كتاب بدء الوحي (039)

عنوان الدرس: 
كتاب بدء الوحي (039)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح البخاري
تاريخ النشر: 
الأربعاء, 23 شعبان, 1439 - 10:15

سماع الدرس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هذا يسأل يقول: لماذا لم يُخرِّج الإمام مسلم في الصحيح لعلي بن المديني؟

هذه الأمور التي يتساءل فيها أكثر طلاب العلم من عدم تخريج الإمام مسلم للبخاري مثلًا مع أنه شيخه وإمامه، كذلك لعلي بن المديني والبخاري لم يخرِّج لبعض الأئمة لا يعني أن الشخص غير مرضي عندهم، وإنما اكتفاءً بمؤلفاتهم، وما نقله عنهم تلاميذهم؛ لأن علمهم محفوظ لا يُخشى عليه من الضياع. هذا مما يلتمس لهم في ذلك.

يقول: يقول العيني في عمدة القاري في قول خديجة: يا ابن عمي، وقال بعضهم يقصد بذلك ابن حجر، وهذا وهمٌ لأنه وإن كان صحيحًا لإرادة التوقير لكن القصة لم تتعدد. قلتُ: ومخرجها متحد، هو ينقل كلام ابن حجر هذا وهمٌ؛ لأنه وإن كان صحيحًا لأنه مرةً قالت: يا عم، ومرة قالت: يا ابن عمي، يقول ابن حجر: وهذا وهم؛ لأنه وإن كان صحيحًا لإرادة التوقير، لكن القصة لم تتعدد ومخرجها متحد. يعني ابن العم إذا كان أكبر لا مانع من أن يقال له: يا عم؛ لإرادة التوقير، لكن القصة لم تتعدد ومخرجها متحد، يقول العيني: قلتُ: هذا ليس وهم، بل هو صحيح، وكون القصة متحدة لا تنافي التكلم باللفظين. انتهى.

لا تنافي التكلم باللفظين، إذا كان موقع اللفظ واحد من القصة: يا عم أو يا ابن عمي اِسمع من ابن أخيك، هل يمكن أن تقول: يا ابن عمي ويا عمي اسمع من ابن أخيك؟ لكن لو قالت: يا ابن عمي، ثم بعد ذلك في جُملة أخرى قالت: يا عم هذا لا مانع منه ولو كانت القصة واحدة، لكن إذا كان اللفظ ومكانه واحد، والقصة لم تتعدد لا بد أن يُحكم للراجح دون المرجوح، يقول: فهل كلام العيني محتمل؟ نعم إذا كان الكلام اختلاف اللفظين في جملتين مختلفتين، أما إذا كان الكلام صُدِّر به جملة واحدة مرة قالت: يا عم اسمع من ابن أخيك، ونفس الجملة هذه قالت أو قالت: اسمع من أو يا ابن عمي اسمع من ابن أخيك هذا في مورد واحد، وفي لفظ واحد، ولجملة مقدِّمة لجملة واحدة هذا لا يقال بالتعدد.

يقول: هذا الذي فهمته من مسألة استعمال إذ في المستقبل أن ابن مالك ذكر أن النحويين غفلوا عنه، وردّ عليه ابن حجر أنهم لم يغفلوا، ولكن منعوا وروده، والعيني ردّ على ابن حجر أنه كيف يمنع وروده وهو مذكور في القرآن في مواقع كثيرة؟

 صحيح كلامك صحيح.

هذا يقول: هل تغني طبعة نظر الفريابي عن الطبعة السلفية الثانية من فتح الباري؟

 السلفية الثانية ما أحد قال إنها ينبغي أن يُحرص عليها، الكلام على السلفية الأولى التي باشر الشيخ تصحيح أوائلها بنفسه، واعتنى بها محب الدين الخطيب معتمدًا في ذلك على طبعة بولاق، السلفية الأولى، أما السلفية الثانية ففيها أخطاء، وقع فيها أسقاط في مواضع، وبخاصّة أنه أضاف تعليقات الشيخ ابن باز والشيخ عبد الرحمن البرَّاك، نعم طبعة نظر الفريابي من أفضل الطبعات الموجودة الآن، لكن ليست هي الغاية ليست هي الغاية.

يقول: هل هناك توافق بين قول ورقة بن نوفل الناموس الذي أنزل على موسى وبين قول الجن عندما سمعوا القرآن فقال {قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ}[سورة الأحقاف:30]؟

هذا من هذا النوع لأن الكتاب الذي أُنزل موسى نزل بعده الإنجيل الذي أنزل على عيسى، فلعلع شهرة ما نزل على موسى لا سيما وأن شريعة عيسى لا تلزم الجميع كشريعة موسى، فيكون أتباع موسى أكثر من أتباع عيسى، فتكون شهرة ما أُنزل على موسى أكثر من شهرة ما أُنزل على عيسى مع أن الإيمان بالجميع ركن من أركان الإيمان؛ لأنه من الكتب المنزلة.

يقول: هل ثبت أحاديث في هذه الأمور: قراءة المعوذتين وقل هو الله أحد ثلاث مرات بعد الفجر والمغرب؟ بعد ذلك قراءة قوله تعالى: {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا}[سورة آل عمران:8] في ثالثة المغرب؟

أما قراءة المعوذتين، وقل هو الله أحد، ففيها حديث مرفوع، وأما {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا}[سورة آل عمران:8] ففي الموطأ بسندٍ صحيح إلى أبي بكر أنه يقولها في ثالثة المغرب.

ركعة بسواك خيرٌ من سبعين ركعة بغير سواك؟

الأكثر على تضعيفه وإن صحَّحه بعض المتأخرين.

