تعليق على تفسير سورة المائدة من أضواء البيان (14)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي –رحمه الله-: "قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44] اختلف العلماء في هذه الآية هل هي في المسلمين، أو في الكفار؟ فروي عن الشعبي أنها في المسلمين، وروي عنه أنها في اليهود، وروي عن طاووسٍ أيضًا أنها في المسلمين، وأن المراد بالكفر فيها كفرٌ دون كفر، وأنه ليس الكفر المخرج من الملة، وروي عن ابن عباسٍ في هذه الآية أنه قال: ليس الكفر الذي تذهبون إليه، رواه عنه ابن أبي حاتم، والحاكم وقال: صحيحٌ على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، قاله ابن كثير".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

في قول الله –جلَّ وعلا-: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44]، وفي الآية الثانية: {الظَّالِمُون} [المائدة:45]، وفي الثالثة: {الْفَاسِقُون} [المائدة:47] يختلف أهل العلم تبعًا لسياق الآيات هل الآيات الثلاث كلها في المسلمين أو في اليهود أو في النصارى؟ والذي قرره جمعٌ من أهل العلم أن الآية الأولى {فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44] هذه في المسلمين، والثانية: {الظَّالِمُون} [المائدة:45] في اليهود، والثالثة: {الْفَاسِقُون} [المائدة:47] في النصارى تبعًا لسياق الآيات على ما سيأتي النقل فيه عن القرطبي وغيره، ولكن ولو كانت الآية الأولى في اليهود، والثانية في النصارى أو العكس فالعبرة كما يُقرر أهل العلم بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

ويبقى النظر في معاني الألفاظ الثلاثة هل هي واحدة أو متفاوتة، وفي مقتضاها هل المراد به الكفر المخرج عن الملة أو كفرٌ دون كفر كما يقول ابن عباس؟

وفي الظلم هل هو الذي أُطلق عليه في القرآن الشِّرك {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم} [لقمان:13] هل هو من هذا النوع؟ وقل مثل هذا في الفسق؛ لأنه يرد ويُراد به الكفر أُطلق على الكفار، وأُطلق على ما دون الكفر من المعاصي.

فالشيخ يريد أن ينقل عن القرطبي وغيره كلامًا طويلًا، ومسألة الحكم بغير ما أنزل الله مسألة معضلة ومشكلة، وقع كثيرٌ من أقطار المسلمين في مخالفتها.

وعلى كل حال إذا قلنا: إنها كفر دون كفر أو قيل: بالتفصيل وهو المتعين أن من حكم بغير ما أنزل الله، ويرى أن الحكم بغير ما أنزل الله أولى من الحكم بما أنزل الله أو أفضل أو هو الذي يُلبي حاجات الناس دون حكم الله هذا على خطرٍ عظيم من الكفر المخرج من الملة، إذا كان يعتقد أنه أفضل من حكم الله –جلَّ وعلا-، وأما إذا حكم لهوىً في نفسه أو طمع في دنياه فهذا يتنزل عليه قول ابن عباس: كفرٌ دون كفر.

وجنح بعضهم إلى أن من حكم بغير ما أنزل الله في جميع نواحي الحياة، وشرَّع للناس شرعًا مخالفًا ومناقضًا لشرع الله في جميع القضايا هذا قال بعضهم بكفره الكفر المخرج، وعلى كل حال المسألة معروفة عند أهل العلم، والكفر يُطلق ويُراد به المخرج عن الملة، ويُطلق في نصوصٍ كثيرة ويُراد به ما دون ذلك.      

"قال بعض العلماء: والقرآن العظيم يدل على أنها في اليهود؛ لأنه تعالى ذكر فيما قبلها أنهم يحرفون الكلم من بعد مواضعه، وأنهم يقولون: إن أوتيتم هذا، يعني: الحكم المحرَّف الذي هو غير حكم الله فخذوه، وإن لم تؤتوه أي: المحرَّف، بل أوتيتم حكم الله الحق فاحذروا، فهم يأمرون بالحذر من حكم الله الذي يعلمون أنه حق.

 

وقد قال تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة:45]، فدل على أن الكلام فيهم، وممن قال بأن الآية في أهل الكتاب، كما دل عليه ما ذكر البراء بن عازب، وحذيفة بن اليمان، وابن عباسٍ، وأبو مجلز، وأبو رجاءٍ العطاردي، وعكرمة، وعبيد الله بن عبد الله، والحسن البصري وغيرهم، وزاد الحسن، وهي علينا واجبة، نقله عنهم ابن كثير، ونقل نحو قول الحسن عن إبراهيم النخعي.

