شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الحج - 09

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الحج - 09
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
الاثنين, 5 ذو الحجة, 1438 - 21:15

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأهلًا بكم إلى حلقة جديدة ضمن برنامجكم شرح كتاب الحج ضمن شرح التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

مع مطلع حلقتنا يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، ونشكر له تفضله بقبول دعوتنا لشرح هذا الكتاب، فأهلًا ومرحبًا بكم شيخ عبد الكريم.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: لا زلنا في حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- في باب فضل الحج المبرور، توقفنا عند الكلام عن قوله -صلى الله عليه وسلم- لعائشة: «لكُن أفضل الجهاد حج مبرور» أو «لكن أفضل الجهاد حج مبرور».

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أشرنا في حلقة مضت أن الرواة اختلفوا في ضبط هذه الكلمة: لكن أو لكُن.

يقول ابن حجر: اختلف في ضبط هذه الكلمة.

المقدم: لكن من أخوات إن.

نعم استدراك.

المقدم: ولكُن الذي هو المقصود الجار والمجرور.

إي نعم، فالأكثر بضم الكاف خطاب للنسوة، قال القابسي: وهو الذي تميل إليه النفس.

رواية الحموي: لكن بكسر الكاف وزيادة ألف قبلها بلفظ الاستدراك، والأول أكثر فائدة؛ لأنه يشتمل على إثبات فضل الحج، وعلى جواب سؤالها عن الجهاد.

نعم يقول: الأول أكثر فائدة؛ لأنه يشتمل على إثبات فضل الحج "لكُن" كيف اشتمل على إثبات فضل الحج؟ قال: «لكُن أفضل الجهاد حج مبرور» فدل على فضله، وهذا بالنسبة للنساء؛ لأن الخطاب موجه إليهن، وعلى جواب سؤالها عن الجهاد؛ لأن اللام هذه للتخصيص «لكُن» فإذا كانت هذه اللام للتخصيص فلهن أفضل الجهاد الذي هو الحج، فعلى هذا الجهاد قتال العدو ليس لهن، لكن لو كانت بالاستدراك لكان لهن الحج وأيضًا لهن الجهاد، لكن الحج أفضل من الجهاد.

المقدم: وفي المقابل للرجال أن الحج أفضل.

للجميع لو كان استدراكًا.

وسماه جهادًا؛ لما فيه من مجاهدة النفس، بالكف عن شهواتها وجهاد الشيطان، فلا شك أن في الحج ضرب من الجهاد، مجاهدة النفس لا شك أن مثل هذه العبادة لا تنال إلا بشق الأنفس، فمجاهدة النفس ظاهرة، ومجاهدة الشيطان أيضًا ظاهرة، فهو جهاد من هذه الحيثية بمعناه الأعم.

وقال العيني: "على رواية الاستدراك، لكن أفضل الجهاد، على رواية الاستدراك، اسم (لكن) هو قوله: أفضل الجهاد بالنصب، لكن أفضل الجهاد، وخبرها قوله: ((حج مبرور)) والمستدرك منه يستفاد من السياق تقديره ليس لكن الجهاد، ولكن أفضل الجهاد في حقكن حج مبرور.

وعلى الرواية الأولى (لكُن) رواية الأكثر، أفضلُ الجهاد مرفوع على الابتداء، وخبره الجار والمجرور المتقدم عليه لكُن، تقديره أفضل الجهاد لكُن حج مبرور.

والتقديم هنا «لكُن أفضل الجهاد» تقديم الخبر الجار والمجرور على المبتدأ للاختصاص، مثل تقديم المعمول {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة 5] مثلًا.

وفي رواية النسائي: "ألا نخرج فنجاهد معك، فإني لا أرى عملًا في القرآن العظيم أفضل من الجهاد، فقال: «لكُن أحسن الجهاد وأجمله حج البيت حج مبرور».

وفي رواية ابن ماجه عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قلت: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة» ونحتاج إلى هذا فيما بعد عند حج أزواج النبي -عليه الصلاة والسلام- بعده، ومنع عمر لهن في أول الأمر، ثم إذنه بذلك في آخر خلافته.

المقدم: منعه إياهن أن يحججن؟

نعم بعد النبي -عليه الصلاة والسلام-، سيأتي هذا، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: «هذه، ثم لزوم الحصر».

المقدم: نعم «هذه ثم لزوم الحصر».

مع قوله -جل وعلا-: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب 33].

