تعليق على البلبل في أصول الفقه (04)

عنوان الدرس: 
تعليق على البلبل في أصول الفقه (04)
عنوان السلسلة: 
البلبل في أصول الفقه
تاريخ النشر: 
الأربعاء, 9 شعبان, 1439 - 10:15

سماع الدرس

نعم.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المؤلف -رَحِمَهُ اللَّهُ وعفا عنه-: "وَبِالِاسْتِدْلَالِ: قِيلَ: احْتِرَازٌ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ- عَزَّ وَجَلَّ- وَرَسُولَيْهِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ اسْتِدْلَالِيًّا".

لأن علم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ضروري، ليس بناتجٍ عن بحث واستدلال ونظر، وأيضًا علم الرسول- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- ليس بناتج عن نظر، وإنما هو وحي، وكذلك علم جبريل- عَلَيْهِ السَّلامُ-، لكن من يقول بأن الرسول- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- له أن يجتهد؟

معروف أن المسألة واجتهاده- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- مسألة خلافية، فالذي يقول: ليس له أن يجتهد، يقول: جميع ما يصدر عنه وحي.

والذي يقول له أن يجتهد، يقول: له أن ينظر في الأدلة ويستنبط ويرجِّح، وقد يُقرّ على هذا الاجتهاد وقد يعاتب عليه، وقد حصل العتاب من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لنبيه في قصة أسرى بدر، دلَّ على أنه يجتهد.

فبالاستدلال يُخرج النبي أو لا يخرجه -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-؟

طالب: ...

على القول بأنه يجتهد. إذا قلنا: ليس له أن يجتهد، قلنا: علمه ضروري، فكل شيءٍ عنده بوحي. وإذا قلنا: أن له أن يجتهد ففي علمه ما هو استدلالي، لكن لا شك أن الحكم للغالب، وكونه اجتهد في مسألة أو في مسائل أو مسائل كثيرة أُقر عليها حتى صارت ضرورية وعوتب في شيءٍ يسير منها مثل هذا الشيء لا يعني أنه يكون علمه نظريًّا يحتاج لنظر واستدلال، ولا يكون علمه ضروريًّا، بل علمه ضروري بلا شك لأن العلم الضروري والعلم النظري، الضروري لا يحتاج إلى نظر واستدلال، بل يصدر حكمه- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- ابتداءً من غير نظر وله ذلك، فإنه مُشرِّع وأمرنا بطاعته والاقتداء به، وكما أنه يصدر الأحكام مما يوحى إليه من قبل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

أما علم جبريل فلا شك أنه ضروري وليس باستدلالي؛ لأنه ليس له أن ينظر.

"وَقِيلَ: بَلْ هُوَ اسْتِدْلَالِيٌّ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ الشَّيْءَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَحَقَائِقُ الْأَحْكَامِ تَابِعَةٌ لِأَدِلَّتِهَا وَعِلَلِهَا".

"وَقِيلَ: بَلْ هُوَ اسْتِدْلَالِيٌّ". علم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى استدلالي، علم الرسول- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -استدلالي، علم جبريل- عَلَيْهِ السَّلامُ- استدلالي، لماذا؟ يقول: "لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ الشَّيْءَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَحَقَائِقُ الْأَحْكَامِ تَابِعَةٌ لِأَدِلَّتِهَا وَعِلَلِهَا" لكن الحكم الذي يصدر عن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هل هو ناتج عن دليل أو هو الدليل نفسه؟ هو الدليل نفسه، إذًا كيف نقول: "حَقَائِقُ الْأَحْكَامِ تَابِعَةٌ لِأَدِلَّتِهَا وَعِلَلِهَا"؟ هذا بالنسبة لعلم المخلوق تابع لأدلتها وعللها، أما بالنسبة لعلم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فهو نفسه الدليل وهو العلة.

"فَعَلَى هَذَا يَكُونُ احْتِرَازًا عَنِ الْمُقَلِّدِ".

يعني: قوله بالاستدلال يكون احتراز ًا عن المقلِّد؛ لأن علمه عن تقليد لا عن استدلال، والتقليد أخذ قول الغير من غير دليل أو من غير نظرٍ في حجته، فالمقلد هذه صفته، يسأل، فضله التقليد يسأل العلماء فيقولون: حلال، حرام، ما يقول: ما الدليل؟ ما الراجح؟ ما المرجوح؟ هل له معارض؟ لا، وكذلك المقلد هذا عامي، والمقلد ممن ينتسب إلى طلب العلم ومعاناته ممن يقلد أحدًا من الأئمة بحيث يقبل قولهم من غير نظر في دليله علمه ليس استدلاليًّا، ولذا ينقل ابن عبد البر وغيره الاتفاق على أن المقلد ليس بفقيه، وليس من أهل العلم؛ لأن من يقلد الرجال هو تابع لهم، والأصل في العلم الممدوح الذي جاءت النصوص بمدحه: أن يكون ممن تُلقي عن الله وعن رسوله- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، إما أن يأخذ أقوال الرجال من غير نظر ولا استدلال ولا موازنة هذا مثل المقلد يسأل أهل العلم ويقولون له: حلال. خلاص، ينتهي، حرام، يقف.

