهم براحة نسبوه إلى الريح "كانت الريح طيبةً، والملاح حاذقًا" هؤلاء أسباب لهدوء الريح ما ماجت السفينة ولا غرقت، وكون الملاح حاذقًا؛ لأنه قد يكون الملاح مع هدوء الريح فيه شيء من الخفة والعجلة، وأنتم ترون مثل هذا في الطائرات قد تكون فيها رياح، وقد يكون فيها سكون وهدوء، ويختلف الوضع من هذا إلى هذا.

فهذه أسباب لا شك أنها أسباب، والمُسبب هو الله -جلَّ وعلا- ولهذه الأسباب آثار ما يُنكرها إلا من لا يرى للأسباب أي أثر، ومن ينسب إليها وأنها هي المؤثرة في هذا الهدوء أو في هذه النجاة هذا من الطرف المقابل.

وأهل السُّنَّة وسط بين الطائفتين، يعرفون أن للأسباب أثرًا، والمُسبب هو الله -جلَّ وعلا-، ولو شاء لسلب هذا السبب أثره؛ ولذا يدخل المريض ويُشخصه الطبيب تشخيصًا صحيحًا، ويُعطيه علاجًا مناسبًا ويُشفى بإذن الله، ثم يأتي شخص آخر على نفس الطبيب، وبنفس المرض أو أقل، ثم يُخطئ الطبيب في التشخيص، ويُعطيه علاجًا غير مناسب أو يُصيب الطبيب ويُعطيه العلاج المناسب، ثم بعد ذلك لا ينتفع به، فالأمور كلها بيد الله -جلَّ وعلا-.

ونحن نرى تعلق الناس بالأطباء، سواء كان بالنسبة لهم أو لأبنائهم إذا بات الولد أو البنت غالب الليل يبكي وما ترك لك فرصة تنام، وأنت تتحسر ويتقطع قلبك عليه، ثم ذهبت به إلى المستشفى، وأعطاه الطبيب شربة من شراب أو إبرة وسكن، ما يكون قلبك تجاه هذا الطبيب، ينبغي أن يكون معلقًا بالله -جلَّ وعلا- الشافي هو الله، لا إشكال في أن الطبيب سبب في كون هذا الابن هجد وسكت، لكن مع ذلك الشافي هو الله -جلَّ وعلا-.

المهم أنهم نسبوا النعمة إلى غير الله.

هي متفاوتة بعضها قد يكون سببًا شرعيًّا، وعاديًّا، ومع ذلك لا يجوز نسبة الأمر إليه وهو سبب، مع صدود القلب وانصرافه عن الله -جلَّ وعلا-. 

"كانت الريح طيبةً" في رحلة ابن جبير يقول: ركبنا من سواحل الشام إلى الأندلس، والأمواج هائجة، والرياح كذا، وستة أشهر ما وصلنا، ثم جاءت ريح معاكسة في زمنٍ يسير رجعتنا إلى الشام، في هذا الظرف يعني الالتفات إلى السبب عند كثير من الناس حاضر ينسبون هذه الأمور إلى السبب، لكن الموفق من يعلق قلبه بالله –-جلَّ وعلا- فيرتاح قلبه، وتسلم له عقيدته، ويوفق في أعماله؛ لأنك إذا تعلقت بمخلوق تكدرت أحوالك، ليتي ما ذهبت هذه المستشفى، هذا المستشفى ضعيف، ليتني ذهبت لفلان....طيب إذا تمت خلاص تموت أو غيرك الذي معك يموت سواء أُعطي إبرة صوابًا ولا خطأً، المميت هو الله -جلَّ وعلا- ويبقى أن هذا سبب للنجاة أو للهلاك.

طالب:........

لا، لكن بعضها أظهر من بعض، ويبقى أن الأسباب الفضل أولاً وآخرًا لمسببها سواءً كانت أسبابًا ظاهرة أو أسبابًا خفية.    

"كقولهم: كانت الريح طيبةً، والملاح حاذقًا ونحو ذلك مما هو جارٍ على ألسنة كثير" سيأتي في الحديث الباب الثاني خبر ابن عباس وهو قال في الآية: {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُون} [البقرة:22] قال: الأنداد هو: الشِّرك أخفى من دبيب النمل على صفاةٍ سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله، وحياتك، وحياتك يا فلانة، وحياتي، وتقول: لولا كلبة فلان لأتانا اللصوص، كلبة فلان تنبح قريبًا من دارك، واستيقظت بسببها، استيقظت من النوم بسببها، فانتبهت، أو هاب اللصوص لما سمعوا كلبة فلان تنبح، هابوا أن يقدموا على ما أرادوا؛ لأنهم يجزمون أن الناس مستيقظون؛ بسبب هذا النُّباح، فهم لا يستحضرون أن الله-جلَّ وعلا- هو الذي وقاهم، وهو الذي جعل هذا السبب يُوجد فيحصل لهم ما يحصل.

ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، هذا فيه شبه مما تقدم؛ لأنها أسباب والمُسبب هو الله- جلَّ وعلا-.

قال –رحمه الله-: "فيه مسائل:

الأولى: تفسير معرفة النعمة وإنكارها" قد تقدم.

"الثانية: معرفة أن هذا جارٍ على ألسنة كثير" فإذا أردت أن تعرف المطابقة، فانظر إلى حالك وحال زوجتك عندما يُصاب طفل في أثناء الليل، ويجزع ويصرخ بأعلى صوته وأنت لست قادرًا أن تقدم له ولا تؤخر، فانظر إلى تعلقك بالله أو بالطبيب، الطبيب لا شك أنه سبب، لكن على المسلم أن تكون علاقته وتعلق قلبه بالله -جلَّ وعلا-. 

"الثالثة: تسمية هذا الكلام إنكارًا للنعمة" لأنه نسبها إلى السبب، ولم ينسبها إلى المُسبب المُنعم الحقيقي.

"الرابعة: اجتماع الضدين في القلب" لأن هذه ....

طالب:........

نعم.

طالب:........

قد يجتمع.

طالب:........

نعم، لكن هناك أمور من المضايق قد يجتمع فيها الضدان مثل: من مات ولده وضحك، هل يستطيع أحد أن يقول: ما حزن؟ أنت لا تفترض المسألة في ولدٍ مؤذٍ ومدمن يُهدد أمه وأخواته، والبيت يتمنون موته، لا تتصور المسألة في هذه، هذه المسألة عند المتقدمين أولادهم مثلهم في الغالب في عهد السلف، يُوجد أولاد يختلفون عن آبائهم، لكن كثيرًا بالمطابقة.

على كل حال هذا الذي أُصيب بفقد ولده، ثم ضحك، وهذا من المضائق؛ لأنه تصور أنه لا يُمكن أن تدمع عينه، ويحزن قلبه، ويرضى تمام الرضا بالمقدور، يبتسم، لماذا يبتسم؟ الرسول– عليه الصلاة والسلام- حزن ودمعت عينه، ومع ذلك هو سيد الصابرين، فهذا الذي ابتسم مذموم عند أهل العلم.

طالب:........

ماذا؟

طالب:........

لا يُنافيه؛ لأن المقصود بالرضا ألا تفعل ما نُهيت عنه.