شرح كتاب الإيمان من صحيح مسلم (25)

عنوان الدرس: 
شرح كتاب الإيمان من صحيح مسلم (25)
عنوان السلسلة: 
شرح صحيح مسلم
تاريخ النشر: 
خميس 22/ جمادى الأولى/ 1439 10:15 ص

سماع الدرس


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أم بعد،

 فيقول الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في صحيحه مما ترجم عليه النووي في قوله: "باب بيان تجاوز الله تعالى عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر".

"باب بيان تجاوز الله تعالى عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر، وبيان أنه-سبحانه وتعالى- لم يُكلِّف إلا ما يطاق، وبيان حكم الهم بالحسنة وبالسيئة".

القصد له مراتب، القصد له مراتب، القصد إلى الشيء له مراتب، أولها: الهاجس، ثم الخاطر، وبعضهم يعكس، ثم حديث النفس، ثم الهم، ثم العزم. وما بعد ذلك إلا الفعل الذي له وجودٌ في الخارج، فيخرج عما في القلب إلى عالم الشهود، عندك الخاطر ثم الهاجس أو الهاجس ثم الخاطر على خلاف بين أهل العلم، والأمر في هذا سهل؛ لأنها كلها معفوٌ عنها، ثم حديث النفس، مرتبة ثالثة، ثم الهم، ثم العزم. نُظِمت في قول الشاعر:

مراتبُ القصدِ خمسٌ هاجس ذكروا

 

فخاطرٌ فحديث النفس فاستمعَ

يليه همٌ ثم عزمٌ كلها رُفِعت

إلا الأخير؛ إلا الأخير الذي هو إيش؟ العزم، ففيه الإثم قد وقعَ. ففيه الإثم قد وقعَ.

وقد يتبين ذلك من شرح الأحاديث التي أوردها الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-. يقول -رحمه الله تعالى-:

"حدثنا محمد بن منهال الضرير، وأمية بن بسطام العيشي".

محمد بن منهال الضرير، وأمية بن بسطام العيشي.

"واللفظ لأمية".

إذا روى مسلم الحديث عن اثنين فاللفظ لأيهما؟ عند مسلم للمنصوص عليه، يقول: واللفظ لأمية، والثَّاني له المعنى، حديثه يرويه بالمعنى، أمية بن بسطام العيشي هو صاحب اللفظ، أورد مسلم الحديث بلفظه، وبمعنى ما ذكره أو ما رواه محمد بن منهال الضرير، مسلم ما فيه إشكال؛ لأنه ينصّ ويبين على صاحب اللفظ، بخلاف الإمام البخاري الذي لا يبين، ولا يذكر صاحب اللفظ، فيروي الحديث عن اثنين، ولا يقول: اللفظ لفلان. كما يصنعه الإمام مسلم. فهل اللفظ لفظ الراويين، أو أنه يتجاوز ويتساهل في هذا، ولا يؤثر الفرق سواء كان باللفظ أو بالمعنى؟ لأن جماهير أهل العلم يجيزون الرواية بالمعنى، ابن حجر -رحمه الله- يقول: ظهر بالاستقراء، ظهر بالاستقراء أن البخاري إذا روى الحديث عن اثنين، فاللفظ للآخر منهما، الثّاني إن كان عن اثنين، فاللفظ للآخر منهما.

"واللفظ لأمية قالا: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا رَوحٌ وهو ابن القاسم عن العلاء" ابن عبد الرحمن، "عن أبيه عن أبي هريرة قال، عن أبيه عن أبي هريرة قال" لما نزلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[البقرة:284]".

يعني الظاهر والخفي عليه الحساب، حتى ما يُكَن في النفس يُحاسَب عليه.

"{يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[البقرة:284]"، قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".

ولا شك أن هذا فيه شدة على المكلفين، وإذا كان هذا الخوف والوجل من الصحابة الذين عايشوا النبي -عليه الصلاة والسلام-، وهم خير القرون، فما الشأن فيمن بعدهم؟ حينما كثر التساهل في الأفعال والأقوال، فضلاً عما يُكَن في النفوس، وتُضمره القلوب، لا شك أن هذا شديد.

"قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".

