التعليق على الموافقات (1430) - 09

عنوان الدرس: 
التعليق على الموافقات (1430) - 09
عنوان السلسلة: 
التعليق على الموافقات
تاريخ النشر: 
الأربعاء, 28 جمادى الأول, 1439 - 10:15

سماع الدرس


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

طالب: أحسن الله إليك.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "المسألة الرابعة عشرة: العوائد المستمرة ضربان؛ أحدهما: العوائد الشرعية التي أقرها الدليل الشرعي أو نفاها، ومعنى ذلك: أن يكون الشرع أمر بها إيجابًا أو ندبًا".

ماذا؟

طالب:........

"الخامسة عشرة".

طالب: نعم.

"المسألة الخامسة عشرة: العوائد الجارية ضرورية الاعتبار شرعًا، كانت شرعية في أصلها أو غير شرعية، أي: سواء كانت مقررة بالدليل شرعًا: أمرًا أو نهيًا أو إذنًا أو إملاءً".

"أو إذنًا أو إملاء"، "سواء كانت مقررة بالدليل شرعًا"، ولهذه العوائد سواء كان المقرر بالدليل أو اقتضت العادات عادات الناس وحاجاتهم إليها، سواء كان مقررًا بالدليل على طريق الأمر والطلب، أو طريق النهي والكف، أو الإذن لا أمرًا ولا نهيًا.

طالب: "أما المقررة بالدليل فأمرها ظاهر، وأما غيرها فلا يستقيم إقامة التكليف إلا بذلك، فالعادة جرت بأن الزجر سبب الانكفاف عن المخالفة، كقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179]".

كما أن الترغيب سبب للفعل، يعني الزجر سبب للكف والترغيب سبب للفعل.

طالب: "فلو لم تعتبر العادة شرعًا، لم ينحتم القصاص ولم يُشرع".

نعم. لا يوجد عاقل يُمكِّن من نفسه بأن يُنال بقتل أو ما دونه من الأذى، عادة لا يمكن، ما يوجد. فوضع القصاص، ووضعت الحدود من أجل الكف؛ لأن العادة جرت أن الإنسان لا يطيق أن يناله أذى، لا سيما إذا كان سويًّا، أما إذا كان غير سوي فالمسألة تختلف. والناس يتفاوتون في هذا، يعني الخوف من العقاب سواء كان من عقاب الله -جل وعلا- أو من عقاب المخلوق، يتفاوت الناس فيه تفاوتًا بينًا، لكن الجامع للجميع أنهم كلهم يخافون. يعني قد يوجد شخص لا يكترث، ولا يهتم إما لصغر سنه وعدم معرفته بالعواقب؛ مثل هذا ليس بمكلف، أو مجنون لا يفرق بين ما ينفعه ولا يضره؛ هذا أيضًا.

طالب: لا عبرة.

كذلك نفس الشيء. يعني تفاوت الناس وتباينهم في تحمل هذه الأمور، مدرس ابتدائي يقول: عندي طالبان واحد إن قلت له: اكتب بال على نفسه من الخوف، والثاني قلت له: اكتب. قال لا، قلت: أضربك؟ قال عادي، قلت: أخرجك من الفصل؟ قال عادي، قال: أعطيك ملفك؟ قال: أعطني إياه هاته! يعني بون شاسع، لكن مثل هؤلاء غير مخاطبين بمثل هذا الكلام، هؤلاء أطفال لا يدركون العواقب.

طالب: "وكذلك البذر سبب لنبات الزرع، والنكاح سبب للنسل، والتجارة سبب لنماء المال عادة، كقوله تعالى: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [البقرة: 187]، {وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10]، {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198]، وما أشبه ذلك مما...".

يعني ما فيه أحد يشتري أرضًا ويتركها للشمس والهواء وينتظر الزرع، كما أنه لا يوجد عاقل لا يتزوج وينتظر الولد؛ هذه أسباب عادية رُتبت عليها آثارها.

طالب: "وما أشبه ذلك مما يدل على وقوع المسببات عن أسبابها دائمًا".

يعني مضطردة، لكن قد تتخلف المسببات مع وجود الأسباب لوجود مانع يمنع من ترتب الآثار، نعم قد يوجد السبب، قد يتزوج الإنسان ولا يولد له، وقد يزرع ولا يخرج له نبات. نعم.

طالب: "فلو لم تكن المسببات مقصودة للشارع في مشروعية الأسباب، لكان خلافًا للدليل القاطع، فكان ما أدى إليه باطلاً.

ووجه ثان: وهو ما تقدم في مسألة العلم بالعاديات، فإنه جارٍ هاهنا.

ووجه ثالث: وهو أنه لما قطعنا بأن الشارع جاء باعتبار المصالح، لزم القطع بأنه لا بد من اعتباره العوائد؛ لأنه إذا كان التشريع على وزان واحد دل على جريان المصالح على ذلك؛ لأن أصل التشريع سبب المصالح، والتشريع دائم كما تقدم، فالمصالح كذلك، وهو معنى اعتباره للعادات في التشريع".

يعني المصالح سواء كانت المصالح التي نشأت عن النصوص، يعني ما أمر الله به هو كله مصالح، وما نهى عنه كله مفاسد، لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها منه، كذلك ما يزاوله الناس في أعمالهم العادية منها ما هو مرتب عليه مصالح عادة، ومنها ما يترتب عليه مفاسد. فالعاقل الذي ينظر إلى العواقب بعين الحكمة، ويطلب نجاة نفسه فلا ينظر إلا ما يصلح شأنه في دينه ودنياه، وينظر ما يفسد حاله فيجتنبه.

طالب: "ووجه رابع: وهو أن العوائد لو لم تعتبر لأدى إلى تكليف ما لا يطاق، وهو غير جائز أو غير واقع؛ وذلك أن الخطاب إما أن يعتبر فيه".

نعم. العوائد في السنن التي أجراها الله -جل وعلا- في الحياة لا بد من اعتبارها، البرد قاتل والحر مؤذٍ، يعني لو قيل للإنسان في أشد يوم برد من أيام السنة: عليك أن تغتسل بدون أن يكون هناك بدل، يعني ما وُجد بدل، ما وُجد تيمم، تغتسل ولو ترتب على ذلك الموت. ألا نلاحظ أن العادة البرد هنا أثر في الحكم؟ وهو عادة أجراها الله -جل وعلا-، عادة. بينما في الصيف لو يقال لك: نم في الشمس مثلاً، في عز الصيف؟ أو: صل في الشمس مثلاً، هل تعقل من صلاتك شيئًا؟

طالب: لا.

