شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الحج - 04

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الحج - 04
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
الاثنين, 5 ذو الحجة, 1438 - 21:15

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا بكم إلى حلقة جديدة ضمن برنامجكم شرح كتاب الحج ضمن شرح التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح.

مع بداية حلقتنا يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير، عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء فأهلًا ومرحبًا بكم شيخ عبد الكريم.

حياكم الله وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: لا زلنا في باب وجوب الحج وفضله في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.

توقفنا عند التعريف بالمرأة الخثعمية هذه وبوالدها، ومنهما، وأيضًا عن تحقيق القصة هل السائل الأب أو هي في الحلقة الماضية نستكمل يا شيخ.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

السؤال الذي تضمنه حديث ابن عباس في الحج عن الغير، وقع فيه أكثر من قصة، فهذه قصة الخثعمية قد سألت النبي -عليه الصلاة والسلام- عن الحج عن أبيها نيابة، وجاء ما يدل على أن أباها أيضًا سأل عن أمه.

يقول ابن حجر: ووقع السؤال عن هذه المسألة من شخص آخر، وهو أبو رزين -بفتح الراء وكسر الزاي- العُقيلي بالتصغير، واسمه لقيط بن عامر، ففي السنن وصحيح ابن خزيمة وغيرهما من حديثه أنه قال: "يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة، قال: ((حج عن أبيك واعتمر)) وهذه قصة أخرى، يقول ابن حجر: ومن وحد بينها وبين حديث الباب فقد أبعد وتكلف.

"إن فريضة الله" فريضة بمعنى مفروضة، فريضة فعيلة بمعنى مفعولة.

"فريضة الله على عباده" من المكلفين في الحج "أدركت أبي شيخًا" حال "كبيرًا لا يثبت" صفة له، ويحتمل أن تكون أيضًا حالًا، ويكون من الأحوال المتداخلة، يعني أوصاف متداخلة، يعني كونه لا يثبت.

المقدم: شيخ كبير لا يثبت على الراحلة.

أوصاف متقاربة ومتداخلة، كونه شيخًا يعني كبيرًا، كونه لا يثبت على الراحلة؛ لأنه شيخ كبير.

يقول: ويكون من الأحوال المتداخلة، والمعنى أنه وجب عليه الحج بأن أسلم وهو بهذه الصفة، أو حصل له المال في هذه الحالة، يعني لما كان مستطيعًا للحج ببدنه كان عاجزًا عن الوصول إلى تلك الأماكن؛ لعدم القدرة على المال وعدم الاستطاعة، فحصل له المال بعد أن صار شيخًا كبيرًا.

المقدم: كيف يا شيخ؟

نعم؟

المقدم: كيف الحج ... ؟

يقول: المعنى أنه وجب عليه الحج بأن أسلم وهو بهذه الصفة.

المقدم: لكن قصدك العام الماضي كان عنده؛ لأنه ما فيه حج أصلًا.

والمعنى أنه وجب عليه الحج بأن أسلم وهو بهذه الصفة، أو حصل له المال في هذه الحالة، تقول: هذه حجة الوداع.

المقدم: نعم، نعم، كيف يكون أدرك الحج ولا عنده مال، ثم لما أدرك المال صار كبيرًا في السن؟ ما يستقيم هذا.

يعني أسلم، نعم أسلم وعنده مال.

المقدم: طيب، لكن ليس هناك حج.

لكن لما أدركه الحج لا ينطبق عليه الوصف.

المقدم: هذا هو نعم.

هو كونه أسلم بهذا الصفة.

المقدم: لم يجب عليه الحج بعد؛ لأنه لم يوجب الحج.

أسلم وهو بهذه الصفة، أنت تظن أنه من لازم هذه العبارة أن يكون إسلامه قرب حجة الوداع؟

المقدم: لا، ليس بالضرورة.

ما يلزم، أسلم قديمًا مثلًا وهو بهذه الصفة عاجز، أو أسلم قديمًا وهو قادر بالنفس والمال ولم يفرض الحج إلا بعد.