أفضل الجهاد بالنسبة للنساء وإلا فقد أخرج البخاري في هذا الباب باب فضل الحج المبرور، أخرج حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله» قيل: ثم ماذا؟ قال: «جهاد في سبيل الله» قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور».

المقدم: فقدم الجهاد على الحج.

بلا شك، هو أفضل منه بالنسبة للرجال في بعض الأحوال، وتقدم شرح الحديث حديث أبي هريرة في كتاب الإيمان، وتقدم أيضًا ذكر أقوال أهل العلم في اختلاف أجوبته -عليه الصلاة والسلام- عن أفضل الأعمال.

المقدم: أحيانًا تغير الإجابة بتغير الحال أو السائل.

نعم وأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال، واحتياج المخاطبين، وذكر ما لم يعلمه السائل، وترك ما علمه السامعون؛ لأنه قد يسأل عن أفضل الأعمال وهو يعرف أفضل الأعمال، يعرف مثلًا أن الإيمان أفضل الأعمال، لكن يريد غيره الذي بعده، فيترك ما يعلمه السائل والسامعون ويذكر غيره.

وبعضهم يقدر لفظة (من) أفضل الأعمال والمراد من أفضل الأعمال، كما يقال: فلان خير الناس.

المقدم: والمقصود من خير الناس.

نعم، أو أعقل الناس، والمراد من أعقل الناس، يعني مثلما أشرنا سابقًا في كلام ابن القيم: وكان أبعد خلق الله عن التدليس، المراد من أبعد خلق الله.

«أفضل الجهاد حج مبرور» قال ابن خالويه: المبرور المقبول، وقال غيره: الذي لا يخالطه شيء من الإثم، ورجحه النووي.

وقال القرطبي: الأقوال التي ذكرت في تفسيره متقاربة المعنى، وهي: أنه الحج الذي وفيت أحكامه، ووقع موقعًا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل، وقيل: هو الذي لا رياء فيه، وعلامة قبول الحج وبر الحج أن تكون حال الحاج بعده أفضل من حاله قبله.

يعني الهدف الذي يحققه الحج المبرور أن يرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه {فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} [البقرة 203] "لمن اتقى" خاصة بمن تأخر أو بمن تقدم أو للجميع؟ للجميع، لا بد أن يتقي الله -جل وعلا- في حجه، فيأتي بجميع ما أوجب الله عليه، ويترك جميع ما نهاه الله عنه؛ ليرتفع عنه الإثم، ويرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، يعني الآن الآية يؤخذ منها ماذا؟ تفضيل التعجيل أو التأخير؟ أو لا هذا ولا هذا؟

المقدم: لا هذا ولا هذا.

{فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة 203] شريطة أن يكون.

المقدم: ممن اتقى.

قد اتقى الله -جل وعلا- في حجه.

{وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} [البقرة 203] ارتفع إثمه، من تعجل ارتفع إثمه، من تأخر ارتفع إثمه، لكن شريطة أن يكون قد اتقى الله -جل وعلا-، لكن هل التعجل والتأخر حكمهما واحد في الفضل؟

المقدم: لا.

لماذا؟

المقدم: هو أولًا: اتباع سنة.

لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- تأخر، وإلا فالآية لا يؤخذ منها تفضيل التعجيل ولا التأخير، المقصود أنه يؤخذ منها أنه لا إثم على الحاج يرتفع عنه الإثم إذا اتقى الله -جل وعلا- في حجه سواءً تعجل أو تأخر.

ولذا من يعود إلى ما كان يزاوله قبل حجه من مخالفات الذي يغلب على الظن أن حجه ما أدى الهدف الذي من أجله شرع الحج، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وقل مثل هذا في سائر العبادات.

المقدم: ولذلك في الآيات -فضيلة الدكتور- النص في الآية: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة 197] يعني يعلق بعض الكتاب المعاصرين في مسألة تزودوا؛ لأن الزاد في الغالب يؤخذ للأمام، فالمتزود بالحج لا بد أن يأخذ زادًا يدفعه إلى سنوات كثيرة من خلال هذا التقوى.

بلا شك.

المقصود أن العبادات إنما شرعت لتطهير النفوس والقلوب والأبدان من الأدران، فالصيام الذي لا يورث التقوى لن تترتب عليه آثاره، وإن كان صحيحًا مجزئًا مسقطًا للطلب {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة 183] هذا الهدف الأول من شرعية الصيام.

الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، لكن الصلاة التي لا تترتب عليها هذه الآثار، صحيح قد تكون صحيحة ومسقطة للطلب، لكن لم تحقق الهدف الأصلي منها، وقل مثل هذا في الحج، وقل مثل هذا في سائر العبادات، ولذا جاء قول الله -جل وعلا-: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة 27] مع أن الآثار المترتبة من غفران الذنوب، وترتب الأجور على هذه العبادات إنما يكون بالتقوى، وما عدا ذلك يكون مسقط للطلب، مجزئ، صحيح عند الفقهاء، لكنه لا تترتب عليه آثاره؛ لأن نفي القبول يطلق ويراد به نفيه الصحة، ويطلق ويراد به نفي الثواب المترتب على العبادة وهذا منه، إذ لا يوجد أحد من أهل العلم يقول: إن الفاسق إذا صلى عليه أن يعيد الصلاة؛ لأن صلاته ما قبلت، أو الحج يعيد الحج لا، بل المراد من ذلك ما ذكرنا.

يقول ابن بطال: قال المهلب: وقوله -صلى الله عليه وسلم- ...

عرفنا أن علامة القبول وعلامة بر الحج أن تتغير الحال، ذكرنًا مثالًا سبق، وهو أن بعض الناس يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فإذا سمع الخبر خرج، عادي يخرج، بغروب الشمس تنتهي العشر، ليلة العيد تنتهي العشر يخرج عادي يعني، انتهى الاعتكاف، انتهى وقته، لكن الإشكال في صلاة العشاء إذا فاتته صلاة العشاء؟

المقدم: ما ترتبت الآثار.

الاعتكاف لا بد أن يكون في خلل مثلًا، من غير عذر، أو نام عن صلاة الصبح، أو سهر ليلة العيد على بعض المحرمات، فعلى الإنسان أن يراجع نفسه.

سيأتي عند البخاري قول عائشة في الحديث: "فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" يعني لما سمعت النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: «لكُن أفضل الجهاد حج مبرور» تقول: "فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".

يقول ابن بطال: قال المهلب: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لكُن أفضل الجهاد حج مبرور» يفسر قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب 33] يعني إذا كانت المصلحة راجحة في خروج المرأة من بيتها مع التزام الحشمة التامة، وعدم الاختلاط بالرجال، وعدم التعرض لفتنة الرجال، أو الافتتان بهم، بالضوابط الشرعية، إذا كانت المصلحة راجحة لا يعارض قوله -جل وعلا-: {وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب 33] لكن الأصل القرار في البيوت.

يقول المهلب: وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لكُن أفضل الجهاد حج مبرور» يفسر قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب 33]؛ لأنه إذا قررن في بيوتهن ما تبرجن على أي حال، لكن التبرج إنما يحصل بالخروج من البيت.

يقول: إنه ليس على الفرض، ليس واجبًا أن تقر في بيتها، وإن كان الأصل في الأمر الوجوب، هذا كلامه، لكن إذا قلنا: إن الأصل فيه الوجوب، والقرار واجب إلا إذا كانت المصلحة راجحة، انتهينا من كلامه؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب، والأفضل في المرأة ألا ترى الرجال ولا يرونها.

يقول: إنه ليس على الفرض لملازمة البيوت، كما زعم من أراد تنقص عائشة في خروجها إلى العراق للإصلاح بين المسلمين، وهذا الحديث يخرج الآية عما تأولوها؛ لأنه قال: «لكُن أفضل الجهاد حج مبرور» ومن لازم الحج الخروج، من لازم الحج الخروج من البيوت، فدل على أن لهن جهادًا غير جهاد الحج، لكن الحج أفضل منه.

التركيب صحيح؟ «لكن أفضل الجهاد حج مبرور» فدل على أن لهن جهادًا غير جهاد الحج، والحج أفضل منه.

المقدم: ما دام جعل فيه أفضل، معناه أن فيه شيئًا دونه.

لكنه مفضول.

المقدم: نعم مفضول.

يشتركان في الفضل، هي تسأل عن الجهاد الذي هو قتال العدو، فقال: أفضل منه الحج، إذًا هو فاضل حتى بالنسبة.

المقدم: للنساء.

نعم.