أو إذا صمت اجلس في الشمس ضحوة أو ظهرًا أو عصرًا، كل هذه عوائد لكنها معتبرة في التشريع، لها أثرها في التشريع، ولو لم يكن لها هذا الأثر لكان التكليف بالأوامر والنواهي من باب ما لا يطاق، منه ما لا يطاق. يعني لو قيل في آخر الليل: اغتسل في ليالي المربعانية واخرج بدون دثار ولا غطاء ولا تسخين ماء ولا شيء... الغسل شرط لصحة الصلاة، لكن مع ذلك رُوعيت هذه العادات.

طالب: "ووجه رابع: وهو أن العوائد لو لم تعتبر لأدى إلى تكليف ما لا يطاق، وهو غير جائز أو غير واقع".

يعني على الخلاف في جوازه، يعني هل هو ممكن أم غير ممكن؟ غير جائز في الشريعة، غير جائز في العقل؟ والخلاف معروف بين أهل العلم، لكنه غير واقع حتى لو قلنا بجوازه. يعني يجوز أن الله -سبحانه وتعالى- يكلف الإنسان أن يحمل صخرة كبيرة لا يطيقها، وقدرته مائة كيلو مثلاً من أقوى الناس، يقال: لا بد أن تحمل هذه الصخرة التي تزن طنًّا؟ هذا غير واقع قطعًا، وأواخر سورة البقرة يدل عليه.

طالب: لو ألزم نفسه بالنذر يا شيخ.

نعم.

طالب: لو ألزم نفسه بالنذر؟

لو ألزم نفسه بنذر ما لا يطيقه، فهو الذي أدخل نفسه فيه، يأثم بهذا النذر إن لم يف به، وإن لم يطقه فله البدل.

طالب: "وذلك أن الخطاب إما أن يعتبر فيه العلم والقدرة على المكلف به، وما أشبه ذلك من العاديات المعتبرة في توجه...".

"المكلف به" لا بد أن يكون معلومًا للمكلف؛ ليتسنى إتيانه به، كما أنه لا بد أن يكون معدومًا؛ ليتسنى له إيجاده. نعم. وشروط التكليف ستأتي.

طالب: "إما أن يعتبر فيه العلم والقدرة على المكلف به، وما أشبه ذلك من العاديات المعتبرة في توجيه التكليف أو لا، فإن اعتبر فهو ما أردنا، وإن لم يعتبر فمعنى ذلك: أن التكليف متوجه على العالم والقادر، وعلى غير العالم والقادر، وعلى من له مانع ومن لا مانع له؛ وذلك عين تكليف ما لا يطاق، والأدلة على هذا المعنى واضحة كثيرة".

لو قيل للمقعد: صلِّ قائمًا، ولا بدل، صل قائمًا. القيام ركن من أركان الصلاة، لا بد أن تصلي قائمًا، وهو لا يستطيع. هذا لا شك أنه من تكليف ما لا يطاق، وهذا مرفوع عن هذه الأمة. نعم.

طالب: "فصل: وإذا كانت العوائد معتبرة شرعًا، فلا يقدح في اعتبارها انخراقها ما بقيت عادة على الجملة، وإنما يُنظر في انخراقها. ومعنى انخراقها: أنها تزول بالنسبة إلى جزئي، فيخلفها في الموضع حالة، إما من حالات الأعذار المعتادة في الناس أو من غير ذلك، فإن كانت منخرقة بعذر فالموضع للرخصة".

نعم. الرخصة التي جاءت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح، هذه انخراقها لعذر.

طالب: معتبر.

يعني ما يأكل هذا من الميتة لغير عذر، ما يصلي جالسًا في فريضة لغير عذر، لا يتيمم مع وجود الماء وليس ثَم عذر؛ لكن يترخص إذا وُجد العذر، وُجد المانع المعارض لقيام السبب. نعم.

طالب: "وإن كانت من غير ذلك، فإما إلى عادة أخرى دائمة بحسب الوضع العادي، كما في البائن من جرح صار معتادًا".

يعني كما لو انفتح من بطنه...

طالب: ثقب.

فتحة فصار يتبول منها؛ ولذلك فإما إلى عادة أخرى دائمة، هو لا بد أن يتبول، لا بد أن تخرج فضلاته، لو احتبست في جسده مات، فإن انسد أو تعذَّر خروج هذه الفضلات من المخرج المعتاد فلا بد أن يوجد مخرج عادي ثانٍ، مخرج ثانٍ طارئ، وتترتب عليه الأحكام أو جُل الأحكام، أما بعض الأحكام التي جاءت من باب التخفيف على الناس كالاستنجاء أو كالاستجمار بالحجارة مثلاً: هل يجزئ الاستجمار من هذه الفتحة الطارئة؟ الأصل أن الاستجمار لا ينقي تنقية تامة، ولذا كان ضابطه عند أهل العلم ألا يبقى أثر إلا ما لا يزيله إلا الماء، يبقى أثر، لكن لا يزيله الأحجار، فمعناه أنه يبقى أثر، فلا بد من إزالته بالماء، والاستجمار يكون خاصًّا بمورد النص.

طالب: شيخ أحسن الله إليك. استطراد الآن: مثل هؤلاء اللي يستأصل مثانته ويعلق لهم أكياس يصير ثقب خارجي للتبول، هذا كيف يصير حكمه من حيث نقض الطهارة؟

هو مجرد ما ينتقل البول من داخل البدن إلى خارجه يكون انتقض وضوؤه.

طالب: هذا الكيس مستمر لا إرادي؟

معروف أنه لا إرادي، لكن نعرف أن هذا الكيس كان فارغًا ثم صار فيه.

طالب:.......

إذا استغلق الأمر واستبهم وصار صعبًا، مثل من حدثه دائم، صار حكمه حكم من حدثه دائم. نعم.

طالب: يتوضأ لكل صلاة؟

يتوضأ لكل صلاة. نعم.

