كتاب النكاح من سبل السلام (3)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.

صلى الله عليه وسلم.

سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

قال المؤلف –رحمه الله تعالى وإياكم-: "عَنْ أبي هُرَيْرةَ -رضيَ اللهُ عنْهُ- قال: قالَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تُزَوِّجُ المرْأةُ المرْأَةَ، ولا تُزَوِّجُ المرْأَةُ نَفْسَهَا». رَوَاهُ ابنُ ماجَهْ والدارَقُطْنيُّ، وَرجالُهُ ثِقاتٌ".

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أولاً هذا من أدلة الجمهور على اشتراط الوليّ في النكاح، كما تقدم في حديث: «لا نِكاح إلا بوليِّ»، ومن أوضح الأدلة على اشتراط النكاح عند الجمهور، وهو من أقواه، حديث: «لا نكاح إلا بوليِّ»، صححه الإمام البخاري –رحمه الله تعالى- مرفوعًا مع أنه قيل بإرساله، قال أبو حاتم بإرساله، هذا هو مذهب جمهور أهل العلم، وأبو حنيفة لا يرى اشتراط الوليّ في النكاح كما تقدم.

والإمام مالك –رحمه الله تعالى- يرى أن الدنيئة تُزوج نفسها بخلاف الشريفة، ولا شك أن الراجح هو قول الجمهور؛ لقوة أدلتهم، وعدم معارضتها من قِبل غيرهم بما يُقنع به.

"عَنْ أبي هُرَيْرةَ -رضيَ اللهُ عنْهُ- قال: قالَ رسولُ الله –صلى الله عليه وسلم-: « لا تُزَوِّجُ المرْأَةُ المرْأَةَ، ولا تُزَوِّجُ المرْأةُ نفْسَهَا». رَوَاهُ ابنُ ماجَهْ والدارَقُطْنيُّ، ورجالُهُ ثِقاتٌ.

فيه دليل على أن المرأة ليس لها ولاية في الإنكاح لنفسها، ولا لغيرها؛ فلا عبرة".

إذا لم تُنكِح نفسها، فلا تُنكح غيرها بطريق الأولى، من باب أولى لا تُنكح غيرها.

"فلا عبرة لها في النكاح إيجابًا ولا قبولاً، فلا تزوّج نفسها بإذن الولي ولا غيره، ولا تزوج غيرها بولاية ولا بوكالة، ولا تقبل النكاح بولاية ولا وكالة؛ وهو قول الجمهور.

وذهب أبو حنيفة إلى تزويج العاقلة البالغة نفسها، وابنتها الصغيرة، وتتوكل على الغير؛ لكن لو وضعت نفسها عند غير كفء؛ فلأوليائها الاعتراض.

وقال مالك: تزوج الدنية نفسها دون الشريفة؛ كما تقدم، واستدل الجمهور بالحديث، وبقوله –تعالى-: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ}[البقرة:232]".

{فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ}[البقرة:232]، هذه من أقوى الأدلة من القرآن لاشتراط الوليّ، فالخطاب هنا للأولياء، ولولا أن لهم اعتبارًا في الشرع؛ لما توجه الخطاب إليهم، {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ}[البقرة:232]، فلا يجوز للوليِّ أن يعضل موليته، فلو لم يكن له حق الولاية، لما اتجه الخطاب إليه؛ لأنه إذا لم يكن له حق لا يُزوج، فلا يعضل، ويتجاوز إلى المرأة نفسها، لو كانت تُزوج نفسها، فيتجه الخطاب إليها، وهنا وجه الخطاب إلى الأولياء، وهذه الآية من أصح الأدلة من كتاب الله –جلا وعلا- على اشتراط الوليّ.

"قال الشافعي –رحمه الله-: هي أصرح آية في اعتبار الولي، وإلا لما كان لعضله معنى؛ وسبب نزولها في معقل بن يسار؛ زوّج أخته، فطلقها زوجها طلقة رجعية، وتركها حتى انقضت عدتها، ورام رجْعتها.

فحلف أن لا يزوجها، قال: ففيه نزلت هذه الآية.

رواه البخاري، زاد أبو داود: فكفَّرتُ عن يميني، وأنكحتها إياه.

فلو كان لها تزويج نفسها؛ لم يعاتب أخاها على الامتناع، ولكان نزول الآية؛ في بيان أنها تزوّج نفسها.

وبسبب نزول الآية يُعرف ضعف قول الرازي: إن الضمير للأزواج، وضعف قول صاحب".

كيف يعود الضمير إلى الأزواج، والأزواج منصوصٌ عليهم في الآية؟ منصوص، {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ}[البقرة:232]، كيف يكون المعنى: لا تعضلوا أيها الأزواج زوجاتكم أن ينكحن أزواجهن؟ يجيء هذا أم ما يجيء؟

ما يمكن، القرآن أفصح الكلام، ولا يمكن أن يأتي بهذه الركة في المعنى، ولا في التركيب، فلا تعضلوهن أيها الأزواج أن ينكحن أزواجهن، لا يمكن، وإنما الخطاب متجه إلى الأولياء الذين يُتصور منهم العضل، وهو منع المولية من قبول كُفئها، هذا متجه إلى الأولياء، وهو الظاهر، نعم.

"وضعف قول صاحب (نهاية المجتهد): إنه ليس في الآية إلا نهيهم عن العضل، ولا يُفهم منه اشتراط إذنهم في صحة العقد، لا حقيقة ولا مجازًا".

نعم، نهيهم عن العضل يدل على أن لهم دورًا في عقد النكاح، ورد الخاطب، وقبول الخاطب، لولا أن لهم دورًا في قبول الخاطب ورد الخاطب لما نُهوا عن العضل، فإغفال هذا المدلول من الآية لا شك أنه تعطيلٌ للنص عن معناه، يعني الآية تتضمن أمورًا منها: تحريم العضل، وأن العاضل آثم، وتنتقل الولايةُ منه إلى من بعده، ومنها أيضًا الدلالة الظاهرة على أن الوليّ له دورٌ بل الدور له في القبول والرد.

"بل قد يُفهم منه ضد هذا، وهو أن الأولياء ليس لهم سبيل على من يلونهم. انتهى".

هذا في غاية السقوط، هذا الكلام في غاية السقوط.

"ويُقال عليه: قد فَهِم السلف شرط إذنهم".

نعم، فَهِمَ السلف أن الأولياء لهم الحق في القبول والرد، وأن لهم الكلمة في إبرام العقد، بدليل سبب النزول، ودخول ما يدل عليه سبب النزول، دخول قطعي في النص العام، دخوله قطعيّ.

 فالقصة التي حصلت لمعقل بن يسار زوجت ابنته من كفء، ثم طلقها هذا الكفء، طلقة رجعية، وتركها إلى أن انتهت العدة، فبانت منه بينونة صغرى بمعنى أنه لا يملك رجعتها إلا بعقد جديد، ومهر جديد، كأسوة الخُطاب، لما تقدم لخطبتها من جديد بعد انتهاء عدتها، أقسم أخوها ألا يزوِّجها إياه. فالآن المدار كله على الأخ، لو لم يكن الأخ هو الوليّ، وهو الذي يقبل، وهو الذي يمنع، وبسبب يمينه نزلت الآية، لنزلت الآية لبيان أن الأخ لا قيمة له، لوُجِّه الزوج، أو الخاطب الذي كان زوجها قبل الطلاق، أن يتقدم إلى المرأة نفسها، فلما توجه الخطاب إلى هذا الأخ، وفهم الأخ هذا من الآية، كفَّرَ عن يمينه وزوجها إياه، وفهم السلف لا شك أنه أولى من فَهْم من بعدهم.

