التعليق على الموافقات (1436) - 04

عنوان الدرس: 
التعليق على الموافقات (1436) - 04
عنوان السلسلة: 
التعليق على الموافقات
تاريخ النشر: 
الأحد, 6 شعبان, 1439 - 10:15

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نعم.

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم.

 الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين برحمتك يا أرحم الراحمين.

قال الشاطبي -رحمه الله تعالى-: "فصل: وقد وجدنا في الشريعة ما يدلنا على بعض الفرق التي يُظن أن الحديث شامل لها، وأنها مقصودة الدخول تحته".

المقصود بـ"الحديث".

 الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وما ذكره في الفصل السابق من حديث: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة»، وجاء في بعض الروايات: «كلها في النار إلا واحدة»، ثم سئل عنها فقال: «هم الجماعة» أو «من هم على مثل ما أنا عليه اليوم أنا وأصحابي».

 على كل حال أُلف في الفرق في ضوء هذا الحديث كتب كثيرة جدًّا، وأدخلوها في هذا الحديث، واختلفوا في ذلك، لكن جمعوا من الفرق ما يبلغ الثلاث والسبعين كالملل والنحل للشهرستاني، والفَرق بين الفِرق لابن طاهر، والفِصل لابن حزم، وغيرها، كتب كثيرة في الباب، وفيها إشارة إلى الفرق التي تنتسب إلى الإسلام، وإن كان بعضها قد يكفر ببدعته، وبعضها لا يخرج عن الملة بسبب بدعته. والمؤلف سيذكر بداية في هذا الفصل الخوارج البدعة التي وُجدت وُجد أصلها في عصره -عليه الصلاة والسلام-، ونشأت وتطورت في عصر الصحابة وحصل منها ما حصل وما زال أمرها في ازدياد.

طالب: "فإنه جاء في القرآن أشياء تشير إلى أوصاف يعترف منها".

"يُتَعَرَّف".

طالب: أحسن الله إليك. "يُتَعَرَّف منها أن من اتصف بها فهو آخذ في بدعة، خارج عن مقتضى الشريعة".

عمومًا البدعة والمبتدع، البدعة: ما عُمل على غير نص أو دليل من كتاب أو سنة مما يُتقرب به إلى الله -جل وعلا-، يعني إنسان يتقرب إلى الله بشيء لم يسبق له شرعية من الكتاب والسنة، هذا يقال: مبتدع، وعمله بدعة، هذه هي البدعة، وأصلها في اللغة: ما عمل على غير مثال سابق، هذه البدعة في اللغة، وفي الشرع: ما تُقرب به إلى الله -جل وعلا- من غير أن يسبق له شرعية من كتاب ولا سنة. والبدع كلها مذمومة، كلها ضلالة؛ لأنه جاء في الحديث الصحيح: «وكل بدعة ضلالة»، فلا يُمدح من البدع شيء. وجاء في الصحيح عن عمر- رضي الله تعالى عنه- أنه لما مر على الصحابة وهم يصلون خلف إمام واحد صلاة التراويح، قال: «نعمت البدعة هذه»، وهذا هو الأصل الذي يأوي إليه من يقسم البدع إلى حسن وسيئة، ممدوحة ومذمومة، بل منهم من قسمها إلى الأحكام الخمسة تكليفية، قال: بدع واجبة، وبدع مستحبة، وبدع مباحة، وبدع مكروهة، وبدع محرمة.

 قالوا: من البدع الواجبة الرد على المخالفين، قالوا: هذه بدعة مخالفة، هذه بدعة واجبة، يجب على العلماء أن يردوا على المخالفين، لكنها محدثة. ولكنها في الحقيقة غير محدثة؛ لأن الرد على المخالفين أصله ثابت في القرآن، فليس ببدعة.

 قالوا: بدع مستحبة، كبناء المدارس والأربطة وغيرها مما يعين على العلم أو أي عبادة من العبادات، لكنها في الحقيقة ليست ببدعة؛ لأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والوسائل الموصلة إلى ما يحب الله ويرضاه لا شك أنها مستحبة كأصلها؛ لأن الوسائل لها أحكام الغايات. فبطل قولهم إنه هناك بدع واجبة أو مستحبة، وهذا الكلام في حقيقته تناقض: كيف تكون بدعة، «وكل بدعة ضلالة»، ثم نقول: واجبة يثاب عليها ويعاقب على تركها؟ هذا ليس بصحيح.

 وأول من قسم البدع إلى الأحكام الخمسة العز بن عبد السلام في قواعده، وتبعه كثير من أهل العلم كالنووي وابن حجر وغيرهما من أهل العلم، القرافي كذلك، قسموا البدع إلى الأحكام الخمسة. ومنهم من اقتصر على قسمين: ممدوحة ومذمومة.

على كل حال التقسيم، كما قال الشاطبي في الاعتصام، تقسيم مخترع مبتدع لا يدل عليه دليل لا من كتاب ولا من سنة، فالتقسيم بدعة. قد يقول قائل: عمر يقول عن التراويح: بدعة، ومدحها بكونها حسنة، فهل هي بدعة؟ شيخ الإسلام يرى أنها بدعة لُغوية، والشاطبي قال: إنها مجاز، وقول شيخ الإسلام -رحمه الله- أن صلاة التراويح بدعة لغوية هي سبق لها مثال من فعله -عليه الصلاة والسلام-، صلى بالصحابة ليلتين أو ثلاثًا جماعة في ليالي رمضان، فهذا أصل لصلاة التراويح جماعة، وتركه لها لم يكن نسخًا ولا عدولاً عنها، وإنما هو خشية أن تفرض عليهم، يعني مع بقاء المشروعية، ولذلك أعادها عمر لما أُمن فرضها على المسلمين بحيث يشق عليهم، فليست ببدعة لغوية؛ لأن لها مثالاً سابق، بل من عمله -عليه الصلاة والسلام-، لها أصل، أصل شرعيتها ثابت علن النبي -عليه الصلاة والسلام-، فليست ببدعة لا لغوية ولا شرعية، ليست ببدعة لغوية ولا شرعية، وليست بمجاز؛ لأن المجاز مختلف فيه اختلافًا كبيرًا، وأكثر أهل التحقيق على نفيه إما مطلقًا في النصوص وفي اللغة، ومنهم من يقول: هو ثابت في لغة العرب، لكنه لم يثبت في النصوص؛ لأنه يصح نفيه، المجاز يصح نفيه، إذا قال شخص: (رأيت أسدًا)، لقائل أن يقول: كذبت، ما شفت أسدًا، يريد بذلك الرجل الشجاع، وما صح نفيه لا يجوز أن يورد على الكتاب والسنة.