"لا يثبت على الراحلة"، وفي رواية: "لا يستطيع أن يستوي" وفي رواية ابن عيينة: "لا يستمسك على الرحل" وفي رواية: "وإن شددته خشيت أن يموت"، وعند ابن خزيمة: "وإن شددته بالحبل على الراحلة خشيت أن أقتله"، كيف يشد؟ يمكن أن يشد على الراحلة؟

المقدم: نعم كانوا يربطونهم يا شيخ؟

يربطونه أم يربطون ما يستمسك بحيث يجلس عليه؟ لأن الركوب على الراحلة، تصور أن الركوب على الراحلة لا بد أن يشد مثلما يشد.

المقدم: حزام الأمان مثلًا يا شيخ.

ما يكفي، حزام الأمان أنت عن يمينك باب وعن يسارك راكب.

المقدم: لكن كانوا يربطون أرجلهم في مؤخرة الرحل، ويربط أحيانًا يمكن يربط أكتافه، ولو شده لقتله.

هو يلزم من هذا أن يشد مثلما يشد المتاع وإلا يسقط.

المقدم: نعم هذا هو.

لأن الركوب على الراحلة ما هو مثل الركوب على السيارة، فيها غلق، وفيها أبواب، لا، يعني تصور لو وضعنا حزام الأمان على بعير وربطناه.

المقدم: ما يستقيم.

ما يمكن أن يسقط، ولذا لا بد أن يشد مثلما يشد المتاع، وهذا يقتله بلا شك.

"وإن شددته خشيت أن يموت" وعند ابن خزيمة: "وإن شددته بالحبل على الراحلة خشيت أن أقتله" لكن بالإمكان أن يشد هودج أم محفة أو شيء، ويجلس فيه يكون وضعه مثل وضعه في السيارة.

قال ابن حجر: وهذا يفهم منه أن من قدر على غير هذين الأمرين من الثبوت على الراحلة، أو الأمن عليه من الأذى لو ربط لم يرخص له في الحج عنه، كمن يقدر على محمل موطأ كالمحفة.

"أفأحج عنه؟ " أي: أيجوز لي أن أنوب عنه فأحج عنه؟ لأن ما بعد الفاء الداخلة عليها الهمزة معطوف على مقدر، يقول الكرماني: فإن قلت: الهمزة تقتضي الصدارة، والفاء تقتضي عدم الصدارة، لماذا؟ الهمزة تستحق الصدارة، لها الصدارة، لكن الفاء لماذا لا تقتضي عدم الصدارة؟ لأنها عاطفة، لا بد أن تكون بعد معطوف عليه.

يقول: فأين المعطوف عليه؟ قلت: هي عاطفة على مقدر بعد الهمزة أي: أنوب عنه، فأحج عنه، وفي رواية "فهل يقضي عنه أن أحج عنه" وفي حديث علي: "هل يجزئ عنه أن أحج عنه؟".

قال: «نعم» وفي حديث أبي هريرة: «احجج عن أبيك» وتقدم في حديث أبي رزين عند ابن خزيمة وغيره: «حج عن أبيك واعتمر» وذلك في حجة الوداع.

المقدم: كل الروايات بالرفع "أفأحج" يا شيخ؟

نعم.

وذلك في حجة الوداع، قال الكرماني: بكسر الحاء وفتحها حَجة وحِجة، وسميت بذلك لأنه -عليه الصلاة والسلام- ودع الناس فيها، وليست هذه الإضافة للتقييد التمييزي؛ لأنه لم يحج بعد الهجرة إلا هذه الحجة، يعني لو قال: وذلك في حجة الوداع هل يفهم منه أن النبي -عليه الصلاة والسلام- حج قبلها؟

المقدم: أبدًا.

نعم، يقول: وليست هذه الإضافة للتقييد التمييزي؛ لأنه لم يحج بعد الهجرة إلا هذه الحجة، نعم حج -عليه الصلاة والسلام- قبل الهجرة مرة أو مرتين على طريقة إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-؛ لأنه لم يكن الحج فرض، ولذلك استنكر جبير بن مطعم وقوف النبي -عليه الصلاة والسلام- بعرفة مع أفناء الناس، الحمس ما يخرجون عن الحرم، والنبي -عليه الصلاة والسلام- من قريش الذين هم من الحمس، فلما أضل بعيره جبير بن مطعم، وذلك قبل أن يسلم؛ لأنه جاء في فداء أسرى بدر، ثم أسلم بعد ذلك، قبل أن يسلم رأى النبي -عليه الصلاة والسلام- واقف بعرفة مع الناس فاستنكر.

