التعليق على الموافقات (1430) - 12

عنوان الدرس: 
التعليق على الموافقات (1430) - 12
عنوان السلسلة: 
التعليق على الموافقات
تاريخ النشر: 
الأربعاء, 28 جمادى الأول, 1439 - 10:15

سماع الدرس


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

نعم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:

فيقول العلامة الشاطبي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بعد أن انتهى من السفر الأول من كتابه: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الْكِتَابِ: فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى مَقَاصِدِ الْمُكَلَّفِ فِي التَّكْلِيفِ وَفِيهِ مَسَائِلُ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: إِنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ، وَالْمَقَاصِدَ مُعْتَبَرَةٌ فِي التَّصَرُّفَاتِ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ، وَالْأَدِلَّةُ عَلَى هَذَا المعنى لا تنحصر.

وَيَكْفِيكَ مِنْهَا أَنَّ الْمَقَاصِدَ تُفَرِّقُ بَيْنَ مَا هُوَ عَادَةٌ وَمَا هُوَ عِبَادَةٌ".

الإنسان يأكل فإما أن يأكل على سبيل العادة، وأنه هكذا وجد الناس يأكلون فيأكل مثلهم ليعيش من غير أي اعتبارٍ آخر، فهنا لا يؤجر ولا يؤاخذ، وإما أن يأكل ليتقوى بالأكل على العبادة، ويعيش ليحقق الهدف الذي من أجله خُلق فيكون في هذا مأجورًا معتبدًا لله -جلَّ وعلا- بهذا الأكل.

مثله النوم إما أن ينام بغير هدفٍ ولا نية، ينام لأنه محتاج إلى النوم لا أكثر ولا أقل، حينئذٍ لا وزر ولا أجر، وإما أن ينام بقصد التقوي على عبادة الله، وأن ينشط لوظائف اليوم اللاحق، فهذا نومه عبادة.

فإذا كانت النيات تفرِّق بين العادات بحيث تحولها إلى عباداتٍ أحيانًا، وتبقيها على أصلها عادات دون أجرٍ ولا وزر أحيانًا.

الرجل يعاشر امرأته ويكون له بذلك الأجر من الله جلَّ وعلا، استغرب الصحابة -رضوان الله عليهم-: أيأتي أحدنا شهوته وله أجر؟ قال: «نعم، أرأيت لو وضعها في حرام كان عليه وزر؟» قالوا: نعم، «فهكذا إذا وضعها في الحلال كان له أجر».

 وسياق الحديث يدل على أنه يؤجر ولو لم يقصد ولو لم ينوِ، بمجرد أنه وضعها في حلال، وإن كان القاعدة التي قعدوها أنه إنما يؤجر إذا قصد بذلك التعفف عن الحرام، ولفظ الحديث ليس فيه ما يشترط ذلك، بمجرد اتقائه الحرام وارتكابه الحلال له أجر. وعلى كل حال: فضل الله واسع.

"وَفِي الْعِبَادَاتِ بَيْنَ مَا هُوَ وَاجِبٌ وَغَيْرُ وَاجِبٍ، وَفِي الْعَادَاتِ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ، وَالْمُبَاحِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمُحَرَّمِ، والصحيبح وَالْفَاسِدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ".

يعني المقاصد تدخل في الأحكام كلها، في الأحكام التكليفية، وفي الأحكام الوضعية.

"وَالْعَمَلُ الْوَاحِدُ يُقْصَدُ بِهِ أَمْرٌ فَيَكُونُ عِبَادَةً، وَيُقْصَدُ بِهِ شيء آخر، فلا يكون كَذَلِكَ، بَلْ يُقْصَدُ بِهِ شَيْءٌ فَيَكُونُ إِيمَانًا، وَيُقْصَدُ بِهِ شَيْءٌ آخَرُ فَيَكُونُ كُفْرًا، كَالسُّجُودِ لِلَّهِ أَوْ لِلصَّنَمِ".

فإذا سجد لله كان عبادة، وإذا سجد للصنم كان كفرًا، والأمور بمقاصدها، يعني: لو وجدنا شخصًا يسجد لصنم ثم قُبض وهو على هذه الحال، يعني الظاهر من حاله الكفر، يُعامل معاملة الكفار؛ لأنه ما وضع الصنم بين يديه وسجد إلا له، لكن لو أراد أن يعتذر له من يعتذر وقال: إنه ما وجد سترة إلا هذا الصنم وهو يسجد لله -جلَّ وعلا-، ووضعه ستره، نقول: هذا خلاف الظاهر، والمعاملة إنما هي على الظاهر.

وما في القلوب لا يعلمه إلا علّام الغيوب، يعني الذي وقر في قلبه يحاسب عليه عند الله -جلَّ وعلا-، أما معاملتنا للشخص فهي معاملة الكفار، لا ندري عما في قلبه، وجدناه ساجدًا للصنم فهو كافر، ما عندنا إشكال في هذا، ومع ذلك إذا كان عنده شيء غير ذلك..

أحيانًا يسجد الإنسان وأمامه صنم وهو لا يشعر؛ لأن العمالة التي تتدين بأديان أخرى تدخل وتدس في أمور المسلمين ما لا يشعرون به، يعني: بعض غرف النوم تجد في الدالوب الكبير أو في السرير أو في غيره صورة تمثال، أنت تظنه زينة، أو ما انتبهت له، وإذا دققت فيه وجدته وثنًا، يُعبد في بلادهم، أنت لا تؤاخذ بهذا باعتبارك لا قصدت ولا نويت، حتى ولا علمت، لكن لما دققت وجدته، بخلاف من حمل هذا الصنم ويعرف أنه صنم ووضعه بين يديه وسجد له، ثم اعتذر عنه بأنه إنما سجد لله -جلَّ وعلا-، وقد اتخذه سترة. فرق بين هذا وهذا، وما في القلوب لا يعلمه إلا الله -جلَّ وعلا-، والحساب عنده، لكن الكلام فيما يتعلق بالمخلوق.