وهذا لا شك أنه من حرصهم على إبراء ذممهم، وهم سباقون إلى مثل هذا. {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}[الأنعام:82] قالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فأخبرهم النبي -عليه الصلاة والسلام- أن المراد بالظلم الشرك، الظلم الشرك، لو جاء شخص يظلم الناس في أعراضهم وفي أموالهم، يشكو من حاله ويقوله: إن الله -جل وعلا- قال: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}[الأنعام:82] تقول له: المراد بالظلم الشرك؟ يعني ما أنت عليه غير داخل؟ من ظلم الناس في أموالهم وأعراضهم؟

لكن إذا جاءك شخص تظهر عليه حال علامات الاستقامة والصلاح والخوف والوجل من الله -جل وعلا- تُخفف عليه، لكن إذا جاء مسترسل ومفرِّط لا شك أن جوابه يختلف عن جواب الأول، مثل هذا يقال في الأفراد والجماعات والمجتمعات، إذا وُجِد عالم مربٍّ موجه في بيئةٍ مُفرِّطة، يتركبون الذنوب والمعاصي، ويتساهلون في الواجبات فهل يكثر عليهم من نصوص الوعد؟ أو من نصوص الوعيد؟ من نصوص الوعيد من أجل أن يرتدعوا، وبالعكس إذا وُجِد في بيئةٍ متشددة بيئةٍ مُفرِطة أتى لهم بنصوص الوعد ليخفف عليهم ما هم فيه؛ لأنه لو جاء بنصوص الوعيد زاد إفراطهم وزاد تشددهم، وزادوا في غلوائهم، وخرجوا عن حيز التوسط الذي وُصِفت به هذه الأمة، ومثله في الطرف الأول.

الصحابة لما جاؤوا إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- قد خافوا خوفًا شديدًا من الآية، {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}[الأنعام:82].

قال: «ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}[لقمان:13]؟» أعظم أنواع الظلم الشرك، ويناسب الجواب هذا للصحابة.

 لكن لو جاء مثل ما قلنا، حاكمٌ ظالم يسفك الدماء ويأخذ الأموال يقول: أنا والله خائف من الظلم تقول له: الظلم الشرك؟ ما معنى هذا؟ يعني استمر على ظلمك، فالأجوبة تختلف. لما قال الصحابة للنبي -عليه الصلاة والسلام- بعد أن شقَّ عليهم واشتد عليهم ما جاء في آية البقرة، فقالوا: أي رسول الله، يعني يا رسول الله.

"كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها".

إذا كان الحساب على ما خفي في النفوس فهذا شاق، ولأن الخواطر التي تتردد في النفوس وحديث النفس هذا لا يُملَك وسيأتي بيان ذلك في أبواب لاحقة، وأن هذا ليس هو المراد، أو هو المراد ثم نُسِخ على خلاف بين أهل العلم.

"وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟»".

سمعنا وعصينا، كأنهم قالوا هذا شيء لا نطيقه ومفهومه أنه إذا كان لا يطاق لن يُفعل، إذا كان لا يطاق فالأمر البديهي أن الذي لا يطيقه الإنسان، ولا يستطيع فعله أنه لن يفعله؛ لأنه لن يفعل ما لا يطيق، لو قيل لواحد من الناس: احمل هذه السارية، فلن يقول لا، يقول: لن أطيقها وهما سيان؛ لأن النتيجة واحدة، لن يحملها؛ لأنه لن يحملها، والخلاف بين أهل العلم في التكليف بما لا يطاق في التكليف بما لا يطاق هل هو جائزٌ عقلاً واقعٌ شرعًا، أو ليس بجائز لا في العقل ولا واقع في الشرع؟

شريعتنا -ولله الحمد- تختلف عن الشرائع السابقة كما سيأتي في آية البقرة، {رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}[البقرة:286] قال: نعم، يعني أجابهم أجابهم أجاب دعوتهم كبقية الأدعية الواردة في الآية.

"«أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا»".

سمعنا وأطعنا، لا بد أن تُظهِر الاستجابة لله ورسوله، لا بد أن تُظهِر المبادرة إلى استجابة أمر الله ورسوله، ثم بعد ذلك إذا كان الأمر يشق عليك لا بد أن يوجد فيه حل في الشريعة، لا بد أن يوجد فيه حل في الشرع، ثم بعد ذلك قولوا: سمعنا وأطعنا.

