المَخْرَجْ مِنَ الفِتَنْ

عنوان الدرة: 
المَخْرَجْ مِنَ الفِتَنْ
مصدر الدرة: 
شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري
التصنيف: 
متفرقات

محتوى الدرة

الأُمَّةُ الآنْ تُفْتَتَنْ وتُمْتَحَنْ وتُخْتَبَر؛ لِيُنْظَر مَدَى تَمَسُّكِها بِدِينِهَا، اللهُ -سُبْحَانَهُ وتَعَالى- يَفْتِنْ؛ لِيَخْتَبِرْ {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء/35]، {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} [طه/40] ويَفْتِنْ ويَخْتَبِرْ ويَبْتَلِي الخَلْقْ بَعْضَهُم بِبَعْضْ، فَالفَاتِنْ مِنَ الخَلْقْ بِإِذْنِ اللهِ -عزَّ وجل- وَإِرَادَتِهِ، ولا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ إِرَادَتِهِ، آثِمْ إِنْ لَمْ يَتُبْ {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ} [البُرُوج/10] والمَفْتُونْ: الطَّرَفْ الآخَرْ، وهُو الأُمَّةُ الإِسْلامِيَّة فِي مِثْلِ هَذِهِ الظُّرُوفْ، الفِتْنَة لهَا سَبَبْ، وهُو إِدْبَارُهَا عَنْ دِينِهَا، إدبارها عن دينها، هَذَا هُوَ السَّبَبْ, فُتِنَّا وابْتُلِينَا بِأَعْدَائِنَا؛ والنَّتِيجَة إنْ اسْتَفَدْنَا مِنْ هَذِهِ الفِتَنْ، وَرَجَعْنَا إِلَى دِينِنَا؛ صَارَتْ الفِتْنَةُ خَيْراً لَنَا، وإنْ اسْتَمَرَّ بِنَا الغَيُّ والضَّلالْ؛ صَارَتْ سُوءاً عَلَى سُوءْ {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ} [الأنبياء/35]، ابْتُلِينَا سِنِينْ؛ بَلْ عُقُودْ فِي هَذِهِ البِلادْ وغَيْرِهَا بِالجُوعْ، والخَوْف، والقَتْل، والنَّهْب؛ وثَبَتَ أَكْثَرُ المُسْلِمِينْ عَلَى دِينِهِم، فَلَمْ يَتَنَازَلُوا لا عَنْ دِينْ ولا عِرْضْ، ثُمَّ ابْتُلُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِالسَّرَّاءْ فَفُتِحَتْ عَلَيْهِم الدُّنْيَا التِّي خَشِيَهَا النَّبِي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- عَلَى أُمَّتِهِ ((والله لا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُم؛ ولَكِنْ أَخْشَى أَنْ تُفْتَحَ عَلَيْكُم الدُّنْيَا كَمَا فُتِحَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ؛ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا؛ فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ)) وهَذَا هُو الحَاصِلْ، فُتِحَتْ عَلَيْنَا الدُّنْيَا؛ فَحَصَلَ الخَلَلْ الكَبِيرْ الابْتِلاء بِالشَّرْ, الابْتِلاء بِضِيقِ ذَاتِ اليَدْ بِالفَقْرْ يَتَجَاوَزُهُ كَثِيرٌ مِن النَّاسْ؛ لَكِنْ الابْتِلَاءْ بِالسَّعَة وانْفِتَاحْ الدُّنْيَا والغِنَى هَذَا قَلَّ مَنْ يَتَجَاوَزُهُ؛ وَلِذَا حَصَلَ مَا حَصَلَ مِنْ الخَلَلْ الكَبِيرْ بَعْدَ أَنْ فُتِحَتْ عَلَيْنَا الدُّنْيَا وهَذَا أَمْرٌ تُشَاهِدُونَهُ، النِّعَمْ كُفِرَتْ عَلَى كَافَّة المُسْتَوَيَاتْ -إِلَّا مَنْ رَحِمَ الله-، لَوْ نَظَرْنَا إِلَى وَاقِعْ عُمُومْ المُسْلِمِينْ عَامَّةُ النَّاسْ، وَجَدْنَاهُمْ لَمَّا فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ الدُّنْيَا؛ فَرَّطُوا فِي أَمْرِ الله -عَزَّ  وَجَل-، وتَنَكَّبُوا عَنْ الجَادَّة، وقُلْ مِثْلَ هَذَا فِي بَعْضِ مَنْ يَنْتَسِبْ إِلَى العِلْم، وبَعْض مَنْ يَنْتَسِبْ إِلَى