قال ابن حجر: يحتمل أن يكون المراد بقوله: ((لا)) في جواب قولهن: "ألا نخرج فنجاهد معك؟ " أي: ليس ذلك واجبًا عليكن، كما وجب على الرجال، ولم يرد بذلك تحريمه عليهن، فقد ثبت في حديث أم عطية أنهن كن يخرجن فيداوين الجرحى، وفهمت عائشة ومن وافقها من هذا الترغيب في الحج إباحة تكريره، ولذا كانت لا تدع الحج، قالت: "فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" ففهمت من هذا الترغيب إباحة تكرير الحج، كما أبيح للرجال تكرير الجهاد، وخص به عموم قوله: «هذه ثم ظهور الحصر» وقوله: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب 33] وكأن عمر -رضي الله تعالى عنه- كان متوقفًا في ذلك.

المقدم: يعني في خروج أمهات المؤمنين.

نعم في حجهن بعده -عليه الصلاة والسلام-؛ لأنه قال: «هذه ثم ظهور الحصر»  يعني الزمن ظهور الحصر البيوت.

وكأن عمر -رضي الله تعالى عنه- كان متوقفًا في ذلك، ثم ظهر له قوة دليلها.

المقدم: يعني معنى ذلك ما حججن في عهد أبي بكر -رضي الله عنهم- جميعًا؟

أقول: في عهد عمر هو الذي منعهن.

المقدم: نعم، لكن منع عمر يدل على خروجهن في عهد أبي بكر وإلا ما يلزم؟

ما يلزم، هذا مسكوت عنه.

المقصود أن عمر كان متوقفًا في ذلك للحديث، ثم ظهر له قوة دليلها، فأذن لهن في آخر خلافته، ثم كان عثمان بعده يحج بهن في خلافته أيضًا، وقد وقف بعضهن عند ظاهر النهي.

المقدم: الذي هو لزوم الحصر ولم تحج.

نعم، لم تحج سيأتي ذكره.

المقدم: طبعًا خروجهن -رضي الله عنهن- جميعًا يستأذن الخليفة في الغالب أمير المؤمنين.

بلا شك نعم؛ لأن سلطته على الجميع.

المقدم: وكان شأنهن برعاية أمير المؤمنين طبعًا.

نعم بلا شك.

ففي البخاري في باب حج النساء، وقال لي أحمد بن محمد: حدثنا إبراهيم عن أبيه عن جده أذن عمر -رضي الله عنه- لأزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- في آخر حجة حجها، فبعث معهن عثمان بن عفان وعبدالرحمن بن عوف.

وروى أبو داود وأحمد من طريق واقد ابن أبي واقد الليثي عن أبيه أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال لنسائه في حجة الوداع: «هذه ثم ظهور الحصر» زاد ابن سعد من حديث أبي هريرة "فكان نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- يحججن إلا سودة وزينب، فقالا: لا تحركنا دابة بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-إسناد حديث أبي واقد صحيح، كما قال ابن حجر.

ويمكن الجمع بين حديث الباب: «لكُن أفضل الجهاد حج مبرور» وبين حديث: «هذه ثم لزوم الحصر» وصنيع أمهات المؤمنين، وحجهن بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- بإذن عمر -رضي الله تعالى عنه- أن الحج مستثنى من لزوم الحصر، فهذه الحجة وفي حكمها الحج مرارًا، وأما ما عدا الحج فلزوم الحصر، كأنهن فهمن من لزوم الحصر لامتثال قوله: «لكُن أفضل الجهاد حج مبرور» هذا حديث قولي، له عمومه، فهمن من قوله: «لزوم الحصر» يعني في غير ما تترجح مصلحته كالحج.

المقدم: لكن قوله: «لزوم الحصر» كانت في خروجهن للحج «هذه ولزوم الحصر».

نعم «هذه ثم لزوم الحصر» وكأنهن فهمن أنه ليس على سبيل الإلزام، بدليل أنه قال: «لكُن أفضل الجهاد حج مبرور» يصير لغو هذا، يكون لغو، إذا قلنا: يجب عليهن أن يلزم الحصر ولا يحججن، يكون قوله: «لكُن أفضل الجهاد حج مبرور» لغو.

المقدم: طيب -أحسن الله إليك- في الحديث الأول حديث عائشة قلنا: بأن الأصل عموم اللفظ "لكُن" يعني للنساء، وهنا في لزوم الحصر قلنا: لأمهات المؤمنين، ما الذي صرف هذا وجعله خاص بأمهات المؤمنين وعمم ذاك لجميع النساء؟

لأن عمر -رضي الله تعالى عنه- كان يمنع أمهات المؤمنين.

المقدم: فيكون فهم عمر لهذا النص أنه خاص بهن.

خاص بهن.

