شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1427 هـ) - 02

عنوان الدرس: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح - كتاب الصوم (عام 1427 هـ) - 02
عنوان السلسلة: 
شرح كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح
تاريخ النشر: 
الثلاثاء, 4 رمضان, 1438 - 13:30

سماع الدرس


المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ..

مستمعي الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً بكم إلى حلقة جديدة في شرح كتاب الصوم من كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، مع مطلع حلقتنا يسرنا أن نرحب بصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور: عبد الكريم بن عبد الله الخضير. فأهلاً ومرحبًا بكم فضيلة الدكتور.

حياكم الله، وبارك فيكم وفي الإخوة المستمعين.

المقدم: ما زلنا نتحدث عن باب من مات وعليه صوم، تبقى مجموعة من الأحكام، أحسن الله إليكم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،

فقد مضى في الحلقة السابقة أن دلالة الحديث صريحة في قبول الصيام بالنيابة لا سيما عن الميت، وذكرنا أقوال أهل العلم، وأن أكثر العلماء أنه لا يصوم أحد عن أحد، وهذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وجمع من أهل العلم، ونقلنا عن المُهَّلب فيما ذكره عنه ابن بطال قال: لو جاز أن يقضى عمل البدن عن ميت قد فاته لجاز أن يصلي الناس عن الناس، ويؤمنون عنهم. هذا من المبالغة في استبعاد مثل هذا الأمر، يعني النص الذي ورد فيه الحديث الصحيح، الصيام الذي ورد فيه الحديث الصحيح يقاس عليه ما هو محض التعبد لله –جل وعلا- بحيث لا بدل له من المال، فإن العبادات إما أن تكون بدنية محضة بحيث لا يدخلها المال بوجه من الوجوه كالصلاة والإيمان بالله، وإما أن تكون مالية محضة كالزكاة، أو تكون مالية بدنية كالحج، أو تكون بدنية لها بدل مالي كالصوم، مثل ما ذكرنا أن له بدنًا ماليًّا لا يمكن أن يقاس عليه ما لا بدل له من المال.

وأنا أقصد بذلك ذات العبادة، يعني من بدايتها لنهايتها، وإلا فقد يقول قائل: إن الصلاة تحتاج إلى ماء، والماء يحتاج إلى مال، تحتاج إلى سترة، والسترة، وستر العورة يحتاج إلى مال، نقول له: إن هذا ليس المقصود، إنما فعلها يكون مما يتطلب المال كالحج، أو يكون إما مالية محضة كالزكاة، أو يكون بدلها مالاً كالصيام، {ففدية}، فلا شك أن القياس مع الفارق واضح.

 

 لجاز أن يصلي الناس عن الناس، ويؤمنون عنهم. يعني إذا تصور أن شخصًا يصلي عن شخص يعني كالصيام مثلاً، لا يمكن أن يتصور أن يؤمن شخص عن شخص، محال، لكن هذه الأساليب يستعملها بعضهم؛ للتشديد على المخالف، ولإقناع القارئ، ولو كان سائغًا لكان رسول الله– صلى الله عليه وسلم- أحرص الناس أن يؤمن عن عمه أبي طالب. كيف يؤمن عن عمه؟ لحرصه على إدخاله في الإسلام، وقد أجمعت الأمة على أنه لا يؤمن أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد، واختلفوا في الصوم والحج، فيجب أن يُرد حكم ما اختلف فيه إلى ما اتفق عليه.

لو كانت المسألة إلحاقًا، يعني ما نُصّ عليه يلحق على ما لم يُنصَّ عليه، لكن هذا منصوص عليه بالعدم، وهذا منصوص عليه بالجواز «من مات وعليه صوم صام عنه وليه»، فكيف نحتاج إلى الإلحاق مع أن عندنا النص الصريح؟ وكثيرًا مما يقول أهل العلم بأن القياس.. الآن يقيس الصوم على الصلاة والإيمان، القياس في مقابل النص فاسد الاعتبار عند أهل العلم، فكيف نقيس الصوم والحج مع النص الصحيح الصريح على الصلاة والإيمان وعندنا النص، لا شك أن مثل هذا القياس فاسد الاعتبار.