المقدم: هذا قبل الهجرة.

قبل الهجرة، وهذه في الصحيح القصة.

الحديث فيه فوائد كثيرة جدًّا، الإحاطة بها، وتفصيلها يحتاج إلى وقت طويل، يعني يستوعب كل الوقت، لكن أشرنا سابقًا إلى جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة، وتقدم النقل عن ابن منده أنه جمع كتابًا فيه أسماء من أردفه النبي -عليه الصلاة والسلام- معه الدابة، فبلغ بهم نيفًا وثلاثين رجلًا، ولا شك أن هذا يختلف باختلاف أوزان الأشخاص، بعض الأشخاص لا يجوز أن يردِف، بعض الأشخاص لا يجوز أن يردَف لثقله، نعم يؤثر على الدابة سواءً أردف أو أُردف؛ لأنه ثقيل، وبعض الدواب تطيق ثلاثة أو أربعة من الذين أوزانهم خفيفة، فهذه مسألة تقدر بقدرها، والمنظور إليه هو طاقة الدابة وعدم ظلمها؛ لأنها تتألم.

وأما الحمل على الآلات من غير ذوات الأرواح فتقدم الكلام فيه.

يقول النووي والكرماني: فيه جواز سماع صوت الأجنبية عند الحاجة، في الاستفتاء والمعاملة وغير ذلك، شريطة أمن الفتنة، وعدم الخضوع في القول.

وكون صوت الأجنبية عورة أو ليس بعورة محل خلاف بين أهل العلم، لكن دلت النصوص على أن المرأة تستفتي، وتجاب تسمع كلام الرجل ويجيبها، لكن مشروط بأمن الفتنة، وعدم الخضوع المنهي عنه {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} [الأحزاب 32]، ومع وجود هذه الآلات من الهاتف والإنترنت وغيره زادت الفتنة بحيث يخلو الإنسان، يستطيع الخلوة من خلال الجهاز بامرأة بعيدة عنه كل البعد وبواسطته تقرب، ويكثر السؤال مع الاسترسال في الحديث الذي هو مجرد تبادل مشاعر وشجون كما يقول الشباب والشابات، لكن هذا هو الذي جر الكوارث والمصائب، يعني إذا كان مبدأ الفتنة من النظر، فأيضًا الكلام جر كوارث.

. . . . . . . . . ... والأذن تعشق قبل العين أحيانًا

وبعض الناس يضيع من الأوقات، ويهدر من الأوقات يتحدث مع فلان وفلانة من خلال الإنترنت، بما جر المصائب، وبما أيضًا حملهم على ترك الواجبات، والتساهل في كثير من المحرمات، لا شك أن مثل هذه الأمور تحتاج إلى حزم، وعلى الشاب أن يبتعد كل البعد عن مواطن الشبه.

المقدم: أحسن الله إليكم، الذين قالوا بأن صوت المرأة عورة، هل استثنوا يعني كثرة الاستثناءات في حكمهم هذا؟ استثنوا الاستفتاء، استثنوا الرد.

يستدلون بأدلة منها أنه ليس على المرأة أذان ولا إقامة، وأنها لا ترفع صوتها بالتلبية، وأمور كثيرة.

المقدم: نعم، لكن استثناءاتهم؟

أين؟

المقدم: عن هذا الحكم هل استثنوا أن المرأة تخرج صوتها في مناسبات في أوقات أم لا؟ يعني إن كثرت ...

يجعلون الأصل المنع.

المقدم: وكثرة الاستثناءات ألا تضعف؟

هم يجعلون الأصل المنع، وإبداء هذا الصوت للضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، بحيث لو وجد مثلًا امرأة بحاجة إلى فتوى بالهاتف مثلًا، تتصل على الشيخ فلان وتستفتيه، هذا على قول من يقول بالجواز ما فيه إشكال.

المقدم: وعلى قول من يقول بالحرمة أيضًا ما فيه إشكال؟

لا، فيه إشكال إن كان أبوها موجودًا، إن كان أخوها موجودًا، إذا كانت الحاجة تقوم بغيرها، فيه إشكال.

المقدم: إذًا تضييق هذه الاستثناءات.

