احتجام الصائم

السؤال
ما القول الراجح في إفطار المحتجم؟ وهل هناك فرق بين صوم رمضان وصوم التطوع؟
الجواب

الحجامة للصائم ورد فيها حديث شداد بن أوس –رضي الله عنه- عام الفتح، أن النبي -عليه الصلاة والسلام- رأى رجلًا يحتجم فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» [أبو داود: 2369 / والمسند: 17112]، وورد فيها حديث ابن عباس –رضي الله عنهما- «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم» [البخاري: 1938]، وحديث ابن عباس في الصحيح، وهو أصح من حديث شداد، فمن أهل العلم من يرى أن الحجامة تفطِّر الصائم عملًا بحديث شداد، وحُكمًا على حديث ابن عباس أنه غير محفوظ؛ لأنه جَمَع بين الصيام والحجامة والإحرام، ولم يثبت عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه صام في حجه ولا في عمرته، فقالوا: إنه غير محفوظ، وجعلوا الحَكَم في المسألة حديث شداد بن أوس، وقالوا بأن الحجامة تفطِّر الصائم، وعليه الفتوى من قِبَل جمع من أهل العلم من شيوخنا، وهو المذهب عند الحنابلة.

ومن أهل العلم من يرى أن الحجامة لا تفطِّر الصائم عملًا بحديث ابن عباس؛ لأنه في الصحيح وحديث شداد دونه في الصحة، ولأنه متأخر وحديث شداد متقدم عليه في الزمن، فيكون حديث شداد منسوخًا.

ومن حيث الترجيح حديث ابن عباس أرجح، وأيضًا حديث شداد في عام الفتح قبل حديث ابن عباس، فهو منسوخ على هذا القول، وهذا القول له وجاهته؛ لأن ثبوت الحديث في (صحيح البخاري) لا يُقبل معه أي كلام، فما دام الحديث في (البخاري) فلا نقبل كلام أحد فيه، فهو الراجح -إن شاء الله تعالى-.

وفي حكم الحجامة التبرع بالدم إذا كان كثيرًا؛ لأن المقصود خروج الدم المُضْعِف للبدن، ولذلك يرى جمع من أهل العلم أنه إذا كانت الحجامة تُضْعِف البدن بحيث يؤول إلى الفِطْر فإنها حينئذٍ يُنهى عنها لهذا الأمر؛ لأن مآل المحجوم أنه يُفطر لضعف بدنه عن الصيام، ويحملون الحديث على هذا.

وأما الحاجم قالوا: لأنه قد يتسرب إلى جوفه شيء من الدم إذا مصه من بدن المحجوم، وعلى كل حال هذه مَظِنَّة لا يُفطِر بها الحاجم؛ لأن الأصل الصيام، وعلى كل حال على المسلم أن يتوقى جميع ما يخدش صيامه، سواء كان حاجمًا بحيث يخشى أن يتسرب إلى جوفه شيء من الدم، ومثل هذا انتهى أمره بالآلات الحديثة؛ لأنه لا يحتاج إلى مَصٍّ بالفم، وإنما تَمَصُّه الآلات، أو كان محجومًا فعليه أن يحافظ على صيامه فلا يتعب تعبًا يؤول به إلى أن يفطر.

ويستوي في ذلك صيام الفرض والنفل؛ لأن ما ثبت في النفل ثبت مثله في الفريضة إلا ما دل الدليل عليه والعكس، فالحكم واحد، الصيام صيام.

فالمرجح في هذه المسألة -إن شاء الله تعالى- أن الحجامة لا تفطِّر، لكن ينبغي أن يحافظ الإنسان على صيامه فلا يرتكب من الأعمال ما يشق عليه، سواء كانت الحجامة أو غيرها من الأعمال التي تشق عليه بحيث يؤول أمره إلى الفطر.