طالب: "وإن كانت من غير ذلك، فإما إلى عادة أخرى دائمة بحسب الوضع العادي، كما في البائن من جرح صار معتادًا؛ فهذا راجع إلى حكم العادة الأولى لا إلى حكم الرخص كما تقدم، وإما إلى غير عادة، أو إلى عادة لا تخرم العادة الأولى، فإذا انخرقت إلى عادة أخرى لا تخرم العادة الأولى فظاهر أيضًا اعتبارها، لكن على وجه راجع إلى باب الترخص: كالمرض المعتاد، والسفر المعتاد بالنسبة إلى جمع الصلاتين، والفطر والقصر، ونحو ذلك. وإن انخرقت إلى غير معتاد، فهل يكون لها حكمها في نفسها، أو تجري عليها أحكام العوائد التي تناسبها؟

ولا بد من تمثيلها أولاً، ثم النظر في مجاري تلك الأحكام في الخوارق، فمن ذلك توقف عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- عن إكراه من منع الزكاة، وقوله لمن كتب له بذلك: دعوه، وقصة ربعي بن حراش حين...".

عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- إن صح الخبر أنه منع من إكراه من منع الزكاة. الأصل أن الزكاة يأخذها الإمام من الناس، من دفعها بطيب نفس منه قُبلت منه، ومن رفضها أُخذت منه قهرًا، وتجزئه حينئذٍ ظاهرًا لا باطنًا.

 عمر بن عبد العزيز بالنسبة لشخص من الأشخاص قال: اتركوه، لا تلزموه، ولا تكرهوه. لماذا؟ لأنه يعرف أن عنده من الدين والورع ما يمنعه من الاستمرار في منع الزكاة، يعرف من حال هذا الرجل أن عنده من الدين ما يحمله على دفع الزكاة، ثم دفعها بعد ذلك. لأن بعض الناس الأسلوب معه يختلف عن غيره، بعض الناس إذا رفض من دفع شيء يتركه، كما لو رفض الاستجابة لواجب أو ترك محرم، مثل هذا باللين والرفق يترك ثم يعود، لكن بعض الناس لا بد أن يُؤطر على الحق، فالناس يتفاوتون في مثل هذه الأمور.

طالب:.........

لكن إن صح الخبر عن عمر بن عبد العزيز فهو محمول على هذا.

طالب: "وقصة ربعي بن حراش حين طلب الحجاج ابنه ليقتله، فسأله الحجاج عن ابنه فأخبره، والأب عارف بما يراد من ابنه".

نعم، يقتل ظلمًا هذا الولد، فهل للوالد أن يسلم هذا الولد لمن أراد أن يقتله ظلمًا؟ في الأصل لا يجوز، لا يجوز بحال، لكن لعل ربعيًّا وقد عُرف بالصدق، يعني ما يُعرف أنه كذب ربعي بن حراش، فإذا سئل عن ولده ماذا يقول؟ لا بد أن يسلمه أو يكذب، يقع في الكذب ولو كان من باب التورية، نعم، لعل الله -جل وعلا- أن ينجي الولد بسبب صدق والده. وإلا فمثل هذه الأمور ما دام الأب عارفًا أن ولده سوف يُقتل ظلمًا، يعني هل الأب تسمح نفسه وتجود نفسه أن يسلم نفسه، الظالم المستحق للقتل، تسمح نفسه يسمله؟ فكيف إذا كان الابن مظلومًا والأب معذور في الستر عليه؟

طالب:........

هو من الجائز باعتبار أن التورية والمعاريض تنفع المظلوم دون الظالم.

طالب:........

لو كذب من أجل إنقاذ من هلك سواء كان لنفسه وهو المظلوم في هذه الحالة: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ} [النحل: 106]، له أن ينطق بكلمة الكفر في باب الإكراه.

طالب: "وقصة أبي حمزة الخراساني حين وقع في البئر ثم سُد رأسها عليه ولم يستغث".

نعم. أبو حمزة هذا -إن صح الخبر- وقع في بئر، فجاء رجلان فقالوا: نريد أن نسقف هذه البئر؛ لئلا يقع فيها أحد، وهو موجود في داخلها، سقفوها ما تكلم ولا استغاث ولا صرخ ولا شيء، اعتمادًا على الله وتوكلاً عليه وعدم الالتفات إلى المخلوق. لكن هل بذل السبب ينافي التوكل؟ لا ينافي التوكل.

طالب: "وحديث أبي يزيد مع خديمه لما حضرهما شقيق البلخي وأبو تراب النخشبي، فقال للخديم: كُلْ معنا، فقال: أنا صائم، فقال أبو تراب: كل ولك أجر صوم شهر، فأبى، فقال شقيق: كل ولك أجر صوم سنة".

هذا لا يملكه شقيق ولا غيره، الأجر المرتب على العبادة لا يملكه إلا الله -سبحانه وتعالى-. نعم.

طالب: "فقال أبو يزيد: دعوا من سقط من عين الله".

نسأل الله العافية.

طالب: "فأخذ ذلك الشاب في السرقة بعد سنة".

يعني أصيب بسبب مخالفته ومعصيته لهما؛ هذا الكلام ليس بصحيح، "سقط من عين الله" لأنه لم يُطع هذين الشيخين؟! ما هو بصحيح. لكن الأولى أن يأكل؛ مراعاة لسيده أو سيديه أو مستأجريه إن كان لم يكن رقيقًا، الأولى أن يأكل لا سيما إذا كان صوم نفل، أما صوم فريضة فلا كلام لأحد فيه. سلمان -رضي الله عنه- لما زار أبا الدردار ووجده صائمًا قال: «كُلْ، إن لنفسك عليك حقًّا»، أراد أن يقوم قال: «نم، إن لنفسك عليك حقًّا»، وأخبر النبي -عليه الصلاة والسلام-، فقال: «صدق سلمان».

طالب: "فأخذ ذلك الشاب في السرقة بعد سنة، وقطعت يده".

الفراسة ما تُنكر، يعني قد تحصل لبعض الناس، لبعض الأولياء، لبعض الصالحين فراسة أن هذا الولد الذي يفعل كذا وكذا من أنواع العبادات، يعني كأنه يلمس من عبادته خللًا في قصده أو كذا ثم يقول: إن مثل هذا لن يستمر، أو سوف يحصل له كذا أو يحصل له، ممكن من باب الفراسة. لكن لأنه لم يأكل، لم يمتثل أمرهما، وأعطي أجر سنة؟! الكلام ليس بصحيح على أي حال.

طالب: "ومنه دخول البَرِيَّة بلا زاد".