"ويُقال عليه: قد فهم السلف شرط إذنهم في عصره –صلى الله عليه وسلم-."

اللهم صلِّ وسلم على محمد.

"وبادر من نزلت فيه إلى التكفير عن يمينه والعقد، ولو كان لا سبيل للأولياء، لأبان الله –تعالى- غاية البيان، بل كرر تعالى كون الأمر إلى الأولياء في عدة آيات، ولم يأتِ حرف واحد أن للمرأة إنكاح نفسها.

ودلت أيضًا: أن نسبة النكاح إليهن في الآيات مثل: حتى تنكح زوجًا غيره.

مراد به الإنكاح بعقد الوليّ؛ إذ لو فهم –صلى الله عليه وسلم- أنها تنكح نفسها، لأمرها بعد نزول الآية بذلك، ولأبانها لأخيها أنه لا ولاية له، ولم يبح له الحنث في يمينه والتكفير".

نعم، نسبة النكاح إلى المُطلقة ثلاثًا حتى تنكح زوجا غيره، نسبة هذا النكاح إلى المرأة؛ لأن النكاح يُطلق باعتبارين: باعتبار العقد، وباعتبار الوطء.

يُطلق النكاح ويُراد به العقد، ويُطلق ويُراد به الوطء، فباعتبار العقدِ الأمر بالإنكاح مُتجه إلى الأولياء، فهم الذين يتولون العقد.

 وبالنسبة للوطء متجه إلى المرأة نفسها، فلا يُراجعها، ولا يمكن أن ترجع إلى زوجها الأول الذي طلقها ألبتة ثلاثًا، حتى تنكح زوجًا غيره، بمعنى حتى يطأ الزوج الثاني.

"ويدل لاشتراط الولي، ما أخرجه البخاري وأبو داود من حديث عروة، عن عائشة: أنها أخبرته: أن النكاح في الجاهلية، كان على أربعة أنحاء: منها نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها.

ثم قالت في آخره: فلما بعث محمد –صلى الله عليه وسلم- بالحق، هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم.

فهذا دال على أنه –صلى الله عليه وسلم- قرر ذلك النكاح المُعتبر فيه الولي، وزاده تأكيدًا بما قد سمعت من الأحاديث، ويدل له نكاحه –صلى الله عليه وسلم- لأم سلمة، وقولها".

نعم، من أنكح في الجاهلية وهي على أربعة أنحاء: منها النكاح بغير وليّ، يتفق الرجل مع المرأة ويتزوجها، ومنها: النكاح بالإرث، يرث الزوجة من مورثه، ويحل له حينئذٍ وطؤها، ولو كانت زوجة أبيه –عندهم-.

ومنها: الزنا الصريح –عندهم- يسمونه نكاحًا، وهو البِغاء.

هذه الصور أبطلها الإسلام.

الصورة الرابعة: وهو أن يتقدم الخاطب إلى الوليّ، يخطب منه موليته، فيوافقه على ذلك، ويعقد له عليها، وهذا هو الذي أقرَّه الإسلام.

"ويدل له نكاحه –صلى الله عليه وسلم- لأم سلمة، وقولها: إنه ليس أحد من أوليائها حاضرًا".

نعم، لو لم يكن الوليّ شرطًا، لما قالت: "إنه ليس أحد من أوليائي حاضر" ما يحتاج ولي، المسألة إيجاب وقبول، تقول: زوجتك نفسي، ويقول: قبلت، وينتهي الإشكال، لكنه أقرَّها –عليه الصلاة والسلام-.

"ولم يقل –صلى الله عليه وسلم-: أنكحي أنت نفسك! مع أنه مقام البيان، ويدل له قوله –تعالى-: {وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ}[البقرة:221]  فإنه خطاب للأولياء؛ بأن لا ينكحوا المسلمات المشركين.

ولو فرض أنه يجوز لها إنكاح نفسها، لما كانت الآية دالة على تحريم ذلك عليهن؛ لأن القائل بأنها تنكح نفسها يقول: بأنه ينكحها وليها أيضًا؛ فيلزم أن الآية لم تف بالدلالة على تحريم إنكاح المشركين للمسلمات؛ لأنها إنما دلت على نهي الأولياء من إنكاح المشركين، لا على نهي المسلمات أن ينكحن أنفسهن منهم، وقد عُلم تحريم نكاح المشركين المسلمات؛ فالأمر للأولياء دال على أنه ليس للمرأة ولايةٌ في النكاح".

الخطاب متجه إلى الأولياء، ولا تنكحوا أيها الأولياء مولياتكم المشركين، ولو كان الخطاب متجهًا إلى النساء أنفسهن، لجاء بغير هذه الصيغة، لكان صيغة الآية: "ولا تنكحن المشركين" يعني ولا تتزوجن المشركين، لكن الآية وجَّهت الخطاب إلى الأولياء، ولا تنكحوا مولياتكم المشركين أيها الأولياء.

"ولقد تكلم صاحب (نهاية المجتهد) على الآية بكلام في غاية السقوط، فقال".

نعم، هذا ابن رشد في (بداية المجتهد) تكلم على الآية، كما تكلم عن الآية التي قبلها.

"فقال: الآية مترددة".

لأن ابن رشد يرى في المسألة رأي الإمام أبي حنيفة، لا يرى اشتراط الوليّ، فالذي يرى ويتجه إلى قول، ويقتنع به، يحاول جاهدًا أن يصرف النصوص ولو بالتعسف، كما فعل صاحب (بداية المجتهد).

"فقال: الآية مترددة بين أن تكون خطابًا للأولياء، أو لأولي الأمر، ثم قال: فإن قيل: هو عام، والعام يشمل أولي الأمر والأولياء، قلنا: هذا الخطاب إنما هو خطاب بالمنع، والمنع بالشرع يستوي فيه الأولياء وغيرهم، وكون الولي مأمورًا بالمنع بالشرع، لا يوجب له ولاية خاصة بالإذن، ولو قلنا: إنه خطاب للأولياء يوجب اشتراط إذنهم في النكاح، لكان مجملاً لا يصح به عمل".

مُجمل؛ لأن الخطاب يحتمل أن يكون موجهًا إلى الأولياء، وإلى ولاة الأمور، وما دام مُجملًا فيحتمل هذا، وهذا، فيحتاج إلى بيان، لكنه بُيِّن في النصوص الأخرى، مع أن الأمر قد يتجه إلى الوليّ مباشرة إذا كان للمرأة وليّ فقد يتجه إلى وليّ الأمر، الذي هو السلطان، فالسلطان وليّ من لا وليّ له.

"لأنه ليس فيه ذكر أصناف الأولياء، ولا مراتبهم، والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة. انتهى.

والجواب: أن الأظهر أن الآية خطاب لكافة المؤمنين المكلفين، الذين خوطبوا بصدرها؛ أعني قوله: {وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ}[البقرة:221].

والمراد: لا ينكحهن من إليه الإنكاح وهم الأولياء، أو خطاب للأولياء ومنهم الأمراء عند فقدهم أو عضلهم، لما عرفت من قوله: «فإن اشتجروا، فالسلطان وليّ من لا وليّ لها». فبطل قوله: إنه متردد بين خطاب الأولياء وأولي الأمر.

