شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 11

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1426 هـ) - 11
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
الجمعة, 29 شعبان, 1438 - 22:30

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً ومرحبًا بكم إلى حلقةٍ جديدة في شرح كتاب الصوم من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

مع مطلع هذه الحلقة يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، فأهلًا ومرحبًا يا شيخ.   

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: لازلنا في باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيءٌ فتُصدِّق عليه فليُكفِّر، وصلنا عند قوله: إذ جاءه رجل.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فمضى الكلام في صدر الحديث، وقول الحافظ ابن حجر: أنه لم يقف على تسمية هذا الرجل، إلا أن الحافظ عبد الغني في المبهمات وتبعه ابن بشكوال جزمًا بأنه سلمان أو سلمة بن صخر البياضي، واستندا إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة وغيره من طريق سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر أنه ظاهر من امرأته في رمضان، وأنه وطئها فقال له النبي –صلى الله عليه وسلم–: «حرِّر رقبة». قلت: ما أملك رقبةً غيرها، وضرب صفحة رقبته. قال: «فصم شهرين متتابعين». قال: وهل الذي أصبت إلا من الصيام؟ قال: «فأطعم ستين مسكينًا». قال: والذي بعثك بالحق ما لنا طعام. قال: «فانطلق إلى صاحب صدقة بني زُريق فليدفعها إليك».

عيَّن المبهم بأنه سلمة بن صخر من أجل هذا الحديث، من أجل حديثه، لكن فيه أنه ظاهر من امرأته فجعلوه هو الذي وطئ في رمضان؛ لأن كفارة الظهار مطابقة لكفارة الوطء.

أهل العلم مَن جامع في نهار رمضان يقولون له: عليك كفارة ظِهار، ما يقولون: عليك كفارة جماع في رمضان، لماذا؟

المقدم: لأن كفارة الظهار واردة بالنص في القرآن.

نعم، أيضًا كفارة الجماع واردة بالنص لكنها في السنة، والقرآن معروفٌ لدى الخاص والعام.

يعني: نظير ما تقدم في البيعة، وأن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم– على ما بايع عليه النساء.

المقدم: والنساء.. لأن بيعة النساء وردت في القرآن.

نعم، والقرآن معروف بين الخاص والعام فيُحال عليه.

يقول ابن حجر: والظاهر أنهما واقعتان، فإن في قصة المجامع في حديث الباب أنه كان صائمًا، وفي قصة سلمة بن صخر أن ذلك كان ليلًا، فافترقا، ولا يلزم من اجتماعهما في كونهما من بني بياضة وفي صفة الكفارة وكونها مرتبة، وفي كون كل منهما لا يقدر على شيء من خصالها اتحاد القصتين.

وأخرج ابن عبد البر في ترجمة عطاء الخرساني من التمهيد من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن سعيد بن المسيب أن الرجل الذي وقع على امرأته في رمضان في عهد النبي –صلى الله عليه وسلم– هو سليمان بن صخر. قال ابن عبد البر: أظن هذا وهمًا؛ لأن المحفوظ أنه ظاهر من امرأته ووقع عليها في الليل لا أن ذلك كان منه بالنهار.

يعني ظاهر منها ووقع عليها بالليل.

قال ابن حجر: ويحتمل أن يكون قوله في الرواية المذكورة: وقع على امرأته في رمضان أي: ليلًا بعد أن ظاهر منها، فلا يكون وهمًا ولا يلزم اتحاد القصتين.

متى يلزمه الكفارة؟

المقدم: إذا وقع عليها في النهار.

كفارة الظهار، هو ظاهر منها.

المقدم: الظهار إذا جامع بعد أن ظاهر.

الكفارة من قبل أن يتماسا.

المقدم: بمجرد الظهار ما يحق له أن يأتيها إلا وقد كفَّر.

إلا أن يُكفِّر، لكنه إن جامعها قبل ذلك لزمته الكفارة، لكن ما المانع أن يكون وقع عليها نهارًا ثم ظاهر منها ليلًا؛ لئلا يقع في المحظور مرةً أخرى فتكون القصة واحدة؟

يعني: جامعها نهارًا في رمضان، ثم لما جاء الليل ندم على ذلك، ولئلا يقع مرةً أخرى الجماع منه في رمضان ظاهر منها، فتتحد القصة، فيه ما يمنع؟

المقدم: فيه ما يمنع الذي هو شرحه للنبي –صلى الله عليه وسلم– لو كان كذا لألزمه بكفارتين.