 "«قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير»" كما جاء في الآية، "قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها الناس" يعني قرؤوها ورددوها، "ذلت بها ".

فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم" يعني سهُل عليهم النطق بها؛ لأن الشيء الذي يتكرر على الإنسان يسهل النطق به، بخلاف ما يقرؤه الإنسان مرة أو يسمعه مرة، وقد يكون فيه شدة وصعوبة، يصعُب على اللسان أن ينطق به، ويصعب على الأذن أن تسمعه، فذلَّت بها ألسنتهم.

"فأنزل الله في إثرها".

أو في أَثَرها بفتح الهمزة والثاء، أو كسر الهمزة وسكون الثاء إِثْرها.

"{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ}".

ظهر إيمانه في توجيه صحابته إلى ما ذكر. {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ} والمؤمنون بقولهم: سمعنا وأطعنا. بقولهم: سمعنا وأطعنا.

"{كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ}".

لأن وظيقة الرسل واحدة، والرسل دينهم واحد- وإن كانوا كما جاء في الحديث الصحيح- أولاد علات، لكن دينهم واحد، الأصل واحد، فالذي يؤمن بواحد منهم يلزمه الإيمان بالجميع، ولو فرق بينهم ولم يؤمن بواحد منهم فإنه يكفر، يكفر كما لو كفر بجميعهم، لا نفرق بين أحد من رسله.

"{وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}[البقرة:285]، فلما فعلوا ذلك" استجابوا لله ولرسوله، استجابوا لله ولرسوله "نسخها الله تعالى".

نسخها الله تعالى.

"فأنزل الله -عز وجل-: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}". {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.

"فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله -عز وجل-، نسخها الله تعالى فأنزلع الله -عز وجل-: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}".

لو استمروا على التذمر، ولم يستسلموا، ولم ينقادوا لما جاء عن الله وعن رسوله -صلى الله عليه وسلم- عوقبوا بمثل ما عوقبت به الأمم السابقة الذين قالوا: سمعنا وعصينا، لما قالوا: سمعنا وأطعنا واقترؤوها وذلت بها ألسنتهم واستجابت لها قلوبهم نسخها الله، من الذي يقول نسخها الله تعالى؟ الصحابي، المؤلف يقول: عن أبي هريرة قال: لما نزلت، من الذي يقول نسخها الله؟ الصحابي.

 وهل يثبت النسخ بقول الصحابي؟ إذا قال الصحابي: هذه الآية منسوخة، الآية كذا منسوخة بقول الله -جل وعلا- كذا، احتمال أن يكون الصحابي قد قال ذلك اجتهادًا منه، هذا احتمال، ولكن الصحابي لن يقول ذلك باجتهاده إلا عن روية، ويقين، لما تكلم به؛ لأن النسخ بابٌ عظيم، وشأنه كبير، حتى قال جمعٌ من السلف: الذي لا يعرف الناسخ والمنسوخ لا يجوز له أن يُفسِّر القرآن، وجعلوا من شرائط التفسير ومن شرائط الفتوى معرفة الناسخ والمنسوخ، معرفة الناسخ والمنسوخ، وسمع عليٌّ -رضي الله عنه- رجلاً يقصّ، فقال له: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت. لأنه قد يتكلم بشيء منسوخ، مرفوع بحكم مرفوع، بحكم آخر متراخٍ عنه.

مثل بعض الطلاب الذين سمعوا من يقول: لا يجوز التقليد، والعلم إنما يؤخذ من كتاب الله وسنَّة نبيه -عليه الصلاة والسلام-، والتفقه على الكتاب والسُّنَّة واترك كتب الرجال، يعني كتب الفقه أو الشروح أو غيرها التي تدلك على فهم الكتاب وتعينك على فهم الكتاب والسُّنَّة يقول: اتركها، مباشرة خذ من الكتاب والسُّنَّة، يخاطب بذلك طلاب مبتدئين أو عوام من الناس، ويلقي بهذا الكلام على عواهنه، وقد تلقفه بعض الشباب فأخذ يتفقه من الكتاب والسُّنَّة وقرأ في هذا الكتاب صحيح مسلم: باب ما جاء في الأمر بقتل الكلاب، فأخذ مسدسًا فلم يقف أو ير كلبًا إلا أطلق في رأسه رصاصة، باب ما جاء بالأمر بقتل الكلاب، انتهى الدرس.