وقوله: قلنا: هذا الخطاب إنما هو خطاب بالمنع بالشرع.

قلنا: نعم، قوله: والمنع بالشرع يستوي فيه الأولياء وغيرهم.

قلنا: هذا كلام في غاية السقوط؛ فإن المنع بالشرع هنا للأولياء الذين يتولون العقد".

نعم، لمن يتجه إليه المنع، الخطاب لمن يتجه إليه المنع، لمن يتأتى منه أن يُخاطب بمثل هذا الكلام.

يعني رجل ليس عنده بنات، يُمكن أن يُوجَّه إليه{وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ}[البقرة:221] ؟ ليس عنده بنات ولا أخوات، ولا موليات، ولا موكلات؟ لا يمكن أن يُوجه إليه، لكن الخطاب يتوجه لمن يُتأتى خطابه، وهو من لديه مولية.

"فإن المنع بالشرع هنا للأولياء الذين يتولون العقد؛ إما جوازًا كما تقوله الحنفية، أو شرطًا كما يقوله غيرهم.

فالأجنبي بمعزل عن المنع؛ لأنه لا ولاية له على بنات زيد مثلاً، فما معنى نهيه عن شيء ليس من تكليفه، فهذا تكليف يخص الأولياء، فهو كمنع الغني عن السؤال، ومنع النساء عن التبرج.

فالتكاليف الشرعية: منها ما يخص الذكور، ومنها ما يخص الإناث، ومنها ما يخص بعضًا من الفريقين، أو فردًا منهما، ومنها ما يعم الفريقين، وإن أراد أنه يجب على الأجنبي الإنكار".

المقصود أن الخطاب الشرعي يُوجه إلى من يُتصور توجيهه إليه، {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}[النور:30]، هل يمكن أن يوجه إلى العميان؟ لا يمكن أن يوجه إلى العميان، إذا كان يمكن توجيهه إلى بعض الناس دون بعض، فلا يعني إلغاءه ممن يمكن توجيهه إليه، كما يقول صاحب (بداية المجتهد).

"وإن أراد أنه يجب على الأجنبي الإنكار على من يزوج مسلمة بمشرك، فخروج من البحث.

وقوله: ولو قلنا إنه خطاب للأولياء، لكان مجملاً لا يصح العمل به عمل، جوابه: أنه ليس بمجمل؛ إذ الأولياء معروفون في زمان من أُنزلت عليهم الآية".

نعم يعرفون أولياءه، ويعرفون ترتيبهم في هذا الباب وفي غيره، كما أنهم يعرفون ترتيب الوارثين، ويعرفون ترتيب الأحق بالإمامة، ويعرفون، المقصود أنها أولويات جاء الشرع ببيانها.

"وقد كان معروفًا عندهم، ألا ترى إلى قول عائشة: يخطب الرجل إلى الرجل وليته؛ فإنه دال على أن الأولياء معروفون.

وكذلك قول أم سَلمة له –صلى الله عليه وسلم-: ليس أحد من أوليائي حاضرًا. وإنما ذكرنا هذا؛ لأنه نقل الشارح –رحمه الله- كلام (النهاية)، وهو طويل، وجَنَحَ إلى رأي الحنفية، واستقواه الشارح –رحمه الله-، ولم يقو في نظري ما قاله، فأحببت أن أنبِّه على بعض ما فيه.

ولولا محبة الاختصار لنقلته بطوله، وأَبَنْت ما فيه.

ومن الأدلة على اعتبار الوليّ، قوله –صلى الله عليه وسلم-"

اللهم صلِّ على محمد.

"«الثيب أحق بنفسها من وليها»، فإنه أثبت حقًّا للولي، كما يفيده لفظ «أحق»، وأحقيته: هي الولاية".

نعم، يفيد أفعل التفضيل أن المُفضل، والمُفضل عليه اشتركا في وصف، زاد أحدهما على الآخر في هذا الوصف، الثيب أحق، والوليّ له حق؛ لأنهما اشتركا في الأحقية، لكن الثيب أحق من الوليّ في هذا الباب، الأحق في الاختيار، في القبول، لكن إبرام العقد ليس لها فيه نصيب، «أيما امرأة تزوجت من غير إذن وليها فنكاحها باطل، ولا نكاح إلا بوليّ»، وهذا يشمل الثيب والبكر.

"وأحقيته: هي الولاية، وأحقيتها: رضاها؛ فإنه لا يصح عقده بها إلا بعده، فحقها بنفسها آكد من حقه".

نعم، لا يعقد الوليّ حتى ترضى المرأة، فلا يجوز لوليها أن يُجبر لا البكر ولا الثيب، البالغة، لا البكر البالغة ولا الثيب، لا يجوز له إجبارها، لكن لا بد أن يأخذ رأيها، فالثيب تُستأمر، يُطلب رأيها وكلامها، والبكر تُستأذن.

"فحقها بنفسها آكد من حقه؛ لتوقف حقه على إذنها.

وعَنْ نَافع عن ابن عُمَرَ –رضي الله عنهما- قَالَ: نهى رسولُ الله -صلّى اللهُ عليه وسلم- عَنِ الشِّغار، والشِّغارُ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ، على أنْ يُزَوِّجَهُ الآخرُ ابْنَتَهُ، وَلَيْسَ بيْنَهُمَا صَدَاقٌ. متفقٌ عليْهِ".

نعم، الشِّغار الأصل فيه الخلو، وكما تقرأون وتسمعون عن مسألة وظائف شاغرة مثلاً، يعني خالية عن موظفين يشغلونها، فالشِّغار هو الخلو، وسُمي الشِّغار شِّغارًا؛ لخلوه عن المهر، فنهى النبي –صلى الله عليه وسلم- عن نكاح الشِّغار.

 وفسَّره الراوي بأنه يعني الرجل يُزوج موليته من آخر على أن يُزوجه الآخر موليته، وليس بينهما صداق، فخلوُّه من الصداق يُسمى شِّغارًا.

 وهذا التفسير مُختلفٌ فيه من نافع، أو من مالك، جاء ما يدل على أن نافع هو الذي فسَّر الشِّغار كما في الصحيح، وجاء أيضًا ما يدل على أن مالكًا هو الذي فسَّره.

"وعن نافع عن ابن عمر –رضي الله عنهما- قال: نهى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن الشِّغار؛ والشِّغار فسره بقوله: «أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ، على أنْ يُزوِّجهُ الآخرُ ابْنتَهُ، وليْسَ بيْنَهُمَا صَداقٌ». متفقٌ عليه. واتفقا على أنَّ تفسير الشِّغار في كلام نافع.

قال الشافعي: لا أدري التفسير عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أو عن ابن عمر، أو عن نافع، أو عن مالك، حكاه عنه البيهقي في (المعرفة)".

نعم، هذه الصورة الظاهرة المنصوص عليها في الشِّغار يكون البضع في مقابل البضع، ولا صداق، يدخل في هذا لو وجد صداق اسمًا لا أثر له في الواقع، وإنما هو لرفع التحريم، يعني يتفق زيد وعمرو على أن يزوج كل واحد منهما الآخر ابنته، البنت في مقابل البنت، والشيء المُسمى اليسير هو من مجرد التحليل، هذا تحايُل، ولا يُخرج الصورة عن الشِّغار المُحرم تسمية هذا المهر الذي هو مجرد حيلة يُتوصل بها إلى التحليل.