"البَرِّيَّة".

طالب: "البَرِّيَّة بلا زاد".

المفازة. نعم.

طالب: "ودخول الأرض المُسْبَعة".

"المُسْبِعة"، يعني ذات السباع.

طالب: "ودخول الأرض المُسْبِعة، وكلاهما من الإلقاء باليد إلى التهلكة".

بلا شك، هذه الأسباب لا بد من اتخاذها، وكان من أهل اليمن من يحج بغير زاد ويسمون: المتوكلين، الإمام أحمد -رحمه الله- لما سئل عنهم قال: المتوكلين على أزواد الناس!

طالب: "فالذي يقال في هذا الموضع بعد العلم بأن ما خالف الشريعة غير صحيح، أن هذه الأمور لا ينبغي حملها على المخالفة أصلاً، مع ثبوت دين أصحابها وورعهم وفضلهم وصلاحهم، بناءً على الأخذ بتحسين الظن في أمثالهم".

نحن نُحسِّن الظن بالعلماء العاملين المخلصين، نحسن الظن بهم، لكن لا نقبل بهم ما يخالف الشرع، ما يخالف الكتاب والسنة.

طالب: "كما أنا مؤاخذون بذلك في سلفنا الصالح من الصحابة -رضي الله عنهم- وغيرهم ممن سلك في التقوى والفضل سبيلهم، وإنما يُنظر فيها بناء على أنها جارية على ما يسوغ شرعًا، وعند ذلك فلا يخلو ما بنوا عليه أن يكون غريبًا من جنس العادي أو لا يكون من جنسه، فإن كان الأول لحق بجنس العادات، مثاله: الأمر بالإفطار، فإنه يمكن أن يكون مبنيًّا على رأي من يرى «المتطوع أمير نفسه»، وهم الأكثر، فتصير إباية التلميذ عن الإجابة عنادًا واتباعًا للهوى، ومثل هذا مخوف العاقبة، لا سيما بالنسبة إلى موافقة من شهر فضله وولايته".

نعم. هذا المعروف عند الشافعية والحنابلة أن المتطوع أمير نفسه، صام، له أن يفطر. بينما المالكية والحنفية لا يفطر إلا لعذر، إن دخل في صوم التطوع لا يفطر إلا بعذر.

طالب: "وكذلك أمر عمر بترك مانعي الزكاة، لعله كان نوعًا من الاجتهاد؛ إذ عامله معاملة المُغَفَّلين".

لا.

طالب: "إذ عامله معاملة المُغْفِلين".

نعم.

طالب: "المُغْفِلين المطرحين في قواعد الدين؛ ليزدجر بنفسه وينتهي عما همَّ به، وكذلك وقع؛ فإنه راجع نفسه وأدى الزكاة الواجبة عليه، لا أنه أراد تركه جملة، بل ليزجره بذلك أو يختبر حاله، حتى إذا أصر على الامتناع أقام عليه ما يقام على الممتنعين. ومثل ذلك قصة ربعي بن حراش، فإنه حُكي عنه أنه لم يكذب قط، فلذلك سأله الحجاج عن ابنه، والصدق من عزائم العلم، وإنما جواز الكذب رخصة يجوز أن لا يعمل بمقتضاها، بل هو أعظم أجرًا كما في النطق بكلمة الكفر، وهي رأس الكذب، وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119]، بعد ما أخبر به من قصة الثلاثة الذين خلفوا، فمدحهم الله بالتزام الصدق في موطن هو مظنة للرخصة، ولكن أحمدوا أمرهم في طريق الصدق بناءً على أن الأمن في طريق المخافة مرجو، وقد قيل: عليك بالصدق حيث تخاف أنه يضرك فإنه ينفعك، ودع الكذب حيث ترى أنه ينفعك فإنه يضرك، وهو أصل صحيح شرعي".

لا شك أن ارتكاب الصدق المأمور به هو العزيمة، والاحتياج في بعض الظروف إلى غيره من التورية أو الكذب حيث يوجد الظلم والضرر الذي لا يُحتمل؛ هذه رخصة، وللإنسان أن يرتكب العزيمة كما هو الأصل، وله أن يترخص برخصة الله -جل وعلا-، كما أن له أن ينطق بكلمة الكفر إذا أُكره عليها، لكن يبقى قلبه مطمئنًا بالإيمان.

طالب: توجيه........

نعم.

طالب:.........

هو ما فيه رخصة نعم؛ لأن كل من كذبوا واعتذروا، كلهم قبِل النبي -عليه الصلاة والسلام- منهم ظواهرهم، ووكل سرائرهم إلى الله، ونزلت فيهم الآيات التي تفضحهم، بينما هؤلاء الثلاثة ليس لهم، من له عذر أبداه، ومن لا عذر له وكذب فهذا نزل فيه ما نزل، ومن لا عذر له ولم يكذب فهؤلاء هم الثلاثة.

طالب: لكن تبقى مظنة للرخصة، أنهم مثلما ظنوا الذين قبلهم وترخصوا، بعدم صدق.......

لا، هم ما ترخصوا، ترخصوا بالكذب.

طالب: بالكذب.

لا، هذا ليس برخصة؛ لأنه فرق بين من يترخص ليتوصل إلى مأمور أو ترك محظور وبين من يترخص لارتكاب محظور أو لترك مأمور.

طالب: نعم.

هؤلاء تركوا مأمورًا.

طالب: لكن لماذا يقول: مظنة.......

ما له وجه، إلا أن العقوبة الشديدة، نعم، العقوبة الشديدة التي لحقتهم: هجران خمسين يومًا، لكن وما يدريهم أنه يحصل لهم هذا؟ ما يدريهم عن العاقبة؟

طالب: "ومثله قصة أبي حمزة من باب الأخذ بعزائم العلم، فإنه عقد على نفسه ألا يعتمد على غير الله فلم يترخص، وهو أصل صحيح، ودل على خصوص مسألته قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3]، ووكالة الله أعظم من وكالة غيره".

يُترك البئر يُسقف عليه البئر ويقول: يتوكل على الله؟! لو أن إنسانًا خلع الباب وبناه بالطين واللبن ولم يترك له متنفسًا، نقول: اسكت في هذه الغرفة وأذعن لمن أراد أن يبني الباب وتوكل على الله؟! هذا ليس بصحيح، هذا لا ينافي التوكل؛ بل هو من إلقاء اليد إلى التهلكة. نعم.