قد يطأ الإنسان أجنبيةً فلا يؤاخذ، وقد يطأ زوجته ويؤاخذ تبعًا للقصد، إذا وطئ امرأةً يظنها زوجته؛ عليه شيء أو لا؟ ما عليه شيء، لكن يظنها، ليس مسألة يتغافل ويتغابى ويتناسى، هذا الكلام ليس بصحيح؛ لأنه لن يخدع الله -جلَّ وعلا- بمثل هذا التصرف.

لكن لو وطئ زوجته على أنها فلانة من الناس غير زوجته؛ لاشك أنه آثم، فالأمور بمقاصدها.

"وَأَيْضًا؛ فَالْعَمَلُ إِذَا تَعَلَّقَ بِهِ الْقَصْدُ تَعَلَّقَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ، وَإِذَا عُرِّيَ عَنِ الْقَصْدِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْءٌ مِنْهَا؛ كَفِعْلِ النَّائِمِ وَالْغَافِلِ وَالْمَجْنُونِ".

هؤلاء قد رُفع القلم عنهم، فلا يؤاخذون ولا يكلفون بالنسبة لحقوق الله -جلَّ وعلا-، وأما بالنسبة لحقوق المخلوقين فالمؤاخذة عليهم واقعة باعتبار أن أفعالهم تتعلق بها الأحكام الوضعية، لا تتعلق بها الأحكام التكليفية.

يعني: شخص نائم فانقلب وهو نائم وهو لا يشعر على صبي فمات، أو على آلة فانكسرت، هو لا يأثم؛ لأن الحكم التكليفي مرفوع عنه، لكنه يضمن؛ لأن الحكم الوضعي متعلق بالأسباب ومسبباتها، وتسبب في قتل هذا الطفل أو في كسر هذه الآلة المنتفع بها.

"وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [الْبَيِّنَةِ: 5]، {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزُّمَرِ: 2]، {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإيمَانِ} [النَّحْلِ: 106].

وقال: {لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ} [التَّوْبَةِ: 54] .

وَقَالَ: {وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا [لِتَعْتَدُوا] 3} [الْبَقَرَةِ: 231] بَعْدَ قَوْلِهِ: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الْبَقَرَةِ: 231] .

وَقَالَ: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ} [النِّسَاءِ: 12]".

الناس لا يعرفون من وراء هذا التصرف أن هذا قد قصد المضارة أم لم يقصدها، لكن هذا بينه وبين ربه.

"وَقَالَ: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ} [الآية] إلى قوله: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [آلِ عِمْرَانَ: 28] .

وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ أمريء مَا نَوَى......»".

لأنه قد يتخذه وليًّا لا من أجل  التقية، ولا لأن يتقي به ضررًا أعظم، لكن إذا نوقش قال: أنتم ما تدرون، أنا أدفع بذلك شيئًا أعظم، وهو في الواقع غير ذلك، فيأثم.

وأما إذا تحقق فيه الاستثناء، والاستثناء مخصص، {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} يرتفع عنه الإثم، وكل هذا يدور مع النية.

"وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ أمريء مَا نَوَى......»  إِلَى آخِرِهِ.

وَقَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا؛ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»".

لأنه قد يقاتل في المعركة، يقاتل الكفار، ويثخن فيهم، ويبلي بلاءً حسنًا، فإما أن يكون في أعلى المراتب، وإما أن يكون من أول ما تُسعَّر بهم النار، والمُعوَّل على النية.

"وَفِيهِ: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ مَعِي فِيهِ شَرِيكًا؛ تَرَكْتُ نَصِيبِي لِشَرِيكِي»".

«فمن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» في بعض الروايات.

على كل حال: الشرك، ومنه الشرك الخفي الذي لا يُطلع عليه، وقد يتفلت على العامل نفسه، قد يقع فيه وهو لا يشعر، وهو أخفى من دبيب النمل؛ فيلحذره الإنسان وليتقه، ويكثر من قول: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم»؛ لأنه قد يقع في الشرك وهو لا يشعر، والنية شرود، فلا بد من تعاهدها.

"وَتَصْدِيقُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الْكَهْفِ: 110].

وَأَبَاحَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- لِلْمُحْرِمِ أَكْلَ لحم الصيد ما لم يصده أو يُصَدْ لَهُ، وَهَذَا الْمَكَانُ أَوْضَحُ فِي نَفْسِهِ مِنْ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ".

المسألة بجملتها واضحة لا تخفى على أحد، وسوق الأدلة إنما هو من أجل التذكير، وإلا فأدلتها أكثر من أن تُحصر، يعني يصيد الشخص الصيد، ثم بعد ذلك يقدمه لاثنين قد تلبسَّا بالإحرام، رفقة، اثنان، كل منهما محرم، فيحل لواحد ويحرم على الثاني، لماذا؟ الذي أحل له لم يصده ولم يُصد لأجله، يعني ما قُصد بالصيد، والثاني صيد من أجله، فلا يحل له، وقال النبي -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- لمَّا رد الصيد: «إنَّا لم نرده إلا أنَّا حُرُم»، وعرف بهذا أنه صيد من أجله، وأكل من حمار الوحشي الذي صاده أبو قتادة؛ لأنه لم يصده من أجله.

