التعليق على الموافقات (1436) - 19

عنوان الدرس: 
التعليق على الموافقات (1436) - 19
عنوان السلسلة: 
التعليق على الموافقات
تاريخ النشر: 
الأحد, 6 شعبان, 1439 - 10:15

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نعم.

طالب: أحسن الله إليك.

 الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،

 فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "المسألة الخامسة: الناظر في المسائل الشرعية إما ناظر في قواعدها الأصلية أو في جزئياتها الفرعية، وعلى كلا الوجهين فهو إما مجتهد أو مناظر، فأما المجتهد الناظر لنفسه، فما أداه إليه اجتهاده فهو الحكم في حقه، إلا أن الأصول والقواعد إنما ثبتت بالقطعيات، ضروريةً كانت أو نظريةً، عقليةً أو سمعيةً، وأما الفروع فيكفي فيها مجرد الظن على شرطه المعلوم في موضعه، فما أوصله إليه الدليل، فهو الحكم في حقه أيضًا، ولا يفتقر إلى مناظرة؛ لأن نظره في مطلبه إما نظر في جزئي، وهو ثانٍ عن نظره في الكلي الذي ينبني عليه، وإما نظر في كلي ابتداءً، والنظر في الكليات ثانٍ عن الاستقراء، وهو محتاج إلى تأمل واستبصار وفسحة زمان يسع ذلك".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في هذه المسألة الخامسة، يقول: "الناظر في المسائل الشرعية" يعني الباحث الذي يبحث عن الحكم الشرعي في المسائل الشرعية، هذا إما ناظر في قواعدها الأصلية أو في جزئياتها، التي من مجموع هذه الجزئيات تتكون تلك القواعد. ولذلك قال: إن الكليات قطعية والجزئيات ظنية؛ لأن الجزئيات عبارة عن مفردات تندرج تحت هذه الكليات، كيف وصلت الكليات إلى أن تكون قطعية؟

لأنها عبارة عن مجموع مفردات يُستنبط منها هذه القاعدة الكلية، كما هو الشأن في الحديث الظني والقطعي، والكلام العادي الظني والقطعي. قول الواحد بمفرده أو رواية الواحد بمفرده لا تفيد القطع، إلا الحديث الصحيح إذا احتفت به القرائن كما هو اختيار شيخ الإسلام وابن القيم وغيره، وإلا فالجمهور على أنه ظني في الأصل؛ لأنه غير ملزم للنفس بتصديقه؛ لأنه ما من راوٍ مهما بلغ من درجة الحفظ والضبط والإتقان إلا أنه يتطرق إليه الخطأ والنسيان، وما دام تطرق إليه الخطأ والنسيان فإنه لا يفيد القطع عند الجمهور.

 وعلى كل حال متى أفاد القطع؟ حينما كثرت طرقه، فاجتمع من مجموع هذه الطرق ما يلزم النفس بتصديقه، ما يلزم السامع بتصديقه. هذه الكليات متى وصلت إلى درجة القطع؟ حينما اجتمع من جزئياتها ومسائلها ما يجعل النفس تطمئن إليها، ولذلك قال: "إلا أن الأصول والقواعد إنما ثبتت بالقطعيات ضرورية كانت أو نظرية"؛ إن العلم القطعي منه ما هو ضروري، ومنه ما هو نظري، ما معنى الضروري والنظري؟

 الضروري يصدق بمجرد سماعه، فلا يحتاج إلى نظر ولا استدلال ولا مقدمات، والنظري يحتاج إلى مقدمات، تحتاج إلى نظر واستدلال، فرق بين أن تقول: اثنان في اثنين يساوي أربعة، إذا قيل لك: كم نتيجة اثنين في اثنين تروح تجيء بآلة حاسبة، وتروح لمحاسب يحسب لك النتيجة؟ وإذا قيل لك: ثلاثة عشر ألفًا وخمسمائة واثنان وسبعون وسبع في سبع، نتيجته قطعية بلا شك، لكن تحتاج إلى مقدمات، تجي بآلة، وتضرب، وتقسم، أم تذهب لمحاسب يحسب لك. فالقطعيات منها ما يحتاج إلى نظر واستدلال، ومنها ما لا يحتاج إلى نظر واستدلال.

"عقلية كانت أو سمعية"، "عقلية" مثلها مثل ما قلنا في الأعداد، والسمعية في الأدلة، هل هناك أحد يتردد في حديث: «من كذب علي متعمدًا»؟ ما فيه أحد يتردد. أو حديث: «إنما الأعمال بالنيات» وإن كان في أصله ظنيًّا؛ لأنه فرد غريب، لكن احتفت به القرائن حتى وصل إلى حد القطع.

على كل حال، الناظر المجتهد إذا أوصله اجتهاده إلى قاعدة كلية، فهي في حقه ملزمة، وهذا هو الواجب في حقه، أو مسألة جزئية، فهو يتدين بما يوصله إليه نظره الذي تأهل له، هذا في حق المجتهد المتأهل، أما غير المتأهل فإنه ينظر في أقوال الناس، في أقوال أهل العلم ويوازن بينها، وقد يصل بخبرته ودربته إلى ما هو أرجح من هذه الأقوال لا من حيث النظر في الأدلة، وإنما باعتبار الأقوال أو باعتبار القائلين كما هو شأن المقلدين.

طالب: "وهكذا إن كان عقليًّا، ففرض المناظرة هنا لا يفيد؛ لأن المجتهد قبل الوصول متطلب من الأدلة الحاضرة عنده، فلا يحتاج إلى غيره فيها، وبعد الوصول هو على بينة من مطلبه في نفسه، فالمناظرة عليه بعد ذلك زيادة".

لا يحتاج إلى غيره، المجتهد ما يحتاج إلى أن يسأل مجتهدًا آخر، إلا على ما تقدم إن كان من باب المذاكرة بين أهل العلم، والمذاكرة معروفة.

طالب: "وأيضًا، فالمجتهد أمين على نفسه، فإذا كان مقبول القول قبله المقلد، ووكله المجتهد الآخر إلى أمانته؛ إذ هو عنده مجتهد مقبول القول، فلا يفتقر إذا اتضح له مسلك المسألة إلى مناظرة".

ولا يمكن أن المجتهد الثاني ينقض قوله؛ لأن الاجتهاد لا يُنقض بالاجتهاد.

طالب: "وهنا أمثلة كثيرة، كمشاورة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- السَّعدين في مصالحة الأحزاب على نصف تمر المدينة، فلما تبين له من أمرهما عزيمة المصابرة والقتال، لم يبغ به بدلاً، ولم يستشر غيرهما".

