لا يَنْبَغِي لِمَنْ عِنْدَهُ شَيءٌ من العِلْم أنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ

عنوان الدرة: 
لا يَنْبَغِي لِمَنْ عِنْدَهُ شَيءٌ من العِلْم أنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ
التصنيف: 
طلب العلم

محتوى الدرة

إذا قَرَأَ المُتُونْ يقرأ الشُّرُوح، ويقرأ الحَوَاشِي، إذا قَرَأَ المُختصرات وانْتَهَى مِنَ المَرَاحِلْ الثَّلاث؛ يُعْنَى بالمُطَوَّلَات، وإذا كانتْ المُختصرات تُحْفَظ، ويُحْضَر بها الدُّروس، وتُقْرَأ عليها الشُّرُوح، فالمُطَوَّلَات تُجْرَد، هذهِ طريقةُ أهلِ العلم، تُقْرَأ، ولا يقول طالب: وين عشرين مُجلَّد متى يقضي؟!! يَقْضِي يا أخي، ينتهي،  عشرين مُجلَّد ينتهي، أنت لو حَسَبْتها بالحساب ما بَغت شيء، كم تبي تقرأ باليوم؟! يعني فتاوى شيخ الإسلام والطَّالب يعني وهو مرتاح يقرأ مائة صفحة في اليوم! كل خمسة أيام مُجلَّد! وهو مرتاح! نعم فتح الباري يحتاج إلى أنْ يقرأ عشر صَفحات باليوم بدل مائة صفحة؛ لأنَّهُ مَرْصُوص، ومَضْغُوطْ، علم مضغُوط، شيخ الإسلام -رحمةُ الله عليهِ- رغم ما عِنْدَهُ مِنْ مَتَانة إلاَّ أنَّهُ سَيَّال، كَلَامُهُ يَجُرّ بعضُهُ إلى بعض، يعني فتوى واحِدَة يُجِيبُها بمائتين وثلاثين صفحة شيخ الإسلام! لكنْ مثل شُرُوح ابن حجر والعيني وغيره من الشُّرُوح تحتاج إلى مُعاناة؛ لأنَّ كل سطر فيه مسألة، ومع ذلكم تنتهي، بس المسألة تحتاج إلى عزيمة صَادِقَة وجِدّ، نعم في أوَّلِ الأمر طالب العلم قد يَثْقُل عليه، ويَصْعُب عليهِ أنْ يقرأ عشرين مُجلَّد من كل كتاب، الله المُستعان كأنَّهُ يبي يشيل له جبل، كأنَّهُ يُحاول حَمْل صَخْرَة! والأمر أهْوَنْ من ذلك، فإذا قَرَأْ على الجَادَّة، واسْتَفَادْ منها على الوَجه المَطلُوب، ويَبْدَأْ  بالأسْهَلْ فالذِّي يَلِيهْ، ما يَبْدَأْ طالب العلم أوَّل ما يَبْدَأْ فتح الباري – لا – هذا يَنْقَطِعْ، يَقْرَأْ النَّووي على مُسلم ويَكْفِيهْ ثلاثة أشهُر! يَقْرَأْ الكِرْماني على البُخاري يَكْفِيه مثلها! ثلاثة أشهُر! سهلة! ولو لم يَسْتَفِدْ إلاَّ قِراءة الصَّحيح، ويَسْتَفِيد من الشَّرح فوائد عَظِيمة، قد يقول بعضُ الطُّلَّاب إنَّنا قرأنا مُطَوَّلَاتْ، وقَرَأْنا مسائل؛ لكنْ نُحاول نَسْتَذْكِر شيء ما نَذْكُر إذا انْتَهِينا! نقول – لا يا أخي – لا تَيْأَسْ، أنْت عندك علم، ما دام قَرَأْت كِتاب، عندك علم عَظِيم، فإذا بُحِث مَسْأَلَة في مَجْلِسٍ أنتَ فيهِ؛ تَمَيَّزْتْ على غَيْرِك، لا بُدَّ أنْ تَذْكُر ولو أصل المسألة، وأنَّها مَبْحُوثة في الكتاب الفُلاني أو العَلَّاني، ويَنْبَغِي أنْ يكون عندك أثناء القِراءة مُذكِّرة – دفتر -، ومعكَ أقلام مُلوَّنة؛ لأنَّ هناك من المعلُومات التِّي تَمُر عليكَ في هذهِ المُطَوَّلَاتْ كلام لا يُمْكِنْ يمر في غير هذا الكتاب؛ فَيُحْفَظْ، تَضَعْ عليهِ لُون أحمر، علشان إذا رَجعت للمُراجعة تَحْفَظ هذا الكلام، وأنت تَجْرِد إذا جَلَسْتْ تَحْفَظ منت منتهي أبد؛ لكنْ إذا أَرَدْتَ أنْ تَحْفَظْ  أشِّر عليهِ إشارة حمراء، ضَعْهُ بين قَوسين أحمرين، إذا كان هذا الكِتاب يُحْتَاج أنْ يُنْقَل ويُتَحَدَّثْ بِهِ في المَجَالِس، ويُتْحَفْ بِهِ الإخوان كونِهِ طَرِيف؛ يُوضَع عليهِ لون، إذا كانَ يُرَاد فَهْمُهُ، أو أعْجَز فَهْمُهُ ويُرَاجَعْ علِه شُيُوخ أو كذا؛ يُوضَع عليهِ لون آخر، إذا كان يُراد نَقْلُهُ مَثَلًا إلى مُذَكِّرَة، يعني كُلّ طالب علم لابُدَّ أنْ يكون عندهُ مُذكِّرَات، يَنْقُل فيها طَرائِف  العُلُوم، يَضعْ عليهِ لون آخر، فإذا انْتَهى من الكتاب يَعُود إلى هذهِ بِسُهوله يعني، أيضاً استعمال العناوين على طُرَّة الكتاب هذهِ سُنَّةٌ مَأْثُورة عند أهلِ العلم، يَسْتَذْكِر بها العلم، إذا قَرَأَ هذا المُجلَّد  بعد عشر سنين؛ يَفْتَح هذهِ  الطُّرَّة يَقْرَأْ هذهِ العناوين عشرين، ثلاثين عنوان يَتَذَكَّرُها، فلا نقول العلم متين وصعب ولا نستطيع أن ننهي – لا لا -  الآن ميسور وللهِ الحمد، يَسِير على مَنْ يَسَّرَهُ الله عليهِ، بس المَسْأَلَة تحتاج إلى إخلاص، وتأهُّل، بِحَافِظَةٍ مُسْعِفَة، وفَهْمٍ جيِّد، وأمَّا من لم تَتَوَفَّر لَدَيْهِ هذهِ الأُمُور؛ فلا يَيْأسْ؛ لِأَنَّهُ بالصَّبر، والمُثَابرة، وصِدْقِ اللُّجُوء إلى الله -جلَّ وعلا-؛ يُعِينُهُ ويُفهمه، وكم من طالب علم بارع، نابِغة، تَسْأَل عنهُ بعد حين؛ فإذا هو لا شيء! لأنَّهُ انقطع! وكم من شخصٍ مُتوسِّط الفَهَم لا يَلْبَثْ أنْ يَكُونْ مِمَّنْ يُشارُ إليهِ بالبنان؛ لِأَنَّهُ تَابعَ التَّحصِيل، وحَضَر الدُّرُوس، ونفعَ اللهُ بِهِ، أخَذ في النَّفع، أخَذ يُعلِّم النَّاس، أو يُؤلِّف؛ ولِذا يقول ربيعة بن عبد الرحمن، ربيعة  الرَّأي: "لا يَنْبَغِي لِمَنْ كانَ عِنْدَهُ شَيءٌ من العِلْم أنْ يُضَيِّعَ نَفْسَهُ"، لا يُضَيِّع نَفْسُهُ، تَخَرَّج من كُلِيَّة شَرْعِيَّة، وتَأَهَّلْ للنَّظَرْ في الكُتُبْ، ومُرَاجَعَة المَسَائل، ثُمَّ يَتَوَظَّفْ كاتب على ماصة، وسنتين وثلاثة وهو يرجع؛ الآن يمسح ما حفظ! خمس سنوات ويرجع عامِّي! لكن وش المانع إنُّه يصير وهو على كرسيُّه على وظيفته، ويشتغل بأُمُور المُسلمين عامَّة ومع ذلك يُتابع التَّحصيل، فلا يُضيِّع نَفسه، ويَستمر طالب علم، وقد يكُونُ عالِماً إذا بَذَلْ؛ لِأَنَّهُ لَنْ يَكُون عالم إلاَّ إذا بَذَل، يَعْنِي عَلَّم، تَعَلَّم، وعَلِمَ، وعَلَّم، وبهذا ينمُو العِلْم و يَزْكُوا ،  وأَلَّف، هذا من قَوْلِ رَبِيعة وهو كلامٌ يَنْبَغِي أنْ يُعَضَّ عليهِ بالنَّواجِذْ.