نعم بلا شك، والاحتياط مطلوب، والتوسع الموجود الآن من النساء غير مرضي بلا شك؛ لأنه جر مشاكل؛ لأن الأصوات فاتنة الآن، سواءً كانت من قبل بعض النساء، أو من قبل بعض الرجال، وكم من امرأة عفيفة صالحة صينة دينة وقعت في حبائل بعض الناس من خلال الهاتف.

المقدم: صحيح.

فلا شك أن القول بأن صوتها عورة من باب الاحتياط للمحارم والأعراض، وإن دلت الأدلة الكثيرة على أنه مع أمن الفتنة، وعدم الخضوع هو صوت.

يقول النووي: فيه تحريم النظر إلى الأجنبية.

يقول الشنقيطي -رحمه الله-: ومحل الشاهد من الحديث أنه -عليه الصلاة والسلام- صرف وجه الفضل عن النظر إليها، فدل على أن نظره إليها لا يجوز.

ولا شك أن الإنكار باليد أبلغ من الإنكار باللسان، فكونه صرف وجهه ولوى عنقه.

المقدم: عنقه، نعم كدت تقتل ابن عمك.

أو لويت عنق ابن عمك.

يقول: فيه تحريم النظر إلى الأجنبية، ووجوب غض البصر من الطرفين للأمر الصريح به في القرآن، هو انتهى كلامه عند الأجنبية.

أنا أقول: ووجوب غض البصر من الطرفين للأمر الصريح به في القرآن الكريم، فكما أن الرجل مطالب بغض البصر فالمرأة كذلك، فكما أن الرجل {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور 30]، {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} [النور 31] الأسلوب واحد، ولذا التفريق بين الرجل والمرأة من حيث النظر وتكراره وتحديده لا وجه له؛ لأن السياق واحد.

قد يقول قائل: إن هناك وقائع وقصص تدل على أن بعض النساء رأت الرجال، والنبي -عليه الصلاة والسلام- ستر عائشة، وجعلها تنظر إلى الحبشة، وهم يلعبون.

نقول: النظر إلى العموم لا إشكال فيه، لكن تحديده بشخص بعينه هذا هو المأمور بغض البصر عنه، فكما أن الرجل مطالب بغض البصر فالمرأة كذلك، فلا يجوز للرجل أن يرسل بصره في النظر إلى الأجنبيات، وجاء العفو عن نظر الفجأة غير المقصودة، وأما النظرة الثانية فليست له بالنص، وكذلك المرأة لا يجوز لها أن تردد النظر في رجل بعينه، ويستوي ذلك النظر المباشر، ومن خلال الآلات، لو كان النظر بواسطة آلات من وسائل إعلام من صحف ومجلات وقنوات كل هذا لا يجوز.

يقول الحافظ ابن كثير في تفسير آية النور: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور 30] يقول: "هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم، فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه، وأن يغمضوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على مُحرَّم من غير قصد، فليصرف بصره عنه سريعًا، كما رواه مسلم في صحيحه من حديث يونس بن عُبَيد عن عمرو بن سعيد عن أبي زُرْعَة بن عمرو بن جرير عن جده جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله تعالى عنه- قال: سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أصرفَ بَصَري.

وكذلك رواه الإمام أحمد عن هُشَيْم عن يونس بن عبيد به.

ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديثه أيضًا، وقال الترمذي: حسن صحيح، وفي رواية لبعضهم: «أطرقْ بصرك» يعني: انظر إلى الأرض، والصرف أعم «اصرف بصرك» أعم من الإطراق؛ لأنه يتجه إلى أي جهة من الجهات غير الجهة التي فيها هذه المنظورة، فالصرف أعم؛ فإنه يكون إلى الأرض وإلى جهة أخرى، والله أعلم.

وقال أبو داود: حدثنا إسماعيل بن موسى الفَزَاري حدثنا شَريك عن أبي ربيعة عن عبد الله بن بُرَيْدة عن أبيه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعلي: «يا علي لا تتبع النظرة النظرةَ، فإن لك الأولى، وليس لك الآخرة».

ثم قال ابن كثير: ولما كان النظر داعية إلى فساد القلب، كما قال بعض السلف: "النظر سهم سم إلى القلب" يعني سهم مسموم، ولابن القيم كلام طويل حول النظر، وتأثيره على القلب، كلام طويل جدًّا في النظر والبصر وإرساله، وفضول النظر إلى ما لا يحتاج إليه، فكأن فضول النظر إلى غير المحرمات له أثر على القلب؛ لأنه يشتت الذهن، فكيف بالنظر إلى ما حرم الله -جل وعلا-؟!

