شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب صلاة التراويح وفضل ليلة القدر (عام 1428 هـ) - 17

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب صلاة التراويح وفضل ليلة القدر (عام 1428 هـ) - 17
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
الثلاثاء, 4 رمضان, 1438 - 14:30

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أيها الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم إلى حلقة جديدة في شرح كتاب الصوم من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، مع مطلع هذه الحلقة نرحب بضيف البرنامج فضيلة الشيخ الدكتور: عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلًا ومرحبًا بكم.

حياكم الله وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين. 

المقدم: أحسن الله إليكم، أشرتم في الحلقة الماضية الاستشكال الوارد في قول عمر -رضي الله عنه-: نعمة البدعة، وذكرتم أقوال أهل العلم في هذه المسألة، لعلنا نحرر هذه القضية أحسن الله إليكم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فذكرنا في آخر الحلقة السابقة الإشكال الوارد على قول عمر -رضي الله عنه- مما أورده البخاري في هذا الباب في صلاة التراويح: نِعم البدعة هذه ، ذكرنا أن جمعًا من أهل العلم منهم العز بن عبد السلام وابن الأثير والنووي والقرافي وابن حجر.

المقدم: يقسمون.

يقسمون البدع، ويجعلون من البدع ما يُمدح، بل منها ما يجب، مما يأثم تاركه، ومنها ما يُندب فيثاب عليه ولو سُمي بدعة، الشاطبي -رحمه الله تعالى- لم يرتضِ هذا التقسيم، بل رده بقوة، ونسفه وقوّض دعائمه في كتاب الاعتصام، حيث يقول: هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي لا من نصوص الشرع ولا من قواعده، إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثمّ بدعة، ولو كان العمل داخلًا في عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها، فالجمع بين كون تلك بدعًا وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها- جمعٌ بين متنافيين، يعني جمع بين نقيضين، يعني الذم والمدح في آن واحد؛ لأن إطلاق اللفظ بكونها بدعة مذموم شرعًا «كل بدعة ضلالة».

المقدم: كيف تكون بدعة واجبة؟

نعم، هذا تناقض، ماذا عن قول عمر -رضي الله عنه-: نعم البدعة؟ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في (اقتضاء الصراط المستقيم) يقول: قول عمر -رضي الله عنه-: نعم البدعة محمولٌ على البدعة اللغوية، حيث قال في معرض رده التقسيم المذكور: أكثر ما في هذا تسمية عمر: تلك بدعة  مع حسنها، وهذه تسميةٌ لُغوية لا تسميةٌ شرعية، وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فُعل ابتداءً من غير مثال سابق، وأما البدعة الشرعية فما لم يدل عليه دليل شرعي. يعني كلام شيخ الإسلام لو أن عمر قال: نعم البدعة في أمر من أمور الدنيا، لم يُعمل على مثال سابق قلنا: بدعة لُغوية، لم يُعمل على مثال سابق في أمور الدنيا، ظاهر أم ليس بظاهر؟

المقدم: ظاهر، لكن...

يعني شيخ الإسلام يقول: بدعة لُغوية، وهو يقرر أن البدعة اللُغوية تعم كل ما فُعل ابتداءً من غير مثال سابق، لكن نقول: إنها بدعة لُغوية، إذا كانت في أمور الدنيا، يعني ما عُمل على مثال السابق، أما ما عُمل على غير مثال سابق في أمور الدين فبدعة شرعية، وما عُمل على مثال سابق في الدين ليس ببدعة، فقول شيخ الإسلام- رحمه الله- متعقّب، وإن كان كثير من شيوخنا يقرر هذا الكلام ويمشي؛ ثقة بشيخ الإسلام، وإذا قالت حذامي فصدقوها، وهو أهل لأن يُقتدى به وتبرأ الذمة بتقليده، لكن ينبغي لطالب العلم أن يحرر، وشيخ الإسلام كما رد على غيره بالإمكان أن يُرَد عليه، فليس بمعصوم، فقوله: وهذه تسمية لُغوية لا تسمية شرعية وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فُعل ابتداءً من غير مثال سابق، لكن ما فُعل ابتداءً من غير مثال سابق في أمر شرعي هذه بدعة لُغوية؟

المقدم: لا.

أم شرعية؟

المقدم: شرعية.

