شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الاعتكاف - 05

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الاعتكاف - 05
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
الثلاثاء, 4 رمضان, 1438 - 14:45

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله مُحمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، مستمعينا الكِرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا وسهلًا ومرحبًا بكم في هذا اللقاء الجديد في شرح التجريد الصريح في حلقاته الرمضانية، أُرحب بكم كما أرحب بمعالي الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخُضير- وفقهُ الله- عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء، فمرحبًا بكم فضيلة الشيخ وأهلًا وسهلًا.

حياكم الله وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: لا يزال الكلام في ترجمة الباب باب الاعتكاف في العشر الأواخر والاعتكاف في المساجد كلها، وفي حديث عائشة –رضي الله عنها- زوج النبي- صلى الله عليه وسلم-، وفيه: «أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده».

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا مُحمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: ففي الحلقة السابقة في آخرها، نقلنا عن كتاب الإنصاف، كتاب مشهور من كتب الحنابلة الخاصة، يجمع روايات المذهب ويرجح بينها، ولذلك سماه الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، يعني في المذهب وعلاء الدين المرداوي الحنبلي المعروف، يقول: بالنسبة لاشتراط المسجد الذي يُجمع فيه لصحة الاعتكاف، يقول: يعلم أن المعتكف لا يخلو إما أن يأتي عليه مدة اعتكافه فعل صلاته، وهو من تلزمه الصلاة أو لا، فإن لم يأتِ عليه في مدة اعتكافه فعل صلاةٍ، فهذا يصح اعتكافه في كل مسجد سواء جُمِّع فيه أو لا.

ذكرنا أمثلة للمساجد التي يُطلَق عليها مساجد ولا يُجمّع فيها، في مثل مساجد المواسم والمناسبات، وإن أتى عليه في مدة اعتكافه فعل صلاة لم تصح إلا في مسجد يُجمّع فيه، أي يصلى فيه الجماعة على الصحيح في المذهب في الصورتين، وعليه جماهير الأصحاب، ثم قال أبو الخطاب في الانتصار: لا يصح الاعتكاف من الرجل مطلقًا، إلا في مسجدٍ تُقام فيه الجماعة، قال المجد: وظاهر رواية ابن منصور وظاهر قول الخرقي، ثم قال صاحب الإنصاف: فوائد:

إحداها: رحبة المسجد ليست منه على الصحيح، وسبق النقل عن ابن الملقن في توضيحه، من قال: فرعٌ يصح يعني الاعتكاف في سطح المسجد ورحبته، وصاحب الإنصاف يقول: إحداها؛ يعني إحدى هذه الفوائد رحبة المسجد ليست منه.

إذًا يصح الاعتكاف فيها أو لا؟ لا يصح الاعتكاف فيها، ليست منه على الصحيح من المذهب والروايتين.. وظاهر كلام الخرقي والرعايتين في موضع، وقدمه المجد في شرحه، ونص عليه في رواية إسحاق بن إبراهيم.

قال الحارثي في إحياء الموات: اختاره الخرقي وصاحب المحرر وهو من المفردات، وعنه أنها منه يعني رحبة المسجد منه، جزم به بعض الأصحاب، منهم القاضي في موضع من كلامه، وجزم به في الحاويين والرعاية الصغرى في موضع فقال: ورَحَبة المسجد كهو، وأطلقهما في الفروع يعني الروايتين، والفائق والزركشي، وجمع القاضي بينهما في موضع من كلامه، فقال: إن كانت محوطة فهي منه، وإلا فلا.

قال المجد: ونقل محمد بن الحكم ما يدل على صحة هذا الجمع، وهو أنه كان إذا سمع أذان العصر، وهو في رحبة المسجد انصرف ولم يصلِّ فيه، وقال: هو ليس بمنزلة المسجد، هذا المسجد هو الذي عليه حائط وباب وقدّم هذا الجمع في المستوعب.

الآن في كلام ابن الملقن قال: يصح؛ يعني الاعتكاف في سطح المسجد ورحبته، وفي الفوائد التي ذكرها صحاب الإنصاف قال: إحداها رحبة المسجد ليست منه على الصحيح من المذهب والروايتين، وظاهر كلام الخرقي إلى آخره، وعنه -يعني عن الإمام أحمد- أنها منه جزم به بعض الأصحاب منهم القاضي في موضع من كلامه، وجزم به إلى آخره، جمع القاضي بين الروايتين في موضعٍ من كلامه، فقال: إن كانت محوطة مسوّرة، فهي منه وإلا فلا.