الدرس الذي يليه درس الغد: باب ما جاء في نسخ الأمر بقتل الكلاب، ماذا سيصنع بهذه الكلاب التي قتلها والحكم منسوخ؟ فالنسخ أمره عظيم، وشأنه خطير، نسخها الله تعالى فأنزل الله -عز وجل-: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} لأن ما شكا أو اشتكى منه الصحابة وما شق عليهم من قوله -جل وعلا-: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}[البقرة:284] من هذا النوع، مما لا تطيقه النفوس، وما لا يطاق، فنُسِخ، ولله الحمد والمِنة.

{لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قال: نعم".

يعني: قد فعلت، أجبتُ دعوتكم.

"{وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} قال: نعم، {وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}".

قال: نعم.

"{وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}[البقرة:286] قال: نعم".

هذا الحديث يدل على أن هذه الشريعة شريعة اليسر، والتيسير والتسهيل، وليس فيها ما في غيرها من الشرائع من التكاليف الشاقة، أو التكليف بما لا يطاق، ولله الحمد والمِنَّة، ولا يعني هذا أن التكليف الذي فيه مشقة منفيٌ مطلقًا، بل التكليف في الأصل إلزام ما فيه كُلفة، التكاليف لأن المشقة تختلف من شخص إلى آخر، ومن عصرٍ إلى آخر، ومن بلدٍ إلى آخر، لكنها في الجُملة في المقدور، ليست في غير المقدور، تجد بعض الناس إذا زاد عليه البرد تيمم، قال: ديننا دين اليسر والسهولة، نعم إذا كان البرد بحيث يكون خطرًا على النفس أن تزهق أو يموت فهذا مرفوع بلا شك، لكن إذا كان في المقدور فإسباغ الوضوء على المكاره مُرغَّبٌ فيه، ما معنى المكاره؟ إذا كان الماء باردًا أو حارًّا، بعض الناس إذا أراد أن يقوم إلى الصلاة صلاة الفجر في الشتاء قال: الدين يسر، لا ما هو بيسر، لكنه دين تكاليف، كلمة حق يراد بها باطل، ليتوصل بها إلى ترك الواجبات، الجهاد الذي فيه إزهاق الروح مشقة ولا ما هو مشقة؟ وأي مشقة، لكن الدين دين تكاليف.

ولا يكلف الله نفسًا إلى وسعها، يعني الذي لا تطيقه ما فيه تكليف، ولا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها، ما يقال للأعمى: اذهب لرؤية الهلال، أو لضعيف البصر، ولم ير الهلال، رآه غيره، يلزمه الصيام، ولا يكلف الناس بإحداث آلات وأدوات من غير ما آتاهم الله -جل وعلا- لإثبات ما طُلب إثباته، ولذلك المناظير استعمالها في رؤية الهلال ليس بواجب؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا ما آتاها، لكن مع ذلك إن استُعمِلت ورُئي الهلال؛ لأن رؤيتها حقيقية، رؤية بصرية، لكن مثل النظارة، النظارة ترى الكتاب ببصرك، لكن النظارة سبب في توضيح الحروف أمامك، والمنظار سبب في توضيح الهلال، لكن لو قُدِّر أنه ما اتُّخذ مناظير ولا رآه أحد، قلنا لم ير الهلال؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا ما آتاها.

هل يلزمك مثلًا أن تشتري نظارة لتقرأ القرآن؟ النظارة موجودة، نظرك ضعف عن قراءة ما كنت تقرؤه، أو يلزمك أن تشتري مصحفًا من الحجم الكبير، لتقرأ فيه، أنت تفعل ذلك لتكسب الحسنات المرتبة على ذلك، وهذا من طمعك، من طمعك أو من طمَعِك فيما عند الله -جل وعلا-، والله لا يكلفك أن تفعل غير ما آتاك، لكن كونك تفعل ذلك لمزيد الحسنات من الله -جل وعلا- هذا لا شك أنه محمود، والله يثيبك على ذلك، وإلا فالأصل أن الله لا يكلف نفسًا إلا ما آتاها، ولا يكلف نفسًا إلا وسعها، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.

{رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قال: نعم. {رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} قال: نعم، {رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}، قال: نعم، {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}[البقرة:286] وعلماء الأصول يبحثون مسألة التكليف بما لا يطاق، منهم من يقول: يجوز عقلاً التكليف بما لا يطاق؛ لأن الخلق عبيد الله، وله أن يكلفهم بما شاء، ولكنه ليس بواقعٍ شرعًا، والخلاف لا قيمة له؛ لأن العقل عندنا لا يُشرِّع وليس بمصدر من مصادر التشريع، نعم هو عند بعض الطوائف من المسلمين كالمعتزلة كالمعتزلة عندهم أنه مصدر، وبعض الطوائف يقدمونه على النصّ، يقدمونه على النص، في أدب الدنيا والدين للماوردي قال: المتبوع التكليف إما من شرعٍ متبوع أو عقلٍ مطبوعٍ، من شرعٍ متبوع أو عقلٍ مطبوع، ولذا لمزه بعضهم بأن فيه نوع اعتزال.

{رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}، قال: نعم، والعبرة عند أهل السُّنَّة والجماعة وأهل التحقيق ما جاء عن الله وعن رسوله، ما جاء عن الله وعن رسوله، في كتاب الله وسُنَّة نبيه- عليه الصلاة والسلام-.

ثم قال: "حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كُريب وإسحق بن إبراهيم".

المعروف بابن راهويه. أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب محمد بن العلاء، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي الإمام الكبير المعروف بابن راهويه.

"واللفظ لأبي بكر".

واللفظ لأبي بكر. الآن عندنا الآن اللفظ للأول، وبالحديث السابق اللفظ لمن؟ للثاني، فليست القاعدة عنده أن يقدِّم صاحب اللفظ أو يؤخره؛ لأنه ينصّ على صاحب اللفظ بخلاف البخاري، واللفظ لأبي بكر.

"قال إسحق، قال إسحاق: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا".

إسحاق بن راهويه لا يكاد يحدث إلا بأخبرنا، وبه يُفسَّر المبهم إذا كانت صيغة الأداء أو صيغة التحديث حدثنا أخبرنا، إسحاق بن راهويه لا يقول إلا أخبرنا. قال إسحق، قال إسحاق: أخبرنا، وقال الآخران أبو بكر وأبو كريب: حدثنا.

"وكيع عن سفيان".

وكيع عن سفيان. الآن كم بين سفيان وبين مسلم؟ كم بينهم؟ اثنان، واحد من الثلاثة، ووكيع، نعم، واحد من الثلاثة ووكيع. فبين مسلم وسفيان راويان، والقاعدة التي قررها الحافظ الذهبي أنه إذا كان بين سفيان والإمام من الأئمة الستة كان بينهم اثنان فهو الثوري، وإن كان واحدًا فابن عيينة، لتأخر ابن عيينة وتقدُّم الثوري، هذه قاعدة وليست كلية، وإنما هي أغلبية، قد يكون شيخ الإمام البخاري أو مسلم أو غيرهما قد يكون شيخه معمرًا، فيدرك، قد يدرك الثوري، لكن هذه قاعدة قررها الإمام الذهبي في آخر المجلد السابع من سير أعلام النبلاء.

"عن سفيان عن آدم بن سليمان مولى خالد قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} قال: دخل قلوبهم منها شيء".

قال دخل قلوبهم منها شيء من الخوف والوجل واشتدت عليهم بشدة، شديدة. الآن لو يقرر إمام ظالم وغاشم ضرائب على الناس دخولهم لا تبلغ عشرها، ما يصيبهم منها شدة؟ يصيبهم منها شدة، والصحابة لما قرؤوا الآية قالوا: إذا كنا نحاسب على ما في القلوب فنحن نهلك، يقول.

"قال: لما نزلت هذه الآية: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}[البقرة:284] قال: دخل قلوبهم منها شيء".