 في فتح الباري: أجاب الماوردي عن قول الجديد، يعني القول الجديد في أنه لا يصوم أحد عن أحد، القول الجديد للإمام الشافعي: لا يصوم أحد عن أحد، وسيق الإمام الشافعي معنى يمنع، ولا شك أن مثل هؤلاء العلماء مثل النووي وابن حجر وغيرهم ممن جمع بين الفقه والحديث يصعب عليه جدًّا أن يكون الحديث في البخاري والمذهب على الخلاف، فكيف يتخلصون من هذا الإشكال؟

قال في فتح الباري: أجاب الماوردي عن الجديد بأن المراد بقوله: صام عنه وليه، أي فعل عنه وليه ما يقوم مقام الصوم، وهو الإطعام، قال: وهو نظير قوله: التراب وضوء المسلم إذا لم يجد الماء. قال: فسمى البدل باسم المبدل، فكذلك هاهنا، يعني جعل الإطعام صيامًا، يعني بدلاً عنه، كما يقال: التراب وضوء المسلم، الصعيد الطيب وضوء المسلم، طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين. فيقوم مقام الوضوء.

 لكن يمكن أن يطلق هذا مع صراحة الحديث، صحة الحديث، لسنا بحاجة إلى مثل هذا، ونحو هذا الكلام أيضًا لابن القصار فيما نقله ابن بطال، ابن القصار من المالكية كأنه يريد أن يدافع عن الإمام مالك، مع أن المالكية معولهم في هذه المسألة على عمل أهل المدينة...

المقدم: يفعلون مثل هذا في الحج يا شيخ؟ نفس التبريرات مع صراحة نصوص الحج؟

باعتبار أن الصيام عبادة بدنية، والحج فيه شيء من المال أن الحج ....

قال ابن حجر: وتعقب بأنه صرف للفظ عن ظاهره بغير دليل. في المغني لابن قدامة قال: من مات وعليه صيام من رمضان لم يخلُ من حالين: أحدهما أن يموت قبل إمكان الصيام إما لضيق الوقت أو لعذر من مرض أو سفر أو عجز عن صوم، فهذا لا شيء عليه في قول أكثر أهل العلم. يعني لم يتمكن من القضاء، مات قبل أن يتمكن من القضاء إما لضيق الوقت أو لعذر مرض أو سفر أو عجز عن الصوم، فهذا لا شيء عليه في قول أكثر أهل العلم، وحُكي عن طاووس وقتادة أنهما قالا: يجب الإطعام عنه؛ لأنه صوم واجب سقط بالعجز عنه فوجب الإطعام عنه كالشيخ الهرم إذا ترك الصيام لعجزه عنه.

يقول ابن قدامة: ولنا – الدليل على أنه لا يجب عليه لا صيام ولا إطعام؛ لأنه لم يتمكن- ولنا أنه حق لله تعالى وجب بالشرع مات من يجب عليه قبل إمكان فعله فسقط إلى غير بدل، كالحج، ويفارق الشيخ الهرم فَإِنَّهُ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ، بخلاف الميت يقول: يجوز ابتداءً أن يدفع البدل. وفي قول أكثر أهل العلم أن مات وعليه قضاء عجز عن الصوم في رمضان مات يوم العيد، أو استمر به المرض إلى الحج أو بعد الحج ثم مات والمرض متصل به عاجز فهذا لا يجب عليه شيء لا صيام ولا إطعام، ومنهم من قال مثل طاووس وقتادة: يجب عليه الإطعام؛ لأنه بدل، هذا عاجز كالشيخ الهرم فيجب عليه. إن كان قولهما كما قال ابن قدامة أن الصيام حق لله تعالى وجب بالشرع مات من وجب عليه قبل إمكان فعله فسقط إلى غير بدل كالحج، ويفارق الشيخ الهرم فإنه يجوز ابتداءً، يعني من أول رمضان يخرج البدل، كونه يجوز ابتداءً ويجب عليه بخلاف الميت إلا أن التكليف ما زال قائمًا بالنسبة ....... أما الميت فيرفع عنه التكليف. الحال الثاني: أن يموت بعد إمكان القضاء يعني يكون ...

المقدم: شفي مثلاً، المريض شفي.