لماذا استشار السعدين؛ سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، الأوس والخزرج، وهم أهل الشأن، أهل البلد والزراعة لهم، والثمار لهم، فلا بد من مشاورتهم، وإن كانوا في النهاية لما تمكن الإيمان من قلوبهم والنبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- جزم واطمأن إلى ما عندهم من الإيمان واليقين، لما قُسمت غنائم حنين ما أُعطوا شيئًا، ما أعطاهم شيئًا، وَكَلهم إلى إيمانهم، وبايعوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على الأثرة.

طالب: "وهكذا مشاورته وعرضه الأمر في شأن عائشة، فلما أنزل الله الحكم لم يلق على أحد بعد وضوح القضية، ولما منعت العرب الزكاة عزم أبو بكر على قتالهم، فكلمه عمر في ذلك، فلم يلتفت إلى وجه المصلحة في ترك القتال؛ إذ وجد النص الشرعي المقتضي لخلافه، وسألوه في رد أسامة؛ ليستعين به وبمن معه على قتال أهل الردة، فأبى؛ لصحة الدليل عنده بمنع رد ما أنفذه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".

لأنه قبل وفاته -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- عقد راية وأمَّر عليها، جيَّش جيشًا أو سرية أمَّر عليها أسامة بن زيد، فمات النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- قبل نفاذ هذا الجيش، فقيل لأبي بكر: لو استعنت بأسامة ومن معه على قتال المرتدين؟ فقال: لا أحل راية عقدها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

طالب: "وإذا تقرر وجود هذا في الشريعة وأهلها لم يحتج بعد ذلك إلى مناظرة ولا إلى مراجعة، إلا من باب الاحتياط، وإذا فُرض محتاطًا، فذلك إنما يقع إذا بنى عليه بعض التردد فيما هو ناظر فيه، وعند ذلك يلزمه أحد أمرين: إما السكوت اقتصارًا على بحث نفسه إلى التبين؛ إذ لا تكليف عليه قبل بيان الطريق. وإما الاستعانة بمن يثق به، وهو المناظر المستعين، فلا يخلو أن يكون موافقًا له في الكليات التي يرجع إليها ما تناظرَا فيه أو لا".

نعم. لا بد أن يكون موافقًا له في الكليات والأصول التي يعتمد عليها، فإذا كان هذا المجتهد له أصول تخالف أصول المجتهد الثاني، فمثل هذا ما يمكن أن يستعان به؛ لأنهم يختلفون في الأصول.

 فلا بد في المستعين والمستعان به أن يكونا متفقين في الأصول؛ لتكون النتيجة واحدة، يعني في المناظرة لو أن شخصًا ناظر، يعني شافعي أو حنبلي ناظر مالكيًّا في عدم جواز رمي الجمرة بحصاة قد رُمي بها، هذا عند الشافعية والحنابلة قياسًا على الماء المستعمل، فناظر هذا المالكي وقال له: قياس ماشٍ ما فيه شيء، قال: أنا لا أوافقكم على الأصل، الماء المستعمل عندي طهور يُتوضأ به، هنا لا تصح المناظرة في مثل هذا. نعم. لا بد من الاتفاق في الأصول.

طالب: "فإن كان موافقًا له صح إسناده إليه واستعانته به؛ لأنه إنما يبقى له تحقيق مناط المسألة المناظر فيها، والأمر سهل فيها، فإذا اتفقا فحسن، وإلا فلا حرج؛ لأن الأمر في ذلك راجع إلى أمر ظني مجتهد فيه".

وإلا يتفقان بأن اختلفا فلا حرج في ذلك؛ لأن المسألة اجتهادية.

طالب: "ولا مفسدة في وقوع الخلاف هنا حسبما تبين في موضعه".

وقد وقع من الصحابة الاختلاف الذي لا يورث البغضاء والشحناء، إنما هو مجرد رأي لا يصل إلى القلوب.

طالب: "وأمثلة هذا الأصل كثيرة، يدخل فيها أسئلة الصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسائل المشكلة عليهم، كما في سؤالهم عند نزول قوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82]".

وقالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ يعني كلنا داخلون في الآية؟ قال: «ليس الأمر كما تظنون، الظلم يقصد به الشرك: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]».

طالب: "وعند نزول قوله: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة: 284] الآية".

نعم. الصحابة خشوا من هذه الآية خشية عظيمة، يعني الحساب على ما يبدى ويخفى هذا أمر عظيم، نعم.

طالب: "وسؤال ابن أم كتوم حين نزل: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 95] الآية، حتى نزل {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء: 95]".

لأن ابن أم مكتوم ظن دخوله في الآية، لما نزل قوله: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ}، خرج منها؛ لأنه أعمى.

طالب: "وسؤال عائشة عند قوله -عليه الصلاة والسلام-: «من نوقش الحساب عُذب»، واستشكالها مع الحديث قول الله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق: 8]، وأشباه ذلك".

وأجابها النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-؛ لأنه ليس الحساب الذي أشير إليه، وإنما هو العرض. نعم.

طالب: "وإنما قلنا: إن هذا الجنس من السؤالات داخل في قسم المناظر المستعين؛ لأنهم إنما سألوا بعدَ ما نَظروا في الأدلة، فلما نظروا أشكل عليهم الأمر".

واضح أنهم اطلعوا على الأدلة، واستشكلوا مدلولها، فسألوا النبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- فأجابهم بما يزيل الإشكال.

طالب: "بخلاف السائل عن الحكم ابتداءً، فإن هذا من قبيل المتعلمين، فلا يحتاج إلى غير تقرير الحكم، ولا عليك من إطلاق لفظ المناظِر، فإنه مجرد اصطلاح لا ينبني عليه حكم، كما أنه يدخل تحت هذا الأصل ما إذا أجرى الخصم المحتج نفسه مجرى السائل المستفيد، حتى ينقطع الخصم بأقرب الطرق".

لأنه قد يأتي الاستدراك على طريقة السؤال، يأتي كأنه مستفيد وهو في الحقيقة منكر لما سمع، يسمع فتوى مخالفة لنص، ثم يأتي إلى الشيخ المفتي الذي أفتى بهذه الفتوى الخاطئة، ما يقول له: أخطأت، الدليل يدل على كذا. لا، يجاريه ويسأله سؤال المتعلم، وهو بذلك يريد أن ينبهه على خطئه.