"لَا يُقَالُ: إِنَّ الْمَقَاصِدَ وَإِنِ اعْتُبِرَتْ عَلَى الْجُمْلَةِ؛ فَلَيْسَتْ مُعْتَبَرَةً بِإِطْلَاقٍ، وَفِي كُلِّ حَالٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَشْيَاءُ:

مِنْهَا: الْأَعْمَالُ الَّتِي يَجِبُ الْإِكْرَاهُ عَلَيْهَا شَرْعًا، فَإِنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الْفِعْلِ يُعْطِي ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ فِيمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ امْتِثَالَ أَمْرِ الشَّارِعِ".

يعني من رفض دفع الزكاة، ثم أُخِذَت منه قهرًا، أخذها الإمام منه قهرًا، قالوا: يسقط عنه الطلب، فلا يطالب بها مرةً ثانية، يسقط بها الطلب فلا يطالب بها مرة ثانية، ولو لم ينوها، إن أُخذ منه قهرًا في حال الإكراه.

ويبقى: أنه هل تبرأ ذمته؟ كونه لا يطالب بها، كون الخلق الإمام أو نائبه لا يطالبونه، لكن هل يخرجها باعتبار أنه لم يقصد بإخراجها إسقاط الواجب عنه بل أُخذت منه؟ هذه مسألة ثانية. نعم.

كونه يأثم على عدم النية يأثم بلا شك، لكن الكلام في كونه برئت ذمته أم لم تبرأ؟ المسألة في المعاملة لا يطالب بها، ترتبت عليها آثارها، وسقط بها الطلب، فهي صحيحة من هذا الوجه، وإن كانت في الباطن ليست بصحيحة.

"إِذْ لَمْ يَحْصُلِ الْإِكْرَاهُ إِلَّا لِأَجْلِهِ، فَإِذَا فَعَلَهُ وَهُوَ قَاصِدٌ لِدَفْعِ الْعَذَابِ عَنْ نَفْسِهِ؛ فَهُوَ غَيْرُ قَاصِدٍ لِفِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْعَمَلَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالنِّيَّةِ الْمَشْرُوعَةِ فِيهِ، وَهُوَ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَصِحَّ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ، كَانَ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءً، فَكَانَ يَلْزَمُ أَنْ يُطَالَبَ بِالْعَمَلِ أَيْضًا ثَانِيًا، وَيَلْزَمُ فِي الثَّانِي مَا لَزِمَ فِي الْأَوَّلِ".

يطالب بدفع الزكاة الثانية، لماذا؟ لأنه تخلَّف شرطها، ثم بعد ذلك يُكره على دفعها، ثم يطالب بها ثالثًا؛ لأنه دفعها مرة ثانية بالإكراه، وهو لم يقصد الدفع، ثم يلزم على ذلك التسلسل الذي لا نهاية له، إلى أن تجود بها نفسه، فإذا لزم التسلسل قلنا إنها من الأول صحيحة ومسقطة للطلب، وأمره إلى الله.

"وَيَتَسَلْسَلُ أو يكون الإكراه عَبَثًا".

معناه أنه إما أن نكرهه في المرة الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والمائة؛ لأنه لم يتوافر شرط القبول الذي هو الإخلاص، وقصد التقرب إلى الله- جلَّ وعلا-.

أو نقول: الإكراه عبث لا نكرهه، وكلاهما محال؛ لأن كون العمل يتسلسل إلى ما لا نهاية، يعني يخرج الزكاة ألف مرة، وكلها نقول: لا تصح، لا بد من إخراجها، فيتسلسل إلى ما لا نهاية. أو نقول: إنه لا داعي للإكراه من أصله، ما دام رفض وأخذنها منه أو لم نأخذها، زكاته باطلة، فلماذا نأخذها؟ وكلاهما محال. بل لا بد من أخذها منه، أو يصحح العمل بلا نية؟

إن صح في الظاهر، نقول: يصحح العمل في الظاهر ويسقط به الطلب بعد الإكراه الأول، وهو المطلوب.

طالب: هذا لكونه تعلق الحكم بالحكم التكليفي أو الوضعي يا شيخ؟ يعني هل متصور له فقط التكليف المتعلق فيه؟

لا، هو الاحتمالان أو الثلاثة احتمالات التي ذكرها لا بد منها:

إما أن يُكره ثانيةً بعد إكراهه في المرة الأولى؛ لأنه لم يقصد بإخراجها أداء الزكاة المفروضة التي أوجبها الله عليه، ثم نقول: إنه مادام الشرط لم يتحقق فهي باطلة يُكره ثانية! ثم نقول: الشرط لم يتحقق ويكره ثالثة! وهكذا إلى ما لا نهاية.

طالب: لو صورناها في الصلاة يا شيخ.

هذا فاسد؛ إذًا لا يُفعل، أو نقول: لا يُكره من الأصل ما دام إكراهه على دفع الزكاة وهي لا تصح منه في المرة الأولى، فلماذا نكرهه؟ هذا عبث، يعني يترك الناس ما يزكون؟ ما يتركون، كلاهما محال؛ إذًا يصحح العمل بهذه الطريقة ولو لم ينوِ ولو لم يقصد.

والمقصود بالصحة: ترتب الأثر عليه، بمعنى أنه لا يطالب بها مرة ثانية، يسقط بها الطلب.

طالب: في الصلاة يا شيخ، كيف يتصور؟ ما يصلي وأُكره على الصلاة.