 لكن لو قُدِّر أن زيدًا من الناس خطب من عمرو ابنته، وزوَّجه إياها على المُتبع بالشروط والأركان من غير تواطؤ، ثم بعد ذلك تُوفيت زوجة عمرو مثلاً، واحتاج إلى زوجة، وبحث فخطب من زيد ابنته، وزوَّجه إياها بصورة واضحة جليَّة. لا شيء في ذلك؛ لأنه لم يُشترط بضع هذه في مقابل هذه.

"وقال الخطيب: إنه ليس من كلام النبي –صلى الله عليه وسلم-، وإنما هو من قول مالك، وصل بالمتن المرفوع، وقد بيّن ذلك ابن مهدي والقعنبي، ويدل أنه من كلام مالك أنه أخرجه الدارقطني من طريق خالد بن مخلد عن مالك قال: سمعت أن الشِّغار أن يزوّج الرجل.. إلى آخره.

وأما البخاري، فصرَّح في كتاب (الحيل): أن تفسير".

هذه الرواية لا تدل على أنَّ مالكًا هو الذي فسّر الشِّغار، يقول: سمعتُ، ولعله سمع من نافع، فيعود إلى ما في الصحيح، وهو أن الإدراج والتفسير إنما كان من نافع.

"وأما البخاري فصرَّح في كتاب (الحيل): أن تفسير الشِّغار من قول نافع.

قال القرطبي: تفسير الشِّغار بما ذكر، صحيح موافق لما ذكره أهل اللغة؛ فإن كان مرفوعًا، فهو المقصود، وإن كان من قول الصحابي، فمقبولٌ أيضًا؛ لأنه أعلم بالمقال، وأفقه بالحال. انتهى.

وإذ قد ثبت النهي عنه، فقد اختلف الفقهاء، هل هو باطل، أو غير باطل؟

فذهبت الهادوية والشافعي ومالك إلى أنه باطل؛ للنهي عنه، وهو يقتضي البطلان.

وللفقهاء خلاف في علة النهي لا نطول به، فكلها أقوال تخمينية.

ويظهر من قوله في الحديث: لا صداق بينهما، أنه على النهي.

وذهبت الحنفية وطائفة إلى أن النكاح صحيح، ويلغو ما ذكر".

لا، علة للنهي ظلم المُولية؛ لأنه إذا اشترط على الخاطب أن يُزوِّجه ابنته فلا شك أنه ليس بكفء لهذه المولية؛ إذ لو كان كفئًا لما احتاج إلى شرط، لكن تصور المسألة بشخص بحث على من يتزوج فلم يجد، وعنده بنت، لم يجد زوجة، وعنده بنت، فتقدم إليه شخص فقال له: أزوجك البنت، لكن على أن تُزوّجني بنتك، فتُظلم البنت، وقد يقبل الأب تزويج شخص ليس بكفء؛ لأنه يطمع في موليته، فيحصل الضرر على المرأة، وهذه هي العلّة.

 أما بكون ليس بينهما صداق الصداق نعم، مُعتبر في الشرع، لكن اعتباره لا لأنه ذو شأن، أو ذو بال، لا، «التمس ولو خاتمًا من حديد» قد يَفرض، أو يُفرض في الشِّغار أكثر من خاتم من حديد، ومع ذلك لا يجعل الصورة تخرج عن دائرة الشِّغار، إنما الملحوظ في مسألة الشِّغار أن تُظلم المرأة.

طيب، لو كان كل واحد منهما كفئًا للآخر، كفئًا للزواج، بل كل واحد منهما فرصة لأن يُزوج، وقَبِل كل واحد من المرأتين، الزواج بأن تقدم إليها، وسُمي صداق، لا نقول: إن هذا شِغار؛ لأنه لا أثر ولا ظلم على المرأتين، لكن الكلام فيما إذا كان أحدهما لا يُرغب فيه، وإنما فرصة، عنده بنت يُساوم عليها، لا يزوجها إلا إلى شخص يريد أن يزوّجه، فيقبل بزواجه، هذا ظلم.

 من ظلم المرأة أن لا يقبل تزويجها من شخص إلا أن يدفع له مبلغًا كبيرًا له، ولو لم يكن كفئًا، أو يفعل له فعلًا، أو يعمل له عملًا لا يستطيع أن يحققه إلا بواسطة هذا البغي.

 فالمنظور إليه ظلم المرأة، ثم إذا وقع النكاح على هذه الصورة، يصح أم ما يصح؟ على أمل أن كل واحد منهما يُزوج موليته من الآخر، بينهما صداق حيلة، أو ليس بينهما صداق، وأُلزِم كل واحد منهما بمهر المثل، كما هو معروف بمن زوجت من غير صداق، الآن مهر المثل، هل يكون النكاح صحيحًا، أو غير صحيح؟.

 النهي ثابت، والنهي يقتضي التحريم، هل يقتضي البطلان، أو لا يقتضي؟ هل نقول: النكاح باطل، أو ليس بباطل؟ يعني هل النهي عاد إلى ذات العقد، إلى ذات المنهي عنه، أو إلى أمر خارج؟

طالب: ...........

الصداق ليه صداق مُسمى، يُجزئها، ولا يوجد هذا التبادل.

طالب: ...........

هو حرام إذا شاركوا، كلٌّ منهما آثم وظالم في الوقت نفسه، لكن هل نقول: إنه باطل؟ الجمهور قال: إنه باطل، نكاحٌ باطل، لا بد أن يُفرق بينهما، وقال بعضهم: النهي عام، لا من الخارج ولا لذات العقد، العقد توافرت فيه الشروط والأركان، والنهي أمرٌ خارج عن منظور لا يتعلق بالأركان.

 بمعنى أن كل نكاح على حدة صحيح، لو تقدم زيد إلى عمرو خطب موليته ورضيت، ثم بعد ذلك دفع المهر ولو كان يسيرًا؛ صح النكاح، النكاح صحيح، إنما أمرٌ خارج، وهو ارتباطه بنكاح أخرى، ومُقتضى القواعد أنه لا يبطل إذا توافرت شروطه وأركانه مع التحريم.

"وذهبت الحنفية وطائفة إلى أن النكاح صحيح، ويلغو ما ذُكر فيه؛ عملاً بعموم قوله تعالى: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء}[النساء:3] ، ويُجاب".

وهؤلاء ممن، النسوة من طاب من النساء، يدخلن في عموم قوله: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء}[النساء:3].

"ويُجاب بأنه خصه النهي".

هي المسألة في تطبيق القاعدة، هل النهي يعود إلى ذات المنهي عنه، يعود إلى ذات العقد، أو إلى شرطٍ من شروط العقد؟

 نعم، لو تضمن في العقد إجبار المولية قال: لا أزوجك، حتى تزوجني، شخص كبير سن، لم يجد زوجة، وعنده بنت تقدم لها شخص، قال: شريطة أن تزوجني بنتك، فأجبره، أكرهه، هذه مسألة ثانية، يعني هذه مسألة أخرى، مسألة الإجبار يأتي الكلام فيها، لكن المسألة المتصورة فيما إذا رضي كل واحدة منهما، نقول: نعم، خالفوا النهي، وارتكبوا المُحرم، والنكاح صحيح، نعم.

"وَعنِ ابن عباسٍ –رَضيَ اللهُ عنْهُمَا-: أَنِّ جاريةً بكْرًا أَتَتِ النّبيَّ –صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَذَكرَتْ أنَّ أَباهَا زَوَّجَها وَهيَ كارهةٌ، فَخَبّرهَا رسُولُ اللهِ –صلَّى الله عليه وسلَّم-".