طالب: "كما جاء في شأن حاجة إبراهيم -عليهِ السَّلامُ- قومه بالكوكب والقمر والشمس، فإنه فرض نفسه بحضرتهم مسترشدًا حتى يُبين لهم من نفسه البرهان أنها ليست بآلهة، وكذلك قوله في الآية الأخرى".

يعني في آية الأنعام لما أراد أن يستدل على ربوبية الله -جَلَّ وعَلا- وألوهيته بالكوكب والقمر ثم الشمس، هل هو ناظر أم مناظِر؟

طالب: مناظِر.

نعم، هو في الحقيقة مناظر، وليس ناظرًا؛ لأن الإنسان عنده شك في أول الأمر، وإنما هو من باب إلزامهم. وهذا أسلوب نافع في كثير من القضايا، وفي كثير من الأحوال، أن تأتي إلى الشخص، ولا تُشعره أنك تضاده، وتعارضه، إنما تباريه، تمشي معه حتى تصل إلى قلبه، وهذا أسلوب حتى في الدعوة نافع جدًّا.

يعني لو جاءك مجموعة من الشباب المتحمسين وعندهم منكرات وأشياء ينكرونها ويشددون فيها، تقول لهم توافقهم: جزاكم الله خيرًا، ثم ما حملكم على ذلك إلا الغيرة على دين الله، وتدعو لهم وتوافقهم فيما توافقهم فيه، ثم بعد ذلك إذا دخلت إلى قلوبهم بهذا الأسلوب تملي عليهم ما شئت، بخلاف ما لو قلت: أنتم متشددون، أنتم متزمتون، أنتم ما تفهمون، أنتم صغار، مثل ما يقول بعضهم، هذا لا يمكن أن يقبل منهم.

طالب: "وكذلك قوله في الآية الأخرى: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} [الشعراء: 70، 71]، فلما سأل عن المعبود سأل عن المعنى الخاص بالمعبود بقوله: {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} [الشعراء: 72، 73]، فحادوا عن الجواب إلى الإقرار بمجرد الاتباع للآباء".

لأنهم ما عندهم غير هذا: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف: 23].

طالب: "ومثله قوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ} [الأنبياء: 63] الآية".

نعم، من باب الإلزام، وإلا فمعروف كبيرهم صنم مثلهم، حصاة أو خشبة أو شيء، لكن من باب الإلزام والتنزل، طيب: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ}.

طالب: {فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} [الأنبياء: 63].

نعم. لكن إذا رجعوا إلى كبيرهم: أنت فعلت هذا؟ هل يجاوب؟

طالب: لا.

إذا ما جاوب فماذا يصير؟ يستحق أن يُعبد؟

طالب: ما يستحق.

ما يستحق أن يُعبد.

طالب: "وقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ} [الروم: 40]، وقوله: {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى} [يونس: 35]، وقوله: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا} [الأعراف: 195]، إلى آخرها.

 فهذه الآي وما أشبهها إشارات إلى التنزل منزلة الاستفادة والاستعانة في النظر، وإن كان مقتضى الحقيقة فيها تبكيت الخصم؛ إذ كان مجيئًا بالبرهان في معرض الاستشارة في صحته، فكان أبلغ في المقصود في المواجهة بالتبكيت، ولما اخترموا من التشريعات أمورًا كثيرةً أدهاها الشرك طولبوا بالدليل، كقوله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} [الأنبياء: 24]، {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59]، {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} [المؤمنون: 117].

 وهو من جملة المجادلة بالتي هي أحسن. وإن كان المناظِر مخالفًا له في الكليات التي ينبني عليها النظر في المسألة، فلا يستقيم له الاستعانة به، ولا ينتفع به في مناظرته؛ إذ ما من وجه جزئي في مسألته إلا وهو مبني على كلي، وإذا خالف في الكلي، ففي الجزئي المبني عليه أولى، فتقع مخالفته في الجزئي من جهتين، ولا يمكن رجوعها إلى معنًى متفق عليه، فالاستعانة مفقودة".

قد يقول قائل: هذا الكلام يجعل المخالف في المذهب لا يستفيد من مخالفة، ويجعل المتفقه على مذهب لا يقرأ في كتب المذاهب الأخرى؛ لأنها تختلف مع إمامه في القواعد؟ نقول: هناك قدر مشترك بين الأئمة من نصوص الكتاب والسنة وكثير من القواعد التي يتفقون عليها، فإذا رجعوا وتحاكموا إلى الكتاب والسنة كلهم يذعنون بالكتاب والسنة.

طالب: "ومثاله في الفقهيات مسألة الربا في غير المنصوص عليه، كالأَرْز، والدُّخْن، والذرة، والحلبة، وأشباه ذلك".

وأشياء كأي شيء؟ الأول ما هو؟

طالب: "كالأَرْز".

الأَرُز، أما الأَرْز: الأَرْز شجرة في لبنان.

طالب: .......

نعم.

طالب: "كالأَرُز، والدُّخْن، والذرة، والحلبة، وأشباه ذلك، فلا يمكن الاستعانة هنا بالظاهري النافي للقياس؛ لأنه بانٍ على نفي القياس جملةً".

ما يمكن أن تناظر ظاهريًّا لا يقر بالقياس، ولا يقر بالعلل، ولا يقر بمثل هذه الأمور، وما عنده إلا المنصوص عليه الخمسة أو الستة، تقول له: عندنا الدخن يشارك البُر في العلة، يقول: أنا ما عندي علة، ما عندي علة، عندي خمسة منصوص عليها، ما عندي غيره. هذا ما فيه طب هذا. نعم.

طالب: "وكذلك كل مسألة قياسية لا يمكن أن يناظر فيها مناظرة المستعين؛ إذ هو مخالف في الأصل الذي يرجعان إليه، وكذلك مسألة الحلبة والذرة أو غيرهما بالنسبة إلى المالكي إذا استعان بالشافعي أو الحنفي وإن قالوا بصحة القياس، لبنائهما المسألة على خلاف ما يبني عليه المالكي".

نعم. يختلفون في العلل الجامعة لهذه الممنوعات من الربويات، إذا اختلفوا في العلة النتيجة غير متفق عليه.

طالب: "وهذا القسم شائع في سائر الأبواب، فإن المنكر للإجماع لا يمكن الاستعانة به في مسألة تنبني على صحة الإجماع، والمنكر لإجماع أهل المدينة لا يمكن أن يستعان به في مسألة تنبني عليه من حيث هو منكِر، والقائل بأن صيغة الأمر للندب أو للإباحة أو بالوقف لا يمكن الاستعانة بهم لمن كان قائلاً بأنها للوجوب ألبتة".

