الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (09)

عنوان الدرس: 
الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (09)
عنوان السلسلة: 
الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي
تاريخ النشر: 
الاثنين, 3 ربيع الثاني, 1438 - 10:30

سماع الدرس

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين.

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين برحمتك يا أرحم الراحمين.

أما بعد:

قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه الجواب الكافي:

"وتكايس بعضهم وقال الاشتغال بالدعاء من باب التعبد المحض يثيب الله عليه الداعي من غير أن يكون له تأثير في المطلوب بوجه ما ولا فرق عند هذا المتكايس بين الدعاء والإمساك عنه بالقلب واللسان في التأثير في حصول المطلوب وارتباط الدعاء عندهم به كارتباط السكوت ولا فرق."

أورد المؤلف رحمه الله تعالى إشكال في الدرس الماضي سمعناه وهو أن الأمور مقدرة ومحتومة وما عند الله لا يتغير ما قدره الله جل وعلا وكتبه على الإنسان لا يتغير فكيف نؤمر بالدعاء بحصول أشياء قد كتبت والإنسان مأمور بأن يدعو {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [سورة غافر:60] فهل يؤثر الدعاء في رد ما كتب وجاء في الخبر ولا يرد القضاء إلا الدعاء وعرفنا أن الدعوة بشروطها وآدابها إما أن تجاب {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [سورة غافر:60] وإما أن يدفع عنه من الشر بقدرها وإما أن يدخر له ما هو أعظم منها في الآخرة وعرفنا أن الدعاء له أثر وهو سبب من الأسباب الذي يدفع الله به البلاء كما أن الصلة سبب في زيادة العمر وإن كان الأجل مكتوب ومحتوم لكنه سبب فالأمور المقدَّرة قد تكون مقدرة وتقديرها مرتبط بأسباب إن وجدت هذه الأسباب وانتفت الموانع ترتبت عليها آثارها وهكذا الدعاء فالإنسان مأمور بالدعاء دعاء الطلب ودعاء الدفع والرفع ونصوص الكتاب والسنة مملوءة بالأدعية والنبي -عليه الصلاة والسلام- دعا وحفظ عنه أدعية وهؤلاء يقولون هذا الكلام لكنهم فيما يخصهم في أمور دنياهم لا يعملون بهذا لو قيل لزيد من الناس لماذا تتزوج؟ قال أريد الولد إن كان مكتوب لك ولد لا بد أن يحصل تزوجت أو لم تتزوج وإن لم يكتب لك ولد فلن يحصل تزوجت أو لم تتزوج كيف؟! يقنع بهذا الكلام لا يقنع بهذا الكلام لا يقتنع بهذا الكلام بل قد يعد هذا سفها وما يقولوه هنا يقال له في الدعاء تكايس بعض الناس أظهر الكَيس والفهم والحذق فأراد أن يوفِّق بين الأمر بالدعاء وبين ما ثبت في القضاء المحتوم لذا يقول المؤلف رحمه الله تعالى وتكايس بعضهم وقال الاشتغاب بالدعاء من باب التعبد المحض أنت مأمور بالدعاء ادع وإلا ليس له أثر هو في حقيقته ليس له أثر لكن ادع الطائفة الأولى يقولون لا تدع ما فيه فائدة ليش تدعو المكتوب بيصير دعوت أو لم تدع هؤلاء يقلون ادع لأن الله يقول {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [سورة غافر:60] مع أنه لا فرق بين الدعاء والسكوت لا أثر للدعاء هذا من كيسهم تكايسوا.

طالب: ...........

تكايس ما قال هم أكياس ما قال قال بعض الأكياس قال تكايس تفاعل كما نقول تعالم يعني أظهر الكَيس وأظهر العلم وإن لم يكن من أهله فرق بين الصيغتين تكايس بعضهم وقال الاشتغال بالدعاء من باب التعبد المحض يثيب الله عليه الداعي يعني من أجل تحقيق الأمر {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [سورة غافر:60] أمرتم بالدعاء فادعو لترتب لكم أو ليرتب لكم ثواب إجابة الأمر امتثال الأمر وإلا لا قيمة له ولا فرق بين الدعاء والسكوت عند هؤلاء ولا فرق بين كلامهم وكلام من سبقهم من غير أن يكون له تأثير في المطلوب بوجه ما ولا فرق عند هذا المتكايس بين الدعاء والإمساك عنه بالقلب واللسان في التأثير في حصول المطلوب وارتباط الدعاء عندهم كارتباط السكوت ولا فرق يعني لا فرق لأن الشبهة التي قامت عند من قبلهم مؤثرة عليهم يشترك في الشبهة الطائفة الأولى والطائفة الثانية إلا أن الأولى يقولون لا تدع مادام ما له قيمة لا تدع عبث الدعاء الدعاء عبث فلا تدع هؤلاء تكايسوا وقالوا نوفق بين النصوص ونعرف أن الأمور مقدرة ولا يتغير شيء ومع ذلكم نستجيب لأمر الله جل وعلا وندعو لمجرد امتثال الأمر.