وقال القرطبي في تفسيره: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44] و{الظَّالِمُون} [المائدة:45] و{الْفَاسِقُون} [المائدة:47] نزلت كلها في الكفار، ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء، وقد تقدم، وعلى هذا المعظم، فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة، وقيل: فيه إضمار".

وقال: هذا إجماع من أهل السُّنَّة أن المسلم لا يكفر بارتكاب الكبيرة ما لم يستحلها، أما إذا استحلها كفر، الإشكال في عصور الضعف عند المسلمين تجدهم يبحثون عن مخارج ويقلدون غيرهم من باب اقتداء المغلوب بالغالب، كما قرر ذلك ابن خلدون.

وبعد حرب التتار ومجيء هولاكو ومن بعده تيمور وضعوا قوانين للمسلمين وسنوها عليهم وألزموهم بها عندهم منها مواد مُقننة ألزموا المسلمين بها، الشيخ أحمد شاكر تكلم على ما جاء به تيمور وفرضه على المسلمين، ولكن الإشكال في المسلمين أنفسهم، فمنهم من أُشرِب قلبه حب الدنيا والركون إليها، وسُمِع منه كلامٌ لا يُرضى من قول بعضهم أن تطبيق الحدود يُحرجنا مع العالم يُحرجنا قطع يد السارق يبقى بلا يد يتجول في الأسواق، والعالم ينظرون وحقوق الإنسان وكذا.

لا شك أن الضعف وقوة العدو ضاغطة، لكن مع ذلك رأس المال الدين، رأس المال تقوى الله وطاعة الله، ما ينبغي حتى لو عجزنا عن تطبيق ما أردنا لا نتكلم بما يُخالف الشريعة، ولا نُقرر ما يفرضه علينا أعداؤنا بألسنتنا، وإلا فمعروف أن أكثر بلاد المسلمين -إلى الله المشتكى- تحكم بغير ما أنزل الله؛ بسبب الضغوط من الكفار، وأنهم لا يستطيعون مخالفتهم، لكن الإشكال من ركن إلى هذا واطمأن إليه هذا الإشكال فيه، ما هو الإشكال فيمن يعمل وهو مكره؛ لأن المكره مرفوعٌ عنه التكليف {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [النحل:106] ويبقى أن المسألة خطيرة وكبيرة الحكم بغير ما أنزل الله.

قد يحكم قاضٍ في مسألة ويحيف فيها، ويحكم فيها بغير ما أنزل الله؛ لطمعٍ دنيوي أو لخوفٍ على وظيفته أو برشوة أو ما أشبه ذلك، هذا لا شك أنه داخلٌ في الآية، ولكنه من باب الكفر دون الكفر ولا يكفر بذلك.        

"وقيل: فيه إضمار أي: ومن لم يحكم بما أنزل الله، ردًّا للقرآن وجحدًا لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- فهو كافر، قاله ابن عباسٍ ومجاهد.

فالآية عامة على هذا، قال ابن مسعودٍ، والحسن: هي عامةٌ في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين، واليهود، والكفار، أي: معتقدًا ذلك ومستحلاًّ له.

فأما من فعل ذلك، وهو معتقدٌ أنه مرتكب مُحرم فهو من فساق المسلمين، وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له".

كسائر أهل الكبائر لا يُكفَّرون بمجرد الذنب.

"وقال ابن عباس في رواية: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة:44] فقد فعل فعلاً يضاهي أفعال الكفار، وقيل: أي: ومن لم يحكم بجميع ما أنزل فهو كافر، فأما من حكم بالتوحيد، ولم يحكم ببعض الشرائع فلا يدخل في هذه الآية، والصحيح الأول، إلا أن الشعبي قال: هي في اليهود خاصة، واختاره النحاس، قال: ويدل على ذلك ثلاثة أشياء:

منهما".

منها، منه ثلاثة.

"منها: أن اليهود ذكروا قبل هذا في قوله تعالى: {لِلَّذِينَ هَادُواْ} [المائدة:44] فعاد الضمير عليهم.

ومنها: أن سياق الكلام يدل على ذلك، ألا ترى أن بعده وكتبنا عليهم، فهذا الضمير لليهود بإجماع، وأيضًا فإن اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقصاص، فإن قال قائل: (مِن) إذا كانت للمجازاة فهي عامة إلا أن يقع دليلٌ على تخصيصها".