نعم. وعلى هذا يتخرج قول من قال: إنه لا يعتد بقول داود، يعني الظاهرية، لا يُعتد بقول داود؛ لأنه لا يرى القياس الذي هو أحد أركان الاجتهاد، صرح بهذا النووي وغيره. لكن إذا طبقنا هذا الكلام وجدنا أننا نتفق مع الظاهري في بعض الأصول، ونختلف معه في القياس والرأي، فما المانع أن يُعتد بقوله في المسائل التي مبناها على النص، ويُختلف معه أو لا يُعتد به في المسائل التي مبناها على القياس؟

طالب: "فإن فُرض المخالف مساعدًا صحت الاستعانة، كما إذا كان مساعدًا حقيقةً، وهذا لا يخفى.

فصل: وإذا فرض المناظر مستقلًّا بنظره غير طالب للاستعانة ولا مفتقرًا إليها، ولكنه طالب لرد الخصم إلى رأيه أو ما هو منزل منزلته؛ فقد تكفَّل العلماء بهذه الوظيفة، غير أن فيها أصلاً يرجع إليه، وقد مر التنبيه عليه في أول كتاب الأدلة، وهنا تمامه بحول الله، وهي:

المسألة السادسة: فنقول: لما انبنى الدليل على مقدمتين؛ إحداهما تَحقُّق المناط، والأخرى تَحكُم عليه، ومر أن محل النظر هو تحقُّق المناط، ظهر انحصار الكلام بين المتناظرين هنالك، بدليل الاستقراء".

يعني مثل المقدمات والنتائج التي في الأصل منطقية وطبَّقوها على الأحكام سواء كانت في العقائد أو في الفروع، وزعموا أن حديث: «كل مسكر خمر» و«كل مسكر حرام» يؤيد هذه المقدمات والنتائج، هي اتفاق، موافقة؛ لأن كل الأحكام الشرعية مبنية على كل هذه المقدمات وهذه النتائج، هم فرحوا بالحديث فرحًا شديدًا؛ لأنه فيه نوع موافقة لهم، لكن ماذا عن غيره من الأدلة؟ إذا وُجد هذا الدليل موافقًا من باب مجرد اتفاق، فالدليل هو الأصل، ولا تحتاج المسائل الشرعية في الاستدلال لها من النصوص من الكتاب والسنة أن تكون على هذه الطريقة على هذا المسلك المنطقي.

طالب: "ومر أن محل النظر هو تحقق المناط، ظهر انحصار الكلام بين المتناظرين هنالك بدليل الاستقراء، وأما المقدمة الحاكمة فلا بد من فرضها مسلَّمةً. وربما وقع الشك في هذه الدعوى، فقد يقال: إن النزاع قد يقع في المقدمة الثانية، وذلك أنك إذا قلت: هذا مُسكر، وكل مُسكر خمر، أو وكل مُسكر حرام، فقد يوافق الخصم على أن هذا مُسكر وهي مقدمة تحقيق المناط".

نعم.

طالب: "كما أنه قد يخالف فيها أيضًا، وإذا خالف فيها فلا نكير على الجملة؛ لأنها محل الاختلاف، وقد يخالف في أن كل مُسكر خمر، فإن الخمر إنما يطلق على النيئ من عصير العنب".

كما يقول الحنفية، ولا يرون غيره مما يسكر من عصير التمر وما أشبهه أو الزبيب.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

نعم.

طالب: .......

يختلفون؛ لأن عندهم الأصل في العنب، وهو مأخوذ من كلام بعض أهل اللغة، الأصل في الخمر أنه من العنب فقط، لكن كلام عمر -رَضِيَ اللهُ عنهُ- قاطع في المسألة، نزلت آية الخمر وما في المدينة من خمر إلا من التمر، فمخالفتهم حقيقة لا وجه لها، يعني التمر إذا أسكر لا يُسمى خمرًا؟

طالب: لا.

وإذا نازعوا في النبيذ، فالمنازعة في الخمر بعيدة جدًّا، والمنازعة بينهم وبين الجمهور إنما هو نزاع لفظي؛ لأنه إذا أسكر وجب الحد عند الجميع، ما فيه حنفي يقول: إذا شرب مسكرًا من التمر ما يُجلد. لكن هل يسمى خمرًا أم ما يُسمى؟ هذا محل الاختلاف.

طالب: .......

وعلى هذا فـ«ملء الكف منه حرام»، يقول: ما يدخل هذا؛ لأنه ما هو بخمر.

طالب: "فلا يكون هذا المشار إليه خمرًا وإن أسكر، وإذ ذاك لا يسلم أن كل مسكر خمر، ويخالف أيضًا في أن كل مسكر حرام، فإن الكلية لهذه المقدمة لا تثبت؛ لأنها مخصوصة أُخرج منها النبيذ بدليل دل عليه، وإذا لم تصح كليتها، لم يكن فيها دليل، فإذًا قد صارت منازعًا فيها، فكيف يقال بانحصار النزاع في إحدى المقدمتين دون الأخرى؟ بل كل واحدة منهما قابلة للنزاع، وهو خلاف ما تأصل".

ولو أن هذا الكلام الذي يورث بعض التردد من ضعاف النفوس حُسم وانتهى بالدليل القطعي من الكتاب والسنة وانتهى الإشكال، يُنظر في الحقيقة خمر أم ما هو بخمر؟ الخمر ما هو؟ الخمر ما غطى العقل، خامر العقل أو غطاه. نعم. تُنزل عليه نصوص الكتاب والسنة، وانتهى الإشكال.

طالب: "والجواب: أن تقدم صحيح، وهذا الإشكال غير وارد، وبيانه أن الخصمين إما أن يتفقا على أصل يرجعان إليه أم لا، فإن لم يتفقا على شيء، لم يقع بمناظرتهما فائدة بحال، وقد مر هذا، وإذا كانت الدعوى لا بد لها من دليل، وكان الدليل عند الخصم متنازعًا فيه، فليس عنده بدليل".

نعم. إذا كان عند الخصم دليل، والثاني لا يعترف له بصحة هذا الدليل، فوجوده حينئذ مثل عدمه.

طالب: "فصار الإتيان به عبثًا لا يفيد فائدة ولا يُحصل مقصودًا، و مقصود المناظرة رد الخصم إلى الصواب بطريق يعرفه؛ لأن رده بغير ما يعرفه من باب تكليف ما لا يطاق، فلا بد من رجوعهما إلى دليل يَعرفه الخصم السائل معرفة الخصم المستدل. وعلى ذلك دل قوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] الآية؛ لأن الكتاب والسنة لا خلاف فيهما عند أهل الإسلام".