يقول: هل ورقة بن نوفل مات على النصرانية التي لم تبدل أو من أصحاب الفترة؟ وهل يجوز الترضي عليه؟

الآن كونه مات على النصرانية هذا أقل ما يُقال فيه، لكن هل تثبت له الصحبة بتصديق النبي- عليه الصلاة والسلام- ووعده نصره إن أدركه حيًّا على ما سيأتي وكما تقدم أشرنا إلى أنه من أهل العلم من ذكره في الصحابة.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

فيقول المؤلف يقول الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في حديث عائشة –رضي الله تعالى عنها- قال ورقة بعد أن قال الرسول -عليه الصلاة والسلام- : «أو مخرجي هم» قال يعني ورقة: نعم، لم يأت رجلٌ قط بمثل ما جئت به إلا عُودي، نعم قال ورقة: نعم، لم يأت رجل، لم يأت رجل، مما يدل على أن الرسالة والنبوة في الرجال دون النساء، دون النساء. خلافًا لما يُذكر عن ابن حزم من نبوة ستٍ من النساء، وهذا قولٌ ضعفه مشهور عند أهل العلم لم يعتد به أحد من أهل العلم.

قطُ بمثل ما جئت به إلا عودي؛ فوعل من المعاداة، يقول ابن حجر في رواية يونس في التفسير: إلا أوذي، فذكر ورقة أن العلة في ذلك مجيئه لهم بالانتقال عن مألوفهم، ولأنه علم من الكتب أنهم لا يجيبونه، وأنه يلزم لذلك منابذتهم ومعاندتهم، فتنشأ العداوة من ثَمَّ. إذا جاء الإنسان بما لا يألفه الناس بالإقلاع عما ألفوه وتعودوا عليه لا شك أنهم ينابذونه، لا يوافقونه على ما يطلب، من ثمَّ تنشأ العداوة بينهم وبينه، إلا من أراد الله له الهداية وتبين له الحق، وما زال الناس على هذا، يعني لو أن إنسانًا على الجادة على الصراط المستقيم ذهب إلى بلادٍ تنتشر فيها البِدع مثلًا، وأنكر عليهم بدعهم، وبيّن لهم الحق بدليله لا شك أنهم ينابذونه العداوة. وهذا ما زال لكل قوم وارد، ما زال موجودًا إلى الآن إلا من أراد الله له الهدية وشرح صدره للحق.

طالب:...

لا يلزم، أعني هذه من أسباب الإخراج المعاداة؛ لأن في رواية: إلا عودي، إلا أوذي، أنت تقول: لماذا أجاب ورقة بقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: «أو مخرجيّ هم؟» قال: نعم، لم يأت رجلٌ قط بمثل ما جئت به إلا عودي. ما قال: إلا أُخرج، تقصد هذا أنت، من أنواع المعاداة الإخراج أو مما ينشأ عن المعاداة في الغالب الإخراج.

طالب:...

أين؟

طالب:...

 لا شك أن كل هذا موجود في الكتب السابقة، هذا موجود في الكتب السابقة، ولذلك عرفه وأجاب به ورقة، كونه مرةً أجاب فُهم منه إذ يخرجك قومك وعودي كل هذه من الكتب السابقة؛ لأنه غيب. قالوا: وفيه دليل على أن المجيب يقيم الدليل على ما يجيب به إذا اقتضاه المقام. المجيب إذا سُئل عن شيء يذكر الجواب بدليله، وهذا يختلف باختلاف حال السائل، بعض السائلين يحتاج إلى ذكر الدليل، وبعضهم لا يحتاج معه إلى ذكر دليل، بعضهم لا يستوعب. المقصود أنه يريد الحكم فقط، وبعضهم ممن له صلة بالعلم يحتاج إلى ذكر الدليل؛ ولذا ينبغي للمجيب والمفتي إذا سُئل أن ينظر في حال السائل إن كان طالب علم ينتفع بذكر الدليل ذُكر له الدليل، وإن كان عاميًّا لا يفيده الدليل، إنما يريد الحكم، وفرضه التقليد وسؤال أهل العلم، يكفي أن يقال له: هذا حلال، وهذا حرام.

لم يأت رجل قط هذا يقول لو قلنا لا شك أنه لا نبوة في النساء، ولكن ليس من هذ الحديث؛ لأنه كثيرًا ما يأتي في الأحاديث لفظة رجل أو مسلم ويدخل فيه النساء مثل حديث: «ورجل ذكر الله خاليًا»، طيب «رجلٌ قلبه معلق بالمساجد» تدخل فيه المرأة أم لا؟ النصوص الأخرى تبين هل تدخل النساء، الأصل إذا قيل رجل أنه خاص بالذكور هذا الأصل، لكن إذا كان من الأمور الشرعية العامة للرجال والنساء دخلت فيه النساء. في لسان العرب: قط؛ يقول الليث –والليث ابن يقول الليث ابن؟ كررناه مرارًا على وجه الخصوص...

طالب:...

ابن إيش؟

طالب:...

ابن النظفر نعم، قال: ما يكاد تخلو صفحة من كتب اللغة من ذكره، قال الليث: وأما قط فإنه هو الأبد الماضي، تقول: ما رأيت مثله قط، وهو رفع يعني مرفوع؛ لأنه مثل قبل وبعد. قطُّ مثل قبلُ وبعدُ. وقبل وبعد والجهات الست كلها حكمها واحد، لها ثلاث حالات: إن أُضيفت أُعربت، وإن قطعت عن الإضافة فلا يخلو: إما أن يكون المضاف منويًّا مرادًا للمتكلم فحينئذٍ تبنى على الضم، وإن قطعت مع عدم نية المضاف إليه فإنها تعرب منونةً. قال: وأما القط الذي في موضع ما أعطيته إلا عشرين قط فإنه مجرور، فرقًا بين الزمان والعدد، كيف فإنه مجرور؟ فرقًا بين الزمان والعدد يقول: وأما القط الذي في موضع ما أعطيته إلا عشرين قط فإنه مجرور فرقًا بين الزمان والعدد، ما الذي جرّه إن كان مجرورًا؛ لأنه في الأصل ساكن ولالتقاء الساكنين يحرك بالجر هذا متصور؟ لكن كيف يكون مجرورًا في قوله: ما أعطيت إلا عشرين قط؟ هو يقول: فإنه مجرور فرقًا بين الزمان والعدد.