نعم، أفطر في رمضان لمرض ثم بعد ذلك شفي وقال: أأجل القضاء إلى بعد الحج، ثم مات بعد إمكان القضاء، فالواجب أن يطعم عنه لكل يوم مسكين، وهذا قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن عائشة وابن عباس، وبه قال مالك والليث والأوزاعي والثوري والشافعي وابن علية وأبو عبيد في الصحيح عنهم، وقول أكثر أهل العلم: يطعم عنه؛ لأنه تمكن من القضاء وفرط، الأول لا يطعم عنه؛ لأنه لم يتمكن من الإطعام، ولم يحصل منه التفريط، وقال أبو ثور: يصام عنه.

المقدم: ما ساق رواية المذهب.

نعم.

المقدم: وابن قدامة ما ساق رواية المذهب إلى الآن.

لم يتمكن؟

المقدم: نعم.

سيأتي. المذهب يخصه بالنذر، ما يخصه بقضاء رمضان.

المقدم: القضاء نعم، صام عنه وليه.

نعم، وقال أبو ثور: يصام عنه، وإن كان (يعني من رمضان) يصام عنه، وهو قول الشافعي، الشافعي قوله في ماذا؟

المقدم: القديم.

القديم نعم؛ لما روت عائشة –رضي الله عنها- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» متفق عليه. وروي عن ابن عباس نحوه. وقال النووي في شرح مسلم: اختلف العلماء فيمن مات وعليه صوم واجب من رمضان أو قضاء أو نذر أو غيره، هل يقضى عنه؟ وللشافعي في المسألة قولان أسهلهما: لا يصام عنه، ولا يصح عن ميت صوم أصلاً، والثاني: يستحب لوليه أن يصوم عنه، ويصح صومه عنه، ويبرأ الميت، ولا يحتاج إلى إطعام، وهذا القول (يقول النووي) وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده، وهو الذي صححه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة، وكثيرًا ما يختار النووي ما يدل عليه الحديث المخالف للمذهب، ومن محدثي الشافعية كثير يخرجون عن المذهب ... للحديث، وهم بذلك لم يخرجوا عن مراد الشافعي –رحمه الله-؛ لأنه يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي، ولو خرجوا عن مراده مع صحة الحديث، فالعبرة بما ثبت عن الشرع.

 يقول ابن قدامة: ولنا ما روى ابن ماجه عن ابن عمر –رضي الله عنهما- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «من مات وعليه صيام شهر فليُطعِم عنه أو فليطعَم عنه»، «من مات وعليه صيام شهر فليطعَم عنه مكان كل يوم مسكينًا» قال الترمذي: الصحيح عن ابن عمر– رضي الله عنهما- موقوف وليس بمرفوع. وعن عائشة –رضي الله عنها- قالت: يطعم عنه في قضاء رمضان، ولا يصام عنه. عن ابن عباس أنه سُئل عن رجل مات وعليه نذر يصوم شهرًا، وعليه صوم رمضان، قال: أما رمضان فليطعَم عنه، وأما النذر فيصام عنه. رواه الأثرم في السنن، ولأن الصوم لا تدخله النيابة حال الحياة، فكذلك بعد الوفاة كالصلاة. يعني ابن قدامة يريد أن يقرر التفريق بين ما كان واجبًا بأصل الشرع وبين ما أوجبه الإنسان على نفسه، فما كان واجبًا بأصل الشرع فلا يقبل النيابة، وما أوجبه الإنسان على نفسه قبل النيابة. قال: ولأن الصوم لا تدخله النيابة في حال الحياة، فكذلك بعد الوفاة كالصلاة، فأما حديثه فهو في النذر، فأما حديث من مات وعليه صوم صام عنه وليه فهو في النذر؛ لأنه قد جاء مصرحًا به في بعض ألفاظه، كذلك رواه البخاري عن ابن عباس قال: قالت امرأة: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأقضيه عنها؟ قال: «أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته، أكان يؤدي ذلك عنها؟» قالت: نعم، قال: «فصومي عن أمك».

قالت عائشة وابن عباس، -الكلام لابن قدامة- وقالت عائشة وابن عباس كقولنا، يعني في التفريق بين ما يجب بأصل الشرع من رمضان وما أوجبه الإنسان على نفسه من نذر ونحوه. كقولنا، وقالت عائشة وابن عباس كقولنا، راويا حديثهم، يعني راويا الحديث الذي فيه الإطلاق «من مات وعليه صوم صام عنه وليه»، فهنا قالا كقول االحنابلة في تخصيص قضاء الصوم عن الميت بالنذر، فدل على ما ذكرناه.