يعني من الخوف والوجل.

"لم يدخل قلوبهم من شيء".

يعني غيرها. لم يدخل قلوبهم من شيء يعني غيرها؛ لأنها فيها مشقة وفيها شدة.

"فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا»".

لما جاؤوا يشتكون أو يشكون الحال على النبي -عليه الصلاة والسلام-، قال: «قولوا: سمعنا وأطعنا» سمعنا وأطعنا، وسلمنا، سمعنا وأطعنا وسلمنا.

"قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فألقى الله الإيمان في قلوبهم".

لماذا؟ لأن الإنسان قد يقول: سمعنا وأطعنا بلسانه، وقلبه على ما هو عليه، وتغير شيء لما قال: قولوا: سمعنا وأطعنا، تغير شيء من واقع الآية ودلالة الآية؟ المعنى دقيق، يعني أنت لما يقال لك شيء ثم هذا الشيء لم يتغير منه شيء، وتلزَم بأن تقول: تغير، تستطيع ولم يتغير؟ واقع الآية لم يتغير منها شيء، قولوا: سمعنا وأطعنا، نقول: سمعنا وأطعنا، هل نقوله بألسنتنا؟ الذي في القلوب تغير منه شيء؟ الشدة التي وقعت من الآية في الأصل إذا قلنا: سمعنا وأطعنا تتغير؟ لا، لكن الله ألقى الإيمان في قلوبهم، لكن الله -جل وعلا- ألقى الإيمان في قلوبهم.

 لما قال عمر -رضي الله عنه-: لأنت أحبُ الناس إلي إلا من نفسي، قال: «ومن نفسك يا عمر» قال: ومن نفسي، قال: «الآن يا عمر» ما الذي غيّر القناعة عند عمر -رضي الله عنه- أن نفسه أحب إليه من الرسول بهذه السهولة، إلا قوة الإيمان، وإلا فتغيير القناعات ما يأتي بهذه السهولة، لكن قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم.

"فأنزل الله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}".

الآن لما يأتي ثلاثة ثقات عدول يشهدون على زيد من الناس أنه زنى بفلانة وقد رأوه بأعينهم رؤية عين بصرية، رأوه يجامعها كما يجامع الزوج زوجته، ثلاثة، ولم يأتوا برابع فأولئك عند الله هم الكاذبون، يعني هل تغيّر أو غيّر نقص الشاهد الرابع في مطابقة الخبر للواقع وعدم مطابقته لينتقل الخبر من الصدق إلى الكذب؟ هذه حقائق شرعية، لا بد أن نؤمن بها، ونقول: هؤلاء الثلاثة وإن رأوه فأولئك عند الله هم الكاذبون، ما نقول: هم صادقون؛ لمطابقة خبرهم الواقع؛ لأن الله قال هذا، ونقول: هذه حقيقة شرعية، هذه حقيقة شرعية، وإن رأوه بأعينهم.

 "فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}[البقرة:286] قال: قد فعلت، { رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا} قال: قد فعلت، {وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا} قال: قد فعلت".

هاتان الآيتان من آخر سورة البقرة جاء في الحديث الصحيح أن من قرأهما في ليلة كفتاه، من قرأهما في ليلة كفتاه، قيل: كفتاه عن قيام الليل، وقيل: كفتاه ما ما أهمه وما يضره، كفتاه مما يضره وما يوقع عليه الهم.

ثم قال -رحمه الله- :

"حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد ومحمد بن عبيد الغبري، واللفظ لسعيد، قالوا: حدثنا أبو عوانة".

واسمه الوضاح بن عبد الله اليشكري، الوضاح بن عبد الله اليشكري، وتحرّف في بعض الكتب المطبوعة في الهند إلى وضاع بالعين، سئل عنه أحد الأئمة قال: ذاك وضاع، يريد وضاح اسمه، وجاء بعض المفتونين، وأبطل حديثًا صحيحًا؛ بسبب هذه الكلمة؛ لأنه صاحب هوى، وإلا فهو يعرف أن أبا عوانة اسمه الوضاح، نعوذ بالله من الهوى.

"عن قتادة".