طالب:...

لكن ما الذي جعله يُجرّ؟ الجرّ حركة إعراب، قد يُلجأ إليها فيُجرّ ما ليس بمجرور؛ فرارًا من التقاء الساكنين، لكن فرق معنوي هذا، وليس بلفظي، يؤثر في الكلمة الجرّ؟ هذا الفرق المعنوي؟ يقول: فإنه مجرور فرقًا بين الزمان والعدّ والعدد.

طالب:...

فيه أحد مستوعب هذا الكلام؟

طالب:...

هذا ما هو بزمان.

طالب:...

الزمان الذي قبله. ما رأيت مثله قط، أي، ما أعطيته إلا عشرين قط.

طالب:...

فيها عدد، لكن أنا أقول: هل اختلاف الزمان والعدد مؤثر في حركة الإعراب؟

طالب:...

لكن بالفعل مؤثر أم ليس؟ أنا أفهم أنه ملحظه وهذا كلامه بحروف، لكن هل له تأثير نصّ عليه النُّحاة في مثل هذا الموضع؟ قلنا: الجرّ إما أن يكون بالحرف أو بالإضافة أو بالمجاورة عند من يقول بها، هذا الجر الإعرابي، أما الجر الذي يُلجأ إليه فرارًا من التقاء الساكنين فهذا لا اعتبار له في موضعه فقط والإعراب يختلف، ويُعرب بما يستحقه من حركة أخرى يقال: مرفوع بالضمة الظاهرة أو بالضمة التي منع من ظهورها، وبكون منصوبًا وما يُعرب بالجر ولو كان مجرورًا لفظًا، الآن يقول: فإنه مجرور فرقًا بين الزمان والعدد.

طالب:...

لكن هل المعنى مؤثر في رفع الكلمة وكسرها؟ يعني أنت لو ما سمعت هذا الكلام تتخيله أم ما تتخيله لو ما سمعت هذا الكلام؟

طالب:...

لا لا لا، وأي قاعدة إذا سمعها المتعلم وعنده شيء من هذا العلم يرجعها إلى أصولها، لكن هذا كلام مجتث لا يرجع إلى أصل، فيما قرأناه في العربية.

طالب:...

يقول: فإنه مجرور فرقًا بين الزمان والعدد، أنا إلى الآن ما أستوعب هذا الكلام.

طالب:...

هذا جواب.

طالب:...

ما تعرفه تبحث أنت.

فإنه مجرور فرقًا بين الزمان والعدد، وقطُ معناها الزمان، قال ابن سيده: ما رأيت قطٌ وقُطُّ وقُطُ مرفوعة خفيفة محذوفة منها إذا كانت بمعنى الدهر ففيها ثلاث لغات، وإذا كانت في معنى الحسب فهي مفتوحة القاف ساكنة الطاء قَطْ.

قال بعض النحويين: أما قولهم: قطّ بالتشديد فإنما كانت قطُط أصلها، يعني الحرف المشدد هو عبارة عن حرفين أولهما ساكن، وكان ينبغي لها أن تُسكَّن، فلما سُكِّن الحرف الثاني جُعل الآخر متحركًا إلى إعرابه، ولو قيل فيه بالخفض والنصب لكان وجهًا في العربية. ولو قيل فيه بالخفض والنصب لكان وجهًا في العربية. وأما الذين رفعوا أوّله وآخره فهو كقولك: مُدّ يا هذا، مُدّ يعني هات، أعطِ، أو مُدّ رجليك أو أعطني كذا.

قوله: إلا عودي في شرح الملقن يعني أن أهل الحق لا يخلون من عداوة أهل باطل أو من أهل باطل يعادونهم، وذكره في التفسير بلفظ: أُوذي من الأذى. وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا. وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا؛ يقول ابن حجر: إن شرطية والذي بعدها مجزوم يدرْكني، زاد في رواية يونس في التفسير: حيًّا، ولابن إسحاق: إن أدركتُ ذلك اليوم يعني يوم الإخراج إن أدركت ذلك اليوم يعني يوم الإخراج، في رواية الصحيح: يُدركني وعند ابن إسحاق: أدركتُ فمن المُدرِك ومن المُدرَك؟ من المُدرِك ومن المُدرَك؟ عندنا متقدم وفيه متأخر.

طالب:...

نعم، ولابن سعد وابن إسحاق: إن أدركتُ ذلك اليوم. ولابن إسحاقٍ إن أدركت ذلك اليوم يعني يوم الإخراج، وفي الكرماني يومك أي يوم إخراجك ووقت انتشار نبوتك، وهو منقول بحروفه من النووي.

في التوضيح لابن الملقن: وقع في السيرة: إن أُدرك ذلك اليوم أُنصرْك نصرًا مؤزرًا، وما في البخاري: يدركني، وما في البخاري هو القياس لماذا؟ لأن ورقة سابقٌ بالوجود والسابق هو الذي يُدركه من يأتي بعده، والسابق هو الذي يدركه من يأتي بعده. كما جاء: «أشقى الناس من أدركته الساعة وهو حي» أشقى الناس من أدركته الساعة وهو حي، مع أن الحديث محكوم عليه بالوضع. لكن نقله وذكره ابن الملقن، قال: نبّه على ذلك السهيلي قال: ولرواية ابن إسحاق وجهٌ؛ لأن المعنى إن أرَ ذلك اليوم فسمى رؤيته إدراكًا، وفي التنزيل: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}[سورة الأنعام:103] أي لا تراه على أحد القولين؟ الآن قياس أن المتأخر يدرك المتقدم إذا لحق به، ووصل إليه، يقال: أدركه، فلو سافر شخص من الرياض إلى مكة بعد صلاة الظهر ثم بعد صلاة العصر سافر آخر لحقه، وأدركه في منتصف الطريق من المُدرِك ومن المُدرَك؟ المُدرِك هو المتأخر، يقال: أدركه في منتصف الطريق، والمُدرَك هو الذي تقدَّم، وعندنا في رواية الصحيح: وإن يدركني يومك؛ واليوم متأخر، وورقة متقدِّم هذا على القياس جارٍ، لكن لرواية ابن إسحاق وجهٌ؛ لأن المعنى إن أرَ ذلك اليوم فتسمى رؤيته إدراكًا، وفي التنزيل: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}[سورة الأنعام:103] أي لا تراه على أحد القولين، وهذا مما يُحمل على الدنيا أو يقال إنه بمعنى لا تحيط به.