اللهم صلِّ وسلم على محمد.

"رَواهُ أحْمَدُ وأبو داودَ وابنُ ماجَهْ، وأُعِلَّ بالارْسالِ.

وأجيب عنه بأنه رواه أيوب بن سويد عن الثوري عن أيوب موصولاً".

نعم، هذا مما تعارض فيه الوصل والإرسال، منهم من يقول: الحكم للوصل مُطلقًا؛ لأنه زيادة علم، ومنهم من يرى أن الحكم للإرسال؛ لأنه مُتيقَن، والوصل مشكوكٌ فيه، وأهل العلم الأئمة الكبار لا يحكمون بحكم مُطرد في مثل هذا، بل يُرجحون يعملون بالراجح هنا، والمُرجح هنا الوصل.

"وأُجيب عنه بأنه رواه أيوب بن سويد عن الثوري عن أيوب موصولاً، وكذلك رواه معمر بن سليمان الرقي، عن زيد بن حبان عن أيوب موصولاً.

وإذا اختلف في وصل الحديث وإرساله فالحكم لمن وصله.

قال المصنف: الطعن في الحديث لا معنى له؛ لأن له طرقًا يقوي بعضها بعضًا.

وقد تقدّم حديث أبي هريرة المُتفق عليه، وفيه: «ولا تنكح البكر حتى تُستأذن»، وهذا الحديث أفاد ما أفاده، فدل على تحريم إجبار الأب لابنته البكر على النكاح، وغيره من الأولياء بالأولى.

وإلى عدم جواز إجبار الأب ذهبت الهادوية والحنفية لما ذكر، ولحديث مسلم: «والبكر يستأذنها أبوها»".

نعم، نص على أن الوليّ لا يجوز له الإجبار، ولو كان الأب ولو كانت بكرًا، لا بد من استئذانها، لا بد من إذنها، وإذنها صماتها، يعني سكوتها، فإذا أجبرها أبوها إن رضيت فالأمر لا يعدوها، وإن رفعت الأمر إلى القاضي فسخ النكاح ورده له.

"ولحديث مسلم، «والبكر يستأذنها أبوها»، وإن قال البيهقي: زيادة الأب في الحديث غير محفوظة، فقد ردّه المصنف؛ بأنها زيادة عدل يعني فيعمل بها.

وذهب أحمد وإسحاق والشافعي إلى أن للأب إجبار بنته البكر البالغة على النكاح عملاً بمفهوم: «الثيب أحق بنفسها» كما تقدم".

مفهومه إذا كانت الثيبة أحق بنفسها، يعني من وليها مفهومه أن البكر وليها أحق بها من نفسها، ولا شك أن الأدلة الصحيحة الصريحة بمنطوقها تُلغِي مثل هذا المفهوم، الأصل أن المفهوم مُعتَبر، لكن إذا عُورض هذا المفهوم بمنطوق فالمنطوق مُقَدم على المفهوم.

"فإنه دل على أن البكر بخلافها، وأن الوليّ أحق بها.

ويرد بأنه مفهوم لا يقاوم المنطوق، وبأنه لو أخذ بعمومه لزم في حق غير الأب من الأولياء، وأن لا يخص الأب بجواز الإجبار".

نعم؛ لأن المسألة وليّ، السيب أحق بنفسها من وليها، ومفهومه أن الوليّ أحق بالبكر من نفسها، والوليّ يشمل الأب وغير الأب، ولم يقل أحدٌ بأن غير الأب يُجبر البكر، لم يقل أحد من الأئمة أن غير الأب من الأولياء يُجبر البكر.

"وبأنه لو أخذ بعمومه لزم في حق غير الأب من الأولياء، وأن لا يخص الأب بجواز الإجبار.

وقال البيهقي في تقوية كلام الشافعي: إن حديث ابن عباس هذا محمول على أنه زوّجها من غير كفء، قال المصنف: جواب البيهقي هو المُعتمد؛ لأنها واقعة عين، فلا يثبت الحكم بها تعميمًا.

قلت: كلام هذين الإمامين محاماة عن كلام الشافعي".

بلا شك، هذا تعصب للمذهب مذهب الإمام –رحمه الله- وإلا فالنصوص صحيحة صريحة، وبقول الشافعي، ويقول أحمد أيضًا بأن الأب يُجبر بنته البكر.

"كلام هذين الإمامين محاماة عن كلام الشافعي ومذهبهم، وإلا فتأويل البيهقي لا دليل عليه، فلو كان كما قال، لذكرته المرأة، بل قالت".

ما قالت أنه ليس بكفء، لم تقل إنه ليس بكفء، وإنما أشارت إلى أنها مُكرهة، لم ترضَ.

"بل قالت: إنه زوّجها وهي كارهة، فالعلة كراهيتها فعليها عُلق التخيير؛ لأنها المذكورة، فكأنه قال –صلى الله عليه وسلم-: إذا كانت كارهة فأنت بالخيار.

وقوله المصنف: إنها واقعة عين، كلام غير صحيح، بل حكم عام لعموم علته؛ فأينما وجدت الكراهة".

نعم حكم المُعَلل، غير مربوط بشخص، هو مُعلَلٌ بعلة، فإذا وجدت هذه العِلة؛ شمل الحكم جميع الصور.

"فأينما وجدت الكراهة ثبت الحكم.

وقد أخرج النسائي عن عائشة: أن فتاة دخلت عليها، فقالت: إن أبي زوّجني من ابن أخيه؛ يرفع بي خسيسته، وأنا كارهة؟ قالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فجاء رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فأخبرته، فأرسل إلى أبيها، فدعاه، فجعل الأمر إليها، فقالت: يا رسول الله، قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أُعلِم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء".

ليس لهم الإجبار، وليس لهم الإكراه، لهم الولاية، ولهم العقد، لكن ليس لهم الإجبار ولا الإكراه، نعم.

"والظاهر أنها بكر، ولعلها البكر التي في حديث ابن عباس، وقد زوجها أبوها كفئًا ابن أخيه".

نعم الكفاءة موجودة، ابن العم كفء لبنت عمه، الكفاءة موجودة، المساواة في النسب موجودة، هذه كفاءة، وكفاءة الدين موجودة، يعني ما قالت: إنه غير مسلم، فالكفاءة متوفرة، نعم قد يكون يُلاحظ عليه شيء من بعض تصرفاته، قد يكون عنده بعض الخلال، وبعض الصفات التي تدل على وضاعته وخسته، كالجبن والبخل، لكن مثل هذه لا تقدح في الكفاءة، هذه الصفات وإن كانت خسيسة، ذميمة، إلا أنها لا تقدح في الكفاءة.

"وإن كانت ثيبًا فقد صرحت أنه ليس مرادها إلا إعلام النساء، أنه ليس للآباء من الأمر شيء، ولفظ النساء عام للثيب والبكر".

نعم.

"وقد قالت هذا عنده –صلى الله عليه وسلم- فأقرّها عليه".

ما قالت حتى لو كانت ثيبًا، ما قالت في نهاية الحكم إنها تريد أن تُعلِم الثيبات أنه ليس للآباء عليهن سبيل، أرادت أن تعلِم النساء، سواء كانت ثيبات أو أبكارًا، ودل على أنه لا فرق.

"والمراد بنفي الأمر عن الآباء نفى التزويج للكراهة؛ لأن السياق في ذلك، فلا يُقال: هو عام لكل شيء".