هذا الحديث خرجه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في خمسة مواضع:

الأول: هنا في كتاب الحج، في باب فضل الحج المبرور:

قال -رحمه الله تعالى-: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك قال: حدثنا خالد قال: أخبرنا حبيب بن أبي عمرة عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله تعالى عنها- أنها قالت: يا رسول الله ... الحديث، وتقدم ذكر المناسبة.

والموضع الثاني في كتاب جزاء الصيد.

المقدم: من كتاب الحج.

نعم من كتاب داخل كتاب الحج على ما أشرنا سابقًا.

باب حج النساء.

قال الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-: حدثنا مسدد قال: حدثنا عبد الواحد قال: حدثنا حبيب بن أبي عمرة قال: حدثتنا عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله تعالى عنها- قالت: قلت: يا رسول الله ألا نغزو ونجاهد معكم؟ فقال: «لكُن أحسن الجهاد» أو «لكن» على الضبط المتقدم، فما هناك يرد هنا «لكُن أحسن الجهاد وأجمله الحج حج مبرور» فقالت عائشة: "فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله- صلى الله عليه وسلم-".

والمناسبة ظاهرة؛ لأنه في حج النساء.

الموضع الثالث: في كتاب الجهاد والسير، في باب فضل الجهاد.

قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا خالد قال: حدثنا حبيب بن أبي عمرة عن عائشة بنت طلحة عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: يا رسول الله ... فذكره.

والمناسبة ظاهرة لفضل الجهاد.

نعم "نرى الجهاد أفضل العمل" المناسبة ظاهرة لفضل الجهاد من قولها: "نرى الجهاد أفضل العمل" وأقرها النبي -عليه الصلاة والسلام-، لكنه قال: أفضل منه بالنسبة للنساء الحج المبرور، ودلالة أفعل التفضيل على فضل الجهاد ظاهرة؛ لأن أفضل أفعل تفضيل، تدل على أن هناك شيئين يشتركان في الوصف الذي هو الفضل، ويفوق أحدهما الآخر في هذا الفضل، فدل على فضل الجهاد.

والرابع: في كتاب الجهاد أيضًا في باب جهاد النساء.

قال: حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا سفيان عن معاوية بن إسحاق عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين -رضي الله تعالى عنها- قالت: استأذنت النبي -صلى الله عليه وسلم- في الجهاد، فقال: «جهادكن الحج».

جهاد النساء في هذه الترجمة جهادهن الحج، استأذنت النبي -صلى الله عليه وسلم- في الجهاد، فقال: «جهادكن الحج» فجهاد النساء الحج.

والموضع الخامس: في الباب المذكور من الكتاب المذكور قال: حدثنا قبيصة قال: حدثنا سفيان عن معاوية بهذا –يعني بالإسناد السابق- وعن حبيب بن أبي عمرة عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين- رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- سأله نساؤه عن الجهاد؟ فقال: «نِعم الجهاد الحج» وهذا هو جهاد النساء.

قال ابن بطال: دل حديث عائشة على أن الجهاد غير واجب على النساء، ولكن ليس في قوله «جهادكن الحج» أنه ليس لهن أن يتطوعن بالجهاد، وإنما لم يكن واجبًا عليهن؛ لما فيه من مغايرة المطلوب منهن من الستر، ومجانبة الرجال، فلذلك كان الحج أفضل لهن من الجهاد.

قال ابن حجر: قلت: وقد ألمح البخاري بذلك في إيراده الترجمة مجملة، جهاد النساء، يقول: باب جهاد النساء في كتاب الجهاد، يقول: قد ألمح البخاري بذلك في إيراده الترجمة مجملة، وتعقيبها بالتراجم المصرحة بخروج النساء إلى الجهاد.

المقدم: وعقبها بتراجم.

بعد هذه الترجمة جهاد النساء، قال -رحمه الله-: باب غزو المرأة في البحر، ثم قال: باب حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه، ثم قال: باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال، ثم قال: باب حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو، ثم قال: باب مداواة النساء الجرحى في الغزو، ثم قال: باب رد النساء الجرحى والقتلى، يعني إلى المدينة، فدل على أن لهن المشاركة، وإن لم تكن واجبة عليهن كالرجال.

المقدم: أحسن الله إليكم، ونفع بكم.

لعلنا نكتفي بهذا على أن نستكمل -بإذن الله- ما تبقى من الأحاديث في حلقة قادمة.

أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة من شرح كتاب الحج في كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

لقاء يتجدد بكم -بإذن الله- مع حديث آخر، وأنتم على خير.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.