عند المساجد منها ما هو مسقوف هذا المسجد بالاتفاق، ومنها ما هو محوطٌ غير مسقوف، هذه محوطة والراجح أنها من المسجد، ومنها ما يلحق بالمسجد غير مسقوف ولا محوط؛ يعني كالساحات في الحرمين نعم، ليست مسقوفة ولا محوطة، فمثل هذه لا يصح الاعتكاف فيها؛ لأنه لا يصح أن يقال: إنها من المسجد؛ لأنها ليست مسقوفة ولا محوطة بحائطه نعم، وهذا جمع القاضي القول أنه يصح في رحبة المسجد، كل ملحقات المسجد يصح فيها الاعتكاف؛ سواء كانت محوطة أو مسقوفة أو غير ذلك، وهذا الذي صححه صاحب التوضيح ابن الملقن.

والذي جزم به أو قدمه في الإنصاف أن رحبة المسجد ليست منه، وحكاهما روايتان عن الإمام أحمد، وجمع بينهما القاضي في موضعٍ من كلامه، فقال: إن كانت محوطة فهي منه، يعني مسورة بسوره وإلا فلا، قال المجد مجد الدين بن تيمية جد شيخ الإسلام: ونقل محمد بن الحكم ما يدل على صحة هذا الجمع، يعني عن الإمام أحمد، وأنه كان إذا سمع أذان العصر وهو في رحبة المسجد انصرف، بعد الأذان ينصرف، هل يجوز الخروج من المسجد بعد الأذان؟ لا يجوز، من خرج فقد عصى أبا القاسم، وقد رأيتنا بموطأ مالك وقد رأيتنا وما يخرج من المسجد بعد الأذان إلا منافق، المقصود أن الإمام أحمد إذا سمع أذان العصر وهو في رحبة المسجد انصرف، ولم يصلِّ فيه؛ يعني صلى في مسجد آخر، وقال: ليس هو بمنزلة المسجد، هذا المسجد يشير إلى المسجد الذي عليه حائط وباب، وقدم هذا الجمع في المستوعِب.

الفائدة الثانية من الفوائد التي ذكرها صاحب الإنصاف: المنارة التي للمسجد إن كانت فيه؛ يعني فيه في داخله بين أسواره، إن كانت فيه أو بابها فيه، يعني تفتح على المسجد، فهي من المسجد، بدليل منع الجُنُب وإن كان بابها خارجًا منه، بحيث لا يُستطرق إليها إلا خارج المسجد، أو كانت خارج المسجد، فخرج للأذان بطل اعتكافه على الصحيح من المذهب.

لأنه مشى حيث يمشي لأمرٍ منه بد، كخروجه إليها لغير الأذان، يعني ليس مثل تجديد الوضوء أو يعني نقض الوضوء والحاجة إلى الوضوء، والحاجة إلى الأكل والشرب؛ لأنه لابد منه، لكن الخروج إلى الأذان، يقول منه بد، قال: وإن كان بابها خارجًا منه بحيث لا يُستطرق إليها إلا خارج المسجد، أو كانت خارج مسجد، فخرج للأذان بطل اعتكافه على الصحيح من المذهب؛ لأنه مشي حيث يمشي، لأمر منه بدٌ كخروجه إليها لغير الأذان.

 وقيل: لا يبطل اعتكافه اختاره ابن البنا والمجد، قال القاضي: لأنها بنيت له فكأنها فيه، وقال أبو الخطاب: لأنها كالمتصلة به؛ يعني هي تابعة للمسجد من توابعه، وموقوفة للأذان كوقف المسجد للصلاة.

المقدم: لكن لا تعد في الأصل أنها حاجة للخروج للأذان، هو هذا بحد.

لكن ليست بحاجة منها بد، وإن كان يؤذن في المسجد، هو أيضًا الأذان يقبل النيابة خلاف الأكل والشرب وحاجة الإنسان، وقال المجد: لأنها بنيت للمسجد لمصلحة الأذان، وكانت منه فيما بنيت له، ولا يلزمه ثبوت بقية أحكام المسجد؛ لأنها لم تُبنَ له، يعني لم تُبنَ له؛ يعني لبقية الأحكام عدا الأذان، نعم هل تصح الصلاة فيها منفصلة عن المسجد؟ نعم.

المقدم: تصح الصلاة فيه.