استدل بالحديث من يرى جواز كشف الوجه بالنسبة للمرأة، قالوا: الإخبار عنها بأنها كانت وضيئة يفهم منها أنها كانت كاشفة عن وجهها.

وأجاب الشيخ محمد الأمين الشنقيطي عن ذلك من وجهين، ونستحضر ما ذكرناه في الحلقة السابقة أنه في طرق الحديث ما يدل على أن أباها هو الذي جاء يعرضها للنبي -عليه الصلاة والسلام-، يعرض بها، عله أن يتزوجها، والنبي -عليه الصلاة والسلام- له أن ينظر إلى النساء، وليس عليهن حجاب عنه -عليه الصلاة والسلام- في قول جمع من أهل العلم، وهذا القول له مرجحاته، والنصوص الكثيرة تدل على ذلك.

المقدم: والشنقيطي رد أين يا شيخ؟ في الأضواء؟

الشنقيطي في أضواء البيان في الجزء السادس صفحة ستمائة وما بعدها أجاب عن هذا الاستدلال من وجهين الأول: الجواب بأنه ليس في شيء من روايات الحديث التصريح بأنها كانت كاشفة عن وجهها، وأن النبي- صلى الله عليه وسلم- رآها كاشفة عن وجهها، ليس فيه تصريح، وأنه أقرها على ذلك؛ لأن عندنا من حيث الدلالة عندنا نص ما يحتمل، وعندنا ظاهر، يعني ظاهر الحديث أنها كاشفة، لكن ليس بنص على أنها كاشفة، ما فيه تنصيص على أنها كاشفة.

وأن النبي -عليه الصلاة والسلام- رآها كاشفة عنه وأقرها على ذلك، بل غاية ما في الحديث أنها كانت وضيئة، وفي بعض روايات الحديث: أنها حسناء.

المقدم: أين هذا تعرف منه؟

ومعرفة كونها وضيئة أو حسناء لا يستلزم أنها كاشفة عن وجهها، وأنه -صلى الله عليه وسلم- أقرها على ذلك، بل قد ينكشف عنها خمارها، تعرف الآن مسألة الركوب على دواب، ما هي المسألة مسألة استقرار بحيث تتحكم المرأة بسترها.

بل قد ينكشف عنها خمارها من غير قصد، فيراها بعض الرجال من غير قصد كشفها عن وجهها، يقول: كما أوضحناه في رواية جابر في حديث سفعاء الخدين، يمكن الخمار من غير قصد، وهذا يحصل كثير ترى، يحصل كثير يعني نساء متحجبات من ذوات التحري، ومع ذلك قد يبدو منها ما يبدو.

المقدم: خصوصًا في موس الحج.

وأما الوضاءة واللون قد من أنملة، من أناملها يبين هذا.

يقول: ويحتمل أن يكون يعرف حسنها قبل ذلك الوقت؛ لجواز أن يكون قد رآها قبل ذلك وعرفها.

"مع أن جمال المرأة -هذا من كلام الشيخ -رحمه الله- قد يعرف وينظر إليها لجمالها وهي مختمرة، وذلك لحسن قدها وقوامها" وهذا يفتن كثيرًا من الرجال "وذلك لحسن قدها وقوامها، وقد تعرف وضاءتها وحسنها من رؤية بنانها فقط كما هو معلوم، ولذلك فسر ابن مسعود: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [(31) سورة النور] بالملاءة فوق الثياب.

ومما يوضح أن الحسن يعرف من تحت الثياب قول الشاعر:

طافت أمامة بالركبان آونة ... يا حسنها من قوام. . . . . . . . .

ماذا؟

طافت؟

المقدم: أمامة، هذا يسوقه الآن لبيان أنها تعرف جمالها وقوامها حتى لو لم تكشف، ولو كانت غير كاشفة.

ولو كانت غير كاشفة، يقول:

طافت أمامة بالركبان آونة ... يا حسنها من قوام ما ومنتقبا

فقد بالغ في حسن قوامها مع أن العادة كونه مستورًا بالثياب لا منكشفًا.