 قال ابن قدامة: فأما صوم النذر فيفعله الولي عنه، فهذا قول ابن عباس والليث وأبي عبيد وأبي ثور، وقال سائر من ذكرنا من الفقهاء: يطعم عنه، يعني أكثر الفقهاء الذين تقدَّم ذكرهم يقولون: يطعم عنه، كما ذكرنا في صوم رمضان، حتى النذر يطعم عنه.

 ولنا -يقول ابن قدامة: ولنا أي من الأدلة- الأحاديث الصحيحة التي رويناها قبل هذا، وسنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أحق بالاتباع، وفيها غنية عن كل قول، ما دام جاء التفريق بين النذر وغيره، صوم رمضان، جاء أيضًا التقييد «من مات وعليه صوم» جاء تقييده بالنذر، كما في حديث ابن عباس، ولا شك أن القول معتبر من اتفاق الحكم والسبب، فهذا معتبر. لكن قد يقول قائل: إن النذر فرد من أفراد العام «من مات وعليه صوم صام عنه وليه». وذكره الفرد من أفراد العام بحكم من أحكام العام لا يقتضي التخصيص إنما يؤكد على النذر؛ لأنه هو الذي أفرضه على نفسه، يستخرج به منه، فيصام عنه، إذًا إذا كان صوم النذر منصوصًا عليه والحديث الثاني الذي ما فيه تقييد بالنذر هل يمكن أن يقول مثل هذا الكلام من يقول بالصيام مطلقًا عن الميت، فإن كان من رمضان أي نذر، ظاهر أم ليس بظاهر؟

المقدم: ظاهر.

يعني القول بأنه يقضى عنه كل صيام بذمته وعدم تخصيص ذلك بالنذر يدعمه مثل هذا الكلام إذا قلنا إنه عام وخاص والحكم واحد.

المقدم: كقول ابن ثور.

نعم، يتقبل أن يقضي عنه كل ما في ذمته سواء كان من قضاء رمضان أو من نذر، أما الحنابلة فهم يخصصون هذا ولا شك إن كان من قبيل التقييد والإطلاق، فقول الحنابلة متجه، وأن قوله: نذر قيد، النذر عندنا فرض، مات وعليه صوم من صيام، أو أفراد ماتوا وعليهم صوم من رمضان قضاءً، عندنا الحديث «من مات وعليه صوم»، "مَن" مِن صيغ العموم، حتى لو قيل: إنه يدخل عليه يدخل فيه أيضًا النفل، الذي يخرج النفل عليه؛ لأنه من صيغ الوجوب، لكن "من" هذه من صيغ العموم، وما جاء في ذكر النذر، الناذر فرد من أفراد هذا العموم.

المقدم: ولا يعني النفي غيره.

نعم؛ لأنه ذكر في حكم موافق لحكم العام، فإذا قلنا: إن الناذر فرد من أفراد العموم لم نقل بالتخصيص؛ لأنه حكم موافق، وعلى هذا يتجه القول بوجوب القضاء على الخلاف فيما تقدم أنه لا يجب على الولي أن يقضى عنه، يتجه القول بأنه يقضى عنه كل صوم واجب، قضاء كل صوم واجب، وهو وجه بأنه مطالب ولو على سبيل الاستحباب كما يقول الجمهور أن يقضي، الولي مطالب بأن يقضى عنه ..... أي صوم كان. وإذا قلنا: إنه من باب التقييد والإطلاق قلنا: الحكم والسبب متفقان إذًا يحمل المطلق على المقيد، فلا يدخل في هذا غير الناذر، مع أنه من حيث النظر قربه إلى العموم والخصوص أظهر، لكن يبقى أنه ... يعني في كلام النووي السابق يقول: والثاني: يستحب لوليه أن يصوم عنه ويصح الصوم عنه... إلى آخره، وقدَّر المسألة في قوله اختلف العلماء فيمن مات وعليه صوم واجب من رمضان أو قضاء نذر أو غيرها، فالذي رجحه النووي أنه يقضى عنه كل ما وجد في ذمته، وإلا فمن الأئمة الأربعة المتبوعين ما فيه إلا النذر عند الحنابلة، والفرق بين النذر وغيره.