مَن.

"فإن قال قائل: (مِن)"

{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ} [المائدة:44] (مَن).

"إذا كانت للمجازاة فهي عامةٌ إلا أن يقع دليلٌ على تخصيصها قيل له: (مَن) هنا بمعنى الذي، مع أن ما ذكرناه من الأدلة والتقرير".

(مَن) هنا موصولة، والموصول من صيغ العموم، وهي مُشربةٌ بمعنى الشرطية بدليل أن جوابها اقترن بالفاء.

"مع أن ما ذكرناه من الأدلة والتقرير، واليهود الذين لم يحكموا بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، فهذا من أحسن ما قيل في هذا.

ويُروى أن حذيفة سُئل عن هذه الآيات، أهي في بني إسرائيل؟ فقال: نعم هي فيهم، ولتسلكن سبيلهم حذو النعل بالنعل، وقيل: الكافرون للمسلمين".

يعني هذا كلام حذيفة قبل وقوع هذا في المسلمين، قبل وقوع هذا الأمر في المسلمين، نعم.

"وقيل: الكافرون للمسلمين والظالمون لليهود، والفاسقون للنصارى، وهذا اختيار أبي بكر بن العربي، قال: لأنه ظاهر الآيات، وهو اختيار ابن عباس، وجابر بن زيد، وابن أبي زائدة، وابن شبرمة، والشعبي أيضًا قال طاووسٌ وغيره: ليس بكفرٍ ينقل عن الملة، ولكنه كفرٌ دون كفر.

وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديلٌ له يوجب الكفر، وإن حكم به هوىً ومعصية فهو ذنبٌ تدركه المغفرة على أصل أهل السُّنَّة في الغفران للمذنبين.

قال القشيري: ومذهب الخوارج أن من ارتشى، وحكم بحكم غير الله فهو كافر، وعزا هذا إلى الحسن، والسدي".

وهذا جارٍ على مذهبهم في تكفير مرتكب الكبيرة.

"وعزا هذا إلى الحسن، والسدي، وقال الحسن أيضًا: أخذ الله على الحكام ثلاثة أشياء: ألا يتبعوا الهوى، وألا يخشوا الناس ويخشوه، وألا يشتروا بآياته ثمنًا قليلاً، انتهى كلام القرطبي".

نعم.

طالب:.......

له أكثر من قول، لكن المستفيض المعروف عنه أنها في المسلمين، وأنها كفرٌ دون كفر.

"قال مقيده -عفا الله عنه-: الظاهر المتبادر من سياق الآيات أن آية {فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44] نازلةٌ في المسلمين؛ لأنه تعالى قال قبلها مخاطبًا لمسلمي هذه الأمة: {فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً} [المائدة:44] ثم قال: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44] فالخطاب للمسلمين كما هو ظاهرٌ متبادرٌ من سياق الآية، وعليه فالكفر إما كفرٌ دون كفر، وإما أن يكون فعل ذلك مستحلاًّ له، أو قاصدًا به جحد أحكام الله وردها مع العلم بها.

أما من حكم بغير حكم الله، وهو عالمٌ أنه مرتكبٌ ذنبًا، فاعلٌ قبيحًا، وإنما حمله على ذلك الهوى فهو من سائر عُصاة المسلمين، وسياق القرآن ظاهرٌ أيضًا في أن آية: فهم الظالمون، في اليهود".

فأولئك {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُون} [المائدة:45].

"وسياق القرآن ظاهرٌ أيضًا في أن آية: {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُون} [المائدة:45] في اليهود؛ لأنه قال قبلها: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُون} [المائدة:45] 

فالخطاب لهم لوضوح دلالة السياق عليه كما أنه ظاهرٌ أيضًا في أن آية: فهم الفاسقون".

طالب: فأولئك؟

{فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون} [المائدة:45] مثل التي قبلها.

"{فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون} [المائدة:45] في النصارى؛ لأنه قال قبلها: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون} [المائدة:45].

واعلم أن تحرير المقام في هذا البحث أن الكفر، والظلم، والفسق، كل واحدٍ منها ربما أُطلق في الشرع مرادًا به المعصية تارة، والكفر المخرج من الملة أخرى.

{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة:44]، معارضةً للرسل، وإبطالاً لأحكام الله، فظلمه، وفسقه، وكفره كلها كفرٌ مخرجٌ عن الملة، ومن لم يحكم بما أنزل الله معتقدًا أنه مرتكبٌ حرامًا فاعلٌ قبيحًا، فكفره وظلمه وفسقه غير مخرجٍ عن الملة، وقد عرفت أن ظاهر القرآن يدل على أن الأولى في المسلمين، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، وتحقيق أحكام الكل هو ما رأيت، والعلم عند الله تعالى".