قريبٌ من هذا كتاب الإمام المُجدِّد مسائل الجاهلية التي خالف فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أهل الجاهلية، أو العكس يعني هم على شيء، وخالفهم النبي -عليه الصلاة والسلام- أو نقول: إن ما جاء به النبي -عليه الصلاة والسلام- هو الأصل، وخالفوه في هذه الأمور. من الذي يُخالِف المتقدِّم الذي ابتدأ الشيء واستمر عليه جاءه من يخالفه، أو نقول: إن الحق هو الأصل، فمن خرج عنه فهو المخالِف؟

طالب:......

نعم، الأصل الحق، ومن خرج عنه فهو المخالِف، على كل حال في ضبط اسم الكتاب مسائل الجاهلية التي خالف فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أهل الجاهلية، خالفوا الرسول؛ لأنهم خالفوا الحق وعارضوه، لكنهم مخالفتهم متقدِّمة على ما جاء به النبي -عليه الصلاة والسلام-، من حيث الزمان، وبالنسبة لمثل هذه الأمور النسبية هذه الأمور نسبية، فالمخالفة نسبية، والإدراك نسبي، الإدراك نسبي، «فما أدركتهم فصلوا» أدركتم، تقول: أدركني الإمام أو أدركتُ الإمام؟ أدركتُ الإمام؛ لأنك متأخر جارٍ على القياس هذا ما فيه إشكال، هو يقول: ولرواية ابن إسحاق وجهٌ؛ لأن المعنى: إن أرَ ذلك اليوم فسمى رؤيته إدراكًا، وفي التنزيل: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}[سورة الأنعام:103] أي لا تراه على أحد القولين. كأنه نزَّل ما سيأتي من زمان ما يوصل إليه من مكان، ما يوصل إليه من مكان، الآن الزمان الزمان المستقبل إذا قلتَ: أدركتُ جدّي كبيرًا هذا ماشٍ أم ما هو ماشٍ؟ على القياس.

 وإذا قال: أدركتُ حفيدي يعني وُلد الحفيد، ثم مات الجد، هل يُقال: إن الجد أدرك الحفيد، أو أن الحفيد أدرك الجد؟ نعم هذا الأصل، لكن تنزيل الزمان منزلة المكان كأنه قال في الزمان الآن يحتمل أن يكون مثلاً هذا المُدرِك أكبر من المُدرَك، له الأب والابن، الابن له معاملات، ففي الزمان يقول: الأب لو أُدرِك ابني مستقبلاً أُدرك ابني، لمنعته من العمل في هذا المكان وابنه في بلد آخر احتاج إليه في سفر مثلاً، إن أدركته قبل أن يبرم هذه الصفقة منعته، الآن مسألة إدراك زمان مُضمَّن مكان؛ لأن ما هو عنده ليس في مكانه هو، فمن المُدرَك هنا؟ ومن المُدرِك؟

الآن نتصور المسألة حتى نقول إن كل هذا أمر نسبي، فيصحّ الإطلاق الأول، ويصحّ الإطلاق الثاني، ولذلك قال السهيلي: ولرواية ابن إسحاق وجه؛ لأن المعنى: إن أرَ ذلك اليوم يعني أدركه كأني أمشي في الزمان، كأني أمشي في مكان حتى أدرك ذلك الزمان كما أدرك ذلك المكان.

طالب:...

نعم، إلى الزمان، نعم.

طالب:...

نعم لكن هذا المكان متضمِّن لشيء طارئ، فهل هذا الشيء الطارئ يكون مُدرِكًا أم مُدرَكًا؟ أنت انتبه، الولد في مكة مثلاً، والأب في الرياض، والولد عنده نية، بلغ الأب أن عنده نية أن يعقد صفقة، والأب ليس مرتاحًا لها، يخشى من الخسارة على ولده، والطريق يحتاج إلى مُدَة أقل شيء عشر ساعات مثلاً أو ثماني ساعات، يقول: إن أدركته قبل إبرام العقد منعته، فمن المُدرِك ومن المُدرَك؟ المُدرِك الأب، ولا يكون الابن هو المُدرِك، فهذه أمور نسبية مثل الأمام والخلف، «أقبل بهما وأدبر» أقبل عن إيش وأدبر عن إيش؟ هذه أمور نسبية، يصحُّ ما هو الأصل والجاري على القياس هو الأصل، ويبقى أن للوجه الثاني تأويلًا مقبولًا.

طالب:...

هذا منتهٍ وهي صحيحة.

طالب:...

لا، فمن حيث المعنى ليست ببعيدة. من حيث المعنى إن أُدرك ذلك الوقت بمعنى أسير في عمري مدة من الزمان حتى ألحق وأدرك ذلك الوقت، في ما ينكر من حيث المعنى ما في ما يُنكَر ما في ما ينكَر أبدًا ولا يلزم عليه القلب.

أنصرك: جواب الشرط نصرًا منصوبة على المصدرية مؤزرًا صفة لنصر، وهو بضم الميم، ثم بهمزةٍ مفتوحة، ثم زاي مفتوحة أيضًا أي قويًّا بالغًا من الأزرِ، وهو القوة والعون، ومنه قوله تعالى: {فَآزَرَهُ}[سورة الفتح:29] أي قواه. فآزره أي قواه. قال ابن سَيده: آزره ووازره أعانه على الأمر يعني يجوز فيه الهمز والتسهيل بدل الهمزة واو. آزره ووازره أعانه على الأمر، وابن قتيبة في أدب الكاتب يقول: مما يقوله العوام بالواو وهو بالهمز: آزرته على الأمر أي أعنته، فأما وازرته فبمعنى صرتُ له وزيرًا، وأما وازرته فبمعنى صرتُ له وزيرًا، الوزارة سُميت بذلك؛ لأنها إعانة، فالوزير يعين الملك.

