مقارنة بين كتابي (المغني) و(الشرح الكبير)

الفتاوى الصوتية

عنوان الفتوى: 
مقارنة بين كتابي (المغني) و(الشرح الكبير)
تاريخ النشر: 
ثلاثاء 25/ ربيع الأول/ 1440 4:15 م
مصدر الفتوى: 
برنامج فتاوى نور على الدرب، الحلقة الثانية والعشرون بعد المائة 30/2/1434ه
تصنيف الفتوى: 
العلم
رقم الفتوى: 
8962

محتوى الفتاوى

سؤال: 

أثناء اطلاعي على كِتابَي: (المغني) و(الشرح الكبير) لابن قدامة رأيت تشابهًا كبيرًا بينهما، فهل هما كتاب واحد أم بينهما فرق لم أقف عليه؟

الجواب: 

هما كتابان، فـ(المغني) للإمام الموفق أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي المتوفى سنة عشرين وستمائة، وهو شرح على أول مختصر في فقه الحنابلة لأبي القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله الخرقي، هذا أول المختصرات في الفقه الحنبلي، واعتنى به الناس وتناولوه بالشرح والتعليق، وتناولوه من كل وجه حتى قيل: إنه كُتب عليه ثلاثمائة شرح، لا سيما وأنه هو اللبِنة الأولى في هذا الصرح الشامخ: فقه الإمام المبجل أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى-، وممن شرحه ابن قدامة في كتابه (المغني) الذي أفاض فيه وأجاد وأبدع، وحلله تحليلًا لفظيًّا، وأطال في تقرير المذهب برواياته وأدلته، وأشار إلى الخلاف في المسألة وأدلة المخالفين، ويَذكر العلماء الموافقين والمخالفين على مر العصور بدءًا من الصحابة والتابعين إلى من جاء بعدهم إلى الأئمة المتبوعين وأتباعهم، فهو كتاب موسَّع مستفيض فيه فوائد وتنبيهات وتحريرات واختيارات للشارح ابن قدامة لا يستغني عنها طالب علم، فـ(المغني) شرح لـ(مختصر الخرقي)؛ من أجل أن يتمايز الكتابان، و(الشرح الكبير) لشمس الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي المتوفى سنة اثنتين وثمانين وستمائة، يعني بعد الموفق صاحب (المغني) باثنتين وستين سنة، و(الشرح الكبير) على (المقنع) للإمام الموفَّق صاحب (المغني)، فالإمام الموفق له سلسلة في فقه الحنابلة أولها وأصغرها (العمدة)، وهو متن متين فيه من الوضوح ما يجعله معتمَدًا عند كثير من العلماء والمتعلمين، وهو على رواية واحدة، ثم ثنَّى بكتاب (المقنع) وهو على روايتين، ثم ثلَّث بكتاب (الكافي) وفيه أكثر من ذلك، لكنه في محيط المذهب وفي إطاره، لا يذكر أقوال المذاهب الأخرى، وختم السلسلة بـ(المغني) الذي ذكر فيه مذاهب الأئمة وأهل العلم من المتقدمين والمتأخرين. (الشرح الكبير) على (المقنع) للإمام الموفق، وعمدته ومعوَّله على كتاب (المغني) لمصنِّف المتن –المقنع- وهو ابن قدامة، نقل منه الصفحات بحروفها، ولو قيل: إن ثمانين أو خمسًا وثمانين أو أكثر من ذلك بالمائة من (الشرح الكبير) مأخوذ بحروفه من المغني، وما يختلف معه إلا في أشياء يسيرة لا أقول: في الأحكام، بل في الكلام، مثل ما يُحتاج إليه من تحوير الكلام من شرح للخِرَقي إلى شرح للمقنع، وفي (المقنع) مسائل لا توجد في (مختصر الخرقي)، فهو يلتقطها من (المغني) في مواطنها ويصبها في شرح (المقنع)، وعلى كل حال الأصل (المغني) والفضل لمؤلفه، ولا شك أن (الشرح الكبير) فيه فائدة، لا سيما لمن يعتمد على (المقنع) أو على مختصره (زاد المستقنع)؛ لأن (الزاد) صار معوَّل أكثر المتأخرين عليه، وهو محل عناية أهل العلم في الشروح المكتوبة والمسموعة، وفي الدروس، ويحفظه الطلاب، فصار عمدةً عند المتأخرين، ومن يريد أن يراجع المسائل للاستزادة على ما في شروح (الزاد) يصعب عليه أن يراجعها في (المغني) إلا في مراجعة الفهارس، ويحتاج إلى شيء من العناء والتعب، لكن باعتبار أن ترتيب مسائل (الزاد) على ترتيب مسائل (المقنع) فـ(الشرح الكبير) أيسر له في المراجعة، فهو من هذه الحيثية مفيد وإلا فالفضل لله -جل وعلا- ثم لصاحب (المغني)، ومعوَّل صاحب (الشرح الكبير) على (المغني) نفسه، وقد أحسن الشيخ محمد رشيد رضا حينما طبع الكتابين في كتاب واحد، فجعل (المغني) في أعلى الصفحات، وكتاب (الشرح الكبير) في أسفلها، وبهذه الطريقة يَفتضِح المتأخر الناقل؛ لأنه جُمع الكلام للمطَّلِع في مكان واحد، كلام صاحب (المغني) فوق، وكلام صاحب (الشرح الكبير) تحت، وإذا قارن وما وجد بينهما فرقًا فلا شك أن مثل هذا يؤثر في نفس طالب العلم، ومع ذلك جرى المتقدمون على النقل ممن سبقهم أحيانًا بعزوٍ وأحيانًا بغير عزو، ولا يُشك في نياتهم وأنهم يريدون أن يتشبعوا بما لم يُعطوا، وأنهم يأخذون كلام أهل العلم ليتزيدوا به، إنما الظن بهم الإخلاص، لكن من باب تقريب العلم وتيسيره يسلكون مثل هذه المسالك، ولا يُظن بهم غير ذلك، وإلا لو فعله أحد من طلاب الدراسات النظامية لا سيما في الرسائل العلمية بهذه الطريقة لما قُبلت منه، وما ذلك إلا لأن النيات دُخلت، فلا يُظن بأن صاحب (الشرح الكبير) يُريد أن يتزيد بهذا الكتاب الذي لو طُبع جاء في عشرة مجلدات وليس له من الجهد فيه إلا مجلدًا واحدًا لو صُفِّي، بينما لو جاء طالب وسجَّل رسالة علمية في شرح كتاب ونقله من كتاب آخر رُدت عليه؛ لأن النيات تغيَّرت، والأمر الثاني أن أولئك محتسبون لا يريدون جزاء من أحد ولا طمعًا دنيويًا، بينما المتأخرون من طلبة الشهادات وإن كانت النيات -ولله الحمد- موجودة؛ للتمكين من التعليم ومن غيره من الأعمال التي تنتفع بها الأمة، لكن يبقى أنهم يتقاضون عليها أجرًا دنيويًا فلا يُقبل منهم هذا العمل.

وشمس الدين عبد الرحمن بن قدامة في (الشرح الكبير) يريد أن يشرح (المقنع) ويقرِّب فهمه للطلاب، ويذكر لهم مذاهب أهل العلم معولًّا في ذلك على كتاب (المغني)، ولا شك أن (المقنع) أكثر بكثير في المسائل من (الخرقي).