لكن هل يُمكن تنزيل الآيات الثلاث على الأحوال، على أحوال من حكم بغير ما أنزل الله؟ ففي حالٍ يكون كفرًا، وفي حالٍ يكون ظلمًا، وفي حالٍ يكون فسقًا أو أنها تُدرج وتُدمج، ويُقال: كلها بمعنىً واحد، والكفر كما يكون أكبر مُخرجًا عن الملة، ويكون دون كفر لا يُخرج عن الملة، فكذلك الظلم، وكذلك الفسق، والأدلة عليه من القرآن والأدلة على القول بدلالتها على الأكبر والأصغر –أعني الألفاظ الثلاثة- ظاهرة في القرآن.

طالب:.......

لكن من حيث ورود الألفاظ الثلاثة في النصوص هل هي متساوية أو متفاوتة؟

طالب:.......

يعني إذا اجتمعت افترقت.

طالب:.......

لا، إذا اجتمعت افترقت وإلا فمعروفٌ أن الكفر أكبر وأصغر، والظلم أكبر وأصغر، يُطلق على الشِّرك المُخرج عن الملة، وكذلك الفسق أُطلق على الكفار، وأُطلق على بعض العصاة، نعم.

"قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة:45] الآية، قد قدمنا احتجاج أبي حنيفة -رحمه الله تعالى- بعموم هذه الآية على قتل المسلم بالذمي، ونفس الآية فيها إشارةٌ إلى أن الكافر لا يدخل في عموم الآية، كما ذهب إليه جمهور العلماء، وذلك في قوله تعالى: {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} [المائدة:45] الآية".

الكافر لا يدخل في هذا؛ لأنه لا يصح منه التصدق، ولا يُقبل منه، لو تصدق به، ولا يُكفِّر ما اقترفه؛ لأنه مهما فعل فلا يُوجد ما يُكفِّر ذنبه. 

"ومن المعلوم أن الكافر ليس من المتصدقين الذين تكون صدقتهم كفارةً لهم؛ لأن الكفر سيئةٌ لا تنفع معها حسنة، نبَّه على هذا إسماعيل القاضي في (أحكام القرآن) كما نقله ابن حجر في (فتح الباري)، وما ذكره إسماعيل القاضي من أن الآية تدل أيضًا على عدم دخول العبد، بناءً على أنه لا يصح له التصدق بجرحه؛ لأن الحق لسيده غير مُسلَّم؛ لأن من العلماء من يقول: إن الأمور المتعلقة ببدن العبد، كالقصاص له العفو فيها دون سيده، وعليه فلا مانع من تصدقه بجرحه".

ولكن على كل حال سيده يتضرر، هل للسائق إذا حصل حادث أن يعفو عن الذي اعتدى عليه أو صدمه، المسألة مُعلقة بالكفيل، والذي يصلح السيارة، وكذلك إذا أُصيب العبد بجُرح فإن علاجه على سيده، ونقص قيمته على سيده إن أراد بيعه.

"وعلى قول من قال: إن معنى: {فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} [المائدة:45] أن التصدق بالجناية كفارة للجاني لا للمجني عليه، فلا مانع أيضًا من الاستدلال المذكور بالآية".

من أين جاء هذا القول أنه كفارة للجاني لا للمجني عليه؟ لأن المجني عليه ما فعل شيئًا يقتضي أن يُكفَّر، الكفارة لمن فعل شيئًا فيه جريمة تحتاج إلى كفارة، من هنا قال: "لا للمجني عليه" وهذا نظير {وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيم} [النور:33] غفورٌ رحيم لمن، للمُكرِه أم للمُكرهة؟

طالب:.......

إنه بهذه السهولة يُكره ولاته على البغاء، يُكرهها إكراهًا، يُكرهها من أجل التكسب من ورائها، المكرهات ما عليهن ذنب.

العلماء بعضهم قال: إن هذه المغفرة للمُكرِه؛ لأن المكرهات لا ذنب عليهن، نظير ما عندنا، وبعضهم يقول: للمكرهات، والمُكرِه لا يستحق أن تُساق له المغفرة بهذا السياق؛ لأنه بصدد أن تُشدد عليه العقوبة، هذا العادة جرت بهذا في نصوص الشرع ما يُقال: أَكرِه والله غفورٌ رحيم.