طالب: ...

يعني في القضاء يعني؟

طالب: ...

«إنكم تختصمون إلي».

طالب: ...

الآن في مثل حكمه- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -بين الخصوم، هل نقول: هذا استدلالي أو ضروري؟ تطبيقه للقواعد الشرعية بمعنى: مطالبته للمدعي بالبينة والمدعى عليه باليمين، المنكر، هذا استدلالي أو ضروري؟ يعني: هل يختلف تطبيقه بالنسبة لهذه القضية عن تطبيقه لقضية أخرى؟ ضروري هذا، ما يحتاج إلى نظر واستدلال، أيكم المدعي؟ فلان، فلان، ما يحتاج إلى نظر ولا استدلال. لكن كون المدعي أو المدعى عليه ألحن من خصمه، ثم بهذا اللحن استطاع أن يلبِّس على القاضي فاشتبه الأمر على القاضي فلم يستطع إلى الحكم الموافق للواقع المطابق للحقيقة؛ هذا استدلالي.

من جهة كونه- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- يطبق القواعد الشرعية المعلومة من الدين علمًا ضروريًّا بالنسبة له؛ هذا نظري. كون الاحتمال قائمًا بأنه- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- يمكن أن يكون الذي ليس له الحق في الحقيقة ألحن من خصمه فيأخذ الحق، يدل قوله -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «إنما أنا بشر»، «إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما هي قطعة من نار، فليأخذها أو يدعها» يدل على أن هذا ممكن الوقوع، وإن كان في وقوعه شيء، نعم، لا يُجزم بوقوعه، لكنه يدل على إمكان وقوعه.

"فَعَلَى هَذَا يَكُونُ احْتِرَازًا عَنِ الْمُقَلِّدِ، فَإِنَّ عِلْمَهُ بِبَعْضِ الْأَحْكَامِ لَيْسَ اسْتِدْلَالِيًّا. وَفِيهِ نَظَرٌ، إِذِ الْمُقَلِّدُ يَخْرُجُ بِقَوْلِهِ: عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَتَهُ بَعْضَ الْأَحْكَامِ، لَيْسَ عَنْ دَلِيلٍ أَصْلًا".

المقلِّد الأصل فيه أنه لا يبحث عن الدليل، فإذا سأل متبوعه عن الدليل ما صار مقلدًا، صار متبعًا، فالأصل في المقلد أنه يأخذ القول من غير بيان أو من غير حجة، فإذا سأل عن الحجة خلع ربقة التقليد، لكن كون المقلد يعرف بعض الأدلة، يعرف أن هذا حرام؛ لقول النبي- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- كذا، حلال لقوله- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- كذا، يكون هذا الدليل تلقنه كما تلقن الحكم؛ لأنه ليست لديه أهلية للنظر في هذا الدليل وما يوافقه وما يعارضه، ومعرفة من أخذ به، ومعرفة من خالفه، والموازنة بين الأقوال، هو ما زال في حكم المقلِّد.

"وَيُمْكُنُ أَنْ يُقَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِلْمُهُ بِهَا عَنْ دَلِيلِ حِفْظِهِ، كَمَا حَفِظَهَا".

" عَنْ دَلِيلِ حَفِظَهُ، كَمَا حَفِظَهَا" يعني حفظ الدليل كما حفظ المسألة، كما حفظ الحكم.

"وَيُمْكُنُ أَنْ يُقَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِلْمُهُ بِهَا عَنْ دَلِيلِ حَفِظَهُ، كَمَا حَفِظَهَا، فَيَحْتَاجُ إِلَى إِخْرَاجِهِ بِالِاسْتِدْلَالِ".

نعم، عنده أدلة تفصيلية لكثير من المسائل، لكن كونه حفظ هذه الأدلة كما حفظ المسائل لا يخرجه عن دائرة التقليد؛ لأنه ليست لديه أهلية للنظر بين الأدلة والموازنة بينها ومعرفة الراجح من المرجوح، ما دام ما زال في هذه الدائرة فإنه مقلِّد ولو حفظ بعض الأدلة، كما أن مقابله لا يخرج عن كونه فقيهًا لخفاء بعض الأحكام عليه أو لخفاء بعض الأدلة لوجود الأهلية؛ ولذا الإمام مالك- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لما سُئل عن أربعين مسألة فأجاب عن أكثر من ثلاثين مسألة بقوله: "لا أدري" هل يستطيع أن يقول أحد: إن الإمام مالك ليس بفقيه؟ لا، لا يمكن أن يقال: إن الإمام مالك ليس بفقيه، لكن يقال: إن الفقه معرفة الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية بالاستدلال بالقوة أو بالفعل أو بالقوة القريبة من الفعل. ما معنى هذا الكلام؟

يسمى فقيهًا إذا كان حافظًا للمسائل بأدلتها وعارفًا الراجح من المرجوح، المسائل كلها! وهذا غير متصور، يسمى فقيهًا وإن لم يكن محيطًا بجميع المسائل أو حتى لو ما أحاط بغالب المسائل ولا أحاط بغالب الأدلة، لكن عنده الأهلية بحيث يستطيع أن يصل إلى القول الراجح بدليله في أقرب فرصة، في أقرب وقت.