منفصلة عن المسجد، خارج المسجد ولا يرون الإمام ولا الصلاة؟

المقدم: مطلق الصلاة –المقصود- أو صلاة الفرض؟

الفرض والاقتداء بالإمام؛ يعني إذا جوزوا الخروج إليها من أجل الأذان ولا يتأثر الاعتكاف، فإنه لا يثبت لها جميع أحكام المسجد، هي أنشئت للأذان، ما أنشئت للصلاة، وقال المجد: لأنها بنيت للمسجد لمصلحة الأذان، وكانت منه فيما بنيت له للأذان، ولا يلزم ثبوت بقية أحكام المسجد؛ لأنها لم تُبنَ له يعني لبقية الأحكام ما عدا الأذان.

الثالثة: ظهر المسجد منه بلا نزاع أعلمُهُ، الرابعة" لمّا ذكر في الآداب الثواب الحاصل بالصلاة في مسجدي مكة والمدينة، قال: وهذه المُضاعفة تختص بالمسجد على ظاهر الخبر، وظاهر قولي العلماء من أصحابنا وغيرهم.

قال ابن عقيل: الأحكام المتعلقة بمسجد النبي- -r لما كان في زمانه لا ما زيد فيه؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: «في مسجدي هذا»، واختار الشيخ تقي الدين أن حُكم الزائد حكم المزيد عليه، هذا اختاره شيخ الإسلام، ونلاحظ الصلاة على النبي- عليه الصلاة والسلام-، مرتين في سطرين.

قال ابن عقيل: هذا من الإنصاف، قال ابن عقيل: الأحكام المتعلقة بمسجد النبي- r- لما كان في زمانه لا ما زيْد فيه؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: «في مسجدي هذا»، اختار الشيخ تقي الدين حكم الزائد حكم المزيد عليه، أقول يلاحظ الصلاة على النبي -عليه الصلاة والسلام-، في موضعين أو مرتين في سطرين من الإنصاف.

لماذا أقول هذا الكلام؟ أقول: قال بعض من يُزهّد في كتب الفقه، أنه كيف يُقرأ في كتاب الإنصاف، وهو في اثني عشر مجلدًا، ما فيه الصلاة على النبي -عليه الصلاة والسلام- إلا في أربعة مواضع في الكتاب كله، وهنا صلى على النبي -عليه الصلاة والسلام- في مرتين في موضعين، هذا تزهيد في كتب الفقه، نعم بعض كتب الفقه يعني يحرص عليها طالب العلم أكثر من بعض التي تذكر الأدلة وتعتني بها، أفضل من الكتب المجردة من الأدلة كهذا الكتاب، لكن يبقي أن هذا كتاب متخصص، يحتاجه المتخصصون في المذهب الحنبلي.

التزهيد في كتب الفقه، وأنها كلام الرجال وهم رجال ونحن رجال، والتفقه من الكتاب والسنة، كلام صار له رواج وله أنصار، وبعض من يُردده الباعث عليه الغيرة على النصوص، على نصوص الوحيين؛ لأن كثيرًا من الفقهاء صاروا لا يهتمون بالنصوص وفقههم في كثير من الأحوال مجرد، أو إن اعتنوا بنصوص أو ذكروا نصوصًا فيها الخليط من الضعيف والصحيح وغيره، بل قد يذكر الموضوع، هم يزهدون في كتب الفقه؛ ليتفقه المسلم من الكتاب والسنة من المعدن من الأصلي، نقول: نعم هذا الكتاب يمكن أن يوجه للمتأهل.

أما طالب العلم المبتدئ، فهذا في الحقيقة لا يليق به ولا يُمكن، لا يمكنه أن يتفقه من الكتاب والسنة، ولا شك أن أصل المسألة إطلاقها غيرة على النصوص، وغيرة على العلم الشرعي من أصوله، من الوحيين، لكن يبقي أن التفقه على طريقة أهل العلم وعلى جادتهم، نعم هذا أمر مطلوب للمبتدئين، فإذا تقدم الطالب وعرف كيف يتصور المسائل، وكيف يستدل لها وعرف المخالف والموافق بأدلتها، ورجح بين القولين، هذا يتعين عليه أن يتفقه بالكتاب.

المقدم: أحسن الله إليكم.

المقدم: إذًا بهذه الفائدة لطلبة العلم، نسأل الله تبارك وتعالى أن يجزي الشيخ عنا خيرًا، وبها نختم هذا اللقاء مستمعي الكرام، نتقدم بختامه بالشكر الجزيل لمعالي الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير- وفقه الله- عضو هيئة كبار العلماء، وعضو لجنة الدائمة للإفتاء، شكر الله له ولكم أنتم مستمعينا الكرام، ونلقاكم في حلقة مقبلة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.