طالب: "وقد قال هود -عليه الصلاة والسلام-: {فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ} [هود: 55، 56] الآية. ولما عقد أبو حمزة".

فرق بين من يموت بيدي عدو يقتله في سبيل الله، وبين من يموت في جوف بئر أو داخل غرفة يُغلق عليه، ولا يسعى لفتح الباب، فرق بين هذا وهذا.

طالب: "ولما عقد أبو حمزة عقدًا طُلب بالوفاء؛ لقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} [النحل: 91]، وأيضًا فإن بعض الأئمة".

يعني عقد مع الله عقدًا ألا يتوكل إلا عليه، فهو مطالب بالوفاء ألا يتوكل على أحد. لكن هل من التوكل على المخلوق الذي بيده سبب يقدر عليه، جعل الله -جل وعلا- هذا السبب بيده، هل هذا من التوكل على غير الله، أم معناه أن تعطل الأسباب كلها، كل الأسباب تعطل على هذا. ولا شك أن تعطيل الأسباب خلل في العقل، كما أن الاعتماد على الأسباب خلل في الشرع.

طالب: "وأيضًا، فإن بعض الأئمة نقل عنه أنه سمع أن أناسًا بايعوا رسول الله على ألا يسألوا أحدًا شيئًا، فكان أحدهم إذا وقع سوطه لا يسأل أحدًا رفعه إليه. فقال أبو حمزة: رب، إن هؤلاء عاهدوا نبيك إذ رأوه، وأنا أعاهدك ألا أسأل أحدًا شيئًا أبدًا. قال: فخرج حاجًّا من الشام يريد مكة، إلى آخر الحكاية. وهذا أيضًا من قبيل الأخذ بعزائم العلم؛ إذ عقد على نفسه مثل ما عقد من هو أفضل منه، فليس بجارٍ على غير الأصل الشرعي. ولذلك لما حكى ابن العربي الحكاية قال: فهذا رجل عاهد الله، فوجد الوفاء على التمام والكمال، فبه فاقتدوا إن شاء الله تهتدوا".

ولا أظن أن الأمر يصل إلى هذا الحد، أن الإنسان يستسلم لعدوه ولا يقاوم ولا يطلب سببًا، وإلا فكيف دخل النبي -عليه الصلاة والسلام- مكة وعلى رأسه المغفر؟! قال: أنا معصوم من الناس؛ لأن الله -جل وعلا- قال: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67]، فيدخل بدون مغفر وبدون سلاح وبدون شيء ويقاتل. هذا الكلام ليس بصحيح، سيد المتوكلين -عليه الصلاة والسلام- يباشر الأسباب.

طالب:........

ماذا؟

طالب:........

نعم، الذي يستطيع أن يعيش بدونه هذا سهل، لكن إلغاء الأسباب بالكلية، يُسقف البئر وهو في جوفه ولا يتكلم!

طالب: "وكذلك دخول الأرض المُسبِعة ودخول البَرِيَّة بلا زاد، فقد تبين في كتاب الأحكام أن من الناس من يكون وجود الأسباب وعدمها عندهم سواء، فإن الله هو مسبب الأسباب وخالق مسبباتها، فمن كان هذا حاله فالأسباب عنده كعدمها، فلم يكن له مخافة من مخوف مخلوق، ولا رجاء في مرجو مخلوق؛ إذ لا مخوف ولا مرجو إلا الله، فليس هذا إلقاء باليد إلى التهلكة، وإنما كان يكون كذلك لو حصل في اعتقاده أنه إن لم يتزود هلك، وإن قارب السبع هلك، وأما إذا لم يحصل ذلك فلا".

لماذا لا تخرج المرأة المتوكلة على الله -جل وعلا- حق التوكل تسافر بدون محرم؟ يجوز أم ما يجوز؟ متوكلة حق التوكل. يعني هذا وقع في أمر أعظم من ذلك، نسأل الله العافية؛ لأن الاعتداء عليها غلبة ظن، وهذا هلاكه محقق. ننتظر إلى أن تأتي خارقة؟ يعني ننتظر إلى أن يأتي مثل ما حصل للأمين من بني إسرائيل الذي وضع الدراهم في خشبة الدنانير في خشبة ونقرها ووضعها وأرسلها في البحر ووصلت إلى صاحبها، هل يجوز أن نفعل مثل هذا؟ في شرعنا لا يجوز، هذا تضييع، إضاعة للمال، وقد نهينا عن إضاعة المال. يعني لو أن واحدًا قال: هذا ولدي الحر شديد وأنا أفعل مثل ما فعلت أم موسى، ألقيه في اليم من أجل أن يتبرد، وسيأتي به الله أنا متوكل مثل أم موسى، يسوغ أم ما يسوغ؟

طالب: ما يسوغ.

مهما بلغ عندها التوكل من مبلغ، لا يجوز لها ألبتة أن تفعل هذا الفعل.

طالب: "وإنما كان يكون كذلك لو حصل في اعتقاده أنه إن لم يتزود هلك، وإن قارب السبع هلك، وأما إذا لم يحصل ذلك فلا. على أنه قد شرط الغزالي في دخول البَرِيَّة بلا زاد اعتياد الصبر والاقتيات بالنبات، وكل هذا راجع إلى حكم عادي. ولعلك تجد مخرج".

نعم. إذا كان اعتاد أنه يسافر من بلد كذا إلى كذا، وأنه قد لا يحتاج شيئًا في طريقه للقرب من المسافة، مع احتمال أن يحصل له مانع يمنعه من الوصول في وقت محدد، يعني أمور عادية جرت، يعني التقدير أنه يسافر من هنا إلى مكة في ثماني ساعات فلا يحتاج إلى أن يحمل زادًا، بين الوجبتين يصل، يتغدى ويصل قبل العشاء، ما يحتاج أن يحمل زادًا. لكن لو كان يحتاج إلى شهر، نقول: ما تحتاج إلى زاد؟ إذا كان من عادته أن يتقوت على النبات، مع أن النبات ليس من مأكول بني آدم، يتقوت على النبات ويمكنه أن يعيش بالنبات وما يجده، وقد لا يجد ماءً فيموت عطشًا، فيكون خائنًا لنفسه إذا سافر بدون طعام ولا شراب.