أكره على الصلاة ودخل وصلى مع الناس؛ صلاته باطلة، لم ينوها، لكن لو قلب وعند وقوفه بين يدي الله- جلَّ وعلا- في الصف نوى أن يصلي، هذا ما فيه إشكال، لكن بعضهم إما أن يصلي إكراهًا وإجبارًا، وإما أن يصلي تقية، فتجده يصلي أحيانًا بلا وضوء، وهذا مُتصور، يصلي بلا وضوء؛ لأنه مكره، أو لأنه أن الذي صلى خلفه لا تصح صلاته معه؛ هذا لا تصح صلاته قولاً واحدًا، لكن مع ذلك لا يُجبر عليها مرةً ثانية مثل الزكاة.

"وَكِلَاهُمَا مُحَالٌ، أَوْ يَصِحَّ الْعَمَلُ بِلَا نِيَّةٍ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.

وَمِنْهَا أَنَّ الْأَعْمَالَ ضَرْبَانِ: عَادَاتٌ، وَعِبَادَاتٌ، فَأَمَّا الْعَادَاتُ؛ فَقَدْ قَالَ الْفُقَهَاءُ: إِنَّهَا لَا تَحْتَاجُ فِي الِامْتِثَالِ بِهَا إِلَى نِيَّةٍ، بَلْ مُجَرَّدُ وُقُوعِهَا كَافٍ؛ كَرَدِّ الْوَدَائِعِ والغصوب، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الزَّوْجَاتِ وَالْعِيَالِ وَغَيْرِهَا؛ فَكَيْفَ يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمَقَاصِدَ مُعْتَبَرَةٌ فِي التَّصَرُّفَاتِ؟ وَأَمَّا الْعِبَادَاتُ؛ فَلَيْسَتِ النِّيَّةُ بِمَشْرُوطَةٍ فِيهَا بِإِطْلَاقٍ أَيْضًا، بَلْ فِيهَا تَفْصِيلٌ وَخِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي بَعْضِ صُوَرِهَا؛ فَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ، وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ وَالزَّكَاةُ، وَهِيَ عِبَادَاتٌ، وَأَلْزَمُوا الْهَازِلَ الْعِتْقَ وَالنَّذْرَ، كَمَا أَلْزَمُوهُ النِّكَاحَ وَالطَّلَاقَ وَالرَّجْعَةَ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، والرجعة».

وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «مَنْ نَكَحَ لَاعِبًا، أَوْ طَلَّقَ لَاعِبًا، أَوْ أَعْتَقَ لَاعِبًا؛ فَقَدْ جَازَ».

وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَرْبَعٌ جَائِزَاتٌ إِذَا تُكُلِّمَ بِهِنَّ".

"جائزات" يعني نافزات، جائزات سمعنا أنها مباحات، لا، لكنها نافذات.

"الطَّلَاقُ، وَالْعِتَاقُ، والنكاح، والنذز.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْهَازِلَ مِنْ حَيْثُ هُوَ هَازِلٌ لَا قَصْدَ لَهُ فِي إِيقَاعِ مَا هَزَلَ بِهِ، وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فِيمَنْ رَفَضَ نِيَّةَ الصَّوْمِ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ وَلَمْ يُفْطِرْ أَنَّ صَوْمَهُ صَحِيحٌ، وَمَنْ سَلَّمَ مِنَ اثْنَتَيْنِ فِي الظُّهْرِ مَثَلًا ظَانًّا لِلتَّمَامِ؛ فَتَنَفَّلَ بَعْدَهَا بِرَكْعَتَيْنِ".

خلافًا لغيرهم من أهل العلم أنهم يقولون: من نوى الإفطار أفطر.

"وَمَنْ سَلَّمَ مِنَ اثْنَتَيْنِ فِي الظُّهْرِ مَثَلًا ظَانًّا لِلتَّمَامِ؛ فَتَنَفَّلَ بَعْدَهَا بِرَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ أَجَزَأَتْ عَنْهُ رَكْعَتَا النَّافِلَةِ عَنْ رَكْعَتَيِ الْفَرِيضَةِ، وَأَصْلُ مَسْأَلَةِ الرَّفْضِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا؛ فَجَمِيعُ هَذَا ظَاهِرٌ فِي صِحَّةِ الْعِبَادَةِ مَعَ فَقْدِ النِّيَّةِ فِيهَا حَقِيقَةً".

يعني غير مالك يقول: إن نوى الإفطار فطر، فلا يرد هذا الإشكال، وغيره أيضًا يقول: من سلَّم من ثنتين تذكر أنه لم يتم صلاته وطال الفصل يستأنف الصلاة، إن أتى بالنافلة بطلت فريضته فلا بد من استئنافها، وإن قال من قال إن النافلة تقوم مقام الثنتين الأخريين.

"وَمِنْهَا: أَنَّ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا لَا يُمْكِنُ فيه قصد الامتثال عقلا، وهو النظر الْأَوَّلُ الْمُفْضِي إِلَى الْعِلْمِ بِوُجُودِ الصَّانِعِ، وَالْعِلْمِ بِمَا لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ إِلَّا بِهِ؛ فَإِنَّ قَصْدَ الِامْتِثَالِ فِيهِ مُحَالٌ حَسَبَمَا قَرَّرَهُ الْعُلَمَاءُ".

الإنسان أول ما يبدأ ينظر في الأدلة، يعني: لما يُدعى شخص ويُترك له فرصة ليتأمل، هل يقصد في هذا التأمل وفي هذا النظر التقرب إلى الله -جلَّ وعلا-؟ هو إلى الآن لم يؤمن بالله جلَّ وعلا، فلا يُتصور منه قصد الامتثال ولا قصد التقرب؛ لأنه تكليف بما لا يُطاق، بل بما لا يمكن تحققه.

"فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ كُلَّ عَمَلٍ لَا يَصِحُّ بِدُونِ نِيَّةٍ؟ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا كُلُّهُ دَلَّ عَلَى نَقِيضِ الدَّعْوَى، وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ عَمَلٍ بِنِيَّةٍ وَلَا أَنَّ كَلَّ تَصَرُّفٍ تُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَقَاصِدُ هَكَذَا مُطْلَقًا.

لِأَنَّا نُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأَمْرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ الْمَقَاصِدَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْأَعْمَالِ ضَرْبَانِ:

ضَرْبٌ هُوَ مِنْ ضَرُورَةِ كُلِّ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُخْتَارٌ، وَهُنَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ كُلَّ عَمَلٍ مُعْتَبَرٌ بِنِيَّتِهِ فِيهِ شَرْعًا، قُصِدَ بِهِ امْتِثَالُ أَمْرِ الشَّارِعِ أَوْ لَا، وَتَتَعَلَّقُ إِذْ ذَاكَ الْأَحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ؛ فَإِنَّ كُلَّ فَاعِلٍ عَاقِلٍ مُخْتَارٍ إِنَّمَا يَقْصِدُ بِعَمَلِهِ غَرَضًا مِنَ الْأَغْرَاضِ".

لأنه لا يعمل عبثًا، وليس له قصد من هذا العمل، لا بد أن يقصد، فإما أن يقصد الله -جلَّ وعلا-، وهذا هو المطلوب، أو يقصد غيره فيقع التشريك. إما أن يقع العمل بدون قصد وبغير نية من عاقل مختار، فهذا ضرب من العبث.

"حَسَنًا كَانَ أَوْ قَبِيحًا، مَطْلُوبَ الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ أَوْ غَيْرَ مَطْلُوبٍ شَرْعًا، فَلَوْ فَرَضْنَا الْعَمَلَ مَعَ عَدَمِ الِاخْتِيَارِ كَالْمُلْجَأِ وَالنَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَهَؤُلَاءِ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ؛ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِأَفْعَالِهِمْ مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ؛ فَلَيْسَ هَذَا النَّمَطُ بِمَقْصُودٍ لِلشَّارِعِ؛ فَبَقِيَ مَا كَانَ مَفْعُولًا بِالِاخْتِيَارِ لَا بد فيه من القصد، وإذ ذلك تَعَلَّقَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ، وَلَا يَتَخَلَّفُ عَنِ الْكُلِّيَّةِ عَمَلٌ أَلْبَتَّةَ، وَكُلُّ مَا أُورِدَ فِي السُّؤَالِ لَا يَعْدُو هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ؛ فَإِنَّهُ إِمَّا مَقْصُودٌ لِمَا قُصِدَ لَهُ مِنْ رَفْعِ مُقْتَضَى الْإِكْرَاهِ أَوِ الْهَزْلِ أَوْ طَلَبِ الدَّلِيلِ أَوْ غَيْرِ ذلك؛ فيتنزل على ذَلِكَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ بِالِاعْتِبَارِ وَعَدَمُه"...

وعَدَمِهِ.

 فيتنزل على ذَلِكَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ بِالِاعْتِبَارِ وَعَدَمِهِ، وَإِمَّا غَيْرُ مَقْصُودٍ؛ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ عَلَى حَالٍ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ؛ فَمِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ لَا مِنْ بَابِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ؛ فَالْمُمْسِكُ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ لِنَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ إِنْ صَحَّحْنَا صَوْمَهُ؛ فَمِنْ جِهَةِ خِطَابِ الْوَضْعِ، كَأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ نَفْسَ الْإِمْسَاكِ سَبَبًا فِي إِسْقَاطِ الْقَضَاءِ أَوْ فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ شَرْعًا، لَا بِمَعْنَى أنه مخاطب به وجوبا، وكذلك ما فِي مَعْنَاهُ.

وَالضَّرْبُ الثَّانِي: لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ كُلِّ فِعْلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ ضَرُورَةِ التَّعَبُّدِيَّاتِ من حيث هي تعبديات؛ فإنَّ الأعمالَ كُلَّهَا الدَّاخِلَةَ تَحْتَ الِاخْتِيَارِ لَا تَصِيرُ تَعَبُّدِيَّةً إِلَّا مَعَ الْقَصْدِ إِلَى ذَلِكَ، أَمَّا مَا وُضِعَ".

حتى العادات تكون عبادات بالنيات، بالمقاصد، على ما ذكر في الأدلة.

"أَمَّا مَا وُضِعَ عَلَى التَّعَبُّدِ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِهِمَا؛ فَلَا إشكال فيه، وأما العادايات، فَلَا تَكُونُ تَعَبُّدُيَّاتٍ إِلَّا بِالنِّيَّاتِ، وَلَا يَتَخَلَّفُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ شَيْءٌ إِلَّا النَّظَرُ الْأَوَّلُ".

يعني إذا كان وُضع على جهة التبعد كالصلاة، الصلاة لا تُصور إلا عبادة على هيئتها الشرعية، فالنية حاصلة بمجرد القصد إليها، لكن يبقى من النيات ما يفرق بين صلاةٍ وصلاة، كونه يقصد الصلاة وهو عاقل مُكلَّف رشيد، بمجرد امتثاله ووقوفه بين يدي الله -جلَّ وعلا- حصل المقصود، ولذلك لا يتلفظ بنية، وهو إنما وقف في الصف ليصلي، ووقف أمام الماء ليتوضأ، ما يحتاج إلى أن يقول: نويت أن أتوضأ ونويت أن أصلي.