شرعية بلا شك، فالتراويح لو أوقفنا على هذا قلنا بدعة شرعية، لكنها ليست ببدعة لُغوية؛ لأنها في أمر شرعي، وأيضًا عُملت على مثال سابق.

المقدم: لكن ما يمكن أن يقال: إن شيخ الإسلام أراد اللفظة ذاتها وإن تُعقب في معنى ما أراد.

لو أردنا اللفظة ذاتها دخل فيها كلام من تقدم ومن قسم البدع، هم يقولون: نريد لفظًا، ما نريد حقيقة شرعية يُؤثم بها وتدخل في «كل بدعة ضلالة»، لا، يقول: وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فُعل ابتداءً من غير مثال سابق، وأما البدعة الشرعية فما لم يدل عليه دليل شرعي، يعني هل جمع الناس على إمام واحد من قبل عمر فُعل على مثال سابق أو لا؟

المقدم: بلى.

فأقول: حمل شيخ الإسلام البدعة في قول عمر إنما يتم أولًا لو كانت في أمر دنيوي، ولم تُعمل على المثال السابق أصلًا، فهي بدعة لُغوية، إذا لم تُعمل على مثال سابق أصلًا في أمر ديني بدعة شرعية، لكن ماذا عن صلاة التراويح؟ أقول: إنما يتم لو لم يصل الرسول -عليه الصلاة والسلام- صلاة التراويح قبل عمر، يعني لو لم يوجد قيام رمضان جماعة في المسجد، أو لو لم يصلها جماعة على أقل الأحوال، يعني صلاها وصلى الناس أوزاعًا، ثم جاء عمر فجمعهم نقول: الجمع هذا بدعة؛ لأنه لم يسبق له مثال سابق، لكنهم صلوا وراء النبي -عليه الصلاة والسلام- جماعة كما في حديث الباب، أو لو لم يصلها جماعة لكان فعل عمر لها على غير مثال سابق، وهذا حد البدعة، لكن أمير المؤمنين -رضي الله تعالى عنه- فعلها على مثال سابق، وهو فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- لها جماعة، وتَرَكها -عليه الصلاة والسلام- معللًا ذلك بخشية أن تُفرض، يعني ليس تركها نسخًا، إنما خشي أن تُفرض على أمته فلا يستطيعون، يشقّ عليهم، هذه العلة التي من أجلها تُرك، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، لما عُدمت هذه العلة رجع الحكم؛ لأنها علة منصوصة، يعني لو كانت علة مستنبطة، يعني من أهل العلم، قلنا ما يدور معها حكم.

المقدم: لكنها منصوصة.

لكنها منصوصة، علة منصوصة في الحقيقة خبر، وهذه التي يقول أهل العلم إن الحكم يدور معها وجودًا وعدمًا، ترك خشية أن تُفرض.

المقدم: لكن هذا خروج.

«ولكني خشيتُ أن تُفرض عليكم فتعجزوا» .

المقدم: أقول هذا خروج فقط لتصحيح فعل عمر لا لتصحيح لفظته، نحن نريد أن نصحح لفظته.

ما دام النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «فإنه لم يخفَ عليّ مكانكم، ولكني خشيت أن تُفرض عليكم فتعجزوا عنها» ، فتُوفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والأمر على ذلك، أبو بكر ما طالت خلافته، واستمر الأمر على ذلك، ولا يحب أن يُجاوِز أو يفعل عملًا لم يفعله النبي -عليه الصلاة والسلام-، هذا ما جُبل عليه أبو بكر- رضي الله عنه-، بخلاف ما جُبل عليه عمر -رضي الله عنه- من نظر إلى مقاصد الشريعة، وهذا منهج وهذا منهج، وهذا له أدلته وهذا له أدلته، يعني لو نظرنا في حديث: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلي العصر إلا في بني قُريظة» .

المقدم: صلوا وناس تأخروا.

بعض الناس صلوا في الوقت، وبعضهم تأخروا إلى أن وصلوا بعد خروج الوقت، هذا اجتهاد وهذا اجتهاد، فبعض الناس يقف عند النصوص ولا يتعداها، وبعضهم يُعمل العلل، ويُعمل القواعد العامة، ومن هذا فعل الشيخين -رضي الله عنهما-، الشاطبي في الاعتصام يقول في الجواب عن قول عمر: إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال، من حيث ترَكها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، واتفق أن لم تقع في زمان أبي بكر- رضي الله عنه-، لا أنها بدعة في المعنى، فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار فلا مُشاحة في الأسامي...