 على كل حال: القول الأقرب، وإن كان مشكلًا عند أهل العلم حتى قال من تطاول على مقام عمر -رضي الله عنه-: والبدعة بدعة، ولو كانت من عمر! هذا الكلام فيه سوء أدب مع الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وأقرب ما يقال في ذلك: إنه مشاكلة ومجانسة في التعبير، كأن قائلاً قال لعمر: ابتدعت يا عمر؟ فقال: «نعمت البدعة هذه»؛ لأنه في حد المشاكلة في كتب البلاغة في قسم البديع قالوا إنه أسلوب مطابق أو لفظ مطابق لغيره سواء كان حقيقة أو تقديرًا، يعني سواء قيل لعمر: ابتدعت يا عمر، أو عمر من تلقاء نفسه خشي أن يقال: ابتدعت يا عمر، فقال: «نعمة البدعة هذه»، {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40]، الجناية سيئة، لكن معاقبة الجاني ليست سيئة، لكنها مجانسة مشاكلة، ويوردون في كتب البلاغة: (قالوا اقترح شيئًا نوجد لك طبخة، قلت: اطبخوا لي جبة وقميصًا)، هذا مشاكلة، وإلا الجبة والقميص ما تُطبخ.

طالب: .......

لا، الذي ما هو، الذي لا يتعبد به يقصد به الثواب من الله لا يدخل. نعم.

طالب: "فهو آخذ في بدعة خارج عن مقتضى الشريعة. وكذلك في الأحاديث الصحيحة، فمن تتبع مواضعها ربما اهتدى إلى جملة منها، وربما ورد التعيين في بعضها، كما قال -عليه الصلاة والسلام- في الخوارج: «إن من ضئضئ هذا قومًا يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام، ويدَعُون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية». وفي رواية: «دعه -يعني: ذا الخويصرة-، فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقِيَهم، يمرقون من الإسلام...» الحديث إلى أن قال: «آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تَدَرْدَر...» إلى آخره. فقد عرَّف -عليه الصلاة والسلام- بهؤلاء، وذكر لهم علامةً في صاحبهم، وبيَّن من مذهبهم في معاندة الشريعة أمرين كليين".

هذا يعني أصل الخوارج عارض النبيَّ -عليه الصلاة والسلام- في قسمته، قال: اعدل يا محمد، خرج على الرسول -عليه الصلاة والسلام- وهو المؤيد بالوحي الذي لا يمكن مواجهته بمثل هذا الكلام، وإذا قُدر أن يوجد أدنى مستمسك بالنسبة لغيره؛ لأنه ليس بمعصوم يواجه بشيء من هذا، فلا يمكن أن يخطر على البال أن يواجَه النبي -عليه الصلاة والسلام- المعصوم، هذا أصلهم، ثم استمر الحال إلى أن حصل منهم ما حصل في عهد الصحابة، وقاتلهم الصحابة، خرج ابن عباس لمناظرتهم وكانت عدتهم اثني عشر ألفًا، فرجع منهم أربعة آلاف، والأمة تحتاج إلى أمثال ابن عباس يناظرون هؤلاء حتى يرجعوا ويفيئوا إلى حظيرة الطاعة والانقياد.

 المقصود أن هؤلاء هم الأصل، خرجوا على عثمان وقتلوه في داره وهو يقرأ القرآن وهو صائم في المدينة وقُتل -رضي الله عنه- وحبسوه فلم يدفن إلا بعد ثلاث، ودفن في أرض الله وخارج البقيع ونُزل عليه في قبره -رضي الله عنه وأرضاه- حتى قالوا: إنه كُسرت أضلاعه! فهؤلاء شرهم مستطير، وهم بلاء عظيم على الأمة على مر التاريخ وما زالوا كذلك، والذي يسمع من أخبارهم حتى يومنا هذا يعجب، يقول: كيف عاقل يفعل مثل هذا الفعل؟ أناس يصلون في مسجد، واليهود والنصارى يعبثون بالأمة كما يشاءون ولا يتعرض لهم أحد، أين العقول؟ لكن من نظر في قصة مقتل عثمان ما يتعجب من شيء. وكما قال- عليه الصلاة والسلام-: «إن من ضئضئ هذا قومًا يقرءون القرآن» ما هم ناس جفاة عصاة بعيدون ملاحدة زنادقة، هؤلاء يتدينون ويتعبدون، لكن هي الفتنة كفانا الله شرها.

طالب: آمين.

«يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم»، وإن بكوا، وإن أحيوا الليل، لكنه في حقيقته «لا يجاوز حناجرهم» يعني لا ينتفعون به، لا يصعد إلى أدمغتهم ورءوسهم بحيث ينتفعون به؛ لأن في عقولهم وقلوبهم ما يغطي ويصد عن الانتفاع بالقرآن، ولذلك ليس بعجب، يعني خرجوا على الصحابة وهم الصحابة من المهاجرين والأنصار حتى قاتلوهم، بدءوا بالقتال وقتلوا وقاتلهم الصحابة في عهد علي -رضي الله عنه-.