وفي فتح الباري نقلاً عن القزَّاز، وله كتاب مشهور في اللغة وإن لم يُطبع إلى الآن اسمه: الجامع، ينقل عنه الشراح كثيرًا، أنكر القزَّاز أن يكون في اللغة مؤزَّر من الأزر، وقال أبو شامة: يحتمل أن يكون من الإزار، يحتمل أن يكون من الإزار، أشار بذلك إلى تشميره في نصرته، يقول الأخطل:

قومٌ إذا حاربوا شدوا مآزرهم..

 وفي فتح الباري يقول: قال القزَّاز -فتح الباري في موضع متأخر جدًّا في كتاب التعبير في الثاني عشر منه يقول: قال القزَّاز-: موزَّرًا بغير همزٍ من وازرته موازرةً إذا عاونته، ومنه وزراء الملك، ويجوز حذف الألف فتقول: نصرًا موزَّرًا، ويرد عليه قول الجوهري: آزرت فلانًا عاونته، والعامة تقول: وازرته.

وظاهر هذا أنه أقرّ بنبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-، ولكنه مات قبل الدعوة إلى الإسلام، فيكون مثل بحيرا. وفي إثبات الصحبة له بذلك نظر، وتقدَّم ذُكر من ذكره في الصحابة. هو صدَّق النبي -عليه الصلاة والسلام- وآمن به على أنه نبيٌ من عند الله -جل وعلا-، لكن هل يلزم من ذلك أن يكون قد اتبعه والنبي -عليه الصلاة والسلام- لم يؤمر بالتبليغ بعد؟ أو يكون إيمانه بمحمد -عليه الصلاة والسلام- كإيمانه بموسى، هو تابعٌ لعيسى نصراني هو، هل نقول: إنه تبع محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بحيث صار من أمته؟ والنبي -عليه الصلاة والسلام- لم يؤمر بالتبليغ بعد، أو نقول: إن إيمانه بمحمد -عليه الصلاة والسلام- كإيمانه بموسى؟ وأما اتباعه فهو لعيسى، وعلى هذا يكون نصرانيًّا على الحق الذي لم يُبدَّل، ونجاته كما جاءت بذلك الأحاديث على أنه تابعٌ لنبي، رسالته لم تُنسخ بعد.

طالب:...

هو ما أُمر بالبلاغ، لكن إذا آمن بنبوته فما الفرق بين إيمانه بنبوة محمد، وإيمانه بنبوة موسى؟ أما إيمانه بنبوة عيسى بالاتباع، هو نصراني، فهل نقول: إن إيمانه بنبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يؤمر بالتبليغ، يكون من أمته وهذا ما جعل كثير من أهل العلم يثبتونه في الصحابة، أو نقول: إن إيمانه بمحمد -عليه الصلاة والسلام- مجرد تصديق كإيمانه وكإيماننا بالأنبياء السابقين؟ نحن نؤمن بموسى، ونؤمن بعيسى، ونؤمن بنوح، لكن هل نحن من أمة نوح؟ الإيمان لا يعني الاتباع.

طالب:...

لكن هو ما الذي يدريه أن نبوة محمد للثقلين؟

طالب:...

يُخرج ويُؤذى ويُعادى، ما الذي يمنع أن يكون للعرب خاصة في ذلك الوقت عنده إلا ما عرفه من الكتب السابقة.

طالب:...

هذا محل الخلاف الذي من أجله أنكر بعضهم صحبته، أنكر بعضهم إثباته في الصحابة، يقول: إن إيمانه قبل الأمر بالدعوة، قبل الأمر بالدعوة، ما دخل أحد في الدين.

طالب:...

نعم.

طالب:...

نعم.

طالب:...

من دينه، من دينه نعم.

طالب:...

طيب.

طالب:...

لكن لو وُجد نصراني الآن يزعم أنه نصراني ويقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، لكن رسالته للعرب ليست لنا.

طالب:...

في ذلك الوقت يسوغ أن يقول هذا الكلام، ولا يلزمه أن يتبع موسى، يتبع عيسى مثل ورقة.

طالب:...

كلهم نعم، كلٌّ أخذ على قومه الميثاق.

طالب:...

لكنه -عليه الصلاة والسلام- لم يؤمر بتبليغ، ولا أرسل إلى الآن، هو مجرد إيمان لا يفرق عن إيمانه بموسى، أو بنوح، مجرد تصديق.

طالب:...

 على كل حال هذا الكلام هو محل الخلاف بين أهل العلم في إثبات صحبته وعدم إثباتها.

طالب:...

نعم.

طالب:...

مثل هذا، مثله، الذي ينازع في ورقة ينازع في جبريل، الذي ينازع في ورقة ينازع في جبريل، فما يستدل بهذا على هذا.

طالب:...

أنا سقت هذا الكلام أولًا؛ لأنه ليس فيه شريعة تُتَّبع إلى الآن فهو مجرد تصديق، فما الفرق بين تصديقه بمحمد -عليه الصلاة والسلام- وتصديقه بموسى وهو نصراني أو تصديقه بنوح؟ وكتبهم الصحيحة غير المحرفة كلها دلّت على هذا التصديق، ووجوب هذا التصديق ووجوب هذا الإيمان بهؤلاء وما في شريعة تُتَّبع ولم يؤمر بتبليغ إلى الآن، لكن لو مات نصراني لم يحرّف أو يهودي لم يُحرّف قبل الرسالة ما حكمه؟

طالب:...

مبعوث محمد -عليه الصلاة والسلام-، لكن قبل أن يؤمر بالتبليغ.