"وقالت طائفة أخرى أكيس من هؤلاء بل الدعاء علامة مجردة نصبها الله سبحانه أمارة على قضاء الحاجة فمتى وفق الله العبد للدعاء كان ذلك علامة له وأمارة على أن حاجته قد انقضت وهذا كما إذا رأيت غيما أسود باردا في زمن الشتاء فإن ذلك دليل وعلامة على أنه يمطر قالوا وهكذا حكم الطاعات مع الثواب والكفر والمعاصي مع العقاب هي أمارات محضة لوقوع الثواب والعقاب لا أنها أسباب له وهكذا عندهم الكسر مع الانكسار والحرق مع الإحراق والإزهاق مع القتل ليس شيء من ذلك سببا ألبتة ولا ارتباط بينه وبين ما يترتب عليه إلا مجرد الاقتران العادي لا التأثير السببي وخالفوا بذلك الحس والعقل والشرع والفطرة وسائر طوائف العقلاء بل أضحكوا عليهم العقلاء."

نعم هذه الطائفة لا شك أنهم أكيس ممن قبلهم ممن يقول لا تدعو ولا فائدة في الدعاء وهم أكيس ممن يقول ادعو مع أنه لا قيمة للدعاء هؤلاء يقولون الدعاء علامة يعني الدعاء من باب الأحكام الوضعية وليس من باب الأحكام التكليفية مثل زوال الشمس بالنسبة لصلاة الظهر زوال الشمس علامة نُصِبَت لدخول وقت صلاة الظهر والدعاء علامة نُصِبَت للإجابة وليس له أثر في الإجابة وقالت طائفة أخرى أكيس من هؤلاء بل الدعاء مجرد علامة مجردة نصبها الله سبحانه وتعالى أمارة على قضاء الحاجة يقول فمتى وفق الله العبد للدعاء كان ذلك علامة وأمارة على أن حاجته قد قضيت يعني أن الإجابة توجَد عند الدعاء لا به توجَد عند الدعاء لا به وهذه طريقة الأشعرية في الأسباب طريقة الأشعرية في الأسباب أنها لا أثر لها وإنما يوجَد الأثر عند وجود السبب لا به يقول وهذا كما إذا رأينا غيما أسود باردا في زمن الشتاء فإن ذلك دليل وعلامة على أنه يمطر قال وهكذا حكم الطاعات مع الثواب والكفر والمعاصي مع العقاب هي أمارات محضة لوقوع الثواب والعقاب لا أنها أسباب يقول لا فرق بين المطيع والعاصي من حيث الأثر المترتب على الطاعة والمعصية وإنما الطاعة علامة يوجَد عندها الثواب لا بها والمعصية علامة يوجَد عندها العقاب لا بها والإبصار يوجَد عند البصر لا به والشِّبَع يحصل عند الأكل لا به والري يحصل عند الشرب لا به ومثال رددناه مرارا من كتبهم يقولون يجوز لأعمى الصين أن يرى بقة الأندلس رددنا هذا المثال مرارا لماذا لأن وجود البصر لا قيمة له لأنه سبب والسبب لا أثر له ألبتة نعم يوجَد المسبب عنده لا به ولذا جوزوا في عقولهم المسلوبة أن يرى أعمى الصين بقة الأندلس ولذلك يقول ابن القيم وخالفوا بذلك الحس والعقل والشرع والفطرة وسائر.. بل أضحكوا عليهم العقلاء من يقول هذا الكلام؟! تتصورون أن يصل الحد أن يقول بهذا الكلام ناس من أذكياء العالم ناس معدودين من كبار الأذكياء يقول بهذا الكلام يقول أعمى الصين يجوز أن يرى صغار البعوض بالأندلس يعني أقصى المشرق إلى أقصى المغرب وهو أعمى هؤلاء يقولون أن الأسباب لا أثر لها الدعاء لا أثر له وجوده مثل عدمه لكن هو علامة نصبه الله جل وعلا للدلالة على حصول المطلوب عنده لا به أما هو بذاته لا أثر له الكسر يحصل عند الانكسار لا به يعني لو ألقيت زجاجة على الأرض إلقاؤك هذا لا قيمة له الحرق يحصل عند الإحراق لا به الإزهاق عند القتل لا به وهكذا في سائر الأسباب عندهم وهم بذلك يقابِلون المعتزلة الذين يرون أن الأسباب مؤثرة بذاتها فهم على طرفي نقيض وأهل السنة وسط في المسألة بين المعتزلة والأشعرية يرون أن الأسباب لها أثر لا شك أن الإنسان إذا لبس أكثر من ثوب في الشتاء يدفأ ما هو مثل العريان فالسبب له أثر لكنه لا يستقل بالتأثير بل الله جل وعلا هو الذي جعل فيه التأثير.

والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.