 واختلف السلف في تكفيرهم، وشيخ الإسلام في منهاج السنة ينقل عن الجمهور أنهم ما كفروهم، ولا عاملوهم معاملة الكفار حينما قاتلوهم.

 المقصود أن مثل هذا مسألة خلافية بين أهل العلم، والذي يهمنا أن شرهم مستطير، وأن ضررهم عظيم، ويغتر بهم الناس، لماذا؟ لأن ظاهرهم الصلاح والتدين والعبادة، هذا هو المشكل فيهم أنهم يغتر بهم الناس، لكن من عنده بصيرة وفقه في الدين لا يغتر بهم؛ لأنه عنده موازين شرعية ونصوص تعينهم كأنها تشير إليهم بالأصبع، فلا يُغتر بمثل هؤلاء. «يمرقون» يعني يخرجون «من الإسلام»، وفي رواية: «من الدين»؛ ولذلك يختلفون في قوله: «من الدين» هل هو الإسلام أو التدين؟ من التدين إلى الفسق أو من الإسلام إلى الكفر؟ هذه الرواية التي معنا: «من الإسلام». «كما يمرق السهم من الرمية» المرمية الصيد ينفذ فيها السهم فيدخل فيها ويخرج منها كما دخل. وفي رواية: «دعه» يعني ذا الخويصرة «فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه».

 قتلوا عثمان، قتلوا عليًّا -رضي الله عنه-، يعني عثمان قالوا: إنه ولى أقاربه، وطالبوه بهذه الحجة، وهي حجة واهية يتذرعون بها، ووجدوا من يؤيدهم من غوغاء الناس.

 على كل حال الذي قتل عليًّا، قالوا: إنه حكَّم الرجال في كتاب الله، ماذا كان رد ابن عباس عليهم -رضي الله عنه وأرضاه-؟

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

آية أيش؟

طالب: .......

لا.

طالب: .......

آية قتل الصيد: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95]، يعني حمامة ما تساوي درهمًا يُحكَّم بها وهي في كتاب الله، فكيف لا يحكم في دماء المسلمين؟ وقالوا: إنه رضي بأن لا يقال أمير المؤمنين في التحكيم، قال: إن الرسول -عليه الصلاة والسلام- قصة الحديبية مسح (ابن عبد الله)، مسح (رسول الله)، فهل رضي بأن لا يكون رسول الله بمثل هذا؟ هذه الأمور يحتاج إليها لدفع مفاسد كبرى. المسألة الثالثة...

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

نعم؟

طالب: .......

يعني أخر المطالبة في قتلة عثمان؟

طالب: .......

نعم، السبي، الرسول -عليه الصلاة والسلام- مَنَّ على بعض سباهم، ولذلك رجع الثلث، أربعة آلاف رجعوا في مناظرة ابن عباس -رضي الله عنه وأرضاه-.

«يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام» الحديث، إلى أن قال: «آيتهم» يعني علاماتهم «رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تَدَرْدَر» يعني تَرَجْرَج، بحثوا عنه فوجدوه في القتلى في موقعة النهروان.

قال: "فقد عرَّف -عليه الصلاة والسلام- بهؤلاء"، يعني النصوص الواردة في الخوارج تقرأها عيانًا، وتطبقها على الواقع.

"فقد عرَّف -عليه الصلاة والسلام- بهؤلاء، وذكر لهم علامة في صاحبهم، وبيَّن من مذهبهم في معاندة الشريعة أمرين كليين".

نعم.

طالب: "أحدهما: اتباع ظواهر القرآن على غير تدبر ولا نظر في مقاصده ومعاقده، والقطع بالحكم به ببادئ الرأي والنظر الأول، وهو الذي نبَّه عليه قوله في الحديث: «يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم»، ومعلوم أن هذا الرأي يصد عن اتباع الحق المحض".

يعني عدم التفقه قراءة الحروف من غير نظر في المعاني والمنطوق من غير نظر في المفاهيم، لا شك أنه يحمل على ارتكاب الأخطاء، ويكون معه قصور في النظر، ولذلك المؤلف يتعرض للظاهرية، لداود وأتباعه؛ لأنهم يقرءون الحروف، ولا ينظرون إلى مفاهيمها، ولذا سموا أهل الظاهر.

طالب: "ويضاد المشي على الصراط المستقيم، ومن هنا ذم بعض العلماء رأي داود الظاهري، وقال: إنها بدعة ظهرت بعد المائتين، ألا ترى أن من جرى على مجرد الظاهر تناقضت عليه السور والآيات، وتعارضت في يديه الأدلة على الإطلاق والعموم؟ وتأمل ما ذكره القتبي في صدر كتابه في مشكل القرآن".

ابن قتيبة يعني، يقصد ابن قتيبة.

طالب: "وكتابه في مشكل الحديث يبين لك صحة هذا الإلزام، فإن ما ذكره هنالك آخذ ببادئ الرأي في مجرد الظواهر".

نعم. من قرأ في كلام أهل الظاهر، وجد لهم بعض الأشياء المضحكة والتفريق بين متماثلات، وهذا موجود في كلامهم، يعني: من بال في الماء الراكد الذي فيه النص ارتكب المحرم، لكن لو بال في إناء وصبه فيه...

طالب: .......