طَلَبِ العِلْمْ فِضْلًا عَنْ عِلْيَةِ القَوْمْ!!! ابْتُلِينَا فَمَا شَكَرْنَا, ابْتُلِينَا بِالضَّرَّاءْ فَصَبَرْنَا والحَمْدُ لِله، وتَجَاوَزَ أَهْلُ هَذِهِ البِلَادْ وغَيْرهم مِنْ بِلَادِ الإِسْلامْ تَجَاوَزُوا فِتْنَة الضَّرَّاءْ فِي عُقُودٍ مَضَتْ، ثُمَّ تَوَالَتْ عَلَيْهِمْ النِّعَمْ فَلَمْ يَتَجَاوَزُوهَا، وتَنَكَّبُوا عَنْ الجَادَّة، وبَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً، هَذَا الوَاقِعْ فِي كَثِيرٍ مِنْ بُلْدَانِ المُسْلِمِينْ  {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} [إبراهيم/28] فحَلَّ البَوَارْ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَصْقَاعِ الأَرْضْ؛ لَا سِيَّمَا فِي بِلَادِ المُسْلِمِينْ، فَنَحْنُ بِحَاجَة إِلَى أنْ نَرْجِعَ إلى دِينِنَا، وأَنْ نَعْتَصِمَ بِكِتَابِ رَبِّنَا، فَفِيهِ المَخْرَجْ مِنَ الفِتَنْ، فنَلْزَمْ كِتَابَ اللهِ -عَزَّ وَجَلْ- قِرَاءَةً ، وحِفْظًا، وتَدَبُّرًا، وفَهْمًا، وعِلْمًا، وعَمَلًا، فَفِيهِ كُلّ مَا يَحْتَاجُهُ المُسْلِمْ، ونَقْرَأَ مَعَهُ مَا يُعِينُ عَلَى فَهْمِهِ وتَدَبُّرِهِ، ومِنْ خَيْرِ مَا يُعِينْ عَلَى فَهْمِ هَذَا الكِتَابْ الذِّي فِيهِ المَخْرَجْ مِنَ الفِتَنِ كُلِّهَا مَا صَحَّ عَنْ النَّبِي -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامْ-، فَعَلَيْنَا أَنْ نُرَاجِعَ أَنْفُسَنَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الظُّرُوفْ, تُطْلُبْ النَّجَاة، والنَّجَاةُ بِالاعْتِصَام بِالكِتَابِ والسُّنَّة، والإِقْبَال عَلَى اللهِ -عَزَّ وَجَل- بِالعِبَادَاتِ الخَاصَّة والعَامَّة، اللَّازِمَة والمُتَعَدِّيَة، عَلَى الإِنْسَانْ لَا سِيَّمَا مَنْ يَنْتَسِبْ إِلَى العِلْمِ وطَلَبِهِ أَنْ يَصْدُقْ اللَّجَأْ  إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَل-، فَيُكْثِرْ مِنَ النَّوَافِلْ, يُكْثِرْ مِنْ قِرَاءَةِ القُرْآنْ، مِنْ تَدَبُّرِهِ، مِنْ تَفَهُّم مَعَانِيه، مِنْ قِرَاءَة الكُتُبْ المَوْثُوقَة في التَّفْسِيرْ؛ لِيَسْتَفِيدْ مِنْ قِرَاءَتِهِ، ويُقْبِلْ أَيْضاً عَلَى العِبَادَاتْ اللَّازِمَة مِثْل الإِكْثَار مِنْ التَّطَوُّعَاتْ مِنَ الصَّلَوَاتْ والصِّيَامْ، بِرِّ الوَالِدَيْنْ، وصِلَةِ الأَرْحَامْ، والنَّفْعِ الخَاصْ والعَامْ، يَحْرِصْ عَلَى صَلاحِ نَفْسِهِ، وصَلاحْ مَنْ تَحْتِ يَدِهِ فِي بَيْتِهِ، فِي مَسْجِدِهِ، فِي حَيِّهِ، فِي مَدْرَسَتِهِ؛ وبِهَذَا تَنْجُو هَذِهِ الأُمَّة مِنْ هَذَا المَأْزِقْ والمُنْحَنَى والمُنْعَطَفْ الخَطِيرْ الذِّي تَمُرُّ بِهِ، فَكَمَا أَخْبَر النَّبِي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامْ-: ((يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُم الأُمَمْ...))  تَدَاعَتْ الأُمَمْ الآنْ؛ لَكِنْ مَا المَخْرَجْ؟ المَخْرَجْ فِيمَا أُثِرَ عَنْهُ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامْ- مِنْ مُلَازَمَةِ كِتَابِ اللهِ -عَزَّ  وَجَل-، وفِيمَا  أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنْ قِرَاءَةِ مَا يُعِينْ عَلَى فَهْمِ كِتَابِ اللهِ -عَزَّ وَجَل- واللهُ المُسْتَعَانْ.