المقدم: ما الفرق بين كلامه وكلام شيخ الإسلام يا شيخُ؟

ما فيه فرق، ولا يحل الإشكال؛ لأن هؤلاء الذين قسموا، وقد رد عليهم الشاطبي بقوة يقول: نسميها ولا مُشاحة في الأسامي، يقول: إن ما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واتفق أن لم تقع في زمان أبي بكر -رضي الله عنه- لأنها بدعة في المعنى، فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار فلا مُشاحة في الأسامي، فلا هذا ولا هذا يحل الإشكال، يعني قد يقول قائل قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: «من سن في الإسلام سنة»  يعني في مقابل هذه البدعة، «من سن في الإسلام سنة» هل معنى هذا أنه يشرع شيئًا جديدًا يسمى سنة؟ أو أنه يعمل بأصل شرعي سابق متروك لعلة أو..

المقدم: أو اندثر.

أو مندثر منسي، لا شك أن السنة تحتاج إلى دليل، ولا تقوم السنة إلا بدليل، فلا يستقيم أن يُسن في الإسلام تشريع يُتعبد به لم يُسبق له شرعية من الكتاب والسنة، الجواب الذي عندي وهو الذي أرتضيه أنها من باب المشاكلة والمجانسة في التعبير فقط، مشاكلة، كيف؟ كأن قائلًا أو عمر -رضي الله عنه- توقع أن يقال له: ابتدعتَ يا عمر، فقال عمر على سبيل التنزّل والمشاكلة والمجانسة في التعبير: نعمت البدعة، وإلا فلا يريد حقيقة بدعة لا لُغوية ولا شرعية، كما في قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [سورة الشورى 40]،

وكما قال الشاعر:

قالوا اقترح شيئا نُجد لك طبخه

قلـت اطبخـوا لي جبة وقميصًا

المقدم: هذه لا تُطبخ.

هذا يريد أن يؤتى بقدر وتُحمى عليه النار وفيه الماء فتُجعل الجبة والقميص؟ لا، يعني قد يكون هذا نوعًا من أنواع الغسل، ويستعمل الآن في الماء الحار مثلًا لإزالة بعض الأشياء التي لا تزول بغيره إلا بالغلي، نعم ممكن، لكنه يريد أن يُخاط له جُبة وقميص، لكنه من باب المجانسة والمشاكلة.

قالوا اقترح شيئا نُجد لك طبخه

قلـت اطبخـوا لي جبة وقميصًا

والمشاكلة والمجانسة باب معروف في علم البديع من علوم البلاغة، فالسيئة الثانية {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [سورة الشورى 40]

السيئة الأولى ممدوحة ولا مذمومة؟

المقدم: مذمومة.

والسيئة الثانية؟

المقدم: ممدوحة.

نعم، وليست سيئة هي في حقيقتها حسنة، لكنها من باب المشاكلة والمجانسة قيل: سيئة مثلها، فالسيئة الثانية ليست بسيئة في الحقيقة؛ لأن معاقبة الجاني حسنة؛ للأمر به، لكنه سُمي سيئة للمجانسة في التعبير والمشاكلة، وكذلك الجُبة والقميص لا يمكن طبخهما، بل المتصور في حقهما الخياطة، فسمى الخياطة طبخًا للمشاكلة في التعبير، والله أعلم.

 المختصِر اقتصر من أحاديث الباب الستة على حديث واحد واختصره أيضًا. 

المقدم: حديث عائشة.

فقال: عن عائشة -رضي الله عنها-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد وصلى رجالٌ بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم فصلى فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فصلى بصلاته، فلما كان الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: «أما بعد، فإنه لم يخفَ عليّ مكانكم، ولكني خشيت أن تُفرض عليكم فتعجزوا عنها»، فتُوفي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والأمر على ذلك. يقول هذا الحديث تقدم في كتاب الصلاة، وبينهما مخالفة في اللفظ، وقال في آخر هذه الرواية: فأصبح.. إلى آخره، الحديث تقدم ورقمه في المختصر أربعمائة وخمسة عشر،

المقدم: في الأصل..

سبعمائة وتسع وعشرون من الأصل، وذكر الإمام البخاري بعد هذا الحديث حديث عائشة حديثها أيضًا من قولها: "ما كان يزيد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا.."  إلى آخره.