لكن هذه الصلاة التي أراد الشروع فيها لا بد أن يستحضر أنها فريضة أو نافلة، صلاة ظهر، صلاة عصر، المقصود: أن النيات تفرق بين الأعمال الجزئية، وإن كان عمل الأصل كله عبادة محضة.

في الصيام مثلاً باعتباره لا يستوعب إلا عبادة واحدة، يعني رمضان من أوله إلى آخره، هل يتصور أنه لا بد من نية تفرق بين النافلة والفرض؟ ما يحتاج إلى نية تفرق بين النفل والفرض باعتبار أن الوقت لا يستوعب غير الفرض، بينما الصلاة وقتها يستوعب، فنحتاج إلى التفريق بين النفل والفرض.

"وَلَا يَتَخَلَّفُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ شَيْءٌ إِلَّا النَّظَرُ الْأَوَّلُ لِعَدَمِ إِمْكَانِهِ، لَكِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعٌ إِلَى أَنَّ قَصْدَ التَّعَبُّدِ فِيهِ غَيْرُ مُتَوَجِّهٍ عَلَيْهِ؛ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ أَلْبَتَّةَ".

لا يتعلق به حكم تكليفي؛ لأنه إلى الآن ليس مخاطبًا بهذا الحكم، يعني إن كان مخاطبًا في الجملة، لكن لا يصح منه قبل أن يسلم، فالنية غير معتبرة فيه، لا يُطالب شخص قبل أن يسلم أن ينوي؛ ولذلك لو طالبناه أن ينوي الإسلام وهو في طور النظر في الأدلة سواء كانت النقلية أو العقلية، يعني: اترك له فرصة يتأمل، لا يتأمل إلا بنية؟ بنية التقرب إلى الله؟ قلنا: إنه إلى الآن ما آمن بالله لينوي التقرب إليه!

"فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ أَلْبَتَّةَ بِنَاءً عَلَى مَنْعِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ، أَمَّا تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ بِنَفْسِ الْعَمَلِ؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي صِحَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ قَادِرٌ عَلَيْهِ مُتَمَكِّنٌ مِنْ تَحْصِيلِهِ، بِخِلَافِ قَصْدِ التَّعَبُّدِ بِالْعَمَلِ؛ فَإِنَّهُ مُحَالٌ، فَصَارَ فِي عِدَادِ مَا لَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ؛ فَلَمْ تَتَضَمَّنْهُ الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى طَلَبِ هَذَا الْقَصْدِ أَوِ اعْتِبَارِهِ شَرْعًا.

وَالثَّانِي: مِنْ وَجْهَيِ الْجَوَابِ بِالْكَلَامِ عَلَى تَفَاصِيلِ مَا اعْتُرِضَ بِهِ.

فَأَمَّا الْإِكْرَاهُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ؛ فَمَا كَانَ مِنْهَا غَيْرَ مُفْتَقِرٍ إِلَى نِيَّةِ التَّعَبُّدِ وقصد امتثال الأمر؛ فلا يصح في عِبَادَةٌ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ حَصَلَتْ فَائِدَتُهُ فَتَسْقُطُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ شَرْعًا؛ كَأَخْذِ الْأَمْوَالِ مِنْ أَيْدِي الْغُصَّابِ، وَمَا افْتَقَرَ مِنْهَا إِلَى نِيَّةِ التَّعَبُّدِ؛ فلا يجزئ فِعْلُهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُكْرَهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ حتى ينوي القربة كالإكراه عَلَى الصَّلَاةِ، لَكِنَّ الْمُطَالَبَةَ تَسْقُطُ عَنْهُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ".

لو شخص مدين بدين بالرضى أو بالغصب، أخذ مالاً لغيره فأوصله إليه بأي طريقة؛ برئت ذمته وصح أداؤه للدين ولو لم يقصد.

أما بالنسبة للثواب والعقاب المرتب على الامتثال وعدمه فهذا شيء آخر.

لو أن شخصًا مدينًا لزيد من الناس بألف ريال، وزيد هذا له دين على آخر ألف ريال، يعني عندنا ثلاثة: زيد، وعمرو، وبكر، زيد له دين عند عمرو، وعمرو له دين عند بكر، ألف وألف، جاء بكر إلى عمرو فأعطاه الألف، قال: ادفعها لزيد، دفع الألف إلى عمرو باعتبار أنها بذمة بكر، فقبلها الدائن زيد، وقال: هذه التي بذمتك أنت، وبكر أخلص أنا معه، هو ما نوى أن يسدد عن نفسه، وذهب إلى بكر وبكر عنده مال لعمرو، فقال: نعتبر هذا المال الذي دفعته عن ذمتك، وأنا أخصم هذا الألف الذي دفعته لك من مالك عندي، وأدفع لعمرو، هذه ما فيها نيات كلها لهؤلاء، لكن مع ذلك يسقط بها الطلب، لماذا؟ لأن التخلص من الديون والتخلص من الغصوب، التخلص من حقوق الأولاد والزوجات كلها تبرأ الذمة بمجرد وصول الحق إلى صاحبه، لكن الثواب على ذلك والعقاب شيء آخر، عمرو هذا الذي ما نوى أن يسدد وما كان في نيته أن يدفع الدين ألبتة، هو يأثم بهذه النية.

 الأب الذي أخذت منه الزوجة بغير علمه نفقتها أو نفقة أولادها تبرأ ذمتها بذلك، لكنه يأثم بنيته عدم الإنفاق عليهم، وهكذا.