طالب: "ولعلك تجد مخرجًا في كل ما يظهر على أيدي الأولياء الذين ثبتت ولايتهم، بحيث يُرجع إلى الأحكام العادية؛ بل لا تجده إن شاء الله إلا كذلك.

فصل: وأما إن كان ما بنوا عليه من غير جنس العادي كالمكاشفة، فهل يكون حكمهم فيه حكم أهل العادات الجارية، بحيث يُطلبون بالرجوع إلى ما عليه الناس؟ أم يعامَلون معاملةً أخرى خارجةً عن أحكام أهل العوائد الظاهرة في الناس وإن كانت مخالفةً في الظاهر؛ لأنها في تحقيق الكشف الغيبي موافِقة لا مخالفة".

على كل حال، الناس كلهم يُردون إلى أمر واحد: إلى الله ورسوله، فما اعتبره الشرع فهو معتبر، وما لم يعتبره فهو معتبر، في حق أي إنسان كائنًا من كان.

طالب: "لأنها في تحقيق الكشف الغيبي موافقة لا مخالفة. والذي يطرد بحسب ما ثبت في المسألة الثانية عشرة وما قبلها أن لا يكون حكمهم مختصًّا، بل يُردون إلى أحكام أهل العوائد الظاهرة، ويطلبهم المربي بذلك حتمًا، وقد مر ما يُستدل به على ذلك، ومن الدليل عليه أيضًا أوجه؛ أحدها: أن الأحكام لو وضعت".

يعني لو فرقنا بين الخواص والعوام، للزم التفريق في الأحكام، في التكاليف، في الأقضية، عند الولاة، نقول: هذا يفعل على مقتضى الولاية من كشف وكرامات وغيرها، وهذا لا يعامل بما يعامل به عامة الناس. طيب، قد يقول قائل: إن الخضر تصرف تصرفات لو تصرفها واحد من الناس ليؤاخذ عليها، فكيف يقتل؟ فهل للولي أن يقتل؟ نقول: ليس له أن يقتل، مهما غلب على ظنه ما جبل عليه هذا الولد من كفر وظلم وعناد وإساءة إلى الآخرين ولوالديه على وجه الخصوص. نقول: الخضر يقول: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف: 82]، إن صار عندك هذا فافعل ما شئت، لكن من أين لك؟

طالب: "أحدها: أن الأحكام لو وُضعت على حكم انخراق العوائد لم تنتظم لها قاعدة، ولم يرتبط لحكمها مكلف إذ كانت؛ لكون الأفعال كلها داخلةً تحت إمكان الموافقة والمخالفة، فلا وجه إلا ويمكن فيه الصحة والفساد، فلا حكم لأحد على فعل من الأفعال بواحد منهما على البت، وعند ذلك يحكم بترتب ثواب ولا عقاب، ولا إكرام ولا إهانة".

أظن هذه "لا يحكم".

طالب: "لا يحكم" يا شيخ.

أظن أنها "لا يحكم".

طالب: نعم، "وعند ذلك لا يحكم بترتب ثواب ولا عقاب، ولا إكرام ولا إهانة، ولا حقن دم ولا إهداره، ولا إنفاذ حكم من حاكم، وما كان هكذا فلا يصح أن يُشرع مع فرض اعتبار المصالح، وهو الذي انبنت الشريعة عليه".

يعني لو يقتل شخص ويقول: واللهِ أنا غلب على ظني، أو رأيت رؤيا أني أقتل هذا، أو كُشف لي عن كذا أني أقتل هذا، يُقبل منه مهما كان من الصلاح والزهد والعبادة؟ لا يُقبل منه ألبتة. نعم.

طالب: "والثاني: أن الأمور الخارقة لا تطرد أن تصير حكمًا يبنى عليه؛ لأنها مخصوصة بقوم مخصوصين، وإذا اختصت لم تجر مع غيرهم، فلا تكون قواعد الظواهر شاملةً لهم".

حتى إذا افترضنا أن هذا الشخص من أرباب الكرامات والخوارق، هذا فيما يتعلق به بخاصة نفسه، أما ما يتعدى إلى غيره فلا بد أن يُوزن بميزان الشرع؛ لأنه يكون فيه أطراف: لا بد من خصومة، لا بد من مدعٍ، لا بد من مدعى عليه، لا بد من حُكم على القاعدة والجادة المتبعة شرعًا. ليس معنى أنه إذا جلس بين القاضي أصلح الناس أو أعبد الناس أو أزهد الناس مع شخص عادي أنه يميل إليه وينظر إليه، لا، لا يجوز بحال. نعم.

طالب: "ولا أيضًا تجري فيما بينهم وبين غيرهم ممن ليس منهم؛ إذ لا يصح أن يُحكم بمقتضى الخوارق على من ليس من أهلها، باتفاق من الفريقين، أعني: في نصب أحكام العامة؛ إذ ليس للحاكم، أو السلطان أن يحكم للولي بمقتضى كشفه، أو كشف السلطان نفسه".

إذا افترضنا أن القاضي نفسه من أهل الكشف، وكشف له أن هذا صاحب الحق، يسوغ له أن يحكم بهذا الكشف؟ لا يسوغ له بحال؛ لأن الحاكم لا يجوز له أن يحكم بعلمه، بل لا بد أن يحكم بالمقدمات الشرعية.

طالب: "أو كشف السلطان نفسه على من ليس بولي من غير معاملة بالأسباب الظاهرة، ولا أيضًا للوليين إذا ترافعَا إلى الحاكم في قضية. وإذا فُرض أنها غير شاملة لهم كان على غير ما تقدم البرهان عليه، من أن الشريعة عامة وأحكامها عامة على جميع الخلق وفي جميع الأحوال، كيف وهم يقولون: إن الولي قد يعصي والمعاصي جائزة عليه؟!".

جازت عليه؛ لأنه ليس بمعصوم، ليس بمعضصوم، وإن كان يهتم للأوامر والنواهي، ويحتاط لها، ويبتعد عن النواهي، ويفعل الأوامر، ويحرص على ذلك، لكنه في النهاية ليس بمعصوم. نعم.

طالب: "فلا فِعل يخالف ظاهره ظاهر الشرع إلا والسابق إلى بادئ الرأي منه أنه عصيان، فلا يصح مع هذا أن يثبت أن هذا الفعل الخارق الذي لا يجري على ظاهر الشرع مشروع؛ لتطرق الاحتمالات، وهذا هو الوجه الثالث.