وهو ابن دعامة السدودسي.

"عن زرارة بن أوفى".

عن زرارة بن أوفى، زرارة هذا الذي سمع الإمام يقرأ في صلاة الصبح، {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ. فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ}[المدثر8 :9] فمات -رحمه الله-. بعض الناس يشكك في مثل هذه الأخبار، يموت من سماع آية؟ هل هو أخشى لله من النبي -عليه الصلاة والسلام- الذي أنزل عليه القرآن؟ أو أخشى من الصحابة الذين هم أفضل الناس بعد الأنبياء؟ يشكك في هذا. وبعض الناس يقول: هل زرارة سمع هذه الآية أول مرة؟ سمعها مرارًا وما مات، لماذا مات في هذه اللحظة؟ الإنكار موجود من قديم، يقول ابن سيرين: هذا الذي يسمع القرآ فيغشى أو يغمى عليه ضعوه فوق جدار، فإن صدق فهو صادق، فإن سقط فهو صادق، وإلا المعنى الآخر يصير نصابًا؟ يغمى عليه، ويغشى، ثم يفيق بعد ذلك، لكن الذي مات نصاب؟ ما يمكن، هذا رأي ابن سيرين، وتبناه كثير من الناس، شيخ الإسلام يرى أنه لا مانع من وجوده، وكونه وجد في التابعين أكثر منه في الصحابة، ولم يوجد من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع أنه أتقى الناس وأخشاهم لله قال -رحمه الله-: لا شك أن القرآن ثقيل، {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا}[المزمل:5] في المقابل القلب الذي يتلقى هذا القرآن والوعاء الذي يستقبل هذا القرآن إما أن يكون قويًّا أو يكون ضعيفًا، يبقى القرآن قويًّا، قلبه -عليه الصلاة والسلام- فيه من القوة والتحمل الذي وُضع فيه من أجل استقبال هذا القول الثقيل وتبليغه للناس ما يجعله لا يتأثر مثل هذا التأثر وإلا فتأثره بالقرآن -عليه الصلاة والسلام- وبكاؤه منه، يسمع له أزيز كأزيز المرجل، وهو أتقى الناس وأخشاهم لله، قلبه قوي، يقاوم هذا الثقل، والصحابة كذلك عندهم من القوة والشدة والصلابة في الدين ما يستطيعون به أن يستقبلوا، قلوبهم قوية، يستقبلون هذا الوحي، ولا يحصل لهم شيء من ذلك، ويحصل لهم من التأثر المعروف الذي يحصل للأولياء والصالحين.

 لكن من جاء بعدهم يستحضرون عظمة هذا القرآن، وقوة هذا القرآن، وقلوبهم أضعف، ما تقاوم هذه القوة والثقل الذي في القرآن، فيحصل لهم ما يحصل لعدم التوازن.

طيب، هل قلوبنا قوية مثل قلوب الصحابة؟ أو ضعيفة مثل قلوب التابعين؟ الإشكال أن عندنا من الجهتين: لا نستحضر عظمة القرآن، وقوة القرآن، ويقرأ علينا كأنه ليس بقرآن، ونسمع القرآن كما نسمع الجرائد والأخبار، هذه مشكلة، ما نتأثر، هذه مشكلة، وإلا فقلوبنا أضعف من الضعيفة، لكن عدم تصورنا لثقل القرآن، وعظمة القرآن هو الذي يجعلنا لا نتأثر، وإلا فيوجد بيننا أناس إذا سمعوا القرآن بكوا من خشية الله، موجود، ولله الحمد، لكن عموم الناس وغوغاؤهم وكثير من الذين فتنوا بالدنيا وغفلوا عن الآخرة يسمعون القرآن ولا يؤثر فيهم، لا لقوة في قلوبهم، وإنما هي لغفلة، وعدم تصور لعظمة القرآن.

يبقى أن زرارة -رحمه الله- أول مرة يسمع الآية؟ لماذا ما مات من أول مرة؟ هذا يؤكد لنا أن الإيمان يزيد وينقص، كما هو قول سلف الأمة وأئمتها، هو في هذه اللحظة بلغ عنده الإيمان إلى حد يحصل منه هذا التأثر، والإنسان يمرّ به أحيانًا يقرأ آية فيبكي واليوم التالي يقرؤها مرارًا فلا يبكي، أو يسمعها فيبكي، ويسمعها مرة ثانية ولا يبكي؛ لأن الإيمان يزيد وينقص، يزيد وينقص.