طالب: .........

براءة الذمة من الدين بحيث لا يطالب به، النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: «خذي من ماله ما يكفيكِ وولدك بالمعروف» يعني ولو لم يقصد ولو لم يعلم.

طالب: يترتب عليه أجر ...

لا لا، الأجر ما فيه إلا على القصد، حتى ما يضعه في امرأته لا بد من القصد.

"فَلَا يُطَالِبُهُ الْحَاكِمُ بِإِعَادَتِهَا؛ لِأَنَّ باطن الأمر غير معلوم للعباد، فلم يطلبوا بِالشَّقِّ عَنِ الْقُلُوبِ.

وَأَمَّا الْأَعْمَالُ الْعَادِيَّةُ -وَإِنْ لَمْ تَفْتَقِرْ فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهَا إِلَى نِيَّةٍ-؛ فَلَا تَكُونُ عِبَادَاتٍ وَلَا مُعْتَبَرَاتٍ فِي الثَّوَابِ إِلَّا مَعَ قَصْدِ الِامْتِثَالِ، وَإِلَّا كَانَتْ بَاطِلَةً، وَبَيَانُ بُطْلَانِهَا فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، وَمَا ذُكِرَ مِنَ الْأَعْمَالِ التَّعَبُّدِيَّةِ؛ فَإِنَّ الْقَائِلَ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهَا بَانٍ عَلَى أَنَّهَا كَالْعَادِيَّاتِ وَمَعْقُولَة الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِيمَا كَانَ غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى؛ فَالطَّهَارَةُ وَالزَّكَاةُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا الصَّوْمُ؛ فَبِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَفَّ قَدِ اسْتَحَقَّهُ الْوَقْتُ؛ فَلَا يَنْعَقِدُ لِغَيْرِهِ".

لاسيما رمضان، قلنا: الأمور المعقولة المعنى ليست تعبديات، الطهارة من أجل رفع الحدث، ولا شك أن علتها معقولة، تنظيف هذه الأطراف التي تزاول الأوساخ أمرٌ معقول، فلا يشترطون لها النية؛ لأنها معقولة المعنى، وهذا عند الحنفية خاصة؛ ولذا يفرقون بين الوضوء والتيمم، التيمم غير معقول المعنى، ما يزيل أوساخًا، ولا يرفع حدثًا عندهم، فيشترطون له النية، أما بالنسبة للماء -وهو الأصل في الطهارة باعتبار أنه معقول المعنى ويزيل الأوساخ- فلا يحتاج إلى النية.

الصيام من قال: إنه لا يحتاج إلى النية باعتبار أنه -لاسيما رمضان الذي لا يستوعب غير الفرض- ما يحتاج إلى نية تميز هذا من هذا.

"وَلَا يَصْرِفُهُ قَصْدُ سِوَاهُ، وَلِهَذَا نَظَائِرُ فِي الْعَادِيَّاتِ؛ كَنِكَاحِ الشِّغَارِ، فَإِنَّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُنْعَقِدٌ عَلَى وجه الصحة وإن لم يقصدوه".

نكاح الشغار: الشغار يزوجه ابنته على أن يزوجه ابنته، ليس بينهما صداق، يقول: "فَإِنَّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مُنْعَقِدٌ عَلَى وجه الصحة" يعني مع التحريم، وغيره يقول: هو باطل؛ لأن النهي عائد إلى ذات العقد، لا إلى أمرٍ خارج، فهو عائد إلى ذات العقد، فهو باطل، "وإن لم يقصدوه" يعني: ما قصدوا الشغار، باعتبار أنه من باب أن كل واحد منهما كفء لمولية الآخر، شخص من خيار الناس تتوافر فيه جميع الشروط، كل يتمناه، وله زميل كذلك، وهذا هو الولي على أخته، وهذا هو الولي على أخته، هل نقول: إن هذا محرم أو مباح؟

طالب: مباح.

لماذا؟

طالب: لمقاصد الكفء وليس لمقاصد ...

لأنه ما جُعلت الأخت مهرًا للأخرى، يعني ما جعلت في مقابل بضع الأخرى، وفي الغالب أن الشغار إنما يحصل عند الخلل في الكفاءة، ولا يمكن أن يبادل رجل بابنته إلا إذا بحث عن زوجة فلم يجد، أو وجد دون ما يريد، فتجده يساوم بابنته، هذا هو الشغار الممنوع.

وعلى كل حال: إذا التبست الصور اتجه المنع، والبعد عن الشبهات لا شك أنه هو الأصل.

طالب: .........

جاء في الخبر: ليس بينهما مهر، لكن قد يكون المهر صوريًّا، أزوجك أختي وتعطيني عشرة آلاف، وتزوجني أختك وأعطيك عشرة آلاف، ماذا صار؟ والمقصود المعوَّل عليه: كون الأخت هذه مهرًا لبضع الأخرى، يعني إذا كان صوريًّا لا حقيقة له؛ فلا يؤثر، ما له قيمة.

 

"وَأَمَّا النَّذْرُ وَالْعِتْقُ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُمَا؛ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْقَاصِدَ لِإِيقَاعِ السَّبَبِ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلْمُسَبَّبِ لَا يَنْفَعُهُ عَدَمُ قَصْدِهِ لَهُ عَنْ وُقُوعِهِ عَلَيْهِ، وَالْهَازِلُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَاصِدٌ لِإِيقَاعِ السَّبَبِ بِلَا شَكٍّ".