 يختلف الحكم، ما يقال: إنه بال في الماء الراكد، وهل بينهما فرق؟ وأشد من ذلك أنه لو بال ارتكب المحرم وخالف النص، لكن لو تغوط فما عليه شيء! لكن هل هذا نص من عندهم أو إلزام؟ لكن هو في بعض المسائل إلزام، لكن عندهم من المسائل ما يُضحك من التفريق بين الأمور التي بعضها تحريمه أشد مما ورد فيه النص، ولذا قال ابن حزم: لو لم يرد في بر الوالدين إلا {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] لجاز قتلهما! هذا مقتضى الظاهر والجمود على النص، هذا مقتضاه. فالذي يقرأ ظاهر القرآن أو ظاهر النصوص، ولذا تجدون معول وعمدة جميع المبتدعة، عمدتهم على النصوص، يعني الخوارج لهم نصوص، المرجئة لهم نصوص، لكن الله -جل وعلا- أعماهم بعد أن عموا عن الجمع بين هذه النصوص، يعني إذا نظرت إلى نصوص الوعيد وجدت فيها ما يؤيد مذهب الخوارج، وإذا نظرت إلى نصوص الوعد مجردة وجدت فيها ما يؤيد رأي المرجئة، لكن إذا جمعت بين هذه وهذه خرجت بالقول الوسط الذي وُفِّق له أهل السنة والجماعة.

طالب: .......

كيف؟

طالب: .......

هذه ليست موجودة في عصره -عليه الصلاة والسلام-، بعد المائتين نعم.

طالب: .......

نعم. ولذا قال النووي وغيره: ولا يُعتد بقول داود؛ لأنه لا يرى القياس الذي هو أحد أركان الاجتهاد.

طالب: "والثاني: قتلُ أهل الإسلام وترك أهل الأوثان على ضد ما دلت عليه جملة الشريعة وتفصيلها، فإن القرآن والسنة إنما جاءت للحكم بأن أهل الإسلام في الدنيا والآخرة ناجون، وأن أهل الأوثان هالكون، ولتعصم هؤلاء، وتريق دم هؤلاء على الإطلاق فيهما والعموم".

ما لم يكن ذميًّا أو معاهدًا، فإن هذا أيضًا معصوم الدم، إذا كان ذميًّا يبذل الجزية، أو معاهدًا بينه وبين المسلمين عهد، فمثل هذا هو معصوم الدم: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة»، نعم.

طالب: "فإذا كان النظر في الشريعة مؤديًا إلى مضادة هذا القصد، صار صاحبه هادمًا لقواعده وصادًّا عن سبيلها، ومن تأمل كلامهم في مسألة التحكيم مع علي بن أبي طالب وابن عباس وفي غيرها، ظهر له خروجهم عن القصد، وعدولهم عن الصواب، وهدمهم للقواعد، وكذلك مناظرتهم عمرَ بن عبد العزيز، وأشباه ذلك. فهذان وجهان ذُكرَا في الحديث من مخالفتهم لقواعد الشريعة الكلية اتباعًا للمتشابهات. وقد ذكر الناس من آرائهم غيرَ ذلك من جنسه، كتكفيرهم لأكثر الصحابة ولغيرهم".

عبد الرحمن بن ملجم الذي قتل عليًّا مدحه بعض شعرائهم، عمران بن حطان مدحه، مدح قاتل علي؛ لأنه موافق له في الرأي، نسأل الله العافية، وكان عمران على الجادة، لكنه أعجبته امرأة ذات جمال فخطبها من باب ما يقال، ويتذرع به إلى الآن أنه يكسب أجرها بدعوتها، فالإنسان ما يبحث عن ذات الدين بقدر ما يبحث عن ذات الجمال ويقول: الدين يجيء بالدعوة، ونكسب الأجر بالدعوة، ونكسب الجمال، فما الذي حصل؟ دعته، وهي من الخوارج، دعته إلى أن صار منهم! المرأة ليست بالسهلة، لا يتساهل الإنسان بها.

 ورجل تزوج امرأة، امرأة مستورة، يعني ما يبان منها شيء، يعني عادية إلى العامية أقرب، لكن لها إخوة ما عندهم شيء من التدين، علامات الفسق ظاهرة عليهم، فقال: أتزوجها ولا يضر. ابن عمر العبد الناسك الصالح زوجته أخت المختار بن أبي عبيد الذي ادّعى النبوة، ولا ضره ولا ضر عياله، سبحان الله! وتدور الأيام ويطلع أولاده مشابهين لأخوالهم. فمثل هذا لا يتساهل به، وبهذا نعرف قيمة قوله -عليه الصلاة والسلام-: «فاظفر بذات الدين تربت يداك».

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

الكتابية جاء النص فيه، وقد تكون الكتابية على ديانتها وعبادتها المحرفة واتباعها لغير محمد- عليه الصلاة والسلام- قد لا يكون فيها نوع تأثير، لكن الصحابة حذروا من نكاح أهل الكتاب؛ لأثرهم في ذلك، لا يحرم أن ينكح المسلم امرأة إخوانها غير أهل استقامة حتى ولو كانت غير مستقيمة.

طالب: .......

المسألة مسألة نظر في مصالح، لا بد أن تدرك أنت مصالحك أكثر من غيرك، لكن يبقى التشريع العام هكذا، وكل إنسان أدرى بمصلحته.

طالب: "كتكفيرهم لأكثر الصحابة ولغيرهم، ومنه سرى قتلهم لأهل الإسلام، وأن الفاعل للفعل إذا لم يعلم أنه حلال أو حرام فليس بمؤمن".

هم يرون هذا، هكذا نقل عنهم، وهو موجود في كتب الفرق.

طالب: "وأن لا حرام إلى ما في قوله: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ...} [الأنعام: 145] الآية، وما سوى ذلك فحلال، وأن الإمام إذا كفَر كفَرت رعيته كلهم شاهدهم وغائبهم".

هذا من أعظم المشاكل وأعضل العضل عندهم، إذا كفر الإمام يعني على حد زعمهم، هم يكفرون بالذنوب، ولو افترضنا أن الإمام صاحب ذنوب وصاحب مرتكب كبيرة كفر، وتبعًا لذلك قال: "إذا كفر الإمام كفرت رعيته كلهم شاهدهم وغائبهم"، يعني هذه الذرائع لسفك الدماء الذي اشتهروا به، وعرفوا به من أول الأمر إلى يومنا هذا.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: فرع عن التكفير.