يعني شخص بيده هذا الزاد مثلاً، بهذا الحجم، تسأله عن مسألة في الطهارة، ينظر لك في الأخير يبحث عن مسألة في الطهارة، هذا فقيه بالقوة أم بالفعل؟

طالب: ......

لا قوة ولا فعل.

طالب: ...

ولا الكتاب، يبحث بآخر الكتاب، الطهارة في أول الكتاب، تقول له: في الإقرار يبحث بعد المقدمة، يقرأ لك من أول الكتاب! لا قوة ولا فعل هذا. الفقيه بالفعل هو الذي يصل للحكم الشرعي بدليله في أقرب مدة، يعرف مظان المسائل، ويعرف الأدلة، ويستطيع أن يوازن ويرجح ويخرج بالقول، هذا فقيه، وإن لم تكن المسألة حاضرة في ذهنه، لكنه يستطيع الوصول إليها.

"لِأَنَّ عِلْمَهُ وَإِنْ كَانَ عَنْ دَلِيلٍ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِالِاسْتِدْلَالِ، إِذِ الِاسْتِدْلَالُ يَسْتَدْعِي أَهْلِيَّتَهُ، وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ فِي الْمُقَلِّدِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ مُقَلِّدًا".

نعم، إذا وُجدت الأهلية لم يكن مقلد، فهو فقيه، فإن كانت المسائل بأدلتها حاضرة صار فقيه بالفعل، وإلا فبالقوة، نعم.

"وَأُورِدَ عَلَيْهِ".

أورد عليه ثلاثة أشياء، الأول:

"أَنَّ الْأَحْكَامَ الْفَرْعِيَّةَ مَظْنُونَةٌ لَا مَعْلُومَةٌ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: التَّفْصِيلِيَّةُ، لَا فَائِدَةَ لَهُ، إِذْ كُلُّ دَلِيلٍ فِي فَنٍّ، فَهُوَ تَفْصِيلِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، لِوُجُوبِ تَطَابُقِ الدَّلِيلِ وَالْمَدْلُولِ، وَأَنَّ الْأَحْكَامَ ، إِنْ أُرِيدَ بِهَا الْبَعْضُ، دَخَلَ الْمُقَلِّدُ لِعِلْمِهِ بِبَعْضِ الْأَحْكَامِ وَلَيْسَ فَقِيهًا، وَإِنْ أُرِيدَ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ، لَمْ يُوجَدْ فِقْهٌ وَلَا فَقِيهٌ، إِذْ جَمِيعُهَا لَا يُحِيطُ بِهَا بَشَرٌ؛ لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ سُئِلُوا فَقَالُوا: لَا نَدْرِي".

هذه الإيرادات الثلاثة "الْأَحْكَامَ الْفَرْعِيَّةَ مَظْنُونَةٌ لَا مَعْلُومَةٌ" هو يقول في الحد: "العلم بالأحكام الشرعية"، فجُل الأحكام الفرعية صادر عن دليلٍ ظني، إما في ثبوته أو في دلالته، فكيف يقول: "العلم بالأحكام"؟ ولذا قال بعضهم: وظنوا جملة من الأحكام؛ ليسلم من الاعتراض.

قوله: "التَّفْصِيلِيَّةُ، لَا فَائِدَةَ لَهُ" هذا ليس خاص بعلم الفقه، علم العقائد أدلة كل مسألة من مسائل الاعتقاد تفصيلية بالنسبة له، علم الأصول الذي يقابل الفروع كل مسألة من مسائله دليلها تفصيلي.

"وَأَنَّ الْأَحْكَامَ ، إِنْ أُرِيدَ بِهَا الْبَعْضُ، دَخَلَ الْمُقَلِّدُ" لأنه يعرف شيء من الأحكام، لا حد لهذا البحث، "وَإِنْ أُرِيدَ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ، لَمْ يُوجَدْ فِقْهٌ وَلَا فَقِيهٌ" صحيح، لا يوجد فقيه على وجه الأرض يعرف جميع الأحكام الشرعية بحيث لا يخفى عليه شيء منها بأدلتها التفصيلية، لا يوجد، وقد وُجد من الأئمة الكبار المقلَّدين المعتبرين من يقول: لا ندري، بل الواقع يشهد أن من يكثر من قوله: "لا أدري" وقد اشتهر بالعلم والفضل دليل على تمكنه من العلم، بخلاف حال كثير من الجهَّال الذين لا يحتاطون لأنفسهم، فإذا سئلوا عن شيء بادروا بالإجابة عليه سواء كانت الإجابة صحيحة أو خاطئة.