أنا لاح لي شيء وهو أن المُكرَه على الزنا في البداية مُكره ومُلجئ ولا ذنب عليه، لكن في أثناء العمل قد يتلذذ بهذا الزنا، يعني بعد الإكراه وحصول بدايات ومقدمات الجماع قد يحصل له نوع من التلذذ، وإلا فالأصل أنه إذا كان مُكرهًا بالفعل لا يتلذذ أبدًا، لا يجوز له أن يتلذذ هذا النوع من التلذذ الذي حصل بعد هذا الإكراه، وجاءت مقدمات الجريمة قد يكون التلذذ من غير قصد في الأصل، في الأصل من غير قصد، لكن قد يُستدرج الإنسان إلى شيءٍ هو في الأصل لا يُريده ولا يرتضيه، ثم إذا وقع فيه حصل منه شيء من المخالفة، لا يتصور الإكراه في حق الرجل، أما في حق المرأة فمتصور، الإكراه على الزنا.

 قالوا: لا يُتصور في حق الرجل؛ لأنه إذا أُكره لا ينتشر، لكن تصور أن شخصًا في شبابه أُكره على وطء بنت جميلة، ألا يدخل في ثنايا هذا العمل شيء من التلذذ، وأن تكليفه بغير ذلك شاق، وقد لا يُطاق؟ فهو إذا تلذذ أو هي إذا تلذذت، فإن الله من بعد هذا الإكراه لغفورٌ رحيم، نعم.

طالب:.......

الذي عندنا، قال: "كفارةٌ للجاني لا للمجني عليه" المجني عليه ماذا فعل ليحتاج إلى الكفارة؟

طالب:.......

ماذا؟

طالب:.......

لا لا، وماذا تصدق؟ فهو كفارةٌ له من المتصدق بالجناية كفارة إذا قيل: التصدق بالجناية كفارة للجاني لا للمجني عليه؛ لأن الأصل أنه مرتبط بهذا الفعل، تقول: المجني عليه لا ذنب له ليتصدق ويُكفَّر عنه، يعني مثل ما قيل في المُكرهة: {فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيم} [النور:33].

الآن تصورت الربط بين المسألة ونظيرتها.

طالب:.......

لا، المُكرِه صعب، صعب أن تأتي المغفرة بهذا السياق لشخصٍ أكره امرأةً على البغاء، ويتكسب من ورائها، لا، ما فيه ذكر للقول، ما فيه إشارة للقول، وما قال: إنها للمُكرِه إلا أبو حيان في (البحر المحيط) وإلا فكلهم على أنها للمكرهة، ثم يأتي الإشكال في أن المُكرهة لا ذنب عليها.   

"لأن الله لا يذكر عن الكافر أنه متصدق؛ لأن الكافر لا صدقة له لكفره، وما هو باطلٌ لا فائدة فيه، لا يذكره الله تعالى في معرض التقرير والإثبات، مع أن هذا القول ضعيفٌ في معنى الآية.

وجمهور العلماء من الصحابة، فمن بعدهم على أن معناها: فهو كفارةٌ للمتصدق، وهو أظهر؛ لأن الضمير فيه عائدٌ إلى مذكور، وذلك في المؤمن قطعًا دون الكافر، فالاستدلال بالآية ظاهرٌ جدًّا".

طالب:.......

نعم.

طالب:.......

لأنه لا ذنب له هنا، فلا يحتاج إلى كفارة، ولتكن الكفارة لشيءٍ آخر، أو تكون كفارة لذنبٍ ارتكبه في هذه المسألة؛ لأنه أحيانًا قد يُجنى عليه، ثم بعد ذلك يقول بلسانه ويقذف ويشتم، ويمكن أن يمد يده ويضرب، قد يحصل منه خطأ. 

"تنبيه:

احتج بعض العلماء بهذه الآية الكريمة على أنه لا يُقتل اثنان بواحد؛ لأنهما لو قُتلا به لخرج عن قوله: {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة:45] لكونهما نفسين بنفسٍ واحدة.

وممن قال بهذا متمسكًا بهذا الدليل ابن الزبير، والزهري، وابن سيرين، وحبيب بن أبي ثابت، وعبد الملك، وربيعة، وداود، وابن المنذر، وحكاه ابن أبي موسى، عن ابن عباس، وروي عن معاذ بن جبلٍ، وابن الزبير، وابن سيرين، والزهري أنه يُقتل منهم واحد، ويؤخذ من الباقين حصصهم من الدية؛ لأن كل واحدٍ منهم مكافئٌ له، فلا تستوفى أبدالٌ بمبدلٍ واحد، كما لا تجب دياتٌ لمقتولٍ واحد، كما نقله عمن ذكرنا ابن قدامة في (المغني)".