شخص قال لزوجته وهي أم أولاده: لو أنتِ زوجة لي لطلقتكِ، وهي زوجته، تزوجها منذ نصف قرن، ولم يسبق أن طلقها، لا قاصدًا ولا هازلًا، يمزح معها، قال: لو أنتِ زوجة لي لطلقتك، يقع أو ما يقع؟ نعم؛ لأنه علَّق الطلاق على شيء محقق.

لو: حرف امتناع لوجود، امتنع الطلاق...

طالب: .........

الامتناع الذي نص عليه، الامتناع امتناع الزوجية أو امتناع عدم الزوجية؟

طالب: عدم الزوجية.

لكن الزوجية محققة، فمادامت الزوجية محققة؛ وقع ما عُلق عليها.

"وَهُوَ فِي الْمُسَبَّبِ إِمَّا غَيْرُ قَاصِدٍ لَهُ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، وَإِمَّا قَاصِدٌ أَنْ لَا يَقَعَ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ؛ فيلزمه المسبب شاء أم أبى، وإذا قُلْنَا بِعَدَمِ اللُّزُومِ؛ فَبِنَاءً عَلَى أَنَّهُ نَاطِقٌ بِاللَّفْظِ غَيْرُ قَاصِدٍ لِمَعْنَاهُ، وَإِنَّمَا قَصَدَ مُجَرَّدَ الْهَزْلِ بِاللَّفْظِ، وَمُجَرَّدُ الْهَزْلِ لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ حُكْمٌ إِلَّا حُكْمُ نَفْسِ الْهَزْلِ وَهُوَ الْإِبَاحَةُ أَوْ غَيْرُهَا، وَقَدْ عُلِّلَ اللُّزُومُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ بِأَنَّ الْجِدَّ وَالْهَزْلَ أَمْرٌ بَاطِنٌ؛ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ جِدٌّ وَمُصَاحِبٌ لِلْقَصْدِ لِإِيقَاعِ مَدْلُولِهِ".

ليس للناس إلا الظاهر، هذا نطق بلفظةٍ صريحة، طلاق أو عتق، هذه لفظة صريحة يؤاخذ بها، سواء كونه قصد أو لم يقصد، هذا يُديَّن به عند الله -جلَّ وعلا-.

"أَوْ يُقَالُ: إِنَّهُ قَاصِدٌ بِالْعَقْدِ -الَّذِي هُوَ جِدٌّ شَرْعِيٌّ- اللَّعِبَ؛ فَنَاقَضَ مَقْصُودَ الشَّارِعِ؛ فَبَطَلَ حُكْمُ الْهَزْلِ فِيهِ، فَصَارَ إِلَى الْجِدِّ.

وَمَسْأَلَةُ رَفْضِ نِيَّةِ الصَّوْمِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ انْعَقَدَ على الصحة؛ فالنية الأولى مُسْتَصْحَبَةٌ حُكْمًا حَتَّى يَقَعَ الْإِفْطَارُ الْحَقِيقِيُّ، وَهُوَ لم يكن؛ فيصح الصَّوْمُ، وَمِثْلُهُ نِيَابَةُ رَكْعَتَيِ النَّافِلَةِ عَنِ الْفَرِيضَةِ".

يعني على القول بصحة المسألتين عند مالك.

"لِأَنَّ ظَنَّ الْإِتْمَامِ لَمْ يَقْطَعْ عِنْدَ الْمُصَحِّحِ حُكْمَ النِّيَّةِ الْأُولَى، فَكَانَ السَّلَامُ بَيْنَهُمَا وَالِانْتِقَالُ إلى نية التنقل لَغْوًا لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا، وَعَلَى هَذَا السَّبِيلِ تَجْرِي مَسْأَلَةُ الرَّفْضِ".

يعني لو أن الإنسان خرج من صلاته على نية التمام، وفعل ما يناقض الصلاة، ما يبطل الصلاة، وهو على نيته أن صلاته تمت، ثم تنبه أو نُبه فأتم صلاته -كما في حديث ذي اليدين-؛ الصلاة صحيحة، لكن لو خرج منها إلى غيرها، إلى عبادةٍ أخرى، أو نفترض أنه خرج، ونقض الوضوء، وتوضأ، ثم تذكر أن صلاته ناقصة، نقول: يكمل؟ لا يكمل.

لو أن شخصًا طاف للإفاضة، ثم بطل طوافه بمبطل وهو لا يدري، ثم طاف طوافًا صحيحًا للوداع وسافر إلى بلده، ثم لما سأل قيل له: طواف الإفاضة باطل، قال: أنا طفت للوداع، يقوم مقامه أو ما يقوم؟

طالب: لا يقوم، ما نوى.

عند الشافعية وغيرهم يقوم مقامه؛ لأن النية في الحج وفي أنواعه وفي أجزائه فيها شيء من السعة، أوسع من الصلاة والصيام وغيرهما من الأحكام.

 الحج لما طافوا في حجة الوداع طافوا مع النبي -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- بنية طواف القدوم، أمرهم النبي -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أن يجعلوها عمرة، ويضيفوا لها سعيًا، وتنتهي عمرة كاملة، فالنية في الحج لا شك أنها من خلال ما جاء فيها في حجة النبي -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- في قلب النيات، وفي كذا أمرها أخف، وإن كان بعضهم يرى أن هذا خاص بتلك الحجة، وأن الأمور استقرت، والأعمال بالنيات، ولا يغير شيء بشيء كغيرها من العبادات.

"وَأَمَّا النَّظَرُ الْأَوَّلُ؛ فَقَصْدُ التَّعَبُّدِ فِيهِ مُحَالٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الوجه الأول، وبالله التوفيق".

اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وصحبه.