الوجه الثاني: أن المرأة محرمة، وإحرام المرأة في وجهها وكفيها، فعليها كشف وجهها إن لم يكن هناك رجال أجانب ينظرون إليها، وعليها سترة من الرجال في الإحرام، كما هو معروف عن أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- وغيرهن، ولم يقل أحد إن هذه المرأة الخثعمية نظر إليها أحد غير الفضل بن عباس، والفضل منعه النبي -صلى الله عليه وسلم- إليها، وبذلك يعلم أنها محرمة لم ينظر إليها أحد فكشفها عن وجهها إذًا لإحرامها لا لجواز السفور.

بقي لا ينظر إليها إلا النبي -عليه الصلاة والسلام- والفضل، الفضل صرفه النبي -عليه الصلاة والسلام- ما بقي إلا النبي -عليه الصلاة والسلام-، وذلك كما قرر أهل العلم أنه في حقه جائز.

فإن قيل: كونها مع الحجيج مظنة أن ينظر الرجال إلى وجهها إن كانت سافرة؛ لأن الغالب أن المرأة السافرة وسط الحجيج، لا تخلو ممن ينظر إلى وجهها من الرجال.

فالجواب: أن الغالب على أصحاب النبي -عليه الصلاة والسلام- الورع، وعدم النظر إلى النساء، فلا مانع عقلًا ولا شرعًا ولا عادة من كونها لم ينظر إليها أحد منهم، ولو نظر إليها لحكي كما حكي نظر الفضل إليها، ويفهم من صرف النبي -صلى الله عليه وسلم- بصر الفضل عنها أنه لا سبيل إلى ترك الأجانب ينظرون إلى الشابة وهي سافرة كما ترى، وقد دلت الأدلة على أنه يلزمها حجاب جميع بدنها عنهم.

وبالجملة -يقول الشيخ-: فإن المنصف يعلم أنه يبعد كل البعد أن يأذن الشارع للنساء في الكشف عن الوجه أمام الرجال الأجانب مع أن الوجه هو أصل الجمال، والنظر إليه من الشابة الجميلة هو أعظم مثير للغريزة البشرية، وداعٍ إلى الفتنة، والوقوع فيما لا ينبغي، ألم تسمع بعضهم يقول:

قلت: اسمحوا لي أن أفوز بنظرة ... ودعوا القيامة بعد ذاك تقومُ

المقدم: أعوذ بالله.

أيرضى الإنسان أو يسمح له -لمثل هذا- بهذه النظرة إلى نسائه وأخواته وبناته، مثل هؤلاء الذين يتحينون الغرات من المؤمنات الغافلات، يسمح لهم أن ينظروا إلى الوجوه مع تقرير الشرع لجواز الكشف؟ الوجه هو مجتمع المحاسن، أيضًا أنا أقول: يحتمل أن المحل الذي فيه النبي -عليه الصلاة والسلام- في الرواية، أو هذه الرواية التي تدل على أن النبي -عليه الصلاة والسلام- رأى هذه المرأة يحتمل أنه كان في زاوية خالية من الناس، وهي العادة يعني إذا أرادت المرأة أن تستفتي ...

المقدم: تأخذ زاوية.

تأخذ زاوية، وتأخذ بيده، أو تشير إليه أن ينعزل عن الناس، يحتمل أنها في زاوية خالية من الناس سواه- عليه الصلاة والسلام- ورديفه.

والمرجح أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لا حجاب عنه، وقد صرف وجه الفضل لا سيما إذا صحت الرواية التي تدل على أن أباها قصد ذلك ليتزوجها النبي -عليه الصلاة والسلام-، وتركها أيضًا تتحدث من أجل أن تدخل إلى قلبه -عليه الصلاة والسلام-.

والحديث له بقية، فيه أحكام، وفيه أيضًا هذه المسألة تحتاج إلى مزيد بسط، وذكر لبعض الأدلة.

المقدم: إذًا نرجئها -بإذن الله- إلى الحلقة القادمة؛ لاستكمال ما تبقى من أحكام، وأطراف أيضًا هذا الحديث.

إخواننا المستمعين والمستمعات، إلى هنا نصل إلى ختام هذه الحلقة، أتقدم في ختامها بالشكر الجزيل لفضيلة الشيخ الدكتور عبد الكريم بن عبد الله الخضير -وفقه الله-، شكرًا لكم أنتم، نلقاكم -بإذن الله تعالى- وأنتم بخير وعلى خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.