نعم.

"وعَن الحَسنِ عَنْ سَمُرِةَ –رضي الله عنه-".

فلا يُقال بعمومه بأن الآباء ليس لهم علاقة، ولا دخل في التزويج ولا، يعني وجودهم، لا، هم الأولياء، دلت النصوص المتضافرة على اشتراط الولاية في النكاح، وأولى الأولياء الأب.

طالب: ...........

المقصود أنها مكّنتْهُ من نفسها ورضيت.

طالب: ...........

يعني مُجرد ما علمت رفعت الأمر، لا بأس، مثل الشفعة.

"وعن الحَسنِ عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النّبيِّ –صلى الله عليه وسلم-: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَليّانِ، فَهي للأوَّلِ مِنْهُمَا». رَوَاهُ أحْمَدُ، والأرْبَعَةُ، وحَسّنَهُ التِّرْمِذيُّ".

حديث ضعيف؛ لأنه من رواية حسن عن سمرة، ولا يثبت سماع للحسن من سمرة إلا حديث العقيقة، في الصحيح في صحيح البخاري، قال: حبيب بن الشهيد، قال: لمحمد بن سيرين: سلِ الحسن ممن سمعت حديث العقيقة؟ فقال: من سمرة.

دلَّ على أنه سمِع حديث العقيقة من سمرة، والجمهور ينفون سماعه منه غير هذا الحديث، فالحديث ضعيف، ومعناه صحيح، أنه إذا زُوِّجت المرأة من شخص، ثم عُقِدَ لها على آخر فنكاح الثاني باطل؛ لأنه لم يصادف محلًّا، عُقِد لامرأة هي في ذمة رجل عُقِدَ له قبل ذلك.

"وعن الحسن: هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن مولى زيد بن ثابت، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بالمدينة، وقدم البصرة بعد مقتل عثمان، وقيل: إنه لقي عليًّا بالمدينة، وأما بالبصرة فلم تصح رؤيته إياه، وكان إمام وقته".

نعم.

"علمًا وزهدًا وورعًا، مات في رجب سنة  عشرة ومائة".

رحمة الله عليه.

"عن سمرة عن النبي –صلى الله عليه وسلم-: «أَيّمَا امْرَأة زَوَّجهَا وليّان فَهِي للأوَّل مِنْهُمَا». رواه أحمد والأربعة، وحسنه الترمذي.

تقدم ذكر الخلاف في سماع الحسن من سمرة.

ورواه الشافعي وأحمد والنسائي من طريق قتادة عن الحسن، عن عقبة بن عامر.

قال الترمذي: الحسن عن سمرة في هذا أصح.

قال ابن المديني: لم يسمع الحسن عن عقبة شيئًا.

والحديث دليل على أن المرأة إذا عقد لها وليان لرجلين، وكان العقد مترتبًا أنها للأول منهما؛ سواء دخل بها الثاني أو لا.

أما إذا دخل بها عالمًا، فإجماع أنه زنًا، وأنها للأول، وكذلك إن دخل بها جاهلاً إلا أنه لا حدّ عليه؛ للجهل.

فإن وقع العقدان".

نعم، يُدرى الحد بالشبهة، الجهل شبهة، لكن لا بد من التفريق.

"فإن وقع العقدان في وقت واحد، بطلا، وكذا إذا عُلِمَ ثم التبس، فإنهما يبطلان، إلا أنها إذا أقرت الزوجة أو دخل بها أحد الزوجين برضاها، فإن ذلك يقرر العقد الذي أقرّت بسبقه؛ إذ لحق عليها، فإقرارها صحيح، وكذا الدخول برضاها، فإنه قرينة السبق لوجوب الحمل على السلامة".

طالب: ...........

نعم.

طالب: ...........

أصح من الثاني؟

طالب: ...........

أضعف منه، أضعف، يعني على ما في رواية الحسن عن سمرة أقوى من روايته هنا، أفعل التفضيل عند أهل الحديث لا يستعملونه على بابها، فلا يعني أصح أنه صحيح، ولا يعني قوله ما أضعف أنه ضعيف، لا، لكن أصح يعني أقوى منه وإن كان ضعيفًا، وقد يكون الأضعف، وإن كان صحيحًا أن يقول: إنه أضعف من كذا؛ لأنه بالمقابل تضعيف نسبي هذا.

طالب: ...........

انتهى شرحه.

طالب: ...........

نعم، الآن دور الأسئلة، تقول: ما رأيكم في بالعمل الذي يعمله بعض الناس، أن يأخذ المرأة، ويُشهد شاهدين بدون وليّ، هل هذا رأي أبي حنيفة؟

 إذا لم يوجد وليّ يوجد رضا وبقية الشروط، هذا رأي أبو حنيفة –رحمه الله-.

 يقول: لماذا يكنى الإمام أحمد بأبي عبد الله، وله ابنٌ أكبر من عبد الله وهو صالح؟

 بل هناك تعليل من العلماء حول ذلك، لا شك أن صالحًا أكبر من عبد الله، كما هو معروف، صالح ابن الإمام أحمد أكبر من عبد الله، فإما أن يكون الإمام أحمد –رحمه الله- له ابنٌ أكبر من صالح يُقال له: عبد الله ثم مات، هذا احتمال، والأمر الثاني أن عبد الله في خدمة أبيه، وقد تفرغ لهذا الشأن، للحديث والعمل به، وهو أقرب إلى الإمام وإلى طريقته وهديه، وصالح كما هو معروف تولى القضاء، والسلف ينفرون ممن يتولى القضاء، على كل حال هذا ما ذُكِر، والله المستعان.

هذا أيضًا بعث سؤالًا يقول: ما رأيكم بمن يقول: إن التفريق هذا اليوم في النسب تعصب وجاهلية، هل هذا كلامٌ صحيح؟ وما رأيكم بالعادة السارية بين الناس عدم تزويج الخضير كما يُقال بالقبيل؟

نعم، هذه من دعوى الجاهلية التعصب للقبائل، والأنساب، وقد أخبر النبي – عليه الصلاة والسلام- أنها لا تُترك، هذه من أمور الجاهلية، وقد ترجم الإمام البُخاري –رحمه الله تعالى- باب (الأكفاء في الدين)، وذكر تحت الباب أن ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ابنة عمة النبي –عليه الصلاة والسلام- قرشية هاشمية كانت تحت المقداد وهو مولى.

على كل حال، ترك مثل هذا الأمر للآثار المترتبة عليه وللشقاق وللنزاع أمرٌ مطلوب، لكن أيضًا كون الإنسان يتعصب لهذا الأمر لا شك أنه من دعوى الجاهلية.

يقول: هل يجوز أن أقرأ وأرقي أبنائي وأنا على جنابة؟

 لا، لا يجوز للجُنب أن يقرأ القرآن، ولا يقرأ منه شيئا.

ما المقصود: بـ {مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء}[النساء:3] ؟

 المقصود بها واحدة تطيبُ لها النفس، نفس الإنسان يستطيع الزواج بها، وهو ما طاب، يعني من صلح من النساء، فالطيب خلاف الخبيث، فمطلوب من المسلم أن يبحث عن المرأة الطيبة طابت في نفسها، في عملها، وما طاب لكم من النساء في دينها، وما طاب من ألفاظ العموم، فيشمل واحدة، واثنتين، وثلاث، والأربع، {مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ}[النساء:3].