"عند أهل الإسلام"، الآن أهل السنة بجميع من ينتسب إليها ولو كان عنده نوع مخالفة، كلهم يتفقون على أن الأصول الكتاب والسنة، أصل الأصول الكتاب والسنة. بعض الطوائف من أصحاب البدع الكبرى من جهمية ومعتزلة يستدلون ويحتكمون إلى الكتاب والسنة، بغض النظر عن فهم للكتاب والسنة. ما يخالف في الاستدلال بالكتاب والسنة إلا الرافضة، وإلا إذا رجعت إلى كتب المعتزلة عمدتهم الكتاب والسنة، إذا رجعت حتى إلى كتب الزيدية يستدلون بالكتاب والسنة، رجعت إلى كتب الطوائف كلها تستدل بالكتاب والسنة إلا الرافضة.

طالب: "وهما الدليل والأصل المرجوع إليه في مسائل التنازع، وبهذا المعنى وقع الاحتجاج على الكفار، فإن الله تعالى قال: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [المؤمنون: 84] إلى قوله: {قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون: 89]، فقرَّرهم بما به أقروا، واحتج عليهم بما عرفوا، حتى قيل لهم: {قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون: 89]".

يعني ما فيه، ما دام اعترفتم فماذا يمنعكم من إفراده بالعبادة؟ ما فيه إلا إن كانت عقولكم مسلوبة بسحر أو جنون.

طالب: " نعم: فكيف تُخدعون عن الحق بعد ما أقررتم به، فادعيتم مع الله إلهًا غيره؟ وقال تعالى: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} [مريم: 42]، وهذا من المعروف عندهم؛ إذ كانوا ينحتون بأيديهم ما يعبدون. وفي موضع آخر: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ} [الصافات: 95]، وقال تعالى: {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} [البقرة: 258]، قال له ذلك بعد ما ذكر له".

سأل بعضهم، ومنهم من ينسبه إلى عمر -رَضِيَ اللهُ عنهُ-، قال: يا رسول الله، أين عقولنا عندما كنا نعبد التمر فإذا جعنا أكلناها؟

طالب: أخذها باريها.

نعم، أخذها باريها، والله المستعان، وأصنامهم ومعبوداتهم وصل بها الحد من الذل والهوان إلى أن بالت عليها الثعالب، حصاة وما هي؟

 أرب يبول الثعلبان برأسه          لقد هان من بالت عليه الثعالب

طالب: "قال له ذلك بعد ما ذكر له قوله: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البقرة: 258]، فوجد الخصم مدفعًا، فانتقل إلى ما لا يمكنه فيه المدفع لا بالمجاز ولا بالحقيقية، وهو من أوضح الأدلة فيما نحن فيه. وقال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ} [آل عمران: 59] الآية، فأراهم البرهان بما لم يختلفوا فيه، وهو آدم".

نعم. على سبيل التنزل يعني: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [البقرة: 258]، يأتي باثنين يحكم عليهما بالقتل يقتل واحدًا ويعتق واحدًا، قال: هذا أحييته، وهذا أمته، هذا أمته وهذا أحييته. هل هذا هو محل السؤال؟ لا، لكن هب أن ربك يحيي ويميت على سبيل التنزل، قال: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} [البقرة: 258]، يستطيع أن يقول شيئًا؟ ما يمكن.

طالب: بُهت.

نعم.

طالب: "وقال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ} [آل عمران: 59] الآية، فأراهم البرهان بما لم يختلفوا فيه، وهو آدم، وقال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ} [آل عمران: 65]، وهذا قاطع في دعواهم أن إبراهيم يهودي أو نصراني".

{وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ} [آل عمران: 65]، كيف يكون يهوديًّا أو نصرانيًّا يتدين بالتوراة أو يتدين بالإنجيل وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده؟ لكن بعض الناس يصل به إلى الجهل والغباء أو التغابي إلى حد يزعم أن إبراهيم من شيعة علي! {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ} [الصافات: 83]! أو يقول لما بحث عن نسخة من فتح الباري غير الطبعة السلفية، قالوا السلفية زين ومخدومة ومرقمة، وعليها تعليقات للشيخ ابن باز، قال: لكن الشيخ ابن باز حذف رد ابن حجر على الوهابية!!

جهل مركب، أو تغابٍ وتجاهل.

طالب: "وعلى هذا النحو تجد احتجاجات القرآن، فلا يُؤتِي فيه إلا بدليل يقر".

"فلا"؟

طالب: "فلا يُؤتَى" أم هو "يُؤتِي" هو على أنه واحد المناظِر؟

"فلا يَأتِي" أم "فلا يُؤتَى".

طالب: "فلا يُؤتَى فيه إلا بدليل يُقر الخصم بصحته شاء أم أبى. وعلى هذا النحو جاء الرد على من قال: {مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 91]، قال تعالى: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} [الأنعام: 91] الآية، فحصل إفحامه بما هو به عالم. وتأمل حديث صلح الحديبية، ففيه إشارة إلى هذا المعنى، فإنه لما أمر عليًّا أن يكتب «بسم الله الرحمن الرحيم». قالوا: ما نعرف «بسم الله الرحمن الرحيم»، ولكن اكتب ما نعرف: «باسمك اللهم». فقال: «اكتب: من محمد رسول الله»، قالوا: لو علمنا أنك رسول الله لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فعذرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإن كان قولهم من حمية الجاهلية، وكتب على ما قالوا، ولم يحتشم".

نعم. يكتب على ما يتفق عليه، أما لو قال: «اكتب رسول الله» وأصر -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- وهم أصروا، ما حصل صلح؛ لأنهم لا يوافقونه على ما يقول -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-.

طالب: "وكتب على ما قالوا، ولم يحتشم من ذلك حين أظهروا له النصفة من عدم العلم، وأنهم إنما يعرفون كذا. وإذا ثبت هذا، فالأصل المرجوع إليه هو الدليل الدال على صحة الدعوى، وهو ما تقرر في المقدمة الحاكمة، فلزم أن تكون مسلَّمةً عند الخصم من حيث جعلت حاكمةً في المسألة؛ لأنها إن لم مسلمةً لم يُفد الإتيان بها، وليس فائدة التحام إلى الدليل إلا قطع النزاع ورفع الشغب".

لأنها إذا لم تكن مسلمة لم ينقطع النزاع ولم يرتفع الشغب.