 أولًا: راوية الحديث على ما تقدم مرارًا أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديقة بنت الصديق، لا داعي لترجمتها مع أنها مرت مرارًا، والحديث الذي ذكره المختصِر تحت الترجمة التي ذكرها البخاري، الترجمة الصغرى الباب، باب: فضل من قام رمضان، قال ابن حجر: أي قام لياليه مصليًا.

المقدم: في الكتاب غير هذا ياشيخ؟ 

كيف.

المقدم: في كتاب...

ما فيه.

المقدم: كتاب كامل وباب واحد فقط، وهذا موجود عنده.

نعم، موجود بعض الأبواب تكون مختصرة جدًّا، ترجم ذلك، ولذلك هذه الترجمة ساقطة عند كثير كتاب صلاة التراويح، لا توجد عند أكثر الرواة على ما تقدم، موجودة عند المستملي وحده.

المقدم: أدخلوها في الصوم، في كتاب الصوم.

نعم في كتاب الصوم، فضل من قام رمضان، مناسبة قيام رمضان للصيام ظاهرة؛ لأن الكل في رمضان، الحديث ترجم عليه الإمام البخاري بقوله باب: فضل من قام رمضان، يقول ابن حجر: أي قام لياليه، والمراد من قيام الليالي ما كان أو ما يحصل به مطلق القيام كما قدمناه في التهجد سواء، وذكر النووي أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، يعني أنه يحصل بها المطلوب من القيام، لا أن قيام رمضان لا يكون إلا بها، وإن صلى، التسمية تسمية كما هو معروف حادثة، تسمية قيام رمضان بالتراويح لا شك أنها حادثة، الأمر الثاني أن العشر الأخيرة هل يقال: إن التهجد في آخر الليل ليس من قيام رمضان إذا خصصنا قيام رمضان بالتراويح؟

المقدم: لا، هو منه.

هل هو من التراويح؟ لأن النووي يقول: المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، هذا يستقيم؟

المقدم: هم كانوا يسمون صلاة آخر الليل تراويح أيضًا؟

لا.

المقدم: يسمى تهجدًا؟

تهجد، نعم.

المقدم: لكن فيها تراويح يحصل فيه الترويح ويجلسون.

على كل حال حمل الأحاديث أو حمل النصوص الشرعية على ألفاظ حادثة فيه ما فيه، يعني يوقع في أوهام؛  يقول: المراد بقيام رمضان صلاة التراويح يعني أنه يحصل بها المطلوب من القيام، نعم هي من القيام، لا أن قيام رمضان لا يكون إلا بها، يعني لو أن شخصًا صلى التراويح في المسجد، ثم ذهب إلى بيته فشرع يصلي أو نام ثم استيقظ من نومه وقام يصلي، هل نقول: إن هذا ليس من قيام رمضان لأنه ليس من التراويح؟ يعني حصر اللفظ الشرعي بهذه اللفظة لا شك أنه يوقع في إيهام، أغرب الكرماني فقال: اتفقوا على أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، وتعقبه العيني بقوله: ولكن الاتفاق من أين أخذه؟ بل المراد من قيام رمضان ما يحصل به مطلق القيام سواء أكان قليلًا أو كثيرًا، وهل القيام في رمضان خاص بالصلاة؟ يعني إذا قيل قيام الليل أو قيام رمضان أو قيام ليلة القدر، هل هو خاص بالصلاة، أو ما هو أعم من الصلاة من العبادة من صلاة وذكر وتلاوة؟

المقدم: اللفظ يظهر فيه الصلاة وهو النصوص الكثيرة عليها يا شيخ.

النصوص تدل على القيام للصلاة، لكن هل ينفى أن تكون قراءة القرآن منه؟

المقدم: من العبادة، لكنها ليست من القيام.

أصل القيام الاستيقاظ من النوم، هذا الأصل فيه، وقيام الليل في الطاعة ما يشمل الصلاة، استقلال القيام. 

المقدم: نرجع نفس الإشكالية، التي هي أخذ لفظ ونخرج له في الشرع.

هذا موجود على هدي النبي -عليه الصلاة والسلام-، لما كان يدارس القرآن في ليالي رمضان، هل نقول إن هذا ليس قيامًا؟

المقدم: بس ما كانوا يسمونه قيامًا، {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [سورة الذاريات 17]، {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [سورة الفرقان 64]، اللفظ الشرعي في القيام المراد به الصلاة.