والرابع: أن أولى الخلق بهذا رسول الله ، ثم الصحابة -رضي الله عنهم-، ولم يقع منه -عليه الصلاة والسلام- شيء من ذلك، إلا ما نصت شريعته عليه مما خُص به ولم يَعْدُ إلى غيره، وما سوى ذلك، فقد أنكر على من قال له: يحل الله لنبيه ما شاء، ومن قال: إنك لست مثلنا، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فغضب وقال: «إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي». وقد كان -عليه الصلاة والسلام- يُستشفى به وبدعائه، ولم يثبت أنه مس بشرة أنثى ممن ليست بزوجة له أو مِلك يمين".

مع أنه معصوم -عليه الصلاة والسلام-، فإذا كان هذا في حق المعصوم لم تمس يده بشرة امرأة ممن ليست من محارمه قط، حتى في البيعة التي تقتضي المصافحة لم يحصل شيء من ذلك.

بعض الناس يقول: إذا كان الشخص كبيرًا، يعني ليست له إربة بالنساء أو امرأة ليست لها حاجة بالرجال ،أو شخص عُرف بصلاحه أنه لا يُتوقع منه شيء؛ هذا كله لا يجوز بحال، ولو استثني أحد بذلك لاستثني الرسول -عليه الصلاة والسلام-.

طالب: "وكان النساء يبايعنه ولم تمس يده يد أنثى قط، ولكن كان يعمل في الأمور على مقتضى الظواهر، وإن كان عالِمًا بها، وقد مر من هذا أشياء، وهو الذي قعَّد القواعد، ولم يستثن وليًّا من غيره، وقد كان حقيقًا بذلك لو نزل الحكم على استثناء الولي وأصحاب الخوارق، وكذلك الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وهم الأولياء حقًّا والفضلاء صدقًا. وفي قصة الرُّبَيع بيان لهذا، حيث قال وليُّها: أو مَن كان: والله لا تُكْسَر ثنيتها، والنبي يقول: «كتاب الله القصاص»".

{وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ} [المائدة: 45]، كَسرت ثَنية تُكسر ثنيتها، لكن لما أقسم، ومن عباد الله من لو أقسم على الله لأبره. لكن هل هذا يمنع من الحكم؟ ما يمنع من الحكم، لكن إبرار القسم هذا من الله -جل وعلا- أن جعل صاحب الحق يتنازل عن حقه، وإلا لو لم يتنازل مهما بُذل ما يفيد، لا بد: «كتاب الله القصاص».

طالب: "ولم يكتف -عليه الصلاة والسلام- بأن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره، فكان يرجئ الأمر حتى يبرز أثر القَسَم، بل ألجأ إلى القصاص الذي فيه أشد محنة حتى عفا أهله".

نعم، يعني لا يجوز تأخير القصاص من أجل العفو والمماطلة بأولياء الدم حتى يملوا ويتركوا، لا، لا بد من القصاص، القصاص قصاص. لكن إن تنازلوا: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [البقرة: 237].

طالب: "فحينئذ قال -عليه الصلاة والسلام-: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره»، فبيَّن أن ذلك القسم قد أبره الله، ولكن لم يحكم به حتى ظهر له كرسي وهو العفو، والعفو منتهِض في ظاهر الحكم سببًا لإسقاط القصاص.

 والخامس: أن الخوارق في الغالب إذا جرت أحكامها معارضةً للضوابط الشرعية، فلا تنتهض أن تثبت ولو كضرائر الشعر، فإن ذلك إعمال لمخالفة المشروعات".

يعني "ظهر له كرسي وهو العفو"، ما أدري ماذا يقصد بالـ"كرسي"؟ الكرسي هو في الأصل العلم، ومنه يقال لما يحوي العلم: كراسة؛ هذا في الأصل، ظهر له علم خفي عليه قبلُ وهو العفو، ممكن، أو ظهر له شيء وهو العفو، أما "كرسي العفو" فهذا فيه قلق.

طالب: "فإن ذلك إعمال لمخالفة المشروعات ونقض لمصالحها الموضوعات، ألا ترى أن رسول الله قد كان عالمًا بالمنافقين وأعيانهم، وكان يعلم منهم فسادًا في أهل الإسلام، ولكن كان يمتنع من قتلهم لمعارض هو أرجح في الاعتبار، فقال: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه». فمثله يلغي في جريان أحكام الخوارق على أصحابها، حتى لا يعتقد من لا خبرة له أن للصوفية شريعةً أخرى، ولهذا وقع إنكار الفقهاء لفعل أبي يَعزى -رضي الله عنه-، فالقول بجواز انفراد أصحاب الخوارق".

"أبي يزيد"، لكن من عرف حال الصوفية وطرقهم في زواياهم وتكاياهم، وجعلهم مع أصحابهم وخدمهم ومريديهم، ونظر إلى عموم المسلمين حال المسلمين المطابقة لما جاء عن الله، بل نظر إلى الرعيل الأول من الصحابة والتابعين؛ جزم كأن لهم شريعة أخرى، يعيشون في جو غير ما يعيش فيه الناس، حتى الجو الذي عاش فيه الرسول -عليه الصلاة والسلام- وصحابته بعيد كل البعد عما يعيش فيه هؤلاء، لا سيما إذا كانوا من الغلاة من غلاة الصوفية، لا تكاد تعرف من تصرفاتهم شيئًا يليق بتصرفات من يتبعون الكتاب والسنة.

طالب: "ولهذا وقع إنكار الفقهاء لفعل أبي يزيد -رضي الله عنه-، فالقول بجواز انفراد أصحاب الخوارق بأحكام خارجة عن أحكام العادات الجمهورية قولٌ يقدح في القلوب أمورًا يُطلب التحرز منها شرعًا، فلا ينبغي أن يُخصوا بزائد على مشروع الجمهور، ولذلك أيضًا اعتقد كثير من الغالين فيهم مذهب الإباحة".

نعم. يعني يصلون إلى مرتبة ترتفع عنهم التكاليف، فيباح لهم ما كان محرمًا عليهم، ويسقط عنهم ما كان واجبًا على غيرهم، فيصلون إلى مذهب إباحية لا يؤمرون بأوامر، ولا ينتهون عن نواهٍ، والله المستعان.