طالب: "وإذا كان كذلك، فقول القائل: هذا مسكر، وكل مسكر خمر، إن فُرض تسليم الخصم فيه للمقدمة الثانية، صح الاستدلال من حيث أتى بدليل مسلم، وإن فرض نزاع الخصم فيها لم يصح الاستدلال بها ألبتة، بل تكون مقدمة تحقيق المناط في قياس آخر، وهي التي لا يقع النزاع إلا فيها، فيبين أن كل مسكر خمر بدليل استقراء أو نص أو غيرهما، فإذا بيَّن ذلك حكم عليه بأنه حرام مَثلاً إن كان مسلَّمًا أيضًا عند الخصم، كما جاء في النص: «إن كل خمر حرام»، وإن نازع في أن كل خمر حرام، صارت مقدمة تحقيق المناط، ولا بد إذ ذاك من مقدمة أخرى تَحكم عليها، وفي كل مرتبة من هذه المراتب لا بد من مخالفة الدعوى للدعوى الأخرى التي في المرتبة الأخرى، فإن سؤال السائل: هل كل خمر حرام؟ مخالف لسؤاله إذا سأل: هل كل مسكر خمر؟

 وهكذا سائر مراتب الكلام في هذا النمط، فمن هنا لا ينبغي أن يؤتى بالدليل على حكم المناط منازعًا فيه، ولا مظنة للنزاع فيه؛ إذ يلزم فيه الانتقال من مسألة إلى أخرى؛ لأنا إن فعلنا ذلك لم تتخلص لنا مسألة، وبطلت فائدة المناظرة".

نعم. لو طبقنا هذه القواعد المنطقية المبنية على هذه المقدمات على جميع المسائل الشرعية لم نتفق على شيء، والأصل الأصيل الاستدلال بالكتاب والسنة جرى عليه سلف الأمة وأئمتها والمخلصون من علمائها إلى يومنا هذا من غير احتياج إلى هذا الكلام.

طالب: "فصل:

 واعلم أن المراد بالمقدمتين ها هنا ليس ما رَسَمه أهل المنطق على وفق الأشكال المعروفة، ولا على اعتبار التناقض والعكس، وغير ذلك وإن جرى الأمر على وفقها في الحقيقة، فلا يستتب جريانه على ذلك الاصطلاح؛ لأن المراد تقريب الطريق الموصل إلى المطلوب على أقرب ما يكون، وعلى وفق ما جاء في الشريعة، وأقرب الأشكال إلى هذا التقرير ما كان بديهيًّا في الإنتاج أو ما أشبهه من اقتراني أو استثنائي، إلا أن المتحرى فيه إجراؤه على عادة العرب في مخاطباتها ومعهود كلامها؛ إذ هو أقرب إلى حصول المطلوب على أقرب ما يكون، ولأن التزام الاصطلاحات المنطقية والطرائق المستعملة فيها مُبعِد عن الوصول إلى المطلوب في الأكثر؛ لأن الشريعة لم توضع إلا على شرط الأمية".

نعم "على شرط الأمية"، وما ذُكر فيما تقدم في هذا الدرس وفي غيره، في هذا الكتاب وفي غيره، قد ساهم في صد كثير من طلاب العلم عن تحصيل العلم، ولذلك جاءت التعقيدات في كتب الأصول مما استصحبه طلاب العلم أن علم الأصول أصعب العلوم، وهو في حقيقته من أمتع العلوم وألذها، لكن يحتاج إلى أن يؤخذ بطريقة غير المقدمات التي بنوا عليها.

طالب: "لأن الشريعة لم توضع إلى على شرط الأمية، ومراعاة علم المنطق في القضايا الشرعية منافٍ لذلك، فإطلاق لفظ المقدمتين لا يستلزم ذلك الاصطلاح. ومن هنا يُعلم منى ما قاله المازري في قوله -عليه الصلاة والسلام-: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام»، قال: فنتيجة هاتين المقدمتين أن كل مسكر حرام.

قال: وقد أراد بعض أهل الأصول أن يمزج هذا بشيء من علم أصحاب المنطق، فيقول: إن أهل المنطق يقولون: لا يكون القياس ولا تصح النتيجة إلا بمقدمتين، فقوله: «كل مسكر خمر» مقدمة لا تُنتج بانفرادها شيئًا، وهذا وإن اتفق لهذا الأصولي هاهنا وفي موضع أو موضعين في الشريعة".

يعني في هذه المسألة، في هذا النص: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» هاتوا لنا مسألة ثانية، من أجل ما يقال: إن جميع المسائل الشرعية لا يمكن الاستدلال عليها إلا من هذه الطريقة.

طالب: "وهذا وإن اتفق لهذا الأصولي هاهنا وفي موضع أو موضعين في الشريعة، فإنه لا يستمر في سائر أقيستها، ومعظم طرق الأقيسة الفقهية لا يُسلك فيها هذا المسلك، ولا يُعرف من هذه الجهة، وذلك أنا مثلاً لو علَّلنا تحريمه -عليه الصلاة والسلام- التفاضل في البُر بأنه مطعوم كما قال الشافعي، لم نقدر أن نعرف هذه العلة إلا ببحث وتقسيم، فإذا عرفناها فللشافعي أن يقول حينئذ: كل سفرجل مطعوم، وكل مطعوم ربوي، فتكون النتيجة السفرجل ربوي.

 قال: ولكن هذا لا يفيد الشافعي فائدةً؛ لأنه إنما عرف هذا وصحة هذه النتيجة بطريقة أخرى، فلما عرفها من تلك الطريقة أراد أن يضع عبارةً يعبر بها عن مذهبه، فجاء بها على هذه الصيغة.

 قال: ولو جاء بها على أي صيغة أراد مما يؤدي منه مراده، لم يكن لهذه الصيغة مزية عليها".

وجه اختلاف الأئمة في الإلحاق بما ذُكر من الربويات اختلافهم في العلة التي يشترك فيها الأصل المقيس عليه مع الفرع المقيس، فإذا اتفقت العلة، ولكل إمام من الأئمة ومذهب من المذاهب اختياره في العلة، وهذا يؤيد ما تقدم أنه إذا لم يكن هناك اتفاق بين المناظِر والمناظَر ما أجدت المناظرة، ولا أثمرت ولا أدت ثمارها.

طالب: .......

المقدمات سواء كانت صغرى أو كبرى مع نتائجها كلها من تعقيدات المتكلمين، وإلا إذا سمعنا النص: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [البقرة: 285]، ما يحتاج إلى مقدمات ولا شيء، فالحَكم في ذلك كله النص.