نعم، فرع عن التكفير.

طالب: "وأن التقية لا تجوز في قول ولا فعل على الإطلاق والعموم".

مع أنه يجوز لمن أُكره أن ينطق بكلمة الكفر، فضلاً عن كونه يعرِّض إذا كان قلبه مطمئنًّا بالإيمان.

طالب: "وأن الزاني لا يُرجم بإطلاق".

لأنهم لا يؤمنون إلا بما جاء في القرآن، وهذا ليس بالقرآن. يعني ثبوت كونه من القرآن المنسوخ تلاوة بالسنة، وهم لا يؤمنون بالسنة، لا يؤمنون إلا بالقرآن.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

لكن ما جاء نص فيما يطبقون عليه.

طالب: "والقاذف للرجال لا يُحد، وإنما يُحد قاذف النساء خاصة، وأن الجاهل معذور في أحكام الفروع بإطلاق".

الجاهل معذور في أحكام الفروع بإطلاق، وهم سبقوا أن قالوا إن الفاعل للفعل إذا لم يعلم أنه حلال أو حرام فليس بمؤمن، أليس فيه تضاد وتناقض؟

طالب: .......

هذا تناقض.

طالب: "وأن الله سيبعث نبيًّا من العجم بكتاب يُنزله الله عليه جملةً واحدةً ويترك شريعة محمد".

صلى الله عليه وسلم.

طالب: "وأن المكلف قد يكون مطيعًا بفعل الطاعة غير قاصد بها وجه الله، وإنكارهم سورة يوسف من القرآن، وأشباه ذلك، وكلها مخالفة لكليات شرعية أصلية أو عملية. ولكن الغالب في هذه الفرق أن يشار إلى أوصافهم ليُحذر منها، ويبقى الأمر في تعيينهم مُرجًى كما فهمنا من الشريعة".

يعني أفراد هذه الفرق يقول: يبقى أنهم ما يُعينون؛ لأن في تعينهم زيادة في شرهم وإعانة للشيطان عليهم. لكن إذا خشي من شرهم، وشرهم لا يندفع إلا بالتعيين، فلا بد من التعيين؛ لأن مصلحة العامة أولى من مصلحة الخاصة.

طالب: .......

على كل حال المرد في ذلك إلى الحديث.

طالب: "ولعل عدم تعيينهم هو الأولى".

هذه الصفات موجودة في كتب الفرق، لكن كون أن بعضها يوجد في وقت، وبعضها لا يوجد في وقت، وبعضها يزاد عليه شيء غير موجود في السابق، لا يعني، لكن الحكم في ذلك هو الحديث.

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

نعم، لكل قوم وارث.

طالب: "ولعل عدم تعيينهم هو الأولى الذي ينبغي أن يُلتزم؛ ليكون سترًا على الأمة، كما سُترت عليهم قبائحهم فلم يُفضحوا في الدنيا بها في الحكم الغالب العام، وأُمرنا بالستر على المذنبين ما لم يبدِ لنا صفحة الخلاف".

يعني ما لم يظهر قوله، بمعنى أنه يدعو إليه، أو يقاتل ضده، إذا فعل ذلك يقاتل، لكن يبقى أنه إذا خيف من شرهم، ولم ينكف شرهم إلا بالتعيين، فلا بد أن يُعينوا، لأن بعض الناس وهم دون ذلك دون هذه المرتبة له فتاوى شاذة في مسائل فرعية ضررها أخف من ضرر هؤلاء، فيشار إلى هذه المخالفات، وإلى أن هذه المسائل شاذة وخطأ ومخالفة للأدلة، فإن انكف صاحبها وإلا يُعين إذا خيف من تأثيره على الناس ولو بالمسائل الفرعية.

طالب: أحسن الله إليك .......

نعم.

طالب: .......

لا شك أن العلم دين، وجاء عن السلف: إن هذا العلم دين فانظر عمن تأخذ دينك. ولا يعدل إلى أحد ممن رمي ببدعة وعلمه موجود عند غيره، ومنهم من منع الرواية عن المبتدع مطلقًا، وهذا مروي عن الإمام مالك وجمع من أهل العلم. لكن في الصحيحين من رواية عن المبتدعة الشيء الكثير، حتى عمران بن حطان الذي مدح عبد الرحمن بن ملجم خرج له البخاري في حديثين، وابن حجر أجاب عن تخريج البخاري أن هذا مما روي عنه قبل تلبسه ببدعته، قبل تلبسه بالبدعة.

 ومنهم من ذكر- ولعله في تاريخ الموصل- أنه رجع عن بدعته، وحينئذ لا تضره هذه البدعة.

 المقصود أن هناك أجوبة لأهل العلم، وابن حجر أيضًا نقل أنه أن الرواية عن الخوارج وهم يرون تحريم الكذب ويشددون فيه، ولا يجرءون عليه، وعندهم صدق في اللهجة، أنه لا مانع من الرواية عنهم بسبب هذا، يقول: لا مانع من الرواية عنهم وقد عُرفوا بصدق اللهجة. ورد عليه العيني وقال: أي صدق في لهجة مادحي قاتلي علي -رضي الله عنه وأرضاه-؟!

 على كل حال المسألة معروفة وكلام ابن حجر واضح، والأجوبة معروفة عند أهل العلم. نعم.

طالب: .......

ما يلزم.

طالب: .......

ولكن يصير عندهم أشد منها.

طالب: .......

نعم.

طالب: .......

نعم. المقصود أن القاسم المشترك بينهم ما جاء في النص، ما زاد على ذلك يوجد في عصر، ويختفي في عصر، ويوجد أشد منه، ويوجد أخف منه، لكن إذا انطبق هذا الحديث.

طالب: .......

أين؟

طالب: .......