طالب: "وعضدوا بما سمعوا منها رأيهم، وهذا كله تعريض لهم إلى سوء المقالة. وحاشا لله أن يكون أولياء الله إلا برآء من هذه الخوارق المنخرقة، غير أن الكلام جرى إلى الخوض في هذا المعنى".

"جَرَى" أم "جَرَّ"؟

طالب: الهامش يصحح "جَرَّ".

نعم، هي أوضح "جَرَّ".

طالب: "أن الكلام جَرَّ إلى الخوض في هذا المعنى، فقد علم منهم المحافظة على حدود الشريعة ظاهرًا وباطنًا، وهم القائمون بأحكام السنة على ما ينبغي، المحافظون على اتباعها، لكن انحراف الفهم عنهم في هذه الأزمنة وفيما قبلها طرَّق في أحوالهم ما طرَّق، ولأجله وقع البحث في هذه المسائل، حتى يتقرر بحول الله ما يُفهم به عنهم مقاصدهم، وما تُوزن به أحوالهم، حسبما تعطيه حقيقة طريقتهم المثلى، نفعهم الله ونفع بهم. ثم نرجع إلى تمام المسألة، فنقول: وليس الاطلاع على المغيبات ولا الكشف الصحيح بالذي يمنع من الجريان على مقتضى الأحكام العادية، والقدوة في ذلك رسول الله ، ثم ما جرى عليه السلف الصالح، وكذلك القول في انخراق العادات لا ينبغي أن يبنى عليها في الأحكام الظاهرة، وقد كان -عليه الصلاة والسلام- معصومًا؛ لقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67]، ولا غاية وراء هذا.

ثم إنه كان يتحصن بالدرع والمغفر، ويتوقى ما العادة أن يُتوقى، ولم يكن ذلك نزولاً عن رتبته العليا إلى ما دونها، بل هي أعلى. وما ذُكر من استواء العوائد وعدمها بالنسبة إلى قدرة الله؛ فذلك أيضًا غير مانع من إجراء أحكام العوائد على مقتضاها. وقد تقدم أن الصحابة قد كانوا حازوا رتبة التوكل، ورؤية إنعام المنعِم من المنعِم لا من السبب، ومع ذلك لم يتركوا الدخول في الأسباب العادية التي نُدبوا إليها، ولم يتركهم النبي مع هذه الحالة التي تُسقط حكم الأسباب، وتقضي بانخرام العوائد، فدل على أنها العزائم التي جاء الشرع بها؛ لأن حال انخراق العوائد ليس بمقام يقام فيه، وإنما محله محل الرخصة كما تقدم ذكره.

 ألا ترى إلى قوله -عليه الصلاة والسلام-: «قيدها وتوكل». وقد كان المكملون من الصوفية يَدخلون في الأسباب تأدبًا بآداب رسول الله ، ونظرًا إلى أن وضَع الله تعالى أحوال الخلق على العوائد الجارية يوضح أن المقصود الشرعي الدخول تحت أحكام العوائد، ولم يكونوا ليتركوا الأفضل إلى غيره.

 وأما قصة الخضر -عليه السلام- وقوله: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف: 82]، فيظهر به أنه نبي، وذهب إليه جماعة من العلماء استدلالاً بهذا القول".

يعني على خلاف بين أهل العلم، كثير من أهل العلم يرون أنه نبي بدلالة هذه الآية: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف: 82]، والتصرفات التي حصلت منه لا يمكن أن تحصل إلا عن وحي، ما يمكن أن تحصل إلا عن وحي؛ لأنها عن أمور مغيبة، فلا تحصل إلا عن وحي، لكن يزيد بعضهم على نبوته أنه موجود إلى الآن، لكن هذا الكلام ليس بصحيح.

طالب: "فيظهر به أنه نبي، وذهب إليه جماعة من العلماء استدلالاً بهذا القول، ويجوز للنبي أن يحكم بمقتضى الوحي من غير إشكال، وإن سُلم فهي قضية عين ولأمر ما".

يعني "إن سُلِّم" أنه ليس بنبي "فهي قضية عين"، يعني لا تضطرد لأنه جاء بها النص.

طالب: "وليست جاريةً على شرعنا، والدليل على ذلك أنه لا يجوز في هذه الملة لولي ولا لغيره ممن ليس بنبي أن يقتل صبيًّا لم يبلغ الحلم، وإن علم أنه طُبع كافرًا، وأنه لا يؤمن أبدًا، وأنه إن عاش أرهق أبويه طغيانًا وكفرًا، وإن أُذن له من عالم الغيب في ذلك؛ لأن الشريعة قد قررت الأمر والنهي. وإنما الظاهر في تلك القصة أنها وقعت على مقتضى شريعة أخرى، وعلى مقتضى عتاب موسى -عليه السلام- وإعلامه أن ثَم علمًا آخر وقضايا أخر لا يعلمها هو".

يعني لا على شريعة محمد ولا على شريعة موسى أيضًا -عليهم الصلاة والسلام-.

طالب: "فليس كل ما اطلع عليه الولي من الغيوب يسوغ له شرعًا أن يعمل عليه، بل هو على ضربين؛ أحدهما: ما خالف العمل به ظواهر الشريعة من غير أن يصح رده إليها، فهذا لا يصح العمل عليه البتة.

والثاني: ما لم يخالف العمل به شيئًا من الظواهر، أو إن ظهر منه خلاف فيرجع بالنظر الصحيح إليها، فهذا يسوغ العمل عليه، وقد تقدم بيانه. فإذا تقرر هذا الطريق فهو الصواب، وعليه يربي المربي، وبه يعلق همم السالكين تأسيًا بسيد المتبوعين رسول الله ، وهو أقرب إلى الخروج عن مقتضى الحظوظ، وأولى برسوخ القدم، وأحرى بأن يتابَع عليه صاحبه ويقتدى به فيه، والله أعلم".

لا شك أن النبي -عليه الصلاة والسلام- كما تقدم باشر الأسباب وعمل بما أمر به -عليه الصلاة والسلام-، فهو القدوة والأسوة. فلو جاء من يدعي الولاية، وأمر الناس بأوامر الكتاب والسنة، واختص لنفسه واحتفظ لنفسه بأشياء لا يعملها، أو أشياء ارتكبها مما حرم الله بحجة أنه ولي؛ هذا لا يمكن أن يطاوعه أحد ولا يمكن أن يقتدي به أحد.

والله أعلم.

 وصلى الله على نبينا محمد.