يقول: من الإباضية؟

 الإباضية فرقة من فرق الخوارج.

هذا يسأل عن زواج المسيار.

نعم، يعملون ويحكمون بمذهب أبي حنيفة، وأراد أن يتزوج منهم، هل يُشترط وجود الوليّ أم يسير على مذهبهم؟

 لا، لا بد من وجود الوليّ، لا بد من اشتراط الوليّ.

يقول: إذا حُكِمَ لامرأةٍ بالطلاق لتغيب الزوج في جهادٍ، ولا يُعلم بوفاته من حياته، وبعد العدَّة تزوجت المرأة رجلًا آخر؟

 معروف أن الغائب يُحكم بوفاته إن كان السفر غالبُه السلامة بعد أن يبلغ تسعين سنة من ولادته، وإذا كان غالبه الهلاك بعد مُضي أربع سنوات من غيابه، فإذا حكم الحاكم بوفاته واعتدَّت امرأته، بعد ذلك لها أن تتزوج، لكن إذا جاء الزوج الأول فهي له.

يقول: ما حكم زواج المسيار، وما شروطه؟

 شروطه، الشروط المُعتبرة للنكاح، لكن قد يتفقون على عدم الإعلان مع وجود الوليّ والشهود، ومعرفة الأقارب بالزواج، المقصود أنه لا يقرب في خفائه من نكاح الشبهة، فإذا وجد الوليّ، والشهود، والمهر، والإيجاب، والقبول صح النكاح، ولو اشترط عليها أن لا قسم لها ولا نفقة، وتنازلت على ذلك فالأمر لا يعدوها.

اقرأ.

"وعَنْ جابرٍ -رَضيّ اللهُ تعالى عَنْهُ- قالَ: قالَ رسولُ اللهِ –صلى الله عليه وسلم-: «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزوجَ بغَيْر إذْنِ مَوَاليهِ أوْ أَهْلِهِ فهُوَ عاهرٌ». رواهُ أحمدُ وأبو داودَ والتِّرْمِذِيُّ، وَصحّحَهُ، وكذلكّ صححهُ ابنُ حِبِّان".

نعم هذا العبد إذا تزوج من غير إذن مواليه، اشترط عليهم؛ لأنه مملوك لا يملك من أمره شيء، هو في حكم ما يُملك من الأموال فيتزوج بغير إذن، فنكاحه باطل، «فهو عاهر» يعني في حكم الزاني، نعم.

"وعَنْ جَابرٍ -رضيَ اللهُ عنْهُ- قال: قالَ رسولُ اللهِ –صلى الله عليه وسلم-: «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزوجَ بغَيْر إذْنِ مَوَاليهِ أوْ أَهْلِهِ فهُوَ عاهرٌ». أي زانٍ، رواهُ أحمدُ وأبو داودَ والتِّرْمِذِيُّ، وَصحّحَهُ، وكذلكّ صححهُ ابنُ حِبِّان.

ورواه من حديث ابن عمر موقوفًا، وأنه وجد عبدًا له تزوج بغير إذنه، ففرق بينهما، وأبطل عقده، وضربه الحدّ.

والحديث دليل على أن نكاح العبد بغير إذن مالكه باطل، وحكمه حكم الزنا عند الجمهور، إلا أنه يُسقط عنه الحد إذا كان جاهلاً للتحريم، ويلحق به النسب.

وذهب داود إلى أن نكاح".

لأنه نكاح شُبهة، متوافر الشروط والأركان، إلا الإذن، هذه شُبهة تدرأ عنه الحد، وتُلحِق به النسب.

"وذهب داود إلى أن نكاح العبد بغير إذن مالكه صحيح؛ لأن النكاح عنده فرض عين، فهو كسائر فروض العين لا يفتقر إلى إذن السيد".

لا يحتاج إلى إذن كغيره من فروض الأعيان، يعني هل العبد يستأذن سيده لأداء الصلاة؟ لا يحتاج إلى إذن هذا، مُستثنى شرعًا، وما دام النكاح فرض عين عند داود يرى أنه لا يحتاج إلى إذن؛ لأنه من فروض الأعيان.

طالب: ...........

ما يحتاج إذن على قول داود، لكن الجمهور، لا، ما هو لا بد من الإذن عند الجمهور.

"وكأنه لم يثبت لديه الحديث.

وقال الإمام يحيى: إن العقد الباطل لا يكون له حكم الزنا هنا، ولو كان عالمًا بالتحريم؛ لأن العقد شبهة يدرأ بها الحدّ.

وهل ينفذ عقده بالإجازة".

ليس كل عقدٍ شبهة، لو عقد على محرم من محارمه، أو عقد على زوجة أبيه، هذه شُبهة؟ أو نقول: الأمر أعظم من كونه وطئًا فقط، أعظم من الزنا؛ لأن العقد يدل على أنه مستحل، على أنه يرى أنه حلال، ولذا أمر النبي- عليه الصلاة والسلام- بقتل من عقد على زوجة أبيه، وخمَّس ماله؛ لأنه بعقده هذا استحل ما أُجمِعَ على تحريمه.

"وهل ينفذ عقده بالإجازة من سيده؟ فقال الناصر والشافعي: لا ينفذه بالإجازة؛ لأنه سماه النبي– صلى الله عليه وسلم- عاهرًا".

نعم، والعاهر نكاحه باطل، الزنا ليس بنكاح أصلاً، فلا ينفذ بالإجازة، لا بد من تجديد.

"وأُجيب: بأن المراد إذا لم تحصل الإجازة، إلا أن الشافعي لا يقول بالعقد الموقوف أصلاً، والمراد بالعاهر أنه كالعاهر، وأنه ليس بزانٍ حقيقة".

نعم.

"وعنْ أبي هُريْرَةَ -رَضيّ اللهُ عنْهُ-: أنَّ رسولَ اللهِ –صلى الله عليه وسلم- قالَ: «لا يُجْمَعُ بيْنَ الْمَرْأَةِ وعَمّتِهَا، ولا بيْنَ الْمَرْأةِ وخَالَتِهَا». مُتّفَقٌ عَلَيْهِ".

نعم هذا مما زيد في السُّنَّة على ما جاء في كتاب الله من المُحرمات، في النسب، والرضاع، والمُصاهرة، هذا مما زيد في السُّنَّة، والسُّنَّة اشتملت على أحكامٍ زائدة على ما في القرآن، وخُص به عموم قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ}[النساء:24].

"وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يُجْمَعُ». بلفظ المضارع المبين للمجهول، ولا نافية فهو مرفوع، ومعناه النهي، وقد ورد في إحدى روايات (الصحيح) بلفظ: نهى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أن يجمع «بَيْنَ الْمَرْأَةِ وعَمّتِهَا، ولا بيْنَ الْمَرْأَةِ وخَالتِهَا». متفقٌ عليه.

في دليل على تحريم الجمع بين من ذُكِر.

قال الشافعي: يحرم الجمع بين من ذُكِر، وهو قول من لقيته من المفتين، لا خلاف بينهم في ذلك.

ومثله قال الترمذي، وقال ابن المنذر: لست أعلم في منع ذلك اختلافًا اليوم".

نعم، الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها محل إجماع بين أهل العلم.

"وإنما قال بالجواز فرقة من الخوارج".

نعم؛ لأنهم لا يرون العمل بالسُّنَّة، بيننا وبينكم كتاب الله، لا يرى العمل بغير الكتاب، وهذا الحكم لا يوجد في كتاب الله، وإنما هو موجود في السُّنَّة.