ما يخالف، إذا وُجد ما في الحديث، إذا وجدت الأوصاف التي في الحديث خلاص انطبقت عليهم، ولو لم يكن في ذلك إلا قتلهم أهل الإسلام وتركهم أهل الأوثان.

طالب: .......

هو يحذر من الشر في الجملة، لكن هناك أشخاص إذا لم يحذر منهم بأعيانهم قد يلبسون على الناس.

طالب: بأعيانهم .......

هو الشر يحذر منه جملة وتفصيلاً، أحيانًا يكفي مجرد الكناية إذا فهمها الناس، والنبي -عليه الصلاة والسلام- كثيرًا ما يقول: «ما بال أقوام»، لكن إذا لم يُجدِ في الناس، يعني لما يكون هناك ناس عوام ما يفهمون ماذا تقول أنت؟ وفيه أناس في الساحة مؤثرون، ولهم أقوال يخشى من ضرره يعينون وما المانع؛ لأن صيانة الدين أولى من صيانة الأفراد.

طالب: .......

ما هو بصحيح.

طالب: ولكنهم .......

هذا دليل على أنهم خوارج، لكن قد يختلفون على الخوارج في بعض الأصول، مثلاً قد لا يرون كفر كل مرتكب لكبيرة، ويتنصلون من قول الخوارج الأوائل، لكن مع ذلك الضرر المتعدي والوصف الذي جاء في الحديث هو أولى؛ لأن الضرر الخاص أمره أخف، ولذلك المبتدعة في العصر الأول ما قُتلوا ولا قوتلوا ما لم يدعوا إلى بدعهم، فيكف شرهم بالطرق المناسبة، وإذا قاتلوا يُقتلون.

طالب: "ليس كما ذُكر عن بني إسرائيل أنهم كانوا إذا أذنب أحدهم ليلاً أصبح وعلى بابه معصيته مكتوبة، وكذلك في شأن قرابينهم فإنهم كانوا إذا قربوها أكلت النار المقبول منها وتركت غير المقبول، وفي ذلك افتضاح المذنب، إلى ما أشبه ذلك، فكثير من هذه الأشياء خُصت بها هذه الأمة، وقد قالت طائفة: إن من الحكمة في تأخير هذه الأمة عن سائر الأمم أن تكون ذنوبهم مستورةً عن غيرهم، فلا يُطلع عليها كما اطَّلعوا هم على ذنوب غيرهم ممن سلف. وللستر حكمة أيضًا، وهي أنها لو أُظهرت".

هذا صحيح بالنسبة للأمم التي انقرضت فلم يبقَ منها أحد، لكن الأمم التي ما زالت باقية كاليهود والنصارى لا شك أنهم يطلعون على بعض العيوب التي تحصل من بعض الأفراد المنتسبين إلى محمد -عليه الصلاة والسلام-.

طالب: "وللستر حكمة أيضًا، وهي أنها لو أُظهرت -مع أن أصحابها من الأمة- لكان في ذلك داعٍ إلى الفرقة والوحشة وعدم الألفة التي أمر الله بها ورسوله، حيث قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، وقال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال: 1]، وقال: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران: 105]، وقال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا} [الروم: 31، 32].

وفي الحديث: «لا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانًا»، وأمر- عليه الصلاة والسلام- بإصلاح ذات البين، وأخبر أن فساد ذات البين هي الحالقة، وأنها تحلق الدين".

نعم. ما أورده المؤلف -رحمه الله- من الستر وذكر عليه من الأدلة، لا شك أن هذا هو الأصل: «ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة»، والآيات الواردة في ذلك من الاجتماع وعدم الافتراق هذا هو الأصل. لكن إذا أبى بعض الناس إلا أن يفترق فالأصل أن هناك في الشرع ما يسمى الهجر، وهناك ما يسمى بالصلة، وكل منهما علاج في موضعه، بعض الناس يُهجر، وبعضهم تقتضي المصلحة صلته، وهكذا، كما أن منهم من تقتضي المصلحة هتك ستره ولا يُستر عليه كأصحاب الجرائم والسوابق، مثل هؤلاء لا يرتدعون إلا بهتك سترهم وإقامة الحدود عليهم، ولو طُلب الستر في كل قضية لعطلت الحدود، وهذا مناقض للحكم الإلهية من شرعية الحدود، لكن يبقى أن الستر أصل بالنسبة لمن حصلت منه هفوة أو ذلة، ولا عُرف بسوابق، فمثل هذا يُستر عليه، أما أصحاب الجرائم والسوابق الذين يفعلون المنكرات من غير أن يرتدعوا فلا بد من ردعهم.

طالب: "والشريعة طافحة بهذا المعنى، ويكفي فيه ما ذكره المحدثون في كتاب البر والصلة، وقد جاء في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159] الآية، أنه رُوي عن عائشة وأبي هريرة -وهذا حديث عائشة-، قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يا عائشة! إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا، من هم؟». قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «هم أصحاب الأهواء، وأصحاب البدع، وأصحاب الضلالة من هذه الأمة. يا عائشة! إن لكل ذنب توبةً، ما خلا أصحاب الأهواء والبدع، ليس لهم توبة، وأنا منهم بريء، وهم مني برءاء»".

والحديث على كل حال ضعيف، وضعفه شديد، وهو من حديث عمر لا من حديث عائشة- رضي الله عن الجميع-.

طالب: "فإذا كان من مقتضى العادة أن التعريف بهم على التعيين يورث العداوة والفرقة وترك المؤالفة، لزم من ذلك أن يكون منهيًّا عنه، إلا أن تكون البدعة فاحشةً جدًّا كبدعة الخوارج، فلا إشكال في جواز إبدائها وتعيين أهلها، كما عيَّن رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- الخوارج وذكرهم بعلامتهم، فحتى يعرفون ويحذر منهم. ويلحق بذلك ما هو مثله في الشناعة أو قريب منه".

