التربية في زماننا في غاية العسر

عنوان الدرة: 
التربية في زماننا في غاية العسر
مصدر الدرة: 
شرح كتاب التوحيد
التصنيف: 
آداب

محتوى الدرة

يوجد في بعض البيوت من لا يأمر ولا ينهى، فينشأ الصغير على هذا ويشب عليه، ويكون أمر العبادة كأنه لا يعنيه حتى إذا كبر، وهذا واضح في بيوت المتدينين يعرفون الأحكام، وإذا نُشّؤوا على الخير نشأوا عليه، وفي شاب من أولاد المشايخ من المفرطين من المتساهلين بلغ إلى حدود العشرين وهو ينام النهار كله، ويجمع الصلوات، لكنه ضابط للأذكار أذكار الصباح والمساء؛ لأنه عود عليها، ومرن عليها، ونشئ عليها، ونعرف كبار الشيب في لحاهم ورؤوسهم ومع ذلك لا يعرفون الأذكار لأنهم ما نُشّؤوا عليها، وكذلك في الفروع الأخرى مما ينبغي أن يعنى به الأب في تربية أولاده.

وينشأ ناشئ الفتيان منا

 

على ما كان عوده أبوه

قد يقول قائل: من أننا فجأة نرى ابن بعض الناس العاديين نجده ملتزم، وطالب علم، وحريص على العلم، وحريص على العبادة، بينما نجد العكس من بعض أولاد المشايخ وطلاب العلم، نقول: الهداية بيد الله، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، والحكمة الإلهية من ذلك ظاهرة؛ لئلا يقول: اهتدى ولدي لأني ربيته على علم عندي، ينسب ذلك لنفسه؛ ولئلا يقال: ضل فلان لأن والده لم يفعل السبب أو لأنه ما بذل السبب المطلوب، وينظر بعض العامة إلى أولاد المشايخ وطلاب العلم وإلى أهليهم ثم يرمونهم بالتقصير، يقولون في بعض الكبار: إنه لو كان فيه خير لنفع أولاده، نفع نساءه وبناته، لو فيه خير! وش الفرق بين امرأة فلان العالم الفلاني وامرأة جاره؟ ما فيه فرق، هذا ما نفعهم، فكيف يتصدى لنفع الناس وقد ضيع من أؤتمن عليهم؟! وما يدريهم أن هذا يحترق، يتقطع قلبه أساً وحزناً على أولاده ونسائه، وبذل من الأسباب الشيء الكثير، حتى أن منهم من إذا ذكر عنده هذا الأمر يبكي وهو من الكبار! لكن عجز، بذل السبب والنتيجة بيد الله، وإذا نظرنا إلى ما تقدم من حديث: ((النبي يأتي وليس معه أحد)) هل نقول إن هذا قصر؟! النبي يأتي معه الرجل والرجلان أين بقية الناس؟! ما بذل السبب في هدايتهم؟ بذل السبب؛ لكن {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} [(48) سورة الشورى] {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ} [(54) سورة النــور] والأب ما عليه إلا التوجيه، ويفعل ما يستطيعه من بذل للمعروف ونهي عن منكر بقدر استطاعته، والظروف التي نعيشها فيها شيء من الاضطراب، أحياناً الإنسان يحتاج إلى اللين فإذا جربه إذا به لا يجدي، وأحياناً يحتاج إلى الشدة فإذا جربها لم تجد، التربية في غاية العسر في هذه الأيام؛ لأن الأب لا يستقل بتربية أولاده، والذي يتولى تربيتهم أكثر منه غيره، يعني يخرج من البيت في السادسة أو السابعة إلى ما بعد صلاة الظهر هذا ربع الوقت راح، ليس للوالدين فيه نصيب؛ إنما إن يسر الله له معلماً ناصحاً مخلصاً أو الضد، فالتربية بيد غيره، إذا خرج من البيت يحتاج إلى أن يرتاح، يحتاج إلى أن يلعب و يلهو، ثم تتلقفه وسائل الإعلام، وتؤدي دورها ونفوذها في قلوب الناس أشد من نفوذ غيرها من الوالدين وغيرهما.

فعلى الإنسان أن يبذل السبب، وأن يلح في الدعاء إلى الله -جل وعلا-، بعض الكتاب المعاصرين بلغت به الوقاحة إلى أن قال: إن نوحاً -عليه السلام- فشل في دعوته لأنه دعاهم تسعمائة وخمسين سنة ولا استطاع أن يؤثر فيهم، حتى أقرب الناس إليه، امرأته وولده أقرب الناس إليه، ما استطاع أن يؤثر فيهم فهو فاشل في هذا -نسأل الله العافية-، ما يدري أن أجره موفور عند الله -جل وعلا-، وقد أدى ما عليه، وأما كونهم يهتدون أو لا يهتدون هذا بيد الله، والله -جل وعلا- يقول لنبيه: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [(56) سورة القصص] حرص على هداية عمه ولكنه لم يستطيع، القلوب بيد الله -جل وعلا-، يقول عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه فشل في دعوته في مكة والطائف ونجح في المدينة هذا -نسأل الله العافية- سوء أدب، وقاحة، وقد يكون وراءه ما وراءه من الأفكار التي جعلته يقول مثل هذا الكلام؛ لأن مثل هذا الكلام لا يقال من فراغ، ولا يمكن أن يقول الإنسان هذه الكلمة من أول الأمر، يعني رجل مستقيم صحيح العلم والعمل ثم مفاجأة يقول هكذا، لا، يعني بشر المريسي متى وصل إلى أن يقول: سبحان ربي الأسفل؟! يعني: هل قالها بمجرد أنه قال بالقول بنفي العلو ونفي الصفات مباشرة قال هذا؟! لا، لا، قبله مقدمات كثيرة، كل مصيبة وكل سيئة تجر إلى ما بعدها، إلى ما وراءها بالتدريج، يعني قتل الأنبياء من قبل بني إسرائيل يعني ما جاء مباشرة، معلل  {وذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ} [(61) سورة البقرة] كان هناك معاصي سهلت لهم بالتدريج شيئاً فشيئاً إلى أن وصلوا إلى هذا الحد.