طالب:...

هذا الموضوع الذي نطرحه؟

طالب:...

هذا ورقة، نصراني ما حرّف ولا بدّل، يهودي ما حرّف ولا بدّل، مات قبل أن يؤمر النبي- عليه الصلاة والسلام- بالتبليغ، كيف عرفنا أن رسالة محمد -عليه الصلاة والسلام- ناسخة للأديان السابقة إلا بالشريعة بشريعته بالكتاب والسُّنَّة وفي الفترة التي مات فيها ورقة، ما فيه ما يدل على شيء من ذلك إلا من كتبهم السابقة.

 على كل حال هذه المسألة لم تتحرر، وأهل العلم يختلفون فيها ولن تُحسَم؛ لأنها متعلقة بشخص أو شخصين مثل بحيرا وورقة وما أشبه ذلك من.. هو لا ينبني عليه حكم بالنسبة لغيره من المسلمين.

طالب:...

لكن خديجة قبله.

طالب:...

ما يذكرونها، يذكرون الاتفاق على أبي بكر وعلى علي -رضي الله عنه-.

طالب:...

هذا مثل ما الذي يثبته في الصحابة يلزمه ذلك، والذي ينفيه، وهم أكثر أهل العلم، لا يثبتون ذلك، يقولون: مجرد صدّق مثل ما صدّق بنوح، ما فيه شريعة تُتَّبع، والرسول ما بعدُ أُرسل- عليه الصلاة والسلام-.

طالب:...

نعم يلزمه؛ لأنه مأخوذ عليه العهد في كتابه.

طالب:...

لو لم يُصدِّق به.

طالب:...

المقصود أنه ما آمن بكتابه، كتابه هو الذي أُخذ عليهم فيه العهد والميثاق أن محمدًا إذا بُعث يؤمن به.

طالب:...

على كل حال نُبيء، أما شريعته فلم تأتِ بعد.

طالب:...

كيف؟ خديجة سمعت ووطنت وقالت الكلام الذي قالت: والله لا يخزيك.

طالب:...

كل هذا مبني على إثبات صحبته.

طالب:...

أقل الأحوال نعم.

قال: ثم لم ينشب ورقة أن تُوفي وفتر الوحي، يقول النووي: ينشب: بفتح الياء ثم نون ساكنة ثم شين معجمة مفتوحة ثم موحدة معناه لم يلبث. معناه لم يلبث. وفتر الوحي معناه احتبس، والله أعلم.

يقول ابن حجر: أصل النشوب التّعلُّق، أصل النشوب التّعلُّق، وهذه كلمة ما زالت مستعملة بهذا المعنى، ما زالت مستعملة، يقول: نشب إذا كان في أشياء مثلاً الجدار فيه أشياء بروزات أو شيء، ورميت شيئًا من فوق، ثم تعلق بشيء تقول: نشب، أصل النشوب التعلق أي لم يتعلق بشيء من الأمور حتى مات، وهذا بخلاف ما في السيرة لابن إسحاق أن ورقة كان يمر ببلال وهو يعذب، وذلك يقتضي أنه تأخر إلى زمن الدعوة، وإلى أن دخل بعض الناس في الإسلام، قال ابن حجر: فإن تمسكنا بالترجيح، فما في الصحيح أصحّ، وإن لحظنا الجمع أمكن أن يُقال: الواو في قوله: وفتر الوحي ليست للترتيب، فلعل الراوي لم يحفظ لورقة ذكرًا بعد ذلك في أمرٍ من الأمور، فجعل هذه القصة انتهاء أمره بالنسبة إلى علمه، لا إلى ما هو الواقع.

في إرشاد الساري يقول: اُختُلف في وقت موت ورقة، فقال الواقدي: إنه خرج إلى الشام فلما بلغه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أُمر بالقتال بعد الهجرة، فلما بلغه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أُمر بالقتال بعد الهجرة أقبل يريده، حتى إذا كان ببلاد لخمٍ وجذام قتلوه وأخذوا ما معه، وهذا غلطٌ بيّن؛ فإنه مات بمكة بعد المبعث بقليل جدًّا، ودفن بمكة كما نقله البرذاري وغيره، ويعضده قوله هنا وكذا في مسلم: ثم لم ينشب ورقة أن توفي، يعني القول بأنه مكث إلى أن دخل بعض الناس في الدين، وكان يمر على بلال وهو يُعذب، هذا أيضًا يخالف ما عندنا في الصحيح.

وأبعدُ منه ما ذكره الواقدي من أنه بقي إلى ما بعد الهجرة وفرض الجهاد، وأنه أقبل يريد النبي -عليه الصلاة والسلام-، إلى أن وصل بلاد لَخم وجذام فقتلوه وأخذوا ما معه، هذا كله لا يقاوم ما في الصحيح من قوله: فلم ينشب ورقة أن توفي.

وأن تُوفي بدل اشتمال من ورقة، لم يلبث لم ينشب ورقة، لم ينشب أن توفي يعني لم تلبث وفاته طويلاً. فهذا بدل اشتمال.

طالب:...

من ورقة.

طالب:...

نعم.

طالب:...

القصة القصة.

طالب:...

لا، القصة، القصة. أن توفي بدل اشتمال من ورقة أي لم تلبث وفاته.

 وفتر الوحي معناه احتبس، معناه احتبس، وفي الكرماني: وقال ورقة: فإن يكُ حقًّا يا خديجة فاعلمي حديثك إيانا فأحمد مرسل، وجبريل يأتيه وميكال معهما من الله وحيٌ يشرح الصدر مُنزَل.