نعم.

أقول: وعلى هذا فيلزمه كفارتان: كفارة ظهار وكفارة جماع، ولا تتداخل الكفارات في مثل هذا الباب؛ لأن السبب مختلف، وإلا قد يقول قائل: ما المانع؟ جاء في بعض الطرق ما يدل على أنه ظاهر منها في الليل، هذا ما فيه إشكال إنه ظاهر منها في الليل، ويقولون: لعله وقع عليها ليلًا أيضًا لكي تلزمه كفارة الظهار.

ثم أوردنا احتمال أن يكون وقع عليها نهارًا ثم ظاهر منها ليلًا لئلا يقع في المحظور مرةً أخرى؛ ليمنع نفسه من وطئها مرة أخرى، لكن يلزمه كفارتان، ولا تتداخل الكفارات في مثل هذا، وأيضًا البيان من قِبله –عليه الصلاة والسلام– في هذا الموضع لازم؛ لأنه وقت الحاجة.

يقول ابن حجر: وقع في مباحث العام من شرح ابن الحاجب يعني: على مختصره، ما يوهم أن هذا الرجل هو أبو بُردة أبو يسار، وهو وهمٌ يظهر من تأمل بقية كلامه.

المقدم: بقية كلامه؟

كلام ابن الحاجب.

وفي جامع الترمذي، قال أبو عيسى: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا هارون بن إسماعيل.

المقدم: لكن ما هو بالمراد من بقية كلام الصحابي نفسه؟

لا لا، بقية ابن حاجب.

المقدم: لأنه قد يكون هذا ليس من أهل المدينة، أبو بُردة من المدينة يا شيخ أو ما ذكروا؟

أبو بُردة بن يسار هذا هو.

المقدم: لأن الحديث يظهر أنه يقول: «ما بين لابتيها» أنه من أهل المدينة.

ما يمنع أن يكون منها، لكن من تأمُل بقية كلام ابن حاجب.

في جامع الترمذي، قال أبو عيسى: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا هارون بن إسماعيل، قال: حدثنا علي بن المبارك، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدثنا أبو سلمة أن سلمة بن صخر جعل امرأته عليه كظهر أمه حتى يمضي رمضان.

والدافع لهذا الظهار خشية أن يقع عليها في نهار رمضان، يقول: حتى يمضي رمضان.

فلما مضى نصف رمضان وقع عليها ليلًا، فأتى رسول الله –صلى الله عليه وسلم– فذكر له ذلك، فقال: «أعتق رقبة». فقال: لا أجدها. فقال: «فصم شهرين متتابعين». قال: لا أستطيع. قال: «أطعم ستين مسكينًا». فقال: لا أستطيع. فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم– لفروة بن عمرو: «أعطه ذلك الفرق أو العرق» وهو مكتل يأخذ خمسة عشر أو ستة عشر صاعًا.

تبيَّن أن الوطء كان ليلًا في رواية الترمذي، فلما مضى نصف رمضان وقع عليها ليلًا، وأن كفارة هذا كفارة ظهار لا كفارة الجماع، فقال: يا رسول الله هلكت. في روايةٍ أخرى، فقال: إن الأَخِّر هلك، والأَخِر بهمزةٍ مفتوحة، وخاءٍ معجمةٍ مكسورة بغير مد هو: الأبعد، أَخِر وأَخَر.

الأَخِر: هو الأبعد، وقيل: الغائب، وقيل: الأرذل، وكونه هو الأبعد يعني: متأخر، كما أن من تغير بأَخَرةٍ كما يقول أهل العلم يعني: اختلط في آخر عمره.

وفي حديث عائشة: إنه احترق.

قال ابن حجر وغيره – هذا موجود في كلام ابن حجر والعيني، والقرطبي، وقبلهم ابن بطال، موجود في كلامهم–: استُدل به على أنه كان عامدًا؛ لأن الهلاك والاحتراق مجازٌ عن العصيان المؤدي إلى ذلك؛ لأن العصيان عن عمد هو الذي يؤدي إلى الاحتراق بالنار.

قال: استُدل به على أنه كان عامدًا؛ لأن الهلاك والعصيان مجازٌ عن العصيان المؤدي إلى ذلك، فكأنه جعل المتوقع كالواقع، وبالغ فعبر عنه بلفظ الماضي، ويعبر عن المستقبل بلفظ الماضي إذا تُحقق وقوعه، وإذا تقرر ذلك فليس فيه حجة على وجوب الكفارة على الناسي وهو مشهور قول مالك والجمهور.

جعلوا الكفارة على العامد لا على الناسي، الذاكر لا على الناسي، وأما الناسي فسبيله سبيل من أكل أو شرب ناسيًا.

كونه يصف نفسه بالهلاك نعم يظهر من ذلك أنه متعمد وذاكر لصيامه، نعم يظهر منه هذا كما قرروا، لكن قد يصف الإنسان نفسه إذا كان من أهل التحري وأهل الاحتياط وأهل الخشية من الله –جل وعلا– قد يصف نفسه بالهلاك ولو كان ناسيًا، ولو كان مغلوبًا كما يتحسر ويتألم من نام عن صلاته بعد أن فعل جميع الاحتياطات، يتحسر ويخشى على نفسه مغبة هذا العمل وإن كان معذورًا بالفعل، فمن شدة احتياطه وخوفه ووجله من الله– جل وعلا – وصف نفسه بالهلاك، ما فيه ما يمنع في الظاهر.

وكثير من الشراح استدلوا بهذا على أنه كان عامدًا لأن الناسي غير مكلف، {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا} [البقرة:286]، فهو غير مكلف، فلا يمكن أن يصف نفسه بالاحتراق، لكن مع كونه غير مكلف في الجملة هل يستوي هو ومن لم يقع بالفعل ألبتة عند نفسه؟ يعني الإنسان صاحب الخوف والوجل من الله –جل وعلا– هل يستوي عنده أن يقع منه الفعل وهو ناسٍ وأن لا يقع ألبتة؟ لا بد أن يوجد في نفسه شيء.

المقدم: صحيح.

وعن أحمد وبعض المالكية: يجب على الناسي الكفارة، وتمسكوا بترك استفساره -عليه الصلاة والسلام- عن جماعه هل كان عن عمد أو نسيان. قالوا: وترك الاستفصال في الفعل يُنزَّل منزلة العموم في القول كما اشتهر.

لأن المعروف عن الشافعي –رحمه الله– أن ترك الاستفصال في مجال الاحتمال ينزَّل منزلة العموم في المقال، هنا ما استفصل النبي –عليه الصلاة والسلام– لكنهم تمسكوا بكلمة "هلكت" والهلاك لا يكون إلا إذا تعمّد.

والجواب – يقول من يرى أن الناسي لا شيء عليه –: أنه قد تبيَّن حاله بقوله: هلكت واحترقت، فدل على أنه كان عامدًا عارفًا بالتحريم.

الآن إذا كان عالمًا بالحكم، متعمدًا له عارفًا ما يترتب عليه، هذا ما فيه إشكال في كونه يلزمه ما يترتب على فعله، إذا كان متعمدًا وعارفًا بالمترتب.

المقدم: طيب إذا كان متعمدًا وغير عارف ما يترتب عليه.

يلزمه أيضًا؛ لأنه عاصٍ في الجملة بخلاف ما لو كان جاهلًا بالحكم فهذا يُعذر بجهله، لا يعرف أن الجماع في نهار رمضان محرم، لكن يعرف أنه محرم لكن لا يدري أنه يلزمه كفارة، هذا يلزم.

وإذا كان لا يعرف التحريم كمن نشأ في بيئة بعيدة عن المسلمين فمثل هذا لا يُلزم بشيء؛ يُعذر بجهله، أما إذا كان عارفًا بالحكم وما يترتب عليه فلا إشكال فيه، وإذا كان عارفًا بالحكم وجاهل بما يترتب عليه فهذا أيضًا يلزمه ما يترتب عليه، وإذا كان جاهلًا بالأمرين فلا شيء عليه.

قالوا: وأيضًا فدخول النسيان في الجماع في نهار رمضان في غاية البُعد.

هذا يستدل به؟

المقدم: من لا يفرق بين الناسي والمتعمد.

أو العكس؟

المقدم: يعني هم يقولون إن عليه الكفارة عمومًا، لا يُستفصل ناسيًا ولا غير ناسٍ؛ لأنه ما يتخيل النسيان فيها أصلًا.

فالآن لما قالوا –الإمام أحمد ومن معه–: تجب على الناسي، تمسكوا بترك الاستفصال.

المقدم: أحمد وبعض المالكية.

أي نعم، تمسكوا بترك الاستفصال فرأوا أن الناسي تلزمه الكفارة كالعامد، كالذاكر.

أُجيب أنه قد تبين حال هذا الرجل، ما يُحتاج أن يُستفصل منه، مجرد ما قال: هلكت، فهم النبي –عليه الصلاة والسلام– أنه كان متعمدًا.

الجواب: أنه قد تبين حاله بقوله: هلكت واحترقت، فدل على أنه كان عامدًا عارفًا بالتحريم، وأيضًا فدخول النسيان في الجماع في نهار رمضان في غاية البُعد، فمثل هذا لا يحتاج إلى استفصال.

ما يُستفصل: هل نسيت؟ لأن النسيان في هذا الباب في غاية البُعد، فلا يحتاج إلى استفصال؛ ولذلك ما استفصل منه النبي –عليه الصلاة والسلام– فحمله على العمد، ولا يُستفصل عن البعيد.

في مختصر الخرقي وهو من أشهر مختصرات الحنابلة: من جامع في الفرج فأنزل أو لم يُنزل، أو دون الفرج فأنزل عامدًا أو ساهيًا فعليه القضاء والكفارة إذا كان في شهر رمضان.

ماذا يقول الخرقي؟ يقول: من جامع في الفرج فأنزل أو لم يُنزل، أو دون الفرج فأنزل عامدًا أو ساهيًا فعليه القضاء والكفارة إذا كان في شهر رمضان.

قال ابن قدامة في شرحه الشهير المسمى المُغني: لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أن من جامع في الفرج فأنزل أو لم يُنزل، أو دون الفرج فأنزل أنه يفسد صومه إذا كان عامدًا، وقد دلت الأخبار الصحيحة على ذلك.

وهذه المسألة فيها أربع مسائل:

أحدها: أن من أفسد صومًا واجبًا بجماع فعليه القضاء سواء كان ذلك في رمضان أو غيره، وهذا قول أكثر الفقهاء.

وقال الشافعي في أحد قوليه: من لزمته الكفارة لا قضاء عليه؛ لأن النبي –صلى الله عليه وسلم– لم يأمر الأعرابي بالقضاء، وحُكي عن الأوزاعي أنه قال: إن كفَّر بالصيام فلا قضاء عليه؛ لأنه صام شهرين متتابعين يعني: بدلًا من يوم صام شهرين متتابعين فلا يؤمر بصيام هذا اليوم، قضاه بجنسه.

المقدم: لكن إن كانت كفارته عتق رقبة؟

يصوم، عندهم.

المقدم: عليه القضاء؟

عليه القضاء أو إطعام.

يقول ابن قدامة: ولنا أن النبي –صلى الله عليه وسلم– قال للمجامع: «وصم يومًا مكانه» رواه أبو داود وابن ماجه والأثرم، ولأنه أفسد يومًا من رمضان فلزمه قضاؤه كما لو أفسده بالأكل أو أفسد صومه الواجب بالجماع فلزمه القضاء في غير رمضان.

المسألة الثانية: أن الكفارة تلزم من جامع في الفرج في رمضان عامدًا أنزل أو لم يُنزل في قول عامة أهل العلم، هذا تلزمه الكفارة، وحُكي عن الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير: لا كفارة عليه؛ لأن الصوم عبادةٌ لا تجب الكفارة بإفساد قضائها، فلا تجب في أدائها كالصلاة.

يقول: ولنا، فذكر حديث الباب، قصة الأعرابي، ثم قال: ولا يجوز اعتبار الأداء في ذلك بالقضاء؛ لأن الأداء يتعلق بزمنٍ مخصوص يتعين به، والقضاء محله الذمة، والصلاة لا يدخل في جبرانها المال بخلاف مسألتنا.