لا ما يلزم، ولذلك قالوا: إن قيام ليلة القدر «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا»، لا يختص بالصلاة، بل ما يعم العبادة من صلاة وذكر وتلاوة، الكرماني مثل ما ذكرنا يقول: اتفقوا على أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، تعقّبه العيني بقوله: ولكن الاتفاق من أين أخذه؟ بل المراد من قيام الليل ما يحصل به مطلق القيام سواء كان قليلًا أو كثيرًا، مطلق القيام قليلًا كان أو كثيرًا، ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة؛ لأنه في قيام رمضان، والترجمة الكبرى التراويح من قيام رمضان، والحديث تقدم في كتاب الصلاة، ولن نستطرد في شرح ألفاظه، لكن الذي يهمنا هو فضل القيام، قيام الليل عمومًا، وعلى وجه الخصوص قيام رمضان، وهذا يأتي إن شاء الله تعالى ما جاء فيه من النصوص، مع كيفيته وما يتعلق به إن شاء الله تعالى.

المقدم: شيخ أحسن الله إليك في كتاب الصلاة الذي أشرتم إلى تقدمه، في حديث عائشة في اللفظ هناك قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي من الليل في حجرته وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهنا عندنا أنه -عليه الصلاة والسلام- خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد، وصلى رجالٌ بصلاته، مما يدل على أنه يعني هنا ظاهر أنهم ما رأوا شخصه، وإنما رأوه كاملًا -عليه الصلاة والسلام- وصلوا خلفه في المسجد.

هنا أشار المختصِر حينما أحال على ما تقدم في كتاب الصلاة، يقول: تقدم هذا الحديث في كتاب الصلاة وبينهما مخالفة في اللفظ.

المقدم: مع أن اللفظ عن عائشة.

نعم، يرد الحديث الواحد بألفاظ متعددة ،وكونه من صحابي واحد جعله حديثًا واحدًا وقال: ورد هذا الحديث الواحد المروي عن عائشة -رضي الله عنها- بأكثر من لفظ، فمرة قالت: إنه كان يصلي من الليل في حجرته وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص النبي -عليه الصلاة والسلام- فقام ناس بصلاته فأصبحوا.. فتحدثوا بذلك فقام الليلة الثانية فقام معه ناس صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاث، ثم في الليلة الرابعة لم يخرج. هنا قال: خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد، والظرفية في المسجد تقتضي أن شخصه في المسجد، لكن لا يمنع أن يكون في المسجد على سبيل التوسع في الكلام، أن ما دام الإمام يُرى وصلاته في مكان آخر غير المسجد لا سيما في النافلة التي يُتوسع فيها.

المقدم: لكن كان يسار الصفوف يا شيخ بيته -عليه الصلاة والسلام-.

لكن يرونه.

المقدم: وكيف يأتمون به.

الجدار قصير.

المقدم: إذا ما كانوا يصفون داخل المسجد، يعني إذا كان في حجرته مع ذلك أنهم صفوا خارج المسجد.

فرأى الناس شخص النبي -صلى الله عليه وسلم- فقام الناس يصلون بصلاته، هو ما فيه شك أن البيت كان خارج المسجد.

المقدم: نعم، وكانت حدود الصفوف إلى حدود الحجرة.

نعم.

المقدم: أو الحجرات، ما يدل على أنهم ما يقتدون به داخل المسجد.

لا بعد، لو أردت إشكالًا ثانيًا لقلت: إن الذي عن جهة الخلف لحجرة عائشة، بقية بيوته -عليه الصلاة والسلام.

المقدم: نعم الحجرات الأخرى.

نعم، لكن ما فيه ما يمنع أن يقتدوا به في المسجد وهو في بيته.

المقدم: يكون على يسارهم؟

يكون على يمينهم.

المقدم: هم على يمينه.

هم على يمينه. وهم مجموعة ويرون شخصه ويصلون بصلاته وما أنكر عليهم النبي -عليه الصلاة والسلام-، وهذه نافلة يُتوسع فيها أكثر من الفرض.

المقدم: جزاكم الله خيرًا وأحسن إليكم، أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة، الحلقة القادمة بإذن الله سنتحدث عن قيام الليل وما جاء فيها من أخبار وآثار، وأيضًا بعض المسائل المتعلقة بصلاة التراويح، شكر الله لضيفنا، شكرًا لكم أنتم على طيب المتابعة، نلقاكم بخير بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.