التخصيص واحد بغير مخصص، التخصيص واحد منهم الذي يُقتل في مقابل المقتول وترك الباقي، الشرع لا يفرق بينهم في مثل هذا، ولا يُتصور مثل هذا، هل يُقال: يُمكن أن يُخرج بالقرعة؟ القرعة وردت في مسائل كثيرة من الشرع، هذه جناية وإفساد في الأرض، فترك مُفسد بالقرعة فيه إشكال.

"وقالوا مقتضى قوله تعالى: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ} [البقرة:178]، وقوله: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة:45] أنه لا يؤخذ بالنفس أكثر من نفسٍ واحدة، قالوا: ولأن التفاوت في الأوصاف يمنع القصاص، بدليل عدم قتل الحر بالعبد، والتفاوت في العدد أولى.

وقال ابن المنذر: لا حُجة مع من أوجب قتل جماعةٍ بواحد، وعدم قتل الجماعة بالواحد روايةٌ عن الإمام أحمد".

إضافةً إلى من ذُكِر سابقًا.

"والرواية المشهورة عن الإمام أحمد، ومذهب الأئمة الثلاثة: أنه يُقتل الجماعة بالواحد، وقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه قتل سبعةً بواحد، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعًا، ورُوي نحو ذلك عن عليٍّ -رضي الله عنه- فإنه توقف عن قتال الحرورية حتى يُحدثوا، فلما ذبحوا عبد الله بن خباب، كما تُذبح الشاة".

وبقروا بطن امرأته وهي حامل، وقتلوا ولدها، نكَّل بهم علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- فقتلهم.

"وأُخبِر عليٌّ بذلك قال: الله أكبر نادوهم أن أخرجوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب، فقالوا: كلنا قتله، ثلاث مرات، فقال عليٌّ لأصحابه: دونكم القوم، فما لبث أن قتلهم عليٌّ وأصحابه، نقله القرطبي عن الدارقطني في (سُننه).

ويزيد".

ويؤيد.

"ويؤيد قتل الجماعة بالواحد ما رواه الترمذي عن أبي سعيدٍ، وأبي هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ، وَأَهْلَ الْأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَكَبَّهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ» قال فيه الترمذي: حديثٌ غريب، نقله عنه القرطبي.

وروى البيهقي في (السُّنن الكبرى) نحوه عن ابن عباسٍ مرفوعًا، وزاد: «إِلَّا أَنْ يَشَاءَ»، وروى البيهقي أيضًا عن أبي هريرة، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ».

وروي عن المغيرة بن شعبة، وابن عباس، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، وأبو سلمة، وعطاء، وقتادة، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، كما نقله عنهم ابن قدامة في (المغني): أن الجماعة تُقتل بالواحد، ورواه البيهقي عن عمر، وعليٍّ -رضي الله عنهما- أيضًا، ولم يعلم لهما مخالفٌ في الصحابة، فصار إجماعًا سكوتيًّا، واعترضه بعضهم بأن ابن الزبير ثبت عنه عدم قتل الجماعة بالواحد، كما قاله ابن المنذر.

وإذًا فالخلاف واقعٌ بين الصحابة، والمقرر في الأصول أن الصحابة إذا اختلفوا، لم يجز العمل بأحد القولين إلا بترجيح".

لكن المصلحة العامة المتعلقة بالأمة كلها تقتضي أن يُقتل الجماعة بالواحد؛ لأنهم لو تُركوا لعم الفساد، وكان من أراد قتل أحدٍ أشرك معه غيره، وقال: الجماعة لا تُقتل بالواحد، ولو اختير واحدٌ من القتلة بقرعةٍ أو غيرها ما حصل العدل الذي تنشده الشريعة، وتُريد به قطع دابر الفساد لعمت الفوضى لو لم يُقتلوا، ويترتب على قتلهم نشر هيبة الدولة المسلمة.

وأنتم ترون في البلدان التي لا تُحكِّم شرع الله، ولا تقتل، ولا تقتص سهل القتل عندهم، أمره يسير، والقصص من هذا كثيرةٌ جدًّا.

 شخص يسأل يقول: تزوجت امرأةً في بلدٍ من البلدان المجاورة تعرفت عليها في الحج في الباص، وذهبت إليها في بلدها، وعقد لي أبوها عليها، فرجعت إلى بلدي ليُكمل الإجراءات النظامية، يقول: لما رجعت وجدت أنها زُوِّجت بعدي، وأنا معقودٌ لي عليها، فقتلتها، ما فيه قصاص، ماذا يفعلون؟

المقصود أنه يسأل هل عليه كفارة أم ما عليه كفارة أو دية؟ مسألة القتل يعني أمرها إذا لم يحصل القصاص الذي يقول الله –جلَّ وعلا-: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة:179] تحصل الفوضى.

وآخر يقول: دهست شخصًا فحصلت إعاقة بسبب هذا الدهس، والنظام عندهم أن من تسبب بإعاقة أنه يُنفق عليه مدى الحياة، يقول: فرجعت عليه بالسيارة وكملت عليه بدل من أن يُنفق عليه مدى الحياة.

تسهل الأمور بهذه الطريقة إذا لم يُوجد القصاص، وصدق الله {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة:179] كم تحيا من نفس بسبب القصاص؟ وكم تُهدر وتُزهق من نفس إذا تُرك القصاص؟ مهما شددوا وقالوا: سجن مدى الحياة، سجن مدى الحياة هل هو إلى أن يموت؟ لا، قد يُخرّج بأدنى سبب، تأتي مناسبة يوم عيد وطني أو شيء يطلعون من بالسجون بمن فيهم القتلة، فينتشر الفساد بهذه الطريقة.

طالب:.......

واحد أمسك، والثاني قتل، المُمسك إذا انفرد ما يقتل، فِعله لا يقتل، لكن الممسك هذا لولا هذا الممسك لما حصل القتل، فهو ردء، على كل حال إذا كان له أثر في الجريمة يكون مشاركًا.

طالب:.......

هذه مسألة قضائية.

طالب:.......

وما صوابه؟ ولو فعل كل واحدٍ منهم غير قاتل بلا شك هو....... من بعدي، وأيضًا كليات الشريعة تقضي به.

طالب:.......

لا، الذي لا يصح لا اعتبار له، أو الذي لا يصح سواءً كان من الأحاديث أو من الآثار أو من الأقوال لا اعتبار له، والترمذي –رحمه الله- حينما ينقل أقوال أهل العلم ذكر أسانيده إليهم، فيجب أن يكون كل من ينقل قولًا أن يتثبت منه، لا يجعله مسار تردد ممن يدرس المسألة بسببه وهو لا يصح.

طالب:.......

ما يصح، لا بُد من ثبوت الخبر.

نعم.              

"قال مقيده -عفا الله عنه-: ويترجح مذهب الجمهور الذي هو قتل الجماعة بالواحد، بأن الله تعالى قال: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة:179] يعني أن من علم أنه يُقتل إذا قتل يكون ذلك رادعًا له وزاجرًا عن القتل، ولو كان الاثنان لا يقتص منهما للواحد، لكان كل من أحب أن يقتل مسلمًا، أخذ واحدًا من أعوانه فقتله معه، فلم يكن هناك رادعٌ عن القتل؛ وبذلك تضيع حكمة القصاص من أصلها، مع أن المتمالئين على القتل يصدق على كل واحدٍ منهم أنه قاتل، فيُقتل، ويدل له أن الجماعة لو قذفوا واحدًا لوجب حد القذف على جميعهم، والعلم عند الله تعالى.

قوله تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ} [المائدة:47] لم يُبين هنا شيئًا مما أُنزل في الإنجيل الذي أمر أهل الإنجيل بالحكم به، وبيَّن في مواضع أُخر أن من ذلك البشارة بمبعث نبينا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- ووجوب اتباعه، والإيمان به كقوله: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف:6]، وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ} [الأعراف:157] الآية، إلى غير ذلك من الآيات.

لطيفةٌ لها مناسبةٌ بهذه الآية الكريمة: ذكر بعض العلماء أن نصرانيًّا قال لعالمٍ من علماء المسلمين: ناظرني في الإسلام والمسيحية، أيهما أفضل؟ فقال العالم للنصراني: هلم إلى المناظرة في ذلك، فقال النصراني: المُتفق عليه أحق بالاتباع أم المختلف فيه؟ فقال العالم: المتفق عليه أحق بالاتباع من المختلف فيه، فقال النصراني: إذن يلزمكم اتباع عيسى معنا وترك اتباع محمد -صلى الله عليه وسلم-".