فتر الوحي معناه احتبس، وتأخر مدة من الزمان، فتور الوحي عبارة عن تأخره مدة من الزمان، وكان ذلك ليذهب ما كان -عليه الصلاة والسلام- وجده من الروع، وليحصل له التشوّف إلى العود، فقد روى المؤلف في التعبير من طريق معمر ما يدل على ذلك. قاله ابن حجر. فقد روى المؤلف في التعبير من طريق معمر ما يدل على ذلك يعني أن النبي -عليه الصلاة والسلام-لما فتر تشوّف إلى عوده، واشتاق لذلك، وحزن لتأخره حزنًا شديدًا. في التعبير في أواخر الصحيح قال: وفتر الوحي حتى حزن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما بلغنا. وسيأتي الكلام في قوله: فيما بلغنا. فتر الوحي حتى حزن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما بلغنا حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردَّى من رؤوس شواهق الجبال. فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك لرسول الله حقًّا. فيسكن لذلك جأشه، وتقرّ نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك. انتهى. يعني ما في الرواية.

يقول ابن حجر: القائل فيما بلغنا هو الزهري، القائل فيما بلغنا هو الزهري، ومعنى الكلام أن في جملة ما وصل إلينا بلغنا في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذه القصة، وهذا من بلاغات الزهري، وليس موصولاً. يعني بعض الشُّراح استنكر أن يكون -عليه الصلاة والسلام- مُنبأً؟ كيف يشك ويفعل مثل هذا الفعل حتى يأتيه جبريل فيسكِّنه بقوله: إنك لرسول الله حقًّا؟ فقال: هذه من بلاغات الزهري، ولا تثبت، والجواب في هذا سهل، يعني من أراد أن يمنع من الأصل، لكن من أراد أن يجيب ماذا يقول؟ نتابع.

 يقول الكرماني: هذا هو الظاهر، يعني كونه من بلاغات الزهري هذا هو الظاهر، ويحتمل أن يكون بلغه بالإسناد المذكور، يحتمل أن يكون بلغه بالإسناد المذكور، فعلى هذا يكون موصولاً، ووقع عند ابن مردويه في التفسير من طريق محمد بن كثير عن معمر بإسقاط قوله: فيما بلغنا، ولفظه: فتر الوحي فترة حزن النبي -عليه الصلاة والسلام- حزنًا شديدًا غدا منه يعني ما فيه فيما بلغنا، إلى آخره، فصار كله مدرجًا على رواية الزهري، وعن عروة عن عائشة والأول هو المعتمد أنه مدرج. ثم قال إنه من بلاغات الزهري، ثم قال: قال الإسماعيلي، يقول ابن حجر: قال الإسماعيلي: موّه بعض الطاعنين على المحدثين، موّه بعض الطاعنين على المحدثين فقال: كيف يجوز للنبي أن يرتاب في نبوته؟ كيف للنبي أن يرتاب؟ كيف يجوز للنبي أن يرتاب في نبوته؟ يعني كون الإنسان من الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- ينبئون هل يأتيهم من العلم اليقيني القطعي بالنبوة من أوّل وهلة أو أن النبوة تثبت في الروع شيئًا فشيئًا حتى تصل إلى درجة القطع؟ بمعنى أن النبي -عليه الصلاة والسلام- أول ما جاءه جبريل وقال له: اقرأ، هل عرف بهذا أنه نبي؟

طالب:...

كيف؟

طالب:...

ما احتاج إلى ورقة، وما احتاج إلى كلام خديجة، وما احتاج، ولا خشي على نفسه، قال الإسماعيلي: موّه بعض الطاعنين على المحدثين، موّه بعض الطاعنين على المحدثين فقال: كيف يجوز للنبي أن يرتاب في نبوته حتى يرجع إلى ورقة ويشكو لخديجة ما يخشاه، وحتى يوفي بذروة جبلٍ ليلقي منها نفسه على ما جاء في رواية معمر؟ قال: ولئن جاز أن يرتاب مع معاينة النازل عليه من ربه، فكيف ينكر على من ارتاب فيما جاءه به مع عدم المعاينة؟ يعني إذا كان مع المعاينة النبي -عليه الصلاة والسلام- جاءه من ربه من جاءه، وهو جبريل –عليه السلام- مع هذه المعاينة حصل منه هذا، فكيف يُنكَر على من ارتاب مع عدم المعاينة؟ يعني بمجرد خبر ما فيه معاينة، يقول: ولئن جاز أن يرتاب مع معاينة النازل عليه من ربه، فكيف يُنكَر على من ارتاب فيما جاء به مع عدم المعاينة؟

 ثم قال: والجواب أن عادة الله جرت بأن الأمر الجليل إذا قضي بإيصاله إلى الخلق، أن عادة الله جرت بأن الأمر الجليل إذا قضى بإيصاله إلى الخلق أن يقدمه ترشيحٌ وتأسيس يعني إرهاصات مقدِّمات أن يقدمه ترشيحٌ وتأسيس، فكان ما يراه النبي -صلى الله عليه وسلم- من الرؤيا الصادقة، ومحبة الخلوة والتعبد من ذلك، يعني من المقدِّمات، ومن هذه الإرهاصات، ومن هذه الترشحيات والتأسيسات، فلما فجأه الملك فجأه بغتة أمر خالف العادة والمألوف، فنفر طبعه البشري منه، فنفر طبعه البشري منه، وهاله ذلك، ولم يتمكن من التأمل في تلك الحال؛ لأن النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها. لأن الإنسان قد يرد عليه أمر يهوله أمر مهول لا يطيقه، لا يتصوره، ثم بعد ذلك يتصرف تصرفًا لا يليق به، وليس من عادته مثل هذا التصرف. يعني وقول: من ضلت دابته مع شدة حاجته إليها لما وجدها قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. يعني لو كان الكلام هذا في ظرفٍ عادي طبيعي يُقال بكفره، أن يُقال بكفره، ومع هذا عُذِر؛ لأنه جاءه ما لا يمكن معه التصرف الصحيح.