يسأل بعضهم أن الذي يسمع القرآن من زيد من الناس من فلان، ويتأثر ويبكي، ويسمعه من فلان ولا يتأثر، فهل المؤثِّر القرآن في هذه الحالة أو الصوت؟

ماذا؟

الصوت بمفرده؟ يعني لو قرأ هذا القارئ المؤثر حديثًا نبويًّا يبكي الذي بكى من سماع القرآن؟ لا، المؤثِّر القرآن المؤدى بهذا الصوت، ليس الصوت هو المؤثر، ولذلك هذا الصوت لو قُرئ به غير القرآن ما تأثر السامع، فالمؤثِّر هو القرآن المؤدَّى بهذا الصوت.

"عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «إن الله»" "قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسَها»".

ويروى أنفسُها، فأما أن يكون حدثت أنفسَها، فالشخص هو الذي حدّث نفسه.

هذا السائل يقول: هل أسماء الكتب والتراجم في صحيح مسلم من فعل الإمام مسلم أم أن الإمام لم يضع في الصحيح سوى الحديث فقط؟ المشاهد في الشروح أنها تختلف في تراجمها، وكل شارح يضع ترجمة من تلقاء نفسه، وهذا يوافق المشهور المتداول عند أهل العلم أن مسلمًا لم يضع في كتابه إلا الحديث، ولم يضع فيه تراجم ولا كتبًا ولا أبوابًا، ومنهم من يقول: إن مسلمًا ذكر الكتب، الكتب مبوبة، ومرتبة على الأبواب، ما فيها إشكال، لكن هذه الكتب كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب العلم، كتاب كذا، هل هي من وضع مسلم، أو ممن دونه؟ الكتب كثير من أهل العلم يقول: إن مسلمًا وُجِد منه نسخ مكتوب فيها الكتب، وتراجم الأبواب باب كذا، باب كذا ليست من مسلم، وإنما هي من الشرّاح، مما رجح به صحيح مسلم عند المغاربة على صحيح البخاري أنه مجرد من كل شيء سوى الحديث، فلم يكن فيه إلا الحديث السرد.

 القاضي عياض يقول: إنه وقف على نسخة صحيحة عتيقة مترجمة، ما معنى مترجمة؟ إلى لغة أخرى؟ لا، يعني فيها التراجم الأبواب والكتب كما في صحيح البخاري.

يقول عندنا في الكتاب صفحة واحد وعشرين يقول: ولكنه لم يذكر تراجم الأبواب فيه؛ لئلا يزداد بها حجم الكتاب أو لغير ذلك، قلت، يقول النووي: وقد ترجم جماعة أبوابه بتراجم بعضها جيد، وبعضها ليس بجيد، إما لقصور في عبارة الترجمة، وإما لركاكة لفظها، وإما لغير ذلك، يقول: وأنا إن شاء الله أحرص على التعبير عنها بعبارات تليق بها في مواطنها، وفي إكمال المعلِم لمن؟ القاضي عياض، والمعلِم؟ المعلِم للمازري، وإكماله للقاضي عياض، وإكمال إكمال المعلِم للأُبي، ومكمل إكمال المعلم للسنوسي، وكلها مطبوعة ومتداولة.

يقول في إكمال المعلم القاضي عياض، يقول: وبذلك بطل قول من ادّعى أن مسلمًا لم يبوِّب كتابه، وبذلك بطل قول من ادّعى أن مسلمًا لم يبوب كتابه، يعني لم يذكر فيه أبواب؛ لأن القاضي عياض يقول: وقفتُ على نسخة صحيحة عتيقة مبوبة، وعلى كل حال سواء كانت هذه التراجم من الإمام مسلم أو من غيره فلا شك أن الترجمة مفيدة؛ لأن فيه خلاصة الحكم على الحديث. وطالب العلم يقارن بين هذه التراجم والتي ذكرت في هذه الشروح.

 والله أعلم.

 وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.