لأنكم توافقوننا على الإيمان بعيسى، ونحن لا نوافقكم على الإيمان بمحمد، فنحن نختلف معكم، وأنتم تتفقون معنا، ماذا كان الجواب؟

"لأننا نحن وأنتم نتفق على نبوة عيسى، ونخالفكم في نبوة محمد -عليهما الصلاة والسلام- فقال المسلم: أنتم الذين تمتنعون من اتباع المتفق عليه؛ لأن المتفق عليه الذي هو عيسى قال لكم: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف:6]".

أليس عيسى –عليه السلام- مُتفق عليه بين النصارى والمسلمين؟ النصراني يُقرر هذا، يعني إذا كان مُتفقًا عليه، وقال لكم كذا، فلماذا لا تتبعونه؟

"فلو كنتم متبعين عيسى حقًّا لاتبعتم محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، فظهر أنكم أنتم الذين لم تتبعوا المتفق عليه ولا غيره، فانقطع النصراني.

ولا شك أن النصارى لو كانوا متبعين عيسى، لاتبعوا محمدًا -صلى الله عليه وسلم-.

قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون} [المائدة:45] قد قدمنا أن هذه الآية في النصارى، والتي قبلها في اليهود، والتي قبل تلك في المسلمين، كما يقتضيه ظاهر القرآن.

وقد قدمنا أن الكفر، والظلم، والفسق كلها يُطلق على المعصية بما دون الكفر، وعلى الكفر المخرج من الملة نفسه، فمن الكفر بمعنى المعصية قوله -صلى الله عليه وسلم- لما سألته المرأة عن سبب كون النساء أكثر أهل النار «إِنَّ ذَلِكَ وَاقِعٌ بِسَبَبِ كُفْرِهِنَّ» ثم فسره بأنهن يكفرن العشير.

ومن الكفر بمعنى المخرج عن الملة، قوله تعالى: {قُلْ يا أَيُّهَا الْكَافِرُون * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُون} [الكافرون:1-2] الآية.

ومن الظلم بمعنى الكفر، قوله تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُون} [البقرة:254]، وقوله: {وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِين} [يونس:106]، وقوله: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم} [لقمان:13].

ومنه بمعنى المعصية قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ} [فاطر:32] الآية.

ومن الفسق بمعنى الكفر قوله: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا} [السجدة:20] الآية.

ومنه بمعنى المعصية قوله في الذين قذفوا عائشة -رضي الله عنها-: {وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون} [النور:4]".

الآية في عموم القذف؛ لأن السورة سورة النور تكلمت في أولها عن عموم قذف المحصنات، ثم عن قذف الرجل لزوجته، ثم قذف عائشة في قصة الإفك، فالآية قبل قصة عائشة وقذف عائشة.

طالب:........

والله أنا عندي ضعف في السمع لو تقرب يكون أحسن لي.

طالب:........

الفعل الواحد يُفسَّق به.

طالب:........

استكباره على الله –جلَّ وعلا- وعدم امتثال أمره بالسجود أخرجه من الملة.

"ومعلومٌ أن القذف ليس بمخرجٍ عن الملة، ويدل له قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ} [النور:11]، ومن الفسق بمعنى المعصية أيضًا قوله في الوليد بن عقبة: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحُجُرات:6] الآية.

وقد قدمنا أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب".

قصة الوليد بن عقبة حاول بعضهم أن يُنكرها، ولا يجعله سببًا لنزول الآية من باب تبرئة الصحابة عن الفسق، وأنهم كلهم عدول، هم كلهم عدول، لكن قد تقع المعصية التي يفسق بها في وقتها ثم يتوب منها؛ ولذا وقع من بعض الصحابة بعض الكبائر.  

"وقد قدمنا أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، فمن كان امتناعه من الحكم بما أنزل الله، لقصد معارضته ورده، والامتناع من التزامه فهو كافرٌ ظالمٌ فاسق كلها بمعناها المُخرج من الملة، ومن كان امتناعه من الحكم لهوى وهو يعتقد قبح فعله، فكفره وظلمه وفسقه غير المخرج من الملة، إلا إذا كان ما امتنع من الحكم به شرطًا في صحة إيمانه، كالامتناع من اعتقاد ما لا بُد من اعتقاده، هذا هو الظاهر في الآيات المذكورة، كما قدمنا والعلم عند الله تعالى".

قف على هذا.

اللهم صلِّ وسلم على نبيك محمد.

"