"ونقل الإجماع أيضًا ابن عبد البر وابن حزم والقرطبي والنووي.

ولا يخفى أن هذا الحديث خصص عموم قوله –تعالى-: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ}[النساء:24]. الآية.

قيل: ويلزم الحنفية أن يجوّزوا الجمع بين من ذكر؛ لأن أصولهم تقديم عموم الكتاب على أخبار الآحاد، إلا أنه".

لأن عندهم مثل هذا من باب الزيادة على النص، والزيادة على النص نسخ، والآحاد لا ينسخ القطعي، لا ينسخ المتواتر، آحاد السُّنَّة لا ينسخ القرآن، فعلى مقتضى الأصول عندهم أن يردوا مثل هذا الخبر، لكنهم رأوا أن شهرة هذا الخبر واتفاق العلماء على العمل به يُقويه ويرفعه عن رتبة الآحاد، نعم.

"إلا أنه أجاب صاحب (الهداية) بأنه حديث مشهور، والمشهور له حكم القطعي لا سيما مع الإجماع من الأمة، وعدم الاعتداد بالمخالف".

الحنفية منهم من يجعل المشهور مرتبة متوسطة بين المتواتر والآحاد، ومنهم من يراه من أقسام المتواتر، قسمٌ من أقسام المتواتر.

"وعنْ عُثمان -رضيَ اللهُ تعالى عنْهُ- قالَ: قالَ رسولُ اللهِ –صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-: «لا يُنكِحُ الْمُحْرمُ ولا يُنْكِحُ»".

هذا يسأل يقول: ما وجه كون المتزوج زوجة أبيه مستحلاًّ؟

 لو كان رآه حرامًا ما عقد عليها، لو كان يراه حرامًا لوطئها زنا، أو لتركها، لكنه يرى أنه يُحللها في العقد، فهو مُستحِل.

"وعنْ عُثمان -رضيَ اللهُ تعالى عنْهُ- قالَ: قالَ رسولُ اللهِ –صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-".

اللهم صلِّ على محمد.

"«لا يُنكِحُ الْمُحْرمُ ولا يُنْكِحُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وفي روايةٍ لَهُ: «ولا يَخْطبُ»، زَادَ ابنُ حبّانَ: «ولا يُخْطَبُ عَلَيه»".

تقدم في الحج أن المُحرم لا ينكح، لا يتزوج، ولا يُنكح، يعني لا يُزوج، ولا يخطب لنفسه ولا تُخطب منه موليته.

"وعن عثمان –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «لا يَنْكِحُ»".

صلى الله على محمد.

"بفتح حرف المضارعة من نكح «الْمُحْرِمُ، ولا يُنْكِحُ» بضمه من أنكح، رواه مسلم".

الأول من الثلاثي، والثاني من الرباعي، نعم.

"وفي رواية له: أي: لمسلم عن عثمان «ولا يَخْطبُ»: أي لنفسه أو لغيره، زاد ابن حبان «ولا يُخْطَبُ عَلَيْهِ».

وتقدم ذلك في كتاب (الحج)، إلا قوله: «ولا يخطب عليه»، والمراد أنه لا يخطب أحد منه وليته".

نعم.

"وَعنِ ابْنِ عَبّاسٍ –رضيّ اللهُ عَنْهُمَا- قال: تَزَوَّجَ رسولُ الله –صلى الله عليه وسلَّم- مَيْمُونةَ وهوَ مُحْرمٌ. مُتّفقٌ عليْهِ".

نعم هذا يُخالفه الحديث الذي قبله، "تزوج ميمونة وهو محرم" هذا حديث ابن عباس، وثبت من حديث ميمونة نفسها أن النبي –صلى الله عليه وسلم- تزوجها وهو حلال، كذلك ثبت من حديث أبي رافع وهو السفير بينهما أنه تزوجها وهو حلال.

 وحمل بعضهم حديث ابن عباس أنه مُحرم، يعني دخل في الحرم، داخل الحرم، وإن لم يكن مُتلبسًا بالإحرام، ومنهم من يقول: هو في شهر حرام، وإن لم يكن مُحرما مُتلبس بالإحرام.

"الحديث قد أكثر الناس فيه الكلام، لمخالفة ابن عباس لغيره.

قال ابن عبد البر: اختلفت الآثار في هذا الحكم، لكن الرواية أنه تزوجها وهو حلال جاءت من طرق شتى، وحديث ابن عباس صحيح الإسناد، لكن الوهم إلى الواحد".

يعني عموم خرجه الصحيح، لكنه مُخالَف، والوجه الآخر هو أنه تزوجها –عليه الصلاة والسلام- وهو حلال رُوي من وجوه وعن عدة من الصحابة، ولا شك أن الوهم يتطرق، والخطأ يتطرق إلى الواحد، أكثر من تطرقه إلى جماعة، نعم.

"لكن الوهم إلى الواحد أقرب من الوهم إلى الجماعة.

فأقل أحوال الخبرين أن يتعارضا، فتطلب الحجة من غيرهما، وحديث عثمان صحيح في منع نكاح المحرم، فهو المعتمد. انتهى.

وقال الأثرم: قلت لأحمد: إن أبا ثور يقول: بأي شيء يدفع حديث ابن عباس أي: مع صحته؟ قال: والله المستعان، ابن المسيب يقول: وهم ابن عباس، وميمونة تقول: تزوجني وهو حلال. انتهى.

يريد بقول ميمونة ما رواه عنها مسلم وهو: عن ميمونة نفسها –رضي الله عنها-: أن النبي– صلى الله عليه وسلم-".

وهي صاحبة الشأن، وصاحب الشأن يضبط ما يتعلق به أكثر من غيره.

"أن النبي –صلى الله عليه وسلم- تزوجها وهو حلال، وعضد حديثها حديث عثمان، وقد تُؤُوِّلَ حديث ابن عباس بأن معنى: وهو محرم، أي: داخل في الحرم، أو في الأشهر الحُرُم، جزم بهذا التأويل ابن حبان في (صحيحه)، وهذا التأويل بعيد لا تساعد عليه ألفاظ الأحاديث، وقد تقدم الكلام في هذا في الحج".

لكن لا مانع من ارتكاب مثل هذا التأويل؛ لئلا يتطرق التوهيم إلى الصحابي.

"وَعَنْ عُقْبَةَ بنِ عامِر –رضيَ اللهُ تعالى عنْهُ- قال: قالَ رسُولُ الله –صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أنْ يُوَفى بهِ، مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ». مُتفقٌ عليْهِ."

قف عليه، قف على هذا.

 اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد.

"الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد".

اللهم صلِّ على محمد.

"قال: المؤلف- رحمه الله تعالى وإياه-: وَعَنْ عُقْبَةَ بنِ عامِر –رضيَ اللهُ عنْهُ- قال: قالَ رسُولُ الله –صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أنْ يُوَفى بهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ». مُتفقٌ عليْهِ."

هذا الحديث الصحيح يؤكد ما جاء من الأمر بالوفاء بالعهود، والشروط والمواثيق، وأن هذا الباب يعني باب النكاح أولى الأبواب التي وفَّى بها لأهمية هذا العقد، ولتأكده، ولعظم ما يترتب عليه، هذا عقدٌ يُستحل به، أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله.

 اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.

نقول: هذا الحديث الصحيح يؤكد ما جاء في النصوص نصوص الكتاب والسُّنَّة.