يقول: فلما فجأه الملك فجأةً أو فجأه بغتة أمرٌ خالف العادة والمألوف فنفر طبعه البشري منه، وهاله ذلك، ولم يتمكن من التأمل في تلك الحال؛ لأن النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها، فلا يُتعجب أن يجزع مما لم يألفه وينفر طبعه منه، حتى إذا اندرج عليه وألف استمر عليه فلذلك رجع إلى أهله التي ألف تأنيسها له، فأعلمها بما وقع له، فهوَّنت عليه خشيته بما عرفته من أخلاقه الكريمة، وطريقته الحسنة، فأرادت الاستظهار بمسيرها به إلى ورقة؛ لمعرفتها بصدقه ومعرفته وقراءته الكتب القديمة. فلما سمع كلامه أيقن بالحق واعترف به، ثم كان من مقدمات تأسيس النبوة، ثم كان من مقدمات تأسيس النبوة فترة الوحي؛ ليتدرج فيه ويمرن عليه، فشقّ عليه فتوره إذ لم يكن خوطب عن الله، إذ لم يكن خوطب عن الله بعد أنك رسول من الله، ومبعوث إلى عباده، فأشفق أن يكون ذلك أمر بدئ به، فأشفق أن يكون ذلك أمرٌ بدئ به ثم لم يرِد يعني مرة ثانية، فحزن لذلك حتى تدرج على احتمال أعباء النبوة والصبر على ثقل ما يرد عليه فتح الله له من أمره بما فتح.

قال: ومثال ما وقع له في أول ما خوطب ولم يتحقق الحال على جليتها، مثل رجلٍ سمع آخر يقول: الحمد لله، قال: الحمد لله، فقط، أنتم ماذا تظنونه؟ ذكر أو قرآن أو إثر عطسة ما سمعتها؟ أم يحمد الله على نعمة حصلت له أو نقمة اندفعت عنه أو يقرأ قرآنًا؟ ما تدري أنت إلى الآن، ما تدري، مثال ذلك: مثل رجل سمع آخر يقول: الحمد لله فلم يتحقق أنه قرأ حتى إذا وصلها بما بعدها من الآيات قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}[سورة الفاتحة2:3] عرفت أنه يقرأ قرآنًا. حتى إذا وصلها بما بعدها من الآيات تحقق أنه يقرأ، وكذا لو سمع قائلاً يقول: خلت الديار، هذا يقرأ بيت شعر ينشد أم يخبر، خلت الديار لم يتحقق أنه ينشد شعرًا حتى يقول: محلها ومقامها، انتهى ملخصًا.

كثير من الناس يكمل على ما حفظ وإن كان خلاف مراد القائل، يعني إذا قلت: إذا كنت في نعمة...

طالب:...

يقول: ما حفظ، صح أم لا؟ يقول ما حفظ، وإذا قال وإذا كان القائل يريد إذا كنت في نعمةٍ فارعها تقول: أخطأت؟

طالب:...

طويلٌ وأغصانها باسقة، ما تدري ماذا يقول هو، هم يقولون هذه الأمور تحصل بالتدريج وباكتمال الصورة يحصل لك ما تريد، ولذا أهل العلم... يعني انتباه المحدثين لمثل هذا حينما يقررون أنه إذا جاء الخبر على الجادة، وجاء به ثقة مرّة على غير الجادة فالمحفوظ ما كان على غير الجادة؛ لأن الجادة يسبق إليها اللسان، يعني لو قيل: حدثنا مالك عن نافع عن ابن عباس أو قال: حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر أيهما أصحّ؟ يعني أرجح. عن ابن عباس لأن ابن عمر يسبق إليه اللسان هذه الجادة، ولذلك مرّ علينا وهو في الموطأ، وهو مثالٌ واضح جلي لمثل هذه الصورة، ويؤيد كلام المحدثين -رحمهم الله-. مرّ علينا في الموطأ في المواريث: ولولد الأم للذكر مثل، كل الإخوان قالوا: مثل حظ الأنثيين، ولولد الأم للذكر مثل حظ الأنثى، لكن الجادة جادة المواريث أن الذكر له مثل حظ الأنثيين، فاللسان يسبق على ما تعود.

فإذا قال: الحمد لله ما تدري ماذا يقول، لكن لو قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} عرفت أنه يقرأ القرآن، لكن لو عطس فقال: الحمد لله تشك في أنه يحمد الله على ما جاء في هذا الذكر؟ فأنت مباشرة تقول له: يرحمك الله، ما تظن به أنه يريد أن يقرأ قرآنًا، وماذا عما لو عطس بعد الفراغ من دعاء الاستفتاح فقال: الحمد لله؟ وفي جواره شخص جالس لا يصلي يشمت أم ما يشمت؟ كما يقال يسلَّم على المصلي أو لا يسلم عليه؟

طالب:...

تسليم يُسلّم عليه ويرد بالإشارة، المقصود أن مثل هذا الكلام الذي يقوله أهل العلم واضح؛ لأن اللسان يسرع إلى ما تعوّد.

طالب:...

فيه تكملة.

طالب:...

نعم، هذا على القول بثبوت ما حصل، لكن النبي -عليه الصلاة والسلام- يحصل منه شيء مما نُصّ عليه في القرآن: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ}[سورة الكهف:6] يعني قاتل نفسك من الأسى والتحسر على عدم إيمان قومك، يعني قد يصل الأمر لا سيما في أوّل الأمر في بدايات النبوة قد يحصل مثل هذا، لا سيما إذا جاءت المقدمات والإرهاصات لأمرٍ عظيم واصطفاء ليكون أشرف الخلق. الإنسان إذا وعد بشيء من أمور الدنيا ثم مُنعه أو حيل دونه بينه وبينه حصل له من الأسى والحزن ما يكاد معه أن ينتحر، هذا في أمور الدنيا، فكيف بهذا الأمر العظيم الذي من أجله صار سيد ولد آدم؟

طالب:...

قاتل، قاتل.

طالب:...

نعم.

طالب:...

انقطاع الوحي يعني يخشى أن يكون انتهى، بدا منه ما يُصرف النظر عنه إلى غيره في هذه النبوة، هذا أعظم.

طالب:...

ثم ينقطع مدة، يساوره ما ساوره في المرة الأولى.

 اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك.