التعليق على الموافقات (1430) - 16

عنوان الدرس: 
التعليق على الموافقات (1430) - 16
عنوان السلسلة: 
التعليق على الموافقات
تاريخ النشر: 
الأربعاء, 28 جمادى الأول, 1439 - 10:15

سماع الدرس


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،

 فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- تحت المسألة الخامسة: "والوجه الثاني: الإيثار على النفس، وهو أعرق في إسقاط الحظوظ، وذلك أن يترك حظه لحظ غيره اعتمادًا على صحة اليقين، وإصابةً لعين التوكل، وتحملاً للمشقة في عون الأخ في الله على المحبة من أجله، وهو من محامد الأخلاق، وزكيّات الأعمال، وهو ثابت من فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومن خلقه المرضي، وقد كان -عليه الصلاة والسلام- أجود الناس بالخير، وأجود ما كان في شهر رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة.

وقالت له خديجة: إنك تحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق، وحمل إليه تسعون ألف درهم فوضعت على حصير ثم قام إليها يقسمها فما رد سائلاً حتى فرغ منه وجاءه رجل فسأله، فقال: ما عندي شيء ولكن ابتع علي، فإذا جاءنا شيء قضيناه فقال له عمر: ما كلفك الله ما لا تقدر عليه، فكره النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالاً، فتبسم النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعرف البشر في وجهه، وقال: «بهذا أمرت» ذكره الترمذي، وقال أنس: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يدخر شيئًا لغد. وهذا كثير".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد،

 فما ذكره المؤلف -رحمه الله تعالى- من الوجه الثّاني من وجوه الضرب الرابع يقول: الإيثار على النفس، الإيثار معروف أنه بالقُرَب، فإن كانت القُرب واجبة فإنه لا يجوز الإيثار بحال، شخص عنده ماء يكفيه للوضوء لكن لو طلبه أحد ليتوضأ به لا يجوز أن يؤثره على نفسه بهذا، لكن لو كان عنده ماءٌ للوضوء، ووُجِد شخصٌ يحتاجه للشرب مضطر إليه للشرب فلا شك أن بقاء النفس أولى من استعماله في قدرٍ زائد على ذلك، وهو شرطٌ من شروط الصلاة، وهو الوضوء، لكنه يسقط عند العدم يُعدَل عنه إلى التيمم، فيؤثره به فيشربه؛ لئلا يموت، وما عدا ذلك لا يجوز، يبقى الإيثار بالقُرب من النوافل، على حسب ما يترتب على هذا الإيثار، الأصل أنه لا إيثار في القرب، لكن إذا ترتب على الإيثار بهذه القربة، وهي نافلة لا يأثم بعدمها فإنها إن ترتب عليه مصلحة راجحة، فالإيثار مطلوب، كما لو كان مع أبيه، وهناك فُرجة في الصف الأول مثلاً، وآثر أباه في هذه الفُرجة فالبر أولى، لا سيما إذا كان هناك في النفوس شيء بينه وبين أبيه فإنه بمثل هذا يزول، يترتب عليه مصلحة عليا، فيقدَّم حينئذٍ وهكذا. النبي -عليه الصلاة والسلام- هذه حاله، يؤثِر غيره بما في يده -عليه الصلاة والسلام-، يؤثره على نفسه، ويمكن أن أن يجوع ويؤثر على نفسه بالطعام.

 وكان -عليه الصلاة والسلام- أجود الناس، كان أجود ما يكون في رمضان؛ نظرًا لشرف الوقت، وعظِم الأجور في هذا الوقت الفاضل، وأجود ما يكون أيضًا إذا لقيه جبريل، بهذا نعرف أهمية الجليس الصالح، وأن له أثرًا كبيرًا في النفس، يحثُّك على الخير، ولو لم يحثَّك بلسانه فيمكن أن تزداد من الخير وتذكر الله -جل وعلا-، من رؤيته فقط، { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ}[سورة الكهف: 28]، النبي -عليه الصلاة والسلام- تأتيه الأموال الطائلة، ثم بعد ذلك يفرقها وهو في مكانه، وقال -عليه الصلاة والسلام-: «ما يسرني أن لي مثل أُحُد ذهبًا تأتي علي ثالثة» يعني ليلة ثالثة «وعندي منه درهم إلا دينار أرصد لدين لأن أقول به هكذا وهكذا وهكذا»، يوزع ويفرق عن يمينه وشماله ومن أمامه ومن خلفه، هذا إيثار.

الخبر الذي ذكره  حُمل إليه تسعون ألف درهم وضعت على حصير ثم إلى آخره هذا الخبر ضعيف، وهو عند الترمذي، يقول: وقال أنس: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يدخر شيئًا لغد، وهكذا، وهذا كثير وهو محمولٌ كما قال الحافظ ابن كثير على ما يُسرع إليه الفساد، الطعام الذي يسرع إليه الفساد، أما الطعام الذي يمكن أن يُدخَر فكان يدخر -عليه الصلاة والسلام- لأهله قوت سَنة.

"وهكذا كان الصحابة، وقد علمت ما جاء في تفسير قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8]، وما جاء في الصحيح في قوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9]، وما روي عن عائشة، وهو مذكور في باب الأسباب من كتاب الأحكام عند الكلام على مسألة العمل على إسقاط الحظوظ، وهو ضربان".

نعم، الله -جل وعلا- مدح الأنصار بأنهم كانوا يؤثرون على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة ولو كان بهم جوع وحاجة وفاقة، لكن نظرًا لما يرجونه من ثواب الله -جل وعلا-، النعيم المقيم في الجنة لا يعدله الدنيا كلها بحذافيرها، والدنيا كلها لا تزن عند الله جناح بعوضة، الإنسان إذا استحضر مثل هذه المعاني هانت عليه الدنيا ورخُصت، والدنانير والدراهم لا تعدل عند الزهري يعني عنده مثل البعر، ما تفرق عنده، نعم الإنسان مأمور بألا ينسى نصيبه من الدنيا، الذي يبلغه، ويكون زادًا له إلى الآخرة، لا يكون حطبًا يجمعه ليوقد به في جهنم -نسأل الله العافية- كما هو حال كثير من الناس الذين لا ينظرون إلى المال، كيف دخل وكيف خرج –نسأل الله العافية-.

"وهو ضربات: إيثار بالملك من المال، وبالزوجة بفراقها لتحل للمؤثَر كما في حديث المؤاخاة المذكور في الصحيح".

يعني بين المهاجرين والأنصار، لما هاجر النبي -عليه الصلاة والسلام- ومعه أصحابه آخى بين الصحابة مهاجر مع أنصاري، فكان الأنصاري يتنازل عن شيءٍ من ماله وعن إحدى زوجاته إذا كان عنده أكثر من واحدة، لأخيه المُهاجِر، هذا يعني غاية ما يمكن أن يؤثر به، لكن هل للإنسان أن يؤثر بنفسه؟ يُقدِّم نفسه فداءً لأخيه؟ يعني لو وُجِدَ ظالم يريد أن يقتل واحدًا من هذين الاثنين، فكل واحد يسارع يقول: أنا أفدي أخي، يعني ما فعله الأنصار في المال والزوجات وكذا لكن ما يُتصَوَّر أشد منه إلا الإيثار بالنفس، الإيثار بمنفعة النفس هذا سهل، لكن بالمُهجَة بالحياة كلها، ما حكم الإيثار؟

إذا قال ظالم: أنا أريد أن أقتل أحد هذين الاثنين، ولا محالة، فكل واحد هل له أن يسارع بأن يفدي أخاه؟ أو يحاول التخلص بقدر الإمكان ولو تضرر أخوه بتَخلُّصه، وهذا ضربٌ من الأضرب التي سبقت، يعني جلب منفعة للنفس مع مضرةٍ مُحقَّقة على الغير، لا يُلام إذا حاول أن ينجو بنفسه، ونظر إلى مصلحته ولم ينظر إلى مصلحة أخيه، وإن تضرر أخوه بذلك؛ لأن الضرر ليس منه، الضرر واقعٌ على أخيه من غيره، لكن لا يجوز أن يوقع الضرر بنفسه على أخيه مهما كانت الظروف.

طالب:...

ماذا؟

طالب:...

هذا نوع من الإيثار، لكن هل مثل هذا الإيثار جائز أم غير جائز؟

طالب:...

نعم، هذا حصل من الصحابة بالنسبة للنبي -عليه الصلاة والسلام-، كما سيأتي في قصة أبي طلحة، وطلحة بن عبيد الله حينما وقوه بيده فشُلَّت، هذا شيء، لكن غير الرسول -عليه الصلاة والسلام- لو كان شخصًا عاديًّا وجوده أَثَر في الأمة في غيره وفي غير أهل بيته شبه معدوم، لكن يُتوقع أنه إذا عاش ينتفع بزيادة من الأعمال الصالحة، لكن إذا كان الشخص الذي يريد هذا فداءه فيه نفع عام للأمة، والناس ألفٌ منهم كواحد، وواحد كالألف، إذا كان من هذا النوع الذي يعدل ألفًا فأراد أخوه أن يفديه بنفسه؛ نظرًا للمصلحة المتعدية، والتي... هذا لا شك أنه ملحظ شرعي، لكن يبقى النظر في أصل المسألة، أنا ما عندي فيها شيء الآن.

طالب: والوالدين يا شيخ؟ والوالدين؟

نعم لو فدى أباه، قدَّم نفسه دون أبيه أو أمه، يعني من حيث الحكم الظاهر الله -جل وعلا- يقول: {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا}[سورة النساء: 11]، في النفقة يقدَّم الولد على الوالد أم العكس؟

طالب:...

عند الفقهاء الولد، الولد، لكن لمّا هذا الشخص الذي الذي هو أحد الثلاثة الذين طبق عليهم الغار وسدّت انسدّ عليهم الغار واحد بماذا توسل؟ ببرّه بوالده، وأنه ينتظره وهو نائم الليل كله والصبية يتضاغون من الجوع، فلا يسقيهم قبل والديه، والقصة سيقت مساق المدح في شرعنا، يعني هل هذا التقديم يدل على فداء الوالد بالولد أو بالنفس؟ يعني حصل في حريقٍ بمنى قبل اثنتي عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة، الحاصل أن شخصًا من الأشخاص حاجّ، بوالده المُقعَد وبأطفاله وزوجته، لمّا حصل الحريق حمل أطفاله وهرب، واحترق الأب، ولا يستطيع إما هذا أو هذا، فماذا يُقدِّم؟

لو قدَّم خلاف ما تهواه النفس كانت هذه هي العزيمة مثل ما فعل البارّ الذي انفتح الغار بسبب برّه بأبيه، هذه هي العزيمة، ولا يقال: إنه فرّط في ولده؛ لأنه ما فيه خيار، لكنه حمل الأولاد وهرب بهم من النار واحترق الوالد، يُلام أم ما يُلام؟

طالب: هذا ما يستطيع، ما يلام.

نعم.

طالب: هذا ما يستطيع ما يلام.

هو لا يستطيع، لكن لماذا قدَّم الولد على الوالد؟ لأن النظر في هذه الأمور تقديم مُراد الله -جل وعلا- على مراد النفس، يعني برّ الوالد جاءت به النصوص، لكن ما جاء في شيء ولا في نص من النصوص برّ الولد.

طالب: كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول.

هو مسؤول عنه، وكفى بالمرء أن يضيع من يمون، وفيه نصوص من هذا النوع، لكن في مسائل المفاضلة يعني ما فيه إلا هذا أو هذا، لكن قد يقول قائل: إن هذا الوالد مقعد وفانٍ، وأكل عمره سبعون ثمانون سنة، وهؤلاء أطفال في مقتبل العمر، يعني الذي يعلل تعليلات عقلية نظرًا لما تهواه نفسه لا شك أنه يقدم الولد، بينما من ينظر في مراد الله -جل وعلا-، يعني لو أنه حمل أباه واحترق الأولاد إرضاءً لله -جل وعلا- ببرّ هذا الوالد، كيف يكون وضعه وأمره؟ لأن المسألة النظر في حظوظ النفس، مع مراد الله -جل وعلا- «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» مع أن الحديث فيه كلام، لكن المعنى صحيح، ولذلك كيف مُدح هذا الرجل الذي مكث الليل كله وقد أمسك بالإناء حتى ينتبه أبوه يستيقظ أبوه، والصبية يتضاغون، يعني قد يقول قائل: العقل أن يُقسم هذا اللبن، ويُعطى الأولاد، ويُسدّ جوعهم وعطشهم والوالد على خير، إن شاء الله ما ناقصه شيء.

طالب:...

لكن السياق سياق مدح لما صنع بما صنع الثلاثة هذا الظاهر.

طالب:...

أين؟

طالب:...

لا، ما هو بسياق مدح لكنه غفر له مو بسياق مدح ولذلك لا يجوز فعله، يعني هل يمكن أن يقول قائل: لا تنتظر أباك بهذا واترك الصبية؟ والثاني والثالث كلهم سياق مدح، هذه مضايق حقيقةً هذه المسائل تحتاج إلى نظر دقيق ولكل مسألة ما يحتفُّ بها.

"وإيثار بالنفس كما في الصحيح أن أبا طلحة ترس على النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتطلع ليرى القوم، فيقول له أبو طلحة: لا تشرف يا رسول الله يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك".

يصيبك أم يُصبكَ؟

طالب: يصيبَك على النصب يا شيخ.

ماذا؟

طالب:...

يصبك يعني بالجزم، لا تُشرفْ يصبْكَ يعني إن تشرفْ يصبْك، هل جواب النهي مثل جواب الطلب؟ هل جواب النهي مثل جواب الطلب؟

طالب: لا.

لماذا؟

طالب:...

نعم. يعني هل هي في جواب، جواب طلب عدم الإشراف أو جواب شرط مُقدَّر؟

نحري دون نحرك، يقول: مضى تخريجه، وهو في الصحيح؛ لأنه لا بد أن نطلعه من الصحيح في مناقب أبي طلحة.

طالب:...

نعم ؟ هو موجود، انظر السادس أو السابع من فتح الباري.

 وراءك على طول.

 نعم هذا هذا.

 لا لا ذاك. تحت.

طالب: هو طلحة أم أبو طلحة يا شيخ؟

الأول لطلحة والثاني لأبي طلحة، الذي شُلَّت يده طلحة. هات الذي عندك هات. طلحة بن عبيد الله، رأيت طلحة في السابع صفحة اثنين وثمانين، ماذا معك؟

طالب:...

مناقب الأنصار تبدأ أظن من السابع. التي هي منتصف الصحيح، مناقب الأنصار. تقع في النصف من صحيح البخاري بالتحديد يعني. عندك؟

طالب: حديث كم؟

يقول: سبعة، اثنين وثمانين رقم ثلاثة آلاف وسبعمائة وأربعة وعشرين.

طالب: نعم، حدثنا مسدد حدثنا خالد حدثنا ابن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي -صلى الله عليه وسلم- قد شُلَّت.

ما فيه إلا هذا القدر، لكن الأول أظن لأبي طلحة، هات هات، في مناقب أبي طلحة.

طالب: نعم.

ويكون بعد هذا. مناقب مائة واثنين وثمانية وعشرين.

طالب:...

لا تُشرفْ يصيبُك؟

طالب:...

ماذا؟

طالب:...

هذا هو موجود. لا تشرفْ يصيبُك، نعم أبو طلحة، الذي شلت يده طلحة، والذي وقى النبي-عليه الصلاة والسلام- أبو طلحة.

طالب: والقائل نحري دون نحرك؟

أبو طلحة، فيقول أبو طلحة: يا نبي الله بأبي أنت وأمي، لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك، ولقد رأيت.. إلى آخره.

طالب:...

لا، هذه ما اسمه؟

طالب:...

طلحة.

طالب:...

نعم، غلط غلط من المؤلف، بائن هذا معروف، نعم.

طالب:...

ولا، مضبوط بالبخاري هكذا، نعم.

طالب:...

هب لي من لدنك وليًّا، يرثنِي أم يرثُني؟ نعم؛ لأنه أحيانًا ما يكون جوابًا للطلب، يكون جواب الطلب مقدرًا وهذا غيره.

طالب:...

نعم.

طالب:...

هذا الأصل أن جواب الطلب جواب النهي مثله، لكن أحيانًا يعرض له ما يقتضي أن يكون جواب الطلب مقدرًا مثل يرثُني.

"وهو معلوم من فعله -عليه الصلاة والسلام-; إذ كان في غزوه أقرب الناس إلى العدو، ولقد فزع أهل المدينة ليلة فانطلق ناس قِبَل الصوت، فتلقَّاهم رسول الله-صلى الله عليه وسلم- راجعًا قد سبقهم إلى الصوت، وقد استبرأ الخبر على فرس لأبي طلحة عُري والسيف في عنقه، وهو يقول: «لن تراعوا»، وهذا فعل من آثر بنفسه، وحديثُ علي بن أبي طالب في مبيته على فراش رسول الله -صلى الله عليه وسلم-; إذ عزم الكفار على قتله مشهور".

وهذا إيثار للنبي -عليه الصلاة والسلام- بالبقاء، يعني هذا مثال للإيثار بالبقاء، لكن المؤثَر الرسول -عليه الصلاة والسلام-.

"وفي المثل السائر: والجودُ بالنفس أقصى غاية الجودِ، ومن الصوفية من يعرف المحبة بأنها الإيثار، ويدل على ذلك قول امرأة العزيز في يوسف -عليه السلام-: {أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [ يوسف: 51 ] فآثرته بالبراءة على نفسها".

يعني لو وُجد قتيل، قتيل لا يُدرى من قاتله فلان أو فلان أو فلان، ثم قال واحد منهم: أنا القاتل، وهو في الحقيقة ليس هو القاتل، القاتل غيره، يجوز له ذلك أو لا يجوز؟ أما اعترافه إذا ضاق به الأمر وعزم وجزم وقطع بأنه لا يُصدَّق إذا أنكر يلزمه أن ينكر أو لا؟ ليس هو القاتل، لكن القرائن كلها تدل على أنه هو القاتل، القرائن الظاهرة، كما ذكر ابن القيم -رحمه الله- في الطرق الحُكمية قال: إن جزارًا استُدعي لذبح شاة، فذهب بها إلى خرِبة فذبحها، فخرج منها والسكين تقطر دمًا، وعلى باب الخرِبة رجل يتشحط دمًا، فأمسكوا به، هل يستطيع أن ينكر؟ هذا الذي حصل في القصة ما أنكر، أخذوه، وحبسوه ثم خرجوا به إلى القصاص، فخرج من بين القوم رجل يقول: أنا القاتل، وإلا المسألة يعني لو اتهموه قالوا هذه الشاة، ذابحين شاة، وأنكر؛ لأن صنيعه محمود أم مذموم؟

طالب:...

مذموم بلا شك؛ لأنه من يفدي يفدي شخصًا بالفعل قاتلًا ومجرمًا، لكن إذا كان يفدي بهذا من يظن أنه أنفع للأمة لا سيما إذا كان القتل له وجهٌ شرعي، له وجهٌ شرعي، رجل وجد على زوجته أو على كذا- نسأل الله العافية- رجلاً وهو مستحق للقتل وهو مُحصن فقتله، الأصل أن يُقاد به، فقال ولده: أنا الذي قتلته ليفدي أباه؛ لأن كونه مجرم قاتل بدون سبب هذا لا يجوز فداؤه بحال، لا يجوز فداؤه لكن إذا قتل بسببٍ ومبرر شرعي وإن كان مستحقًا في الظاهر للقصاص، هذه مسائل يعني تحتاج إلى أن يُعتنى بها، والإيثار إذا وصل إلى هذا الحدّ إذا كان الباعث عليه ما وقر في الإنسان من قوة الإيمان بوعد الله -جل وعلا- شيء، لكن أحيانًا يكون الباعث على مثل هذا الإيثار رخص في الدنيا عنده، رخص، يعني ما بقي عليه إلا شيء يسير وينتحر أو يصير عليه شيء، هذا أيضًا له حكم آخر، والله المستعان.

"قال النووي: أجمع العلماء على فضيلة الإيثار بالطعام، ونحوه من أمور الدنيا، وحظوظ النفس بخلاف القربات، فإن الحق فيها لله".

فلا يُؤثر، فلا إيثار فيها.

"وهذا مع ما قبله على مراتب، والناس في ذلك مختلفون باختلاف أحوالهم في الاتصاف بأوصاف التوكل المحض واليقين التام، وقد ورد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قَبِلَ من أبي بكر جميع ماله".

لما يعرف في قلبه من الإيمان وصدق التوكل واليقين، ما هو يقول بالمجالس: أنا والله تصدقت بجميع أموالي وجعت، ثم يندم على ذلك، أو يتكفف الناس، ويؤذي الناس، هذا يختلف، هذا يقال له: لا تصدق إلا بالقدر الواجب ولا..، نعم الناس يتفاوتون، الناس منازل، يعني شخص يقال له: لا تكتوِ، ولا تسترقِ، ثم إذا به يتحدث بالمجالس: أنا من السبعين ألفًا الذي قيل فيهم: لا يسترقون ولا استرقيت ولا فعلت، لا، تسترقِ وارقد في المستشفيات، وابذل الأسباب، وعسى الله أن يعافيك بعد؛ لأن الناس يتفاوتون، فما يقال لشخص عُرف من حاله أنه يتضجر ويتشكى يقال له: لا تسترقِ علك تدخل في السبعين ألفًا؟ نقول: لا، هذا يختلف، فهي منازل، الرسول أذن لأبي بكر الصديق بجميع ماله، وأخذ من عمر نصف ماله، وردّ بعض الصحابة إلى الثلث، والثلث كثير، لأن منزلتهم دون منزلة أبي بكر وعمر.

"وقد ورد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قَبِلَ من أبي بكر جميع ماله ومن عمر النصف وردَّ أبا لبابة، وكعب بن مالك إلى الثلث، قال ابن العربي: لقصورهما عن درجتي أبي بكر، وعمر. هذا ما قال. وتحصل أن الإيثار هنا مبني على إسقاط الحظوظ العاجلة، فَتَحمُّل المضرة اللاحقة بسبب ذلك لا عتب فيه إذ لم".

إذا.

"إذا لم يَخلُ".

يُخِلّ.

"إذا لم يُخِلّ بمقصد شرعي، فإن أخلَّ بمقصد شرعي فلا يعد ذلك إسقاطًا للحظ، ولا هو محمود شرعًا، أما أنه ليس بمحمود شرعًا؛ فلأن إسقاط الحظوظ إما لمجرد أمر الآمر، وإما لأمر آخر، أو لغير شيء، فكونه لغير شيء عبث لا يقع من العقلاء، وكونه لأمر الآمر يضاد كونه مخلاً بمقصد شرعي; لأن الإخلال بذلك ليس بأمر الآمر، وإذا لم يكن كذلك فهو مخالفٌ له، ومخالفةُ أمر الآمر ضد الموافقة له، فثبت أنه لأمر ثالث، وهو الحظّ، وقد مرَّ بيان الحصر فيما تقدَّم من مسألة إسقاط الحظوظ.

هذا تمام الكلام في القسم الرابع، ومنه يعرف حكم الأقسام الثلاثة المتقدمة بالنسبة إلى إسقاط الحظوظ".

نعم، إذا تصور من ترك الكي، مريض اكتوى، ومريض ترك الكي؛ نظرًا لأمر الآمر وحثِّه، وهو أن يدخل في السبعين الألف، وثالث ترك الكي؛ شُحًّا بأجرة من يكويه، منازلهم واحدة أم متفاوتة؟ متفاوتة، فكونه ترك الكي لأمرٍ ثالث، لا لهذا ولا لهذا، ترك الكي من أجل ألا يدفع أجرة، ويصل الأمر إلى هذا الحدّ عند بعض الناس، يصل، سهل عليه أن يبقى طريح الفراش مريضًا ولا يدفع أجرة لطبيب.

"وأما القسم الخامس، وهو أن لا يلحق الجالب أو الدافع ضرر، ولكن أداؤه إلى المفسدة قطعي عادةً فله نظران: نظر من حيثُ كونِه قاصدًا لما يجوز أن يُقصَدَ شرعًا من غير قصد إضرار بأحد، فهذا من هذه الجهة جائزٌ لا محظور فيه".

يعني مثل ما ذكرنا سابقًا، شخص جاء يطلب شفاعة، الطلاب المتقدمون للدراسة عددهم كبير، ولا شك أن هذا لو قُبِل صار على حساب من هو أولى منه، أو المتقدمون إلى الوظائف كثير، فلو قُدِّم هذا عليهم صار على حساب غيره، الشافع ينظر إلى المصلحة مصلحته هو، نظرًا للأجر المُرتَّب عليها ومصلحة المشفوع له بينما الضرر اللاحق بغيره هذا غير منظور إليه؛ لأنه ليس بفعله، إنما هو شافع، والله يقضي -جل وعلا- على لسان خلقه ما شاء، أو على يد خلقه ما شاء.

"ونظر من حيث كونه عالمًا بلزوم مضرة الغير لهذا العمل المقصود".

يعني لو نظرنا إلى ضرر الآخرين ما فعلنا شيئًا؛ لأنه ما من فعل شيء يترتب عليه مصلحة إلا وفي المقابل مضرة، لو جاءك شخص مريض، ويحتاج إلى علاج، وكتبت للجهة تشفع له أن يعالج في المستشفى الفلاني، ألا يمكن أن يترتب عليه ضرر؟ نعم، فيه واحد لعله مريض أشد منه حاجة، فقُدِّم عليه هذا، تترك الشفاعة له لاحتمال أن يكون هناك مريض أولى منه؟ والذي يغلب على الظن أن يوجد مريض أولى منه، لكن في العادة أن لا هذا ولا هذا يصل إلى هذا الكرسي أو السرير إلا بشفاعة، فأنت إن شفعت لهذا أو شفعت لهذا مأجور على كل حال؛ لأن الدنيا كلها مبنية على هذا، الخير المحض الذي لا يترتب عليه ضرر بوجه من الوجوه هذا متى؟ في دار القرار، في الجنة.

 يعني حتى لو نظرت إلى العبادات المحضة نعم هناك أمور لا يلتفت إليها إطلاقًا، هذا الذي أغلق المحل في تجارته، وقد يكون الزبائن عنده كُثرًا، أغلق المحل وجاء إلى المسجد يصلي مصلحة محضة ولا يترتب عليها ضرر؟ يترتب عليها ضرر، لكن ضرر غير منظور إليه.

"مع عدم استضراره بتركه، فإنه من هذا الوجه مظنة لقصد الإضرار; لأنه في فعله إما فاعل لمباح صرف لا يتعلق بفعله مقصدٌ ضروري ولا حاجي ولا تكميلي، فلا قصد للشارع في إيقاعه من حيث يُوقَع، وإما فاعلٌ لمأمورٍ به على وجهٍ يقع فيه مضرة مع إمكان فعله على وجه لا يلحق فيه مضرة، وليس للشارع قصد في وقوعه على الوجه الذي يلحق به الضرر دون الآخر".

يعني هل يختلف الأمر في مسألة الشفاعة بين انتظام الأمور على مقتضى الشرع، وبين ما إذا كان هناك خلل في التطبيق؟ يعني المسؤول عن هذه الجهة يُقدِّم ويؤخِّر على أثر قُرب، على أثر محسوبيات، وحساباتٍ لا تهم العمل نفسه، أو شخص عدل ما فيه إلا عندك هذا الكشف ودرجاته هل نقول: اشفع عند هذا، ولا تشفع عند هذا؟ نقول: فلان عادل ما ينظر من قريب ولا بعيد، ما عنده إلا هذه الأمور التي تبنى عليها المفاضلة، والثّاني لا، قد يأتيه طالب مقبول ويقبله، يجاء إليه بممتاز ويردُّه، هذا يختلف عن ذاك، لكن يبقى أن الضرر في مثل هذه الأمور غير منظور إليه اللهم إلا إذا كان الشخص المشفوع له بعينه قد يترتب عليه ضرر إذا مُكِّن من هذا العمل.

طالب: لكن المشفوع إليه ما يؤاخذ بتقديم من جاء معه شفاعة على من هو أولى منه؟

هذه إذا كانت الشفاعة تتضمن خبرة داخلة أو خبرة داخلية، في هذا الشخص لا تبين للمشفوع عنده، وهذا يعرف أن الشافع من أهل التحري؛ لأن هناك أناسًا شفاعتهم وجودها مثل عدمها بل العكس إذا شفعوا عرفنا أن المشفوع له لا يسوى.

طالب: لكن الشيخ يشفع في وظيفة لأحد، ويذهب إلى المشفوع إليه، فالمشفوع إليه ينظر في هذه الشفاعة دون النظر عن استحقاق هذا...

لا، الشافع يتفاوت، أحد يشفع من أهل التحري ما يشفع إلا لمن يستحق، فهذا يريحك من نصف النظر.

طالب: إن لم يكن من أهل التحري؟

ماذا؟

طالب: إن لم يكن من أهل التحري؟

إن لم يكن من أهل التحري فهذا النظر إلى المسألة أمانة. إلى من حُمِّل الأمانة نعم.

"وعلى كلا التقديرين فتوخيه لذلك الفعل على ذلك الوجه مع العلم بالمضرة لا بد فيه من أحد أمرين: إما تقصير في النظر المأمور به، وذلك ممنوع، وإما قصد إلى نفس الإضرار، وهو ممنوع أيضًا، فيلزم أن يكون ممنوعًا من ذلك الفعل، لكن إذا فعله فيعد متعديًا بفعله، ويَضْمَنُ ضمان المتعدي على الجُملة، وينظر في الضمان بحسب النفوس والأموال على ما يليق بكل نازلة ولا يعد قاصدًا له ألبتة إذا لم يتحقق قصده للتعدي، وعلى هذه القاعدة تجري مسألة الصلاة في الدار المغصوبة والذبح بالسكين المغصوبة، وما لحق بها من المسائل التي هي في أصلها مأذون فيها، ويلزم عنها إضرار الغير؛ ولأجل هذا تكون العبادة عند الجمهور صحيحة مجزئة".

باعتبار انفكاك الجهة، باعتبار انفكاك الجهة، نظرنا إلى أن جهة الأمر بالصلاة منفكة عن التعدي والظلم الحاصل بفعل هذه الصلاة في هذه الدار من غير إذن صاحبها.

"والعمل الأصلي صحيحًا، ويكون عاصيًا بالطرف الآخر، وضامنًا إن كان ثمَّ ضمان ولا تضادٌ في الأحكام لتعدد جهاتها، ومن قال هنالك بالفساد يقول به هنا، وله في النظر الفقهي مجالٌ رحبٌ يرجع ضابطه إلى هذا المعنى".

نعم من نظر إلى هذه المسائل، وأن الإنسان يتقرب بما أمره الله به مصاحبًا ما نهاه عنه، فبالنظر إلى الآمر والناهي جهة واحدة، وبالنظر إلى المأمور به والمنهي عنه جهات منفكة، فمن نظر إلى الأول قال: الصلاة باطلة، ومن نظر إلى الثاني قال: الصلاة صحيحة.

"هذا من جهة إثبات الحظوظ، ومعلوم أن أصحاب إسقاطها لا يدخلون تحت عملٍ هذا شأنه ألبتة. وأما السادس: وهو ما يكون أداؤه إلى المفسدة نادرًا فهو على أصله من الإذن; لأن المصلحة إذا كانت غالبة، فلا اعتبار بالندور في انخرامها".

نعم النادر لا حكم، هذا يقرره أهل العلم أن النادر لا حكم له.

"إذ لا توجد في العادة مصلحةٌ عريّةٌ عن المفسدة جُملة".

مثل ما مثّلنا بمن أغلق المحل وترك الزبائن يخرجون من المحل وهم يريدون الشراء من بضاعته، وذهب يصلي، هو متضرر بإخراجهم وإغلاق المحل، لكن هذه المفسدة غير منظور إليها أصلاً في مقابل المصلحة العظمى.

"إلا أن الشارع إنما اعتبر في مجاري الشرع غلبة المصلحة، ولم يعتبر ندور المفسدة؛ إجراءً للشرعيات مُجرَى العاديات في الوجود، ولا يعدُّ هنا قصد القاصد إلى جلب المصلحة، أو دفع المفسدة مع معرفته بندور المضرة عن ذلك تقصيرًا في النظر ولا قصدًا إلى وقوع الضرر، فالعمل إذًا باقٍ على أصل المشروعية. والدليل على ذلك أن ضوابط المشروعات هكذا وجدناها كالقضاء بالشهادة في الدماء والأموال والفروج، مع إمكان الكذب والوهم والغلط".

الاحتمال قائم، لكن علمنا بالمقدِّمات الشرعية بالبينات بالنظر في الشهود وعدالتهم، ومزكيهم وإن وُجد الاحتمال الآخر، مقدماتنا شرعية، نتائجنا شرعية، ولو خالفت الواقع، أما إذا اختلّت المقدِّمات اختلّت النتائج ولا بد، البينة على المدعي، جاء المدعي بالبينة، وجاء بالمزكين وهم عدول على حسب تقرير القاضي، عدول وزُّوكوا من قِبل من يعرفونهم ويخبرونهم الخبرة الباطنة ما فيه أكثر من هذا، وإليه الإشارة من النبي -عليه الصلاة والسلام-: «إنما أنا بشر أقضي على نحو ما أسمع، على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فإنما أقضي له قطعة من النار فليأخذها أو يدعها»، وهو الرسول المؤيد بالوحي -عليه الصلاة والسلام-، فالقضاة ما أمامهم إلا هذا، ونتائجهم وأحكامهم صحيحة، وهم مأجورون عليها على كل حال إذا عملوا بالمقدمات الشرعية، ونتائجهم شرعية، نعم.

عملنا بمقدمة شرعية، وقررنا أن شعبان كامل؛ لعدم من يشهد برؤيته؛ لوجود غيمٍ أو قَتَر، وهو في الحقيقة ناقص، لكن ما جاءنا من يشهد، عملنا شرعي، مقدماتنا شرعية، فنتائجنا شرعية، ولو نقص الشهر، ولو كان في حقيقة الأمر رمضان ثلاثين، ولا صمنا إلا تسعة وعشرين، لسنا بمكلفين بأكثر من هذا، ومطابقة الواقع وعدم مطابقة الواقع بعد اعتماد المقدمات الشرعية لا يلتفت إليها، ثلاثة من الأشخاص رأوا فلانًا من الناس يزني بفلانة كما يفعل الرجل مع امرأته ثلاثة، ما استطاعوا أن يأتوا برابع، صادقون أم كاذبون؟ كاذبون وإن كان خبرهم مطابقًا للواقع، هذه مقدمات شرعية لا نحيد عنها، وإن قال من قال لو تكلم من تكلم، ما عندنا بأحد.

شخص يسأل يقول: أنا أنقل مدرسات مسافة مائتي كيلو، تأتي صلاة الفجر ونحن في الطريق، ولا نستطيع، لا أستطيع أن أقف، أنا معي نساء، وقد أعجز عن حفظهن إذا نزلن، فلا نستطيع أن نصلي الفجر إلا في مكان الوظيفة في المدرسة، بعد طلوع الشمس، مقدمة شرعية أم غير شرعية؟ غير شرعية، مقدمة غير شرعية، فالنتيجة غير شرعية.

 لكن لو شخص معه زوجته، وخشي عليها إن نزل، أو غلب على ظنه أنه يتبعه من يريدها، وأخر الصلاة إلى أن وصل فالمقدمة شرعية فالنتيجة شرعية، وهكذا.

"كالقضاء بالشهادة في الدماء والأموال والفروج، مع إمكان الكذب والوهم والغلط، وإباحة القصر في المسافة المحدودة مع إمكان عدم المشقة كالملك المترفه، ومنعه في الحضر بالنسبة إلى ذوي الصنائع الشاقة".

نعم؛ لأن الترخُّص عُلِّق بوصف، بوصف وهو السفر، بغض النظر عما كانت المشروعية بسببه في أول الأمر، كانت المشروعية بسبب الخوف، ثم عُلِّقت بالسفر الذي هو مظنة المشقة، وكثيرٌ من الناس السفر عنده أقل مشقة من الحضر، أقل مشقة من الحضر، فلا يلتفت إلى وجود المشقة وعدمها ما دام الوصف المؤثِر المعلَّق عليه الترخص موجود.

"وكذلك إعمال خبر الواحد، والأقيسة الجزئية في التكاليف، مع إمكان إخلافها والخطأ فيها من وجوه، لكن ذلك نادر فلم يُعتَبَر، واعتُبِرت المصلحة الغالبة، وهذا مقرر في موضعه من هذا الكتاب".

نعم إعمال خبر الواحد مع إمكان أن يخطئ هذا الواحد، إذا تصورنا أن هذا الواحد ثقة، رجاله كلهم ثقات بسند متصل، العمل صحيح، والعمل به واجب، الخبر صحيح، والعمل به واجب بغض النظر عن احتمال أن يكون أحد رواته وهِم أو أخطأ، أيضًا الأقيسة الجزئية، أما أصل القياس فهو مقرر شرعًا، لكن مفردات هذا الدليل قد يكون فيها ما القياس فيه ضعيف.

 إذا تصورنا مثلاً قياس الشبه، الذي فيه تردد فرع بين أصلين، تردد فرع بين أصلين، يُشبه أحد الأصلين بنسبة ستين بالمئة، ويشبه الأصل الثاني بنسبة أربعين بالمئة، يعني هذه المسافة بين الأصلين قد يأتي من ينظر إلى هذين الأصلين من جهاتٍ أخرى فيُقرر العكس، فيقرر العكس، فلا يعني أننا إذا أعملنا هذا أننا أصبنا وجزمنا وقطعنا بصحة قياسنا؛ لأننا قد ننظر إليه من زاوية ينظر إليها غيره ينظر إليه غيرنا من زاوية أخرى، وقد يكون قوله أرجح من قولنا أو العكس، هذه غير منظور إليها، ما دام تردد عند المجتهد بين هذين الأصلين وترجح عنده، وكذلك النظر في النصوص المتعارضة قد يكون الراجح عند المجتهد فلان ما يؤدي ما يدل عليه النصّ هذا، ويكون الراجح عند غيره ما يدل عليه النصّ الثاني، فالأنظار والأفهام تختلف، وحينئذٍ لا يكون المدلول قطعيًّا.

"وأما السابع: وهو ما يكون أداؤه إلى المفسدة ظنيًّا فيحتمل الخلاف، أما أن الأصل الإباحة والإذن فظاهر كما تقدم في السادس، وأما أن الضرر والمفسدة تلحق ظنًّا، فهل يجري الظن مجرى العلم، فيمنع من الوجهين المذكورين أم لا؛ لجواز تخلفهما، وإن كان التخلُّف نادرًا؟".

الظن الذي هو الاحتمال الراجح، هل يُلحق بالعلم في مثل هذا؟ هل يُلحق بالعلم يعني المجزوم به في هذا الباب؟ في مسألة أو في قاعدة الشك لا يرفع اليقين، الشك لا يرفع اليقين قالوا: إن الظن مُلحَق بالشك هنا، وقد يرتفع الظن إلى أن يُلحق باليقين، فهل نقول: إنه ما دام الظن موجودًا، غلبة الظن موجودة، أن الضرر يلحق بفلان من الناس إذا فعلت هذه المصلحة ما يترتب عليه مصلحة خاصة لك هل نقول: إن هذا الظن يمنع من ارتكابك هذا العمل ولو فوّت هذه المصلحة بناءً على أن الظن الغالب معمولٌ به، وأكثر الأحكام مبنية على الظن، قال: فهل يجري الظن مجرى العلم أو فهل يُجرى الظن مجرى العلم فيمنع من الوجهين المذكورين أم لا لجواز تخلفهما؟ يعني قد يكون الاحتمال المرجوح غالبًا على الاحتمال الراجح، في بعض الصور فلا يلتفت إلى الظن، وإن كان نادرًا.

"وإن كان التخلُّف نادرًا، ولكن اعتبار الظن هو الأرجح لأمور: أحدها: أن الظن في أبواب العمليات جارٍ مجرى العلم".

جارٍ مجرى العلم، موجبٌ للعمل، كالعلم، الظن موجب للعمل كالعلم، ولا فرق عند جميع من يُعتدُّ بقوله من أهل العلم.

"فالظاهر جريانه هنا. والثاني: أن المنصوص عليه من سد الذرائع داخل في هذا القسم كقوله تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108] فإنهم قالوا: لتكفن عن سب آلهتنا، أو لنسبن إلهك، فنزلت. وفي الصحيح: «إن من أكبر الكبائر شتم الرجل والديه قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه ؟ قال: نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه»، وكان -عليه الصلاة والسلام- يَكفُّ عن قتل المنافقين; لأنه ذريعة إلى قول الكفار إن محمدًا يقتل أصحابه، ونهى الله تعالى المؤمنين أن يقولوا للنبي -عليه الصلاة والسلام-: راعنا مع قصدهم الحسن؛ لاتخاذ اليهود لها ذريعة إلى شتمه -عليه الصلاة والسلام-، وذلك كثيرٌ كله مبني على حكم أصله، وقد ألبس حكم ما هو ذريعة إليه".

نعم يعني الاتفاق في الألفاظ مع اختلاف الحقائق يوقع في اللبس، اتفاق الألفاظ مع اختلاف الحقائق يوقع في لَبْس، فهذه اللفظة مستعملة للمدح عند قوم، وهي مستعملة للذم عند آخرين تُتقَّى، هذا الاصطلاح محتمِل للحق والباطل يُجتنَب، هذا مُقرر في باب الاعتقاد، معروف، هذا العمل يلتبس على الرائي هل هو من باب الخفة والاحتراف أو هو من باب التلبيس والسِحر والشعوذة هذا يجب منعه، ولو قيل: إنه احتراف، وقيل: إنه خفة يد أو خفة تصرف، يجب منعه؛ لأنه يكون هناك لبْس على عموم الناس، فلا يُفرقون بين الحق والباطل، وحينئذٍ يجب كفُّه ومنعه.

 يعني لو قلت: راعنا، إما أن تقول: راعني، يعني في السعر، راعنا يا أخي قال لك: هذا الكتاب بمئة ريال تقول: راعنا يا أخي خله خمسين، ستين، هذا معنىً صحيح، أو راعنا يعني أنظرنا أو انتظرنا أو شيء من هذا من المعاني الصحيحة، لكن اليهود يستعملون هذه اللفظة على خلاف ما يستعمله المسلمون، فجاء المنع منها، جهات الشمال كثيرًا ما يقولون: راعنا، نعم وأحيانًا يقول: راع راع يعني انظُر، نعم، موجودة هذه، فتُمنع؛ لأن غير المسلمين يستعملونها استعمالاً سيئًا، فالاصطلاحات الموهمة التي توقع في لبس يجب منعها، لا سيما مع الاختلاط، مع الاختلاط من يستعملها هنا وهناك، أما مع الانفكاك وهذا لا يسمع هذا، وهذا لا يدري كيف يستعملها الناس الآخرون فهذا قد لا يؤاخذ، لكن الآن مع القرب في وسائل الاتصال الإشكال كبير، يعني تسمع الكلمة في اصطلاح المغاربة، وهي تختلف عن اصطلاح المشارقة هؤلاء يستعملونها في مدح، وهؤلاء يستعملونها في ذم، كان الأمر ما أحد يدري عن أحد، والأمر في ذلك سهل، لكن الآن يوجد شبه اختلاط بين الأمم.

"والثالث: أنه داخلٌ في التعاون على الإثم والعدوان المنهي عنه، والحاصل من هذا القسم أن الظن بالمفسدة والضرر لا يقوم مقام القصد إليه  فالأصل الجواز من الجلب، أو الدفع، وقطع النظر عن اللوازم الخارجية إلا أنه لما كانت المصلحة تسبب مفسدة من باب الحيل".

قطع النظر عن اللوازم الخارجية أنت تفعل هذا الفعل الذي دلّ الدليل على إباحته في الأصل، من غير أن تنظر إلى اللوازم الخارجية، هذا ما ينادى به الآن، أن كل مسألة لا بد أن يكون عليها دليل من الكتاب والسُّنة وإلا ما يعمل بها، وهذا توسُع غير مرضي؛ لأن هذا العمل إذا جرّ إلى عمل محرم صار محرمًا، إن كان ذريعة إلى محرم صار محرمًا، وإلا وقعنا في مثل ما يُنسب إلى سفيان بيع السلاح في الفتنة يقول: هو مالك، بعه ممن شئت، هذا الكلام صحيح؟ ويمكن أن يمشي أو يجري على قاعدة من يقول بفتح الذرائع اليوم؟ لو يقال له مثل هذا المثال ما وافق قطعًا.

"إلا أنه لما كانت المصلحة تسبب مفسدة من باب الحيل أو من باب التعاون منع من هذه الجهة لا من جهة الأصل، فإن المتسبِّب لم يقصد إلا مصلحة نفسه، فإن حُمِل مَحمل المتعدي فمن جهة أنه مظنة للقصد أو مظنة للتقصير، وهو أخفض رتبة من القسم الخامس، ولذلك وقع الخلاف فيه: هل تقوم مظنة الشيء مقام نفس القصد إلى ذلك الشيء أم لا؟ هذا نظر إثبات الحظوظ، وأما نظر إسقاطها فأصحابه في هذا القسم مثلهم في القسم الخامس بخلاف القسم السادس، فإنه لا قدرة للإنسان على الانفكاك عنه عادة، وأما الثمن وهو...".

قف على هذا، قف عليه.