طالب: "قال: وإنما نبهنا على ذلك لما ألفينا بعض المتأخرين صنف كتابًا أراد أن يرد فيها أصول الفقه لأصول علم المنطق".

ولم يَسلم كثير من كتب الأصول من مسائل منطقية ومن قواعد المتكلمين، ولذا ينادي بعض الغيورين إلى تنقية كتب الأصول من هذه المقدمات، لكن تنقيتها تنقية تامة قد يُظهر فيها بعض الخلل في ترابط الكلام، بعضهم ينادي أن يكون الأصل في أصول الفقه رسالة الإمام الشافعي. وهل يمكن أن يُربى عليها طالب علم يترقى في هذا العلم؟ يمكن؟ والله ما يمكن، هل فيها كل ما يحتاجه طالب العلم من هذا العلم؟ ليست بمتن يتربى عليه طالب العلم في هذا العلم؛ لأن طالب العلم يحتاج إلى تعاريف، حدود.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

ما تقدر أن تسلك منهجها، هذه يسلك منهجها من وصل إلى علم الشافعي وعرف ما يحتاج إليه قبلها، أما أن يُبدأ بها فلا. حتى الألفاظ والاصطلاحات تختلف عما يعرفه الناس.

طالب: "هذا ما قاله المازري، وهو صحيح في الجملة، وفيه من التنبيه ما ذكرناه من عدم التزام طريقة أهل المنطق في تقرير القضايا الشرعية، وفيه أيضًا إشارة إلى ما تقدم من أن المقدمة الحاكمة على المناط إن لم تكن متفقًا عليها مسلَّمةً عند الخصم، فلا يفيد وضعها دليلاً. ولما كان قوله -عليه الصلاة السلام-: «وكل خمر حرام» مسلَّمًا؛ لأنه نص النبي، لم يعترض فيه المخالف، بل قابله بالتسليم، واعترض القاعدة بعدم الاطراد، وذلك مما يدل على أنه من كلامه -عليه الصلاة والسلام- أمر اتفاقي، لا أنه قَصَد قَصْد المنطقيين".

يعني الحديث جاء هكذا اتفاقًا من غير قصد لموافقة القواعد المنطقية.

طالب: "وهكذا يقال في القياس الشرطي في نحو قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22]؛ لأن (لو) لما سيقع لوقوع غيره، فلا استثناء لها في كلام العرب قصدًا، وهو معنى تفسير سيبويه، ونظيرها (إنْ)؛ لأنها تفيد ارتباط الثاني بالأول في التسبب".

لأنها مثلها شرطية.

طالب: "والاستثناء لا تعلق له بها في صريح كلام العرب، فلا احتياج إلى ضوابط المنطق في تحصيل المراد في المطالب الشرعية. وإلى هذا المعنى -والله أعلم- أشار الباجي في أحكام الفصول حين رد على الفلاسفة في زعمهم أن لا نتيجة إلا من مقدمتين، ورأى أن المقدمة الواحدة قد تنتج، وهو كلام مشكل الظاهر، إلا إذا طولع به هذا الموضع فربما استقام في النظر.

وقد تم -والحمد لله -الغرض المقصود، وحصل- بفضل الله- إنجاز ذلك الموعود على أنه قد بقيت أشياء لم يسع إيرادها؛ إذ لم يسهل على كثير من السالكين مرادها، وقل على كثرة التعطش إليها وُرَّادُها، فخشيت أن لا يَردوا مواردها، وأن لا يَنظموا في سلك التحقيق شواردها، فثنيت من جماح بيانها العنان، وأرحت من رسمها القلم والبنان، على أن في أثناء الكتاب رموزًا مشيرةً، وأشعةً توضح من شمسها المنيرة، فمن تهدَّى إليها رجا بحول الله الوصول، ومن لا، فلا عليه إذا اقتصر التحصيل على المحصول، ففيه- إن شاء الله- مع تحقيق علم الأصول علم يَذهب به مذاهب السلف، ويَقِفُهُ على الواضحة إذا اضطرب النظر واختلف.

فنسأل الله الذي بيده ملكوت كل شيء أن يعيننا على القيام بحقه، وأن يعاملنا بفضله ورفقه، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى".

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وفي هذا اليوم الثالث والعشرين من الشهر الثاني عشر سنة ست وثلاثين وأربعمائة وألف، انتهى التعليق على....

طالب: .......

الرابعة للتقويم.

طالب: طيب.

ماذا؟

طالب: صحيح.

الرابعة للتقويم، الثالث والعشرين.

طالب: لأنه لو مضت السنون الناس ما راح تربطها إلا باليوم.

ما علينا منه، نحن على الرؤية.

طالب: أحسن الله إليك.

يعني تم التعليق على هذا الكتاب فيما يزيد على عشر سنوات، بضع عشرة سنة، ما أدري على التحرير في أول درس متى كان، لكنها قطعًا أكثر من ثلاث عشرة سنة، والتعليق يناسب حجم الكتاب، وإن كان الكتاب في بعضه في مواضع منه فيها عسر يصعب فهمها على العالم والمتعلم والمعلم، ولكن على وجه نرجو أن يكون فيه فائدة.

وهذا الكتاب ألَّفه الشاطبي على طريقة فريدة تختلف اختلافًا كبيرًا عما سلكه المؤلفون في علم الأصول، سواء من كان منهم على طريقة المتكلمين أو على طريقة الحنفية، أو من يقدم الأصول ومن يؤخر الفروع، إلى آخره.

 المقصود أنه كتاب فريد، وفيه طول، وفي بعض مواضعه أو في بعض مباحثه شيء من العسر. وجهد المقل قد حصل في هذه المدة الطويلة، والله المستعان، وصلى الله على نبينا محمد.

ومعنا طبعات الكتاب؛ لأنه طُبع في أكثر من مرة، فأول طبعاته: طُبع في تونس، هذه طبعة تونس في أربعة أجزاء، هذه أول طبعة، وخالية من التعاليق، وفي سنة ألف وثلاثمائة واثنين، يعني من مائة وأربع وعشرين سنة، من مائة وأربع وثلاثين سنة.

يقول: وقد وافق الفراغ من طبعه يوم الاثنين الثاني والعشرين من المحرم الحرام فاتح شهور عام اثنين وثلاثمائة وألف من هجرة سيد الأنام -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-.

هذه طبعة تونس أول طبعة.

الطبعة الثانية، ذكر في معجم المطبوعات العربية والمعربة إلى سركيس، لا.