المقدم: أحسن الله إليك، رأي الجمهور بناءً على رأي عائشة أو ابن عباس.

لأنهما خالفا ما رويا.

المقدم: يعني مستحيل أن يروي أحد مثله .. رأي.

نعم، لكن المقرر عند الأكثر أن العبرة بما رواه لا بما رآه.

الفرق بين النذر وغيره، كما يقول ابن قدامة، أن النيابة تدخل العبادة بحسب خفتها، والنذر أخف حكمًا؛ لكونه لم يجب بأصل الشرع، وإنما أوجبه الناذر على نفسه، إذا ثبت هذا فإن الصيام ليس بواجب على الولي؛ لأن النبي –عليه الصلاة والسلام- شبَّهه بالدَّين، ولا يجب على الولي قضاء دين الميت، وإنما يتعلق بتركته إن كانت له تركة، فإن لم يكن له تركة فلا شيء على وارثه، لكن يُستحب أن يُقضى عنه؛ لتفريغ ذمته وفك رهانه، كذلك هاهنا، ولا يختص ذلك بالولي، بل كل من صام عنه قضى ذلك عنه وأجزأه؛ لأنه تبرع، فأشبه قضاء الدين. انتهى كلام ابن قدامة.

 عرفنا أنه مما تقدم من كلام أهل العلم أنه لابد من إذن الولي، وفي الاختيارات لشيخ الإسلام ابن تيمية، في الاختيارات قال: وإن تبرع إنسان بالصوم عمن لا يطقه؛ لكبره ونحوه (يعني وإن كان حيًّا) وإن تبرع إنسان بالصوم عمن لا يطقه لكبره ونحوه أو عن ميت وهما معسران توجه جوازه؛ لأنه أقرب إلى المنازلة من المال، وحكى القاضي في قول النذر في حياة الناذر ونحو ذلك ثم قال شيخ الإسلام: ومن مات وعليه صوم نذر أجزأ الصوم عنه بلا كفارة.

والحديث خرَّجه الإمام البخاري –رحمه الله تعالى- في كتاب الصوم باب من مات وعليه صوم قال –رحمه الله- قال: حدثنا محمد بن خالد قال: حدثنا محمد بن موسى بن أعين قال: حدثنا أبي عن عمرو بن الحارث عن عبيد الله بن أبي جعفر أن محمدًا بن جعفر حدثه عن عروة عن عائشة –رضي الله عنها- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال فذكره، كم الرواة؟ محمد بن خالد قال: حدثنا محمد بن موسى قال: حدثنا أبي عن عمرو بن الحارث عن عبيد الله بن أبي جعفر أن محمدًا بن جعفر حدثه عن عروة عن عائشة.

المقدم: ثمانية.

ثمانية، السند نازل جدًّا، ثمانية هذا، ولذلك قال البخاري: تابعه ابن وهب عن عمرو، فيكون علا. ورواه يحيى بن أيوب عن ابن أبي جعفر، كذلك هو أعلى، فيحتاج أن يأتي بسند عالٍ، لكن لماذا اعتمد السند النازل وترك السند العالي؟

 لا شك أن هناك نكتة؛ لكونه أنظف إسنادًا أو لأمر من الأمور بتصريح راوٍ مثلاً بالتحديث وما أشبه ذلك.

 قلنا: إن الحديث نازل جدًّا، فهو من ثمانيات الإمام البخاري، وقد تقدم في دروس مضت ذكر العوالي، وهي الثلاثيات، وعدتها اثنان وعشرون حديثًا، وأنزل من الثماني حديث واحد عند البخاري تساعي حديث «ويل للعرب من شر قد اقترب». وأنزل ما في الكتب الستة حديث يتعلق بفضل سورة الإخلاص عند أحمد والنسائي، وفيه ستة من التابعين في طبقة واحدة يروي بعضهم عن بعض، وهو في سنن النسائي، أحد عشر راويًا حتى قال النسائي: هو أنزل حديث في الدنيا.

وهذا حديث خرجه الإمام مسلم أيضًا، فهو متفق عليه.

المقدم: أحسن الله إليكم وجزاكم الله خيرًا، أيها الإخوة والأخوات، بهذا نصل وإياكم إلى ختام هذه الحلقة من شرح كتاب الصوم في كتاب التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، نلقاكم في حلقة قادمة وأنتم على خير.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.