الذي قال: لا تلزمه الكفارة قاس ذلك على الصلاة، وأن من أفسد الصلاة لا تلزمه الكفارة، وقاسه أيضًا على من أفسد صيام القضاء بالجماع لا تلزمه الكفارة.

يُجاب عن ذلك: بأن القضاء ليس في رمضان، والكفارة إنما هي لحرمة الزمان، والقياس على الصلاة غير وارد؛ لأن الصلاة لا يدخلها الجبران في المال.

المسألة الثالثة: أن الجماع دون الفرج إذا اقترن به الإنزال فيه عن أحمد روايتان:

إحداهما: عليه الكفارة، وهذا قول مالك وعطاء والحسن وابن المبارك وإسحاق؛ لأنه أفطر بجماعٍ فأوجب الكفارة كالجماع في الفرج.

والثانية: لا كفارة عليه، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة؛ لأنه أفطر بغير جماعٍ تام فأشبه القُبلة، ولأن الأصل عدم وجوب الكفارة، ولا نص في وجوبها ولا إجماع ولا قياس، ولا يصح القياس على الجماع في الفرج لأنه أبلغ بدليل أنه يوجبها من غير إنزالٍ ويجب به الحد إذا كان محرمًا.

الجماع فيما دون الفرج: لاشك أنه إبطالٌ للصيام، وارتكابٌ لأمر عظيم، ومن أفطر يومًا من رمضان من غير عذر لم يقضه صيام الدهر كما جاء في الخبر، فمثل هذا الفعل حرام بلا إشكال، لكن هل تلزمه الكفارة؟

عن أحمد –رحمه الله– روايتان: إحداهما: عليه الكفارة، وهذا قول مالك وعطاء والحسن وابن المبارك وإسحاق، جمع غفير من أهل العلم؛ لأنه أفطر بجماعٍ فأوجب الكفارة كالجماع في الفرج.

والثانية: أنه لا كفارة عليه؛ لأن الكفارة إنما تجب بالجماع، والجماع إنما يكون تامًّا إذا كان في الفرج؛ ولذا لا تترتب عليه الآثار من الحد وغيره، نعم يُعزَّر، لكن لا يصل إلى حد الحد، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة؛ لأنه أفطر بغير جماعٍ تام فأشبه القُبلة، ولأن الأصل عدم وجوب الكفارة، ولا نص في وجوبها ولا إجماع ولا قياس، ولا يصح القياس على الجماع في الفرج؛ لأنه أبلغ بدليل أنه يوجبها من غير إنزالٍ، ويجب به الحد إذا كان محرمًا. 

وعلى كل حال: على المسلم أن يصون صيامه، ولا يجوز أن يُعرضه بحال إلى ما يفسده ويبطله، والقُبلة إنما كان النبي –عليه الصلاة والسلام– على ما تقدم في حديث عائشة يفعلها؛ لأنه كان أملك لإربه، ومَن مثل النبي– عليه الصلاة والسلام– في هذا الباب؟ فعلى المسلم أن يتقي الله –جل وعلا– ويجتنب الشبهات ولا يحوم حول الحمى لاسيما من كان حديث عهد أو كان به شهوةٌ زائدة، فمثل هذا عليه أن يجتنب زوجته في رمضان مادام صائمًا؛ لئلا يقع في المحظور كالراعي يرعى حول الحمى، فعلى الإنسان أن يحتاط لهذا الركن العظيم من أركان الإسلام.

المقدم: خصوصًا يا شيخ – أحسن الله إليك – أن بعض الناس ربما تتكرر منها هذه المسألة في نهار رمضان وهو صائم أكثر من مرة، ويقول: ما عليّ إلا كفارة واحدة، فيستمر طيلة الشهر على هذا الفعل السيئ القبيح.

لا، كل يوم من أيام رمضان عبادة مستقلة تجب فيها الكفارة، وتأتي الإشارة إلى هذا إن شاء الله تعالى.

المقدم: المسائل التي ذكرها ابن قدامة بقي فيها؟

بقيت المسألة الرابعة.

المقدم: إذًا نرجئها بإذن الله لمطلع الحلقة القادمة.

أيها الإخوة والأخوات بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة من شرح كتاب الصوم في كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

شكرًا لطيب متابعتكم، لقاؤنا بكم في الحلقة القادمة وأنتم على خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.