هذه: ذكر أنه طُبع الجزء الأول فقط في قازان في الشرق سنة ألف وتسعمائة وتسعة، في مائة وتسعة وثمانين صفحة، الجزء الأول فقط.

الطبعة التي تليها وهي الثالثة: طبعة المطبعة السلفية بمصر، سنة ألف وثلاثمائة وواحد وأربعين، على نفقة عبد الهادي بن الشيخ محمد منير الدمشقي، يعني أبوه محمد منير الدمشقي صاحب المطبعة المنيرية، ما أدري لماذا لم يطبع الكتاب في مطبعة أبيه، أو لأن المطبعة المنيرية قد تكون انتهت في ذلك الوقت، الله أعلم. وعلق عليها من قبل الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر، ومن قبل محمد حسنين مخلوف. والطبعة الثالثة هذه، وهي أجود الطبعات.

طالب: .......

أين؟

طالب: .......

طبعة قازان ما أدري عن صحتها، لأني على حرصي على الكتاب وطول بحثي عنه ما وجدتها، وهي جزء واحد من أربعة أجزاء.

هذه الطبعة إن شئت فقل رابعة، إن اعتبرنا طبعة قازان ناقصة: طبع في المطبعة التجارية في مصر، وعليها تعليقات وشرح للشيخ عبد الله دراز، شيخ علماء دمياط، وتعليقاته نفيسة جدًّا ومهمة، وبمناسبة ذِكر هذه الطبعة وهذا الشرح رأيت أربعة مجلدات.

طالب: .......

تحتاج إلى وقت لاستخراج التاريخ؛ لأنه أحيانًا يوضع في مكان غير واضح. على كل حال نتجاوز هذا.

ورأيت من معروضات الكتب القديمة في أربعة مجلدات شرح الموافقات، شرح الموافقات مخطوط، يعني مخطوط في، هذا هو، شرح الموافقات، فرحت به فرحًا شديدًا، لكن ما تمت هذه الفرحة، لماذا؟

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

لِمَ؟

طالب: .......

لأنه نسخ تعليقات الشيخ دراز، فقط، ولا زاد عليها ولا حرفًا، ما زاد عليها ولا حرفًا، نقلها نقلاً. وهناك صنف من الناس، يعني نسخة الشيخ دراز أجزم بأنها في أول الأمر لما طُبعت بأقل من جنيه، وأتصور أن عنده هذه الطبعة، الطبعة السلفية، وهو يحتاج إلى تعليقات دراز، وليست عنده، ولا يريد أن يشتري نسخة ثانية ليكرر الكتاب، وهذا بعض الناس يحمله الحرص على المادة إلى هذا الحد، عفا الله عن الجميع.

 وأذكر أنه قبل أربعين سنة خرج مجموع في مجموع القصائد المفيدة، منها منظومة الآداب لابن عبد القوي، بعد مدة يسيرة خرج غذاء الألباب شرح منظومة الآداب، فقلت لواحد من زملائنا: ترى خرج غذاء الألباب مطبوع طبعة جديدة وزينة طباعة، فليتك تقتني نسخة؛ لأنه نفيس ومفيد، وفيه فوائد كثيرة جدًّا. قال: لا والله أنا عندي المتن ولا ودي أن أكرر، أن منهجي أني ما أكرر، المتن عشر صفحات ماذا تكرر! فهذا بدل ما يشتري هذه النسخة بجنيه أو أقل من جنيه، راح يكتب كل التعليقات بأربعة مجلدات!

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

بعيدة عن الأصل؟

طالب: .......

لا لا، ما أتصور هذا، لكن بإمكانه أن يبيع هذه النسخة الأولى، ويشتري هذه النسخة، ويدفع الفرق.

على كل حال الرجل اجتهد، وله اجتهاده، وله وجهة نظره، لكن مع ذلك أنا فرحتي بها.

طالب: راحت.

ذهبت سدى، وهذه ما زالت موجودة ومخطوطة، أربعة مجلدات؛ لأنه لو كانت النسخة مغلوطة وقابلها على شيخ يصحح عليه، وصار فيه فرق بين المنسوخ والمنسوخ منه، ممكن. أما أن ينسخها بحروفها، وأجزم كالمعتاد أنه حصل فيها أخطاء أثناء النسخ، فلا فائدة.

آخر طبعة من الطبعات، لا أعني التصاوير أو النشرات التجارية، هذه لا عناية لي بها، آخرها: طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، هذه، محمد محيي الدين عبد الحميد يقول: بمطبعة المدني، بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.

هذه كم طبعة؟

طالب: .......

نعم، الخامسة.

في كتاب نظم مقاصد الموافقات، ما نظمه كاملاً بحروفه، لا، لكن مقاصد الكتاب نظمها وشرح النظم في كتاب أسماه: المرافق على الموافق، وهذا مطبوع بمطبعة أحمد يمني بفاس بالمغرب سنة ألف وثلاثمائة وأربع وعشرين، وأعيد طبعه قريبًا في جزأين، موجود في الأسواق.

واختُصر الكتاب في جزأين باسم: توضيح المشكلات في اختصار الموافقات، يقول: تأليف العلامة محمد يحيى الولاتي الشنقيطي، في جزأين، وأنا اقتنيته من أول ما ظهر، ثم فقدته بعد ذلك.

طالب: .......

راح بها البحر الذي دخل! بين هذه الكتب. ففقدته بعد ذلك، والآن جيء لي بنسخة وأنتم ترونها؛ لأني طلبت من واحد من الإخوان.

طالب: .......

ماذا؟

لا، هذا مختصر الموافقات.

اختصره أيضًا الدكتور محمد بن حسين الجيزاني من أساتذة الجامعة الإسلامية، مختصر صغير هو نصف اختصار الولاتي هذا، والأصل لا يُعدل به شيء، الذي يعتمد يعتمد على الكتاب الأصلي.

وحقق الكتاب في أكثر من تحقيق بعضها دعاوى، ومن أمثل ما ظهر من الطبعات المحققة طبعة دار ابن القيم ودار ابن عفان، وتولى التحقيق الشيخ أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، ويقع في ستة مجلدات السادس فهارس، واعتنى بتعليقات الشيخ دراز وأثبتها وتعليقات الشيخ مخلوف وتعليقات أيضًا محمد الخضر حسين، وتعليقات حسنين مخلوف مع الخضر حسين قليلة جدًّا بالنسبة لشرح الشيخ دراز.

والله أعلم.

 وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.