كتاب في التاريخ يُنصح بقراءته

الفتاوى الصوتية

عنوان الفتوى: 
كتاب في التاريخ يُنصح بقراءته
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 25/ ربيع الأول/ 1440 4:45 م
مصدر الفتوى: 
برنامج فتاوى نور على الدرب، الحلقة الرابعة والعشرون بعد المائة 14/3/1434ه
رقم الفتوى: 
8977

محتوى الفتاوى

سؤال: 

هل هناك كتاب في التاريخ تنصحون بقراءته ويكون خاليًا من الروايات الضعيفة؛ لأبني التصور الصحيح عن التاريخ بدون تشويه؟

الجواب: 

كتب التاريخ من قِبَل الأئمة وأهل العلم كثيرة جدًّا، ومنها المطوَّلة ومنها المختصرة، ومن أنفع كتب التاريخ: تاريخ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري (تاريخ الرسل والملوك) لكنه ليس بخالٍ من الروايات الضعيفة التي اشترطها السائل في سؤاله، ويصلح للعالم المتمكن الخبير العارف بأسباب القبول والرد، وإلا ففيه روايات ضعيفة وفيه رواة ضعفاء، وعلى كل حال مثل هذا التاريخ لا يصلح إلا لأهل العلم.

وهناك تواريخ جاءت بعده مثل تاريخ الحافظ ابن كثير (البداية والنهاية) وهو تاريخ شامل وجامع إلى منتصف القرن الثامن، بينما تاريخ ابن جرير انتهى في أوائل القرن الرابع، وتاريخ الحافظ ابن كثير يُعنى بالأحداث ويعلِّق عليها، وعنايته أيضًا واضحة وظاهرة في تراجم أهل العلم وغيرهم من الأمراء والوزراء والأدباء وجميع طبقات الناس، فهو شامل للأحداث والتراجم. وفي تقديري أن تاريخ ابن الأثير (الكامل) في تحليل الأحداث واستيعابها أوفَى من تاريخ الحافظ ابن كثير، لكنه من ناحية التراجم لأهل العلم فيه خلل كبير بحيث لا يُترجِم إلا بكلام يسير جدًّا، بينما الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية) يستوعب ويذكر ما يُحتاج إليه في هذه الترجمة، وينقد مَن ترجم وأخَلَّ في الترجمة، فعلى سبيل المثال في ترجمة ابن الراوندي، وهو أحد الزنادقة المشهورين الذين قال فيهم الحافظ ابن الجوزي: (زنادقة الإسلام ثلاثة: أبو حيان التوحيدي، وابن الراوندي، وأبو العلاء المعرِّي)، ذكر في ترجمة ابن الراوندي أن ابن خلِّكان في كتابه (وفيات الأعيان) ترجم له وأشاد به وأطال في ترجمته على طريقته في تراجم الأدباء، بخلاف تراجمه للعلماء والفقهاء، فهو يستوعب بالنسبة للأدباء، ويُجمل في تراجم أهل العلم، وهذا من الحافظ ابن كثير بيان منهج، فهو يُبين منهج ابن خلِّكان مع أن ابن الراوندي وُصف بما وصف من الزندقة، ونُسب له كلام في غاية الخطورة، يقول ابن كثير: وأشاد به ولا كأن الكلب أكل له عجينًا! يعني كأن الأمر لا يعنيه، فهذه ميزة عند الحافظ ابن كثير أنه ينبه مثل هذه التنبيهات.

وقبل ابن كثير وقد يكون من مصادره ومما يعوِّل عليه كثيرًا ابن الجوزي في (المنتظِم في أخبار الملوك والأمم) وهو كتاب ينتهي قُبيل وفاته التي كانت سنة خمسمائة وسبعة وتسعين، وطُبع في الهند قديمًا من منتصف الجزء الخامس إلى العاشر، خمسة أجزاء ونصف، وكان أوله مفقودًا، ثم عُثر عليه وطُبع في بيروت طبعات تجارية يُحتاج إليها عند الضرورة، وإلا فليست من الطبعات التي يُعتمد عليها.

على كل حال ذكرنا تاريخ ابن جرير، وتاريخ ابن كثير، وميزة كل واحد منهما، وتاريخ ابن الأثير، وهناك ما يُحتاج إليه تكميل تاريخ ابن كثير إلى سنة ألف موجود في (شذرات الذهب) لكنه مختصر ويفي بالغرض عند الحاجة، وهناك كتاب (العِبَر في خبر من عَبَر) للحافظ الذهبي بذيوله، وأيضًا تاريخ ابن خَلدون واسمه أيضًا (العِبَر في ذكر أخبار الأمم من العرب والعجم والبربر...) إلى آخره، وهو كتاب ضخم جدًّا ويُعنى فيه بتحليل الأخبار، فهو من هذه الحيثية ينتفع به طالب العلم، ومقدمته من أنفع ما يقرؤه طالب العلم في أنواع الشعوب والأمم والدول وأسباب تمكنها وأسباب سقوطها، كتاب نافع جدًّا لا ينبغي لطالب العلم أن يُغفله.

هناك أيضًا كتاب في التاريخ يُعنى به من جهة وله رواج في بعض الأقطار اسمه (مروج الذهب ومعادن الجوهر) للمسعودي، وهو شخص معدود من الشيعة، وعلى هذا لا يُعتد به ولا يُعتمد عليه، ومع ذلك حرَّج في مقدمة الكتاب وخاتمته تحريجًا شديدًا على من اختصره أو نقل منه ولم يعزه إليه أو نسبه إلى غيره، وأضاف إلى ذلك أشياء، ثم قال: (فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) في أول الكتاب وفي خاتمته، هذا يجعل الإنسان يتردد في قراءته أو في النقل منه أو في العزو إليه، مع أن في التواريخ الأخرى ما يغني عنه.

وعلى كل حال كتب التواريخ كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية، والله أعلم.