"حتى"؟

طالب: "حتى يُعرفون ويُحذَر منهم".

ماذا تعمل "حتى"؟

طالب: .......

ماذا؟

طالب: يختلفون فيه يا شيخ.

ماذا؟

طالب: يختلفون فيها.

ماذا؟

طالب: يختلفون.

ماذا؟ «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولون».

طالب: «حتى يشهدوا».

ماذا؟

طالب: «حتى يشهدوا».

طالب: .......

ماذا؟

طالب: .......

أنت تدري ماذا أنا أقول؟ ما قصدي؟

طالب: نعم.

وما أثر (حتى) على الفعل المضارع؟

طالب: تنصبه.

تنصبه.

طالب: نعم، "حتى يعرفوا".

نعم.

طالب: .......

على الخلاف بينهم، لكنه منصوب على أي حال.

طالب: "حتى يعرفوا ويحذر منهم، ويلحق بذلك ما هو مثله في الشناعة أو قريب منه بحسب نظر المجتهد، وما سوى ذلك، فالسكوت عن تعيينه أولى. وخرَّج أبو داود عن عمرو بن أبي قرة".

البدع موجودة في عصر، في الصدر الأول وفي القرون المفضلة موجودة ويعيشون بين المسلمين، وما لم يُظهر الإنسان بدعته، ويدعو إليها لا يُتعرض له، يعني يُدعى ويبين له الحق حتى يرجى قبوله، لكنه مع ذلك لا يلزم، إذا دعا لزم من ذلك أن يُكف شره إذا دعا إلى بدعته، إن قاتل دونها قُتل، وهكذا؛ لأن بعض الناس يقول: لماذا لا يُمنعون يعني مثل الرافضة وغيرهم يُمنعون من الحج ويدخل الحرمين ويمنع كذا وكذا وكذا؟ السلف ما منعوهم ولا حصل شيء من ذلك، لكن من دعا من أظهر بدعته يوقف عند حده.

طالب: .......

طيب.

طالب: .......

على كل حال الأصل أن يُمنعوا إذا أظهروا، هذا الأصل، لكن إذا ترتب على ذلك مفسدة أكبر، الدين فيه مصالح ومفاسد، تجلب المصالح وتدرأ المفاسد بقدر الإمكان.

طالب: "وخرج أبو داود عن عمرو بن أبي قرة قال: كان حذيفة بالمدائن، فكان يذكر أشياء قالها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأناس من أصحابه في الغضب، فينطلق ناس ممن سمع ذلك من حذيفة، فيأتون سلمان فيذكرون له قول حذيفة، فيقول سلمان: حذيفة أعلم بما يقول. فيرجعون إلى حذيفة، فيقولون له: قد ذكرنا قولك لسلمان، فما صدقك ولا كذبك. فأتى حذيفة سلمان وهو في مَبْقَلِه".

"مَبْقَلةٍ".

طالب: أحسن الله إليك. "فأتى حذيفة سلمان وهو في مَبْقَلةٍ، فقال: يا سلمان! ما يمنعك أن تصدقني بما سمعتُ من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فقال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يغضب فيقول في الغضب لناس من أصحابه، ويرضى فيقول في الرضا لناس من أصحابه، أمَا تنتهي حتى تورث رجالاً حب رجال، ورجالاً بُغض رجال، وحتى توقع اختلافًا وفرقةً؟ ولقد علمت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطب فقال: «أيما رجل من أمتي سببته سبةً أو لعنته لعنة في غضبي، فإنما أن من ولد آدم أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعاملين، فاجعلها عليهم صلاةً يوم القيامة»".

وجاء الحديث الصحيح: «اللهم من لعنته فاجعلها رحمة»، هذا ما فيه إشكال من حيث الأصل، أما كونه يختلف حكمه في الغضب عن حكمه في الرضا فلا؛ لأن قيل لعبد الله بن عمرو: الرسول -عليه الصلاة والسلام-، أنك تكتب كل شيء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو بشر يغضب ويرضى؟ فقال للنبي -عليه الصلاة والسلام-، فقال: «اكتب، واللهِ ما صدر عن هذا» يعني لسانه «إلا حق».

طالب: "فوالله لتنتهين أو لأكتبن إلى عمر. فهذا من سلمان حسن من النظر، فهو جار في مسألتنا.

 فإن قيل: فالبدع مأمور باجتنابها واجتناب أهلها والتحذير منهم والتشريد بهم وتقبيح ما هم عليه، فكيف يكون ذِكر ذلك والتنبيه عليه غير جائز؟ فالجواب: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- نبّه في الجملة عليهم إلا القليل منهم كالخوارج، ونبه على البدع من غير تفصيل، وأن الأمة ستفترق على تلك العدة المذكورة، وأشار إلى خواصٍّ عامَّةٍ فيهم وخاصة، ولم يصرح بالتعيين غالبًا تصريحًا يقطع العذر، ولا ذَكر فيهم علامةً قاطعةً لا تلتبس، فنحن أولى بذلك معشر الأمة".

نعم. لم يذكر علامة قاطعة تنص على أعيانهم، هذه طريقة الشرع أن يذكر قواعد عامة يندرج فيها كل من تنطبق عليه ممن يأتي، الشرع لا يأتي بما يعين الأشخاص؛ لأن الأشخاص لا نهاية لهم، ولكانت النصوص بعدد الناس، لكن هذا لا يرد به الشرع، إنما يأتي بقواعد عامة تندرج فيها الأفعال والأوصاف التي ستأتي إلى قيام الساعة.

طالب: "وما ذكره المتقدمون من ذلك فبحسب فحش تلك البدع، وأنها لاحقة في جواز ذِكرها بالخوارج ونحوهم، مع أن التعيين إذا كان بحسب الاجتهاد، فهو ممكن أن يكون هو المرادُ في نفس الأمر أو بعضه".

"ممن أن يكون هو"؟

طالب: "أن يكون هو المرادُ".

"المرادَ".

طالب: أحسن الله إليك.

 "أن يكون هو المرادَ في نفس الأمر أو بعضه".

{كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ} [المائدة: 117].

طالب: أحسن الله إليك.

نعم.

طالب: "فمن بلغ رتبة الاجتهاد اجتهد، والأصل ما تقدم من الستر حتى يظهر أمر فيكون له حكمة".

"حكمه".

طالب: أحسن الله إليك.

 "فيكون له حكمه، ويبقى النظر: هل هذا الظاهر من جملة ما يدخل تحت الحديث أم لا؟ فهو موضع اجتهاد. وأيضًا، فإن البدع المحدثة تختلف، فليست كلها في مرتبة واحدة في الضلال، ألا ترى أن بدعة الخوارج مباينةً غاية المباينة لبدعة التثويب بالصلاة التي قال فيها مالك: التثويب ضلال؟".

التثويب: هو الدعاء للصلاة والنداء لها، يعني بعد الأذان الشرعي يُثوب في موضع الأذان بالنداء لها مرة ثانية سواء كان بلفظه أو بما يدل عليه، فالنداء الثاني للصلاة إذا أذن المؤذن وسمع الناس تأخروا عن المجيء إلى المسجد يؤذن ثانية، أو قال: الصلاة يا عباد الله في مكان الأذان تشبيهًا به، هذا لا شك أنه بدعة.

طالب: "وقد قسَّم المتقدمون البدع إلى ما هو مكروه، وإلى ما هو محرم، ولو كانت عندهم على سواء لكانت قسمًا واحدًا".

إذا كان هذا التقسيم ومن قسم والسبب في التقسيم، وذكرنا أن هذا التقسيم كما قال الشاطبي مخترع مبتدع لا دليل عليه لا من الكتاب ولا من السنة، بل هو مخالف ومناقض لقوله -عليه الصلاة والسلام-: «كل بدعة ضلالة».

طالب: ....... المقصود بالتثويب حي على الصلاة حي على الفلاح.

قيل هذا.

طالب: طيب .......

المقصود أنها بدعة لم تثبت عنه -عليه الصلاة والسلام- مهما كان، ما هو أن تكون ثابتة عن ابن عمر هذه دعوة ما يلزم صحتها.

طالب: .......

لا، فعل المؤذن في مكانه، وإلا فلو واحد في الشارع ورأى ناسًا أو رفع صوته: الصلاة الصلاة عباد الله، فهذا مأجور، هذا من الأمر بالمعروف.

طالب: "وإذا كان كذلك، فالبدع التي تفترق بها الأمة مختلفة الرتب في القبح، وبسبب ذلك يظهر أنها كثيرة جدًّا. وما في الحديث محصور، فيمكن أن يكون بعضها غيرَ داخل في الحديث، أو يكون بعضها جزءًا من بدعة فوقها أعظم منها".

لأنه حتى البدع الكبرى تفرع عنها الفرق الكبرى الذين ذكرهم أهل العلم، صار لها فروع، وصار لها بعضها ما هو أخف، وبعضها ما هو مساوٍ، كل هذه الفرق نشأ عنها فرق أخرى، فالتشيع له فرق، وأيضًا الخوارج أيضًا فرق، وهكذا بقية الفرق تفرعت إلى فروع كثيرة. نعم.

طالب: "أو لا تكون داخلةً من حيث هي عند العلماء من قبيل المكروه، فصار القطع على خصوصياتها فيه نظر واشتباه، فلا يُقدَم على ذلك إلا ببرهان قاطع، وهذا كالمعدوم فيها، فمن هذه الجهات صار الأولى ترك التعيين فيها".

أما لأن الإنسان لا يقدم على شيء إلا ببينة واضحة، وما كان فيه نوع احتمال فلا يقدم عليه، وكثير من الأمور التي تلبس بها بعض الناس مما يوصف بالبدعة قد يكون له أثر وأنت لا تدري، قد تكون هذه البدعة غير مؤثرة ويسيرة، وأنت شددت في أمرها.

 وعلى كل حال الأمور تقدر بقدرها، والعبرة بذلك ما ثبت عن الله وعن رسوله -عليه الصلاة والسلام-.

طالب: "فإن قيل: فالعلماء يقولون خلاف هذا، وإن الواجب هو التشريد بهم والزجر لهم، والقتل ومناصبة القتال إن امتنعوا، وإلا أدى ذلك إلى فساد الدين. فالجواب: إن ذلك حكم فيهم كما هو في سائر من تظاهر بمعصية صغيرة أو كبيرة أو دعا إليها أن يؤدب أو يزجر أو يقتل إن امتنع مَن فَعَلَ".

"مِن فِعْل".

طالب: أحسن الله إليك.

 "مِن فِعْل واجب أو ترك محرم، كما يقتل تارك الصلاة، وإن كان مقرًّا إلى ما دون ذلك، وإنما الكلام في تعيين أصحاب البدع من حيث هي بدع يشملها الحديث، فتوجه الأحكام شيء والتعيين للدخول تحت الحديث شيء آخر".

نعم. التعيين شيء، والحكم على العموم شيء آخر، قد يصدر من الشرع حكم على طائفة، لكن أفراد هذه الطائفة لا يتجه الحكم عليهم، الرسول -عليه الصلاة والسلام- لعن الواشم والمستوشمة، ولعن المتبرجات، ولعن شارب الخمر. لكن لما لُعن شارب الخمر بحضرته- عليه الصلاة والسلام- نهى، قال: «لا تكن عونًا للشيطان على أخيك». فالحكم على العموم غير الحكم على الأفراد بالتعيين.

 والله